الناس ضربان: خاص، وعام.
فالخاص: من قد تخصص من العارف بالحقائق دون التقليدات ومن الأعمال بما يتبلغ به إلى جنة المأوى، دون ما يقتصر به على الحياة الدنيا.
والعام: إذا اعتبر بذلك فالذين يرضون من العارف بالتقليدات، ومن أكثر الأعمال بما يؤدي إلى منفعة دنيوية.
وإذا اعتبرنا بأمور الدنيا: فالخاص: من يتخصص من البلد بما ينخرم بافتقاده إحدى السياسات المدنية، والعام: من لا ينخرم بافتقاده شيء منها.
وهم من وجه آخر ثلاثة: خاصة، وعامة، وأوسطهم المسمَّون في كلام العرب بالسوقة.
فالخاص: هو الذي يسوس ولا يساس، والعام: الذي يساس ولا يسوس، والوسط: الذي يسوسه من فوقه، وهو يسوس من دونه.
ومن جهة أخرى ثلاثة أضرب: أصحاب الشهوات: وهمهم الجدة واليسار والأكل والشرب والبِغال. وأصحاب الكرامة والرياسة: وهمهم المدح واجتلاب المحمدة والصيت.
وأصحاب الحكمة: وكل واحد منهم يستعظم من هو من جنسه، ولهذا
احتاج السلطان أن يتخصص بكل ذلك ويستبد به ليكون معظمًا، عند كل ضرب من الناس، فيعظمه أصحاب الحكمة لحكمته، وأصحاب الكرامة لكرامته، والرياسة لرئاسته، وأصحاب الشهوات لماله وكثرة قيناته.
ومن وجه آخر ثلاثة أضرب: ملكي، وشيطاني، وإنسي.
فالملكي: الذي يستعمل القوة العاقلة بقدر جهده وهم المؤمنون حقًّا، والشيطاني: هو الذي يستعمل القوة الشهوية من غير تلفت إلى مقتضى العقل، والإنسي: الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهم المذكورون في قوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)
[ ١٢٨ ]
وهم المؤمن والفاسق والكافر، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) .
ومن وجه آخر: مصطفي، ومسترذل.
والمصطفي: الأبرار، وهم ثلاثة أضرب: ظالم ومقتصد وسابق. وهم
المذكورون فى قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وهم أيضًا - أعني الأبرار - ثلاثة أضرب: أنبياء: للمشاهدة والهداية لقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) .
وحكماء: وهم الأولياء للمراقبة والرعاية لقوله تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) .
وعوام: للمجاهدة والكفاية وهم المذكورون في قوله تعالى: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) .
وهم أيضًا ضربان: عبد بالطبع، وإن كان ملكًا، وملك بالطبع، وإن كان عبدًا مسترقًا، والملك من فضل بالفضائل النفسية التي بها يصير الإنسان بحيث يصح أن يوصف بأنه ربَّاني وإلهي وملكي، ويصلح أن يكون خليفة الله في أرضه.
والعبد من قال النبي - ﷺ - فيه: " تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس فلا انتقش، وإذا شيك فلا انتقش ".
[ ١٢٩ ]
وقال بعض الحكماء: ما من إنسان إلا وفيه خلق من أخلاق بعض الحيوانات وبعض النبات، ليكون الإنسان مشاركًا لها في الجنسية، وإن كان مباينًا لهما في النوعية، فمن الناس غشوم كالأسد، وعابث كالذئب، وخب كالثعلب، وشره كالخنزير، وخاضع كالكلب، وجامع كالنمل، ووقح كالذباب، وبليد كالحمار، وألوف كطير الوفا، وصنع كالسرقة، وأنف كالأسد والنمر، وغيور كالديك، وهادل كالحمام.
ومنهم حسن المنظر والخبر كالأترج، ومنهم بخلاف ذلك كالعفص والبلوط، ومنهم قبيح المنظر وحسن المخبر كالجوز واللوز، ومنهم حسن المنظر قبيح الخبر كالحنظل والدفلى.
والمؤمن الخير هو فىِ الحيوانات كالنحل يأخذ أطياب الأشجار فلا يقطف ثمرًا، ولا يكسر شجرًا، ولا يؤذي بشرًا. ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه، ويحلو طعمه، ويطيب ريحه، وفي الأشجار هو كالأترج يطيب حملًا، ونورًا، وعودًا، وورقًا، ورائحة وطعما.
والمنافق والشرير هو في الحيوانات كالقمل والأرضة، وفي الأشجار كالكشوت، مثل الكشوت فلا أصل ولا ورق، ولا نسيم ولا ظل ولا زهر، يفسد الثمار، وييبس الأشجار، وكالثمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها.
[ ١٣٠ ]