أما مكارم الشريعة فمبدؤها طهارة النفس باستعمال التعلم، واستعمال العفة
والصبر والعدالة، ونهايتها التخصص بالحكمة والجود والحلم والإحسان. فبالتعلم
[ ٨٤ ]
يتوصل إلى الحكمة، وباستعمال العفة يتوصل إلى الجود، وباستعمال الصبر تدرك الشجاعة والحلم، وباستعمال العدالة تصحح الأفعال.
ومن حصل له ذلك فقد تذرع الكرمة المعنية بقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
وصلح لخلافة اللَّه (تعالى)، صار من الربانيين والشهداء والصديقين.
واعلم أن العبادة أعم من المكرمة، فإن كل مكرمة عبادة، وليس كل عبادة
مكرمة، ومن الفرق بينهما أن للعبادات فرائض معلومة وحدودًا مرسومة، وتاركها يصير ظالمًا متعديًا، والمكارم بخلافها، ولن يستكمل الإنسان مكارم الشرع ما لم يقم بوظائف العبادات، فتحري العبادات من باب العدل، وتحري المكارم من باب الفضل والنفل، ولا يقبل تنفل من أهمل الفرض، ولا تفضل من ترك العدل، (بل لا يصح تعاطي الفضل إلا بعد العدل)، فإن العدل فعل ما يحب، والتفضل الزيادة على ما يحب، وكيف يصح تصور الزيادة على شيء هو غير حاصل في ذاته؛ ولهذا قيل: لا يستطع الوصول من ضيع الأصول.
فمن شغله الفرض عن الفضل فمعذور، ومن شغله الفضل عن الفرض فمغرور، وقد أشار تعالى بالعدل إلى الأحكام، وبالإحسان إلى المكارم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
ففعل الخير هو الزيادة على العبادة.
وأما عمارة الأرض فالقيام بما فيه تزجية لحياة الناس وصلاح معاشهم، والإنسان الواحد من حيث إنه لم يكف أمر معاشه بانفراده في مأكله وملبسه ومسكنه، ولم يكن له سبيل إلى ثباته في الدنيا إلا بما يسد جوعته، ويستر عورته، ويقيه من الحر والبرد،
[ ٨٥ ]
لم يكن له بد من تحصيل ذلك من الوجه المباح له؛ ولذلك قال تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)
، ومتى كان سعي العبد في ذلك على الوجه الذي يجب وكما يجب يكون سعيه عبادة وجهادًا في سبيل اللَّه، كما قال - ﷺ -: " من طلب الرزق على ما يسن فهو في جهاد، ومن لم يكن على
ذلك فسعيه هباء منثور "، كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) .
وكان فيما يتولاه خادمًا للناس، مسخرا بلا إرادة منه لخدمتهم، حتى كأنه من جملة البهائم التي سخرها اللَّه تعالى لعباده، وامتن عليهم بها في قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) .