الإيمان: هو الإذعان للحق على سبيل التصديق له باليقين؛ ولهذا وصف اللَّه تعالى العلم والإيمان بوصف واحد فقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)
ووجل القلب: هو الخشية للحق على سبيل التصديق له باليقين.
هذا هو أصل الإيمان لكن صار اسمًا لشريعة نبينا محمد - ﷺ - كالإسلام، وصح أن يطلق على من يظهر ذلك وإن
لم يتخصص به اعتقادًا عن يقين أو ثلج صدر، كاليهودي في أن أصله منسوب إلى يهود، والنصراني في أن أصله المنسوب إلى نصران، وهي قرية، ثم صارا اسمين للمتخصصين بالشريعتين.
على أن اشتقاق الإيمان لا يمنع أن يطلق على من يظهره، فإن المؤمن هو من صار ذا أمن، وبإظهار الشهادتين يأمن الإنسان من أن يراق دمه، أو يباح ماله في الحكم،
ولهذا قال - ﷺ -: " من قال: لا إله إلا اللَّه فقد عصم منَّا دمه وماله إلا بحق "،
وروي: " شهادة أن لا إله إلا اللَّه كلمة جعلها اللَّه بيننا فمن قالها من قلبه فهو مؤمن،
[ ١٥٩ ]
ومن قالها بلسانه ولم تكن في قلبه كان له ما لنا وعليه ما علينا وحسابه على اللَّه "
وذلك أنه لا يطلع على القلوب إلا الخالق تعالى.
والشريعة: واردة بأن يطلق اسم الإيمان على من يظهر ذلك من نفسه من غير فحص عن قلبه، فلا يتحاشى من إطلاق ذلك عليه ما لم يظهر منه ما ينافي الإيمان، بخلاف ما ادعاه بعض المعتزلة فإنه لا يصح إطلاق اسم المؤمن على الإنسان ما لم يختبر في الأصول الخمسة، ويوقف منه على حقيقة ما عنده.
والإسلام: هو الاستسلام لما يدعو إليه الشرع من فعل ما يقتضي فعله.
والملة: القود إلى الطاعة. والدين: الانقياد له، وهما بالذات واحد، لكن الدين هو الطاعة فيقال: اعتبار بفعل المدعو في انقياده إلى الطاعة، والملة: من أمللت الكتاب، فيقال اعتبارًا: بفعل الداعي إليها والشارع لها، ولكونها بالذات واحدًا قال تعالى: (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)
فأبدل الملة من الدين.
والدين أعم من الإسلام، إذ هو يستعمل في الحق والباطل، والإسلام لا يستعمل إلا في الحق، فلهذا قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)
وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) .
والإحسان: تحري الحسنى في الإيمان والإسلام، ولهذا قال - ﷺ - لما قيل له: ما الإحسان، فقال: " أن تعبد اللَّه كأنك تراه ".
والتقوى: جعل النفس وقاية من سخط اللَّه تعالى، وذلك بقمع الهوى.
والبر: السعة في علم الحق وفعل الخير، (وهو) مشتق من البر أي: السعة في
الأرض، وهو المعبر عنه بانشراح الصدر واطمئنان القلب، وقال النبي - ﷺ -: " البر ما سكنت إليه نفسك واطمأن إليه قلبك، والإثم ما حاك في نفسك، وتردد في صدرك "
[ ١٦٠ ]
وقال: " البر طمأنينة والشر ريبة ".
ومن البر الجود، ولذلك جعل الجود من الإيمان، قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .
والإخلاص: أن يقصد الإنسان فيما يفعله وجه اللَّه تعالى، متعريًا عن الالتفات إلى غيره، ولذلك قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)
ولقلة وجود ذلك، قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) .
ولما كان الإيمان يقال باعتبار العلم وهو متعلق بالقلب، والإسلام بفعل
الجوارح، والتقوى بقمع الهوى، قال - ﷺ -: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب، والتقوى هاهنا "، وأشار إلى صدره.
ولما كان الصدر مقر قوى الإنسان من الفكرة والشهوة والغضب، قال - ﷺ -: " لا يستقيم إيمان عبد حتى يسقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يسقيم لسانه ".
وقال: " الإيمان قائد والعقل سائق، والنفس حرون، فإن أبى قائدها لم تسقم
لسائقها، وإن أبى سائقها لم تطع قائدها ".
ولما كان الإيمان والإسلام والتقوى متلازمة قال في الجنة: (أُعِدَّت لِلمُتَّقِينَ) .
وقال في موضع آخر: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) .
وقال: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) .
[ ١٦١ ]