قد استهان قوم بذلك، وقالوا: كفى بالمرء أن يكون صحيح البدن بريئا من
الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل العقلية، وليس كذلك، فالبدن للنفس بمنزلة الآلة للصانع، والسفينة للربان، اللتين بهما صار صانعًا وربانًا.
وجميع أجزاء البدن بالقول المجمل أربعة: العظام التي تجري للبدن مجرى الألواح للسفينة. والعصب الذي يجري له مجرى الرباط الذي تشد به الألواح. واللحم الذي يجري له مجرى الحشو للرباطات. والجلد الذي يجري مجرى الغشاء لجميعها.
[ ١١٣ ]
فإذا اعتدلت هذه الأربعة بأن يعتدل فيها الأربع القوى، وهي الجاذبة، والممسكة، والهاضمة، والدافعة سمي ذلك الصحة، ولولا صحة البدن لما حصل الانتفاع به.
وأما القوة: فهي جودة تركيب هذه الأركان الأربعة، وهي العظام والعصب واللحم والجلد، وما يتبعها. وبها يصلح البدن للسعي والتصرف في أمور الدنيا والآخرة.
وأما الجمال: فنوعان:
أحدهما: امتداد القامة الذي يكون عن اعتدال الحرارة الغريزية، بأن الحرارة إذا حصلت دفعت أجزاء الجسم إلى العلو، كالنبات إذا نجم، كلما كان أطلب للعلو في منبته كان أشرف في جنسه.
وللاعتبار بذلك استعمل في كل ما جاد في جنسه العالي
والفائق، وكثر المدح بطول القامة نحو قول القائل:
كأن زرود القبطرية علقت علائقها منه بجذع مقوم
وقول آخر:
أشيم طويل الساعدين كأنما نياط نجاد سيفه بلواء
الثاني من الجمال: أن يكون مقدودًا قوي العصب، طويل الأطراف، ممتدها، رحب الذراع، غير مثقل باللحم والشحم كما قيل:
فتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائل ولا رهلًا لباته وبآدله
ولا نعني بالجمال هاهنا ما يتعلق به شهوات الرجال والنساء، فذلك أنوثية، وإنما يعني به الهيئة التي لا تنبو الطباع عن النظر إليها، وهو أدل شيء على فضيلة النفس، لأن نورها إذا أشرق تأدى إلى البدن إشراقها.
وكل شخص فله حكمان:
أحدهما: من قبل جسمه وهو منظره، والآخر: من قبل
نفسه وهو مخبره، فكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فزع أصحاب الفراسة في معرفة أحوال النفس أولًا إلى الهيئات البدنية حتى قال بعض الحكماء: قَلَّ صورة حسنة يتبعها نفس رديئة، فنقش الخواتيم مقروء من الطين، وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس.
وليس في الأرض قبيح إلا ووجهه أحسن ما فيه، وقال - ﷺ - " اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه "، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -: " إذا بعثتم رسولًا فاطلبوا
[ ١١٤ ]
حسن الوجه، حسن الاسم ".
فالوجه والعين يظهر فيهما آثار النفس كالمرآة يستدل بها عليها، ولذلك يظهر فيهما أثر سرور النفس وحزنها، ورضاها وسخطها، ولذلك عبر بالوجه عن الجملة، وعن رئيس القوم، فقيل: فلان وجه القوم وعينهم، حتى قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) .
وكون الوجه المقبول في دلالته على فضيلة النفس - وإن لم يكن حكمًا لازمًا - فهو على الأعم والأكثر.
وحكي أن المأمون استعرض جيشًا فمر به رجل قبيح الوجه، فاستنطقه فرآه ألكن، فأمر بإسقاطه، وقال: إن الروح إذا كانت ظاهرة كانت صبَّاحة، وإذا كانت باطنة كانت فصَّاحة، وأراه لا ظاهر له ولا باطن.
وكفاك من البيان في فضل كمال الجسم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)
وقال: (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً) .
وأما طول العمر: فلولاه لقل حظ الإنسان من السعادات الدنيوية التي لولاها لما نيلت السعادة الأخروية، واللَّه ولي الفضل والإحسان وعليه المعول والتكلان.