فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها (٥)
قال ابن مسعود: ما أحد أصبح في الدنيا إلا وهو ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة.
وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد
_________________
(١) حلية الأولياء: ١/ ٢١٠.
(٢) جامع العلوم والحكم: ٣٦٠.
(٣) الزهد للبيهقي ٢٨٢.
(٤) جامع العلوم والحكم: ٢٦٩.
(٥) شذرات الذهب: ٢/ ١٠.
[ ٣٥ ]
منازل تطوى والمسافر قاعد
وأعجب شيء لو تأملت أنها
نداء أخي الكريم من أبي حازم سلمة بن دينار: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير (١).
فإن يوم القيامة يوم الجزاء والحساب .. هناك عندما تشرق شمس الآخرة حساب بلا عمل، وهنا حيث شمس الدنيا عمل بلا حساب .. فلنكثر من العمل قبل انقطاعه ونستفيد من الأمر قبل انقضائه .. ونستعد للحساب قبل سؤاله.
إنما الدنيا وإن سرت قليل من قليل
ليس تعدو أن تبدي لك في زي جميل
ثم ترميك من المأ من بالخطب الجليل
إنما العيش جوار الله في ظل ظليل (٢)
وحال السلف في هذه الدنيا خير حال .. فلم ينظروا إلى زخرفها ومتعها ودورها وقصورها .. فهذا عمر بن الخطاب يعتلي المنبر، ويخطب في الناس، وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة.
الخليفة الثاني هذا هو على المنبر .. لو تمزق ثوب أحدنا لما ذهب إلى المسجد وتخلف عن صلاة الجماعة .. بل الكثير يترك
_________________
(١) حلية الأولياء: ٣/ ٢٤٢.
(٢) حلية الأولياء: ١٠/ ٢١٧.
[ ٣٦ ]
صلاة الجماعة لأوهى الأعذار ..
ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه: اعبروها ولا تعمروها، وروي أنه قال: من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا (١).
لنسير مع مسروق بن الأجدع وقد أخذ بيد ابن أخ له فارتقى به على كناسة بالكوفة فقال: ألا أريك الدنيا، هذه الدنيا، أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم (٢).
وقال الحسن يصف حال الأخيار والصالحين: رحم الله أقوامًا كانت الدنيا عندهم وديعة، فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافًا (٣).
وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت أقلب كفي أثرة متندمًا (٤)
أخي الحبيب: هذه الدنيا التي نحب؟ ما نهايتها؟ وهذه الأموال التي نجمع أين مصيرها؟
كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام، والسلام.