للإنسان في منازل الفضائل مرتقى صعب ومنحدر سهل، وعلى الارتقاء فيها حث ربنا ﵎ بقوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
وبقوله: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)
ومدح قومًا بقوله: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)
وعن الانحدار منها نهى بقوله تعالى: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)
وبقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ)
وذم قومًا شأنهم ذلك بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)
وبقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)
وبقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا)
فإن الآية تقتضي هذا المعنى وإن كان ظاهرها يدل على الجهل
[ ١٢٤ ]
الذي يورثه الهرم.
فالخيرات يترقى فيها فيبلغ إلى أشرف المنازل بأربع درجات، وينحدر عنها فيبلغ إلى أرذل المنازل بأربع درجات.
فأما درجات الارتقاء:
فأولاها: أن يرتدع الإنسان عن المآثم ويهجرها، ويندم عليها، ويعزم على ترك معاودتها، وذلك أول درجة التائبين المطعين لله ورسوله.
وثانيها: أن يقوم بالعبادات الموظفة عليه، ويسارع فيها بقدر وسعه، وذلك درجة الصالحين.
وثالثها: أن يتحرى بعلمه الحقيقي تعاطي الحسنات من غير تلفتٍ منه إلى المحظورات بمجاهدة هواه، وإماتة شهواته، وذلك منزلة الشهداء.
ورابعها: أن يكون مع هذه الأحوال المتقدمة يرضى ظاهرًا وباطنًا بقضاء اللَّه وقدره فلا يتزعزع تحت حكمه، ولا يتسخط شيئًا من أمره، ويعلم أن اللًه تعالى أولى به من نفسه، وذلك درجة الصديقين.
وهذه المنازل الأربع هي المراد بقوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) .
وأجدر أن تكون هذه المنازل الأربع هي المأمور بها فىِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .
واعلم أن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة، فمن رضي عن اللَّه فقد رضي اللَّه
عنه " لقولى تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)
فجعل أحد الرضائين مقرونًا بالآخر، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودة الملأ الأعلى، وحظى بتحيتهم المعنية بقوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) .
[ ١٢٥ ]
وأما درجات الانحدار والارتداد عنها:
فأولاها: الكسل عن تحري الخيرات، ويورثه ذلك الزيغ المعني بقوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .
وثانيها: الغباوة: وهي ترك النظر، وبغض العمل، فيورثه ذلك رينًا على قلبه، وهو المعني بقوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) .
وثالثها: الوقاحة وهي أن يرتكب الباطل ويراه في صورة الحق ويذب عنه،
فيورثه ذلك قساوة القلب، كما قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) .
ورابعها: الانهماك في الباطل وهو أن يستحسنه فيحبه، ويُحسِّنه ويحببه إلى غيره فيورثه ذلك ختمًا على قلبه، وإقفالًا عليه.
كما قال تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)
وقال: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) .
فالكسل سبب الغباوة، والغباوة سبب الوقاحة، والوقاحة سبب الانهماك في الباطل، كما أن الزيغ يوجب الرين، والرين يوجب القساوة، والقساوة توجب الختم والإقفال.
فحق الإنسان أن يراعي نفسه في الابتداء، ولا يترخص في ارتكاب الصغائر فيؤديه ذلك إلى ارتكاب الكبائر.
كما قيل:
إن الأمور دقيقها مما يهيج به العظيم
وقد قال اللَّه تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)
فدل أن قعودهم أول مرة أدى بهم إلى أن صار محكومَا عليهم أنه لا يتأتى منهم الخروج معه - ﷺ - بوجه.
[ ١٢٦ ]