الحياء: انقباض النفس عن القبائح، وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان، وجعله اللَّه تعالى في الإنسان ليرتدع به، عما تنزعه إليه الشهوة من القبائح فلا يكون كالبهيمة.
وهو مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا ولا الفاسق
مستحيًا لتنافي اجتماع العفة والفسق، وقل ما يكون الشجاع مستحييًا والمستحي شجاعًا لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة، ولعزة وجود ذلك تجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة، والمدح بالحياء نحو قول الشاعر:
يجري الحياء الغض من قسماتهم في حين يجري من أكفهم الدم
وقال آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ويدنو وأطراف الرماح دواني
ومتى قصد به الانقباض فمدح للصبيان دون المشايخ، ومتى قصد به ترك القبيح فمدح لكل أحد، وبالاعتبار الأول قيل: الحياء الأفاضل قبيح.
ومن هذا الوجه قيل: خزي يخزى خزيًا في الهوان، وخزي خزاية في الاستحياء فجعلا من منبع واحد،
وبالاعتبار الثاني قيل: " إن اللَّه يستحي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه "، أي: يترك تعذيبه.
وأما الخجل: فحيرة النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان، ويذم باتفاق من الرجال.
والوقاحة: مذمومة بكل لسان، إذ هي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها لجاجة النفس في تعاطي القبيح واشتقاقه من حافر وقاح، أي: صلب " ولهذه المناسبة قال الشاعر:
[ ٢٠٧ ]
ياليت لي من جلد وجهك رقعة فأقد منها حافرًا للأشهب
وما أصدق قول الشاعر:
صلابة الوجه لم تغلب على أحد إلا تكمل فيه الشر واجتمعا
فأما مداواة اكتساب الحياء فحق الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه؛ ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال، ولا من الذين لا يميزون، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد.
والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة:
البشر: وهم أكثر من يستحي منه، ثم نفسه، ثم اللَّه - ﷿ -، ومن استحيا من الناس ولم يستحِ من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره،
ومن استحيا منهما ولم يستحِ من اللَّه فلعدم معرفته بالله - ﷿ -، فإن الإنسان يستحي ممن يعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع نجواه فيبكته، ومن لا يعرف اللَّه فكيف يستعظمه، وكيف يعلم أنه مطلع عليه.
وقول النبي - ﷺ -: (استحيوا من اللَّه حق الحياء " في
ضمنه حث على معرفته، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)
تنبيهًا على أن العبد إذا علم أن اللَّه يراه استحيا من ارتكاب الذنب، وقد سئل الجنيد - ﵀ - عما يتولد منه الحياء من اللَّه تعالى، فقال: رؤية العبد آلاء الله عليه، ورؤية تقصيره في شكره،
فإن قيل: كيف قال النبي - ﷺ -: " من لا حياء له فلا إيمان له "،؛ قيل: الحياء أول ما يظهر في الإنسان من أمارة العقل، والإيمان آخر مرتبة العقل، ومحال حصول آخر مرتبة العقل لمن لم يحصل له الرتبة الأولى فبالواجب إذا كان من لا حياء له فلا إيمان له.
وقال ﵊: " الحياء شعبة من الإيمان "، وقال: " الإيمان عريان
[ ٢٠٨ ]
ولباسه التقوى وزينته الحياء "