الشكر هو: تصور المنعم عليه النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب عن الكشر وهو الكشف، ويضاده الكفر وهو من كفر الشيء، أي: تغطته ومنه دابة شكور، أي: مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل: أصله من عين شكري، أي: ممتلئة
فالشكر هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، ومن هذا الوجه قيل: هو أبلغ من الحمد؛ لأن الحمد، لا يقتضي الامتلاء، ومن وجه ذكر الشيء بصفاته المحمودة والشكر ذكره بصفاته وبنعمه.
فالشكر على ثلاثة أضرب: شكر بالقلب: وهو تصور النعمة،
وشكر باللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأته بقدر استحقاقه، وهو أيضًا باعتبار الشاكر، والمشكور ثلاثة أضرب: شكر الإنسان لمن فوقه وهو بالخدمة والثناء والدعاء، وشكره لنظيره وهو بالمكافأة، وشكره لمن هو دونه وهو بالثواب، وقد وصف اللَّه تعالى نفسه بالشكر لصالحي عباده، وشكر العبد لربه هو معرفة نعمته وحفظ جوارحه بمنعها عن استعمال ما لا ينبغي، ومعناه بالفارسية أسبياس دارم خداي را، أي: أنا حارس له على جوارحي، وشكر المنعم في الجملة واجب
بالعقل كما هو واجب بالشرع، وأوجبها شكر الباري تعالى، ثم شكر من جعله سببًا لوصول خير إليك على يده، ولهذا قال ﵊: " لا يشكر اللَّه من لم يشكر الناس "، وقال ﵊: " اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على
[ ١٩٨ ]
من شكرك، فإنه لا زوال لنعمة إذا شكرت، ولا دوام لها إذا كفرت " (١) وقال بعض أهل العلم: كل نعمة يمكن شكرها إلَّا نعمة الله تعالى فإن شكر نعمته نعمة منه، فيحتاج العبد أن يشكر الثاني كشكره الأول، وكذلك الحال في الثالث والرابع، وهذا يؤدي إلى ما لا يتناهى، ولذلك قال موسى - ﷺ -: " اللهم أمرتني بالشكر على
نعمتك، وشكري إيَّاك نعمة من نعمك " ومن هذا أخذ الشاعر فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمرُ
ولهذا قيل: غاية شكر اللَّه تعالى الاعتراف بالعجز عنه، بل قد قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) وأيضًا فكل ما يفعل الله بعبده فهو منه
نعمة وإن كان قد يعد ذلك بلية، ولذلك قال بعض الصالحين: يا من منعه عطاء وبلاؤه نعماء؛ ولأجل صعوبة شكره قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)
ولم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين منهم، قال في إبراهيم: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ)
فخص اللَّه تعالى لفظ الأنعم الدال على أدنى العدد، وقال في نوح:
(إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) .
واعلم أن الشكر والصبر جماع الإيمان، كما روي في الخبر، وقد روي: " الصبر نصف الإيمان ".
لكن قد قال بعض المتصوفة: الشكر أفضل من الصبر، فإن الصبر
حبس النفس على مسالمة البلاء، والشكر أن لا تلتفت إلى البلاء، بل يراه من النعماء، فمن صبر فقد ترك إظهار الجزع، ومن شكر فقد تجاوز إلى إظهار السرور بما جزع له الصابر، وأيضًا فالصبر هو ترك للعمل السئ، والشكر إظهار الفعل الحسن، وليس من ترك قبيحًا كمن فعل حسنًا وجميلًا، وقابل تعالى الشكر بالمجازاة، فعل الحبيب بحبيبه، فقال تعالى: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)
وقابل الصبر
_________________
(١) هذا بلفظه ليس بحديث، وهي عبارة أوردها ابن المقفع في الأدب الكبير (٤٩) نقلا عن التوراة. انظر محمد يوسف موسى فلسفة الأخلاق (٣١) . وقد روى أحمد في مسنده: (التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر " مسند أحمد (٤ / ٢٧٨) .
[ ١٩٩ ]
بالأجر؛ فعل المستأجر بأجيره، فقال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)
وأين الأجر وإن كثر حتى صار بغير حساب من الجزاء، ثم قال في الصبر:
(يُوَفَّى)، فلم يسم فاعله، وقال في الشكر: «وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)،
(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
فانظر إلى هذا اللطف في المقال قبل الانتهاء إلى الفعال ولم يذكر من أنبيائه بالشكر إلا اثنين كما تقدم ووصف جماعتهم
بالصبر فقال: (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)
وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)
فجعل الصبر مبدأ والشكر منتهى؛ ولأن الصبر محمول عليه
قهرًا والشكر مؤدى تطوعًا.