كان فخر الدولة علي بن ركن (من ملوك بني بويه) يقول: جمعت لولدي ما يكفيهم، ويكفي عسكرهم خمس عشرة سنة، وتوفي في قلعة بالري، وكانت مفاتيح خزائنها مع ولده، ولم يحضر، فلم يوجد له كفن، فابتيع من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب خلف فيه، واختلف الجند فاشتغلوا عنه حتى أراح، فلم يمكنهم القرب منه، فشد بالحبال، جر على درج القلعة من بعد حتى تقطع، وكان قد ترك ألفي ألف دينار، وثمانمائة وخمسة وستين ألفًا، وكان في خزائنه من الجوهر والياقوت واللؤلؤ والبلخش والماس أربعة عشر ألفًا وخمسمائة قطعة قيمتها ألف ألف دينار، ومن أواني الفضة ما وزنه ثلاث ألاف ألف، ومن الأثاث ثلاثة آلاف حمل، ومن السلام ألف حمل، ومن الفرش ألفان وخمسمائة حمل (١).
سبحان الله العظيم في تدبيره وفي تصريفه .. ملك يملك تلك الأموال، ولا يجد له كفن فيكفن بقيمة ما ابتيع من قيم الجامع.
ملك الأموال والفرش والدور والقصور ولم يوجد له كفن يكفن فيه ..؟ !
حالي مع الدهر في تقلبه كطائر ضم رجليه شرك
همته في فكاك مهجته يروم تخليصها فتشتبك (٢)
_________________
(١) شذرات الذهب: ٣/ ١٢٤.
(٢) السير: ١٩/ ٥١٧.
[ ٣٤ ]
قال أبو الدرداء: من لم يكن غنيًا عن الدنيا فلا دنيا له (١).
وقال الحسن -﵀- يصف الدنيا: نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن، ذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زادًا منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار (٢).
يا من تمتع بالدنيا وبهجتها ولا تنام عن اللذات عيناه
أفنيت عمرك فيما لست تدركه تقول لله ماذا حين تلقاه (٣)
وحال المؤمن في هذه الدنيا حال عسيرة .. فهو في جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ﷿ (٤).