من شأن العقل أن يرى ويختار أبدًا الأفضل والأصلح في العواقب، وإن كان على النفس في المبدأ مؤنة ومشقة، والهوى على الضد من ذلك فإنه يؤثر ما يدفع به المؤذي في الوقت، وإن كان يعقب مضرة من غير نظر منه في العواقب كالصبىِ الرمد الذي يؤثر أكل الحلاوات واللعب في الشمس على أكل الإهليلج والحجامة، ولهذا قال
النبي - ﷺ -: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".
وأيضًا فإن العقل يري صاحبه ما له وما عليه، والهوى يري صاحبه ما له دون
ما عليه ويعمي عليه ما يعقبه من المكروه، ولهذا قال ﵊: " حبُّك الشيء يعمي ويصم "
ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدًا في الأشياء التي هي له
لا عليه، ويظن أنه هوى لا عقل، ويلزمه أن يستقصىِ النظر فيه قبل إمضاء العزيمة، وحتى قيل: إذا عرض لك أمران فلم تدر أيَّهما أصوب فعليك بما تكرهه لا بما تهواه. فأكثر الخير في الكراهية، قال اللَّه تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)
وقال تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) .
وأيضًا فإن ما يرى العقل يتقوى إذا فزع فيه إلى اللَّه تعالى بالاستخارة، وتساعد عليه العقول الصحيحة إذا فزع إليها بالاستشارة، وينشرح له الصدر إذا استعين فيه
[ ٩٢ ]
بالعبادة. وما يشير به الهوى فبالضد من ذلك.
وأيضًا فالعقل يرى ما يرى بحجة وعذر، والهوى يرى ما يرى بشهوة وميل.
وربما تشبَّه الهوى بالعقل فيتعلق بشهوة مزخرفة ومعذرة مموهة كالعاشق إذا سئل عن عشقه، والمتناول لطعام رديء إذا سئل عن فعله.
قال بعض العلماء: إذا مال العقل نحو مؤلم جميل والهوى نحو ملذ قبيح فتنازعا
بحسب غرضيهما وتحاكما إلى القوة المدبرة بادر نور اللَّه تعالى إلى نُصرة العقل
ووساوس الشيطان إلى نُصرة الهوى كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) .
فمتى كانت القوة المدبرة من أولياء الشيطان ومحبيه لم تر نور الحق فعميت عن نفع الأجل، واغترت بلذة العاجل، فجنحت إلى الهوى، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) .
ومتى كانت من حزب اللَّه وأوليائه اهتدت بنوره، فاستهانت بلذة العاجل، وطلبت سعادة الآجل كما قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) .
ومما نبَّه به على فساد الهوى قوله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)
أي لو أعطي كل إنسان ما يهوى - مع أن كل واحد يهوى أن يكون أغنى الناس وأعلاهم منزلة، وأن ينال في الدنيا الخير الأبدي بلا مزاولة (ولا يعلم أنه أعطى ذلك) لكان فيه فساد العالم بأسره.
وقيل في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)
ضرب الشجرة الطيبة مثلًا للعقل، والخبيثة مثلًا للهوى،
[ ٩٣ ]
ففرع الطيبة النور والإسلام، وفرع الخبيثة الكفر والضلال. فإن قيل: ما الفرق بين الشهوة والهوى، قيل: الشهوة ضربان: محمودة ومذمومة.
فالمحمودة من فعل اللَّه سبحانه، وهي قوة جعلت في الإنسان لتنبعث بها النفس لنيل ما يظن فيه صلاح البدن.
المذمومة من فعل البشر وهي استجابة النفس لما فيه لذتها البدنية، والهوى هو هذه الشهوة الغالبة إذا استتبعت الفكرة، وذلك أن الفكرة بين العقل والشهوة، فالعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت وضيعة وولدت المقابح.
والنفس قد تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة، ولهذا قد يسمى الهوى إرادة.