قد تقدم أن ذلك بالقول المجمل أربعة أشياء: المال، والأهل، والعز، وكرم العشيرة.
وإن هذه الأشياء نافعة في بلوغ الفضيلة الحقيقية والسعادة الأخروية، وجارية مجرى الجناح المبلغ وإن لم تكن الحاجة إليها في بلوغ ذلك ضرورية.
فأما المال: فصاحبه يتمكن من فضائل إذا فقده ثكل بلوغها، فمعلوم أن كثيرًا من القُرب كالزكاة، والحج، يثكله الفقير، فإن الفقير في تحري المكارم كساع إلى الهيجا بغير سلاح، وكباز متصيد بلا جناح، وفضله مغطى كماء تحت الأرض، ونار كامنة
في الصخر، وما أصدق ما قال الشاعر:
والمرء يرفعه الغنى والفقر منقصة وذل
[ ١١٠ ]
وقال المتنبي (في ديوانه:
فلا مجد للدنيا لمن قل ماله ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وكان النبي - ﷺ - يقول: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى "،
وقال - ﷺ -: " نعم العون على تقوى الله المال "
وأما الأهل: فنعم العون على بلوغ السعادة، فمن كثر أهله وخالصوه، صار له بهم عيون، وآذان، وأيد، وقد قال تعالى حاكيًا عن لوط - ﷺ -: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)
وقال الشاعر:
ألم تر أن جمع القوم يخشى وأن حريم واحدهم مباح
وقال - ﷺ - في نفع الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية بعد موته، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له ".
وقال - ﷺ -: " ريح الولد من رائحة الجنة "، وقال - ﷺ -: " نعم العون على الدين المرأة الصالحة "
فالمرأة مزرعة الرجل قيضها الله تعالى له ليزرع فيها زرعه، كما قال
تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)
وقال تعالى: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) .
وأما العز: فبه يتأبى عن تحمل الذل، ومن لا عز له لا يمكنه أن يذود عن حريمه، ولذلك قيل: " الدين والسلطان أخوان توأمان وقرينان مؤتلفان، ومؤديان إلى عمارة البلاد وصلاح العباد " وقيل: الدين أس والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع.
وسمى اللَّه تعالى الحجة سلطانًا لقهرها أولي البصائر، وقال
[ ١١١ ]
عزَّ اسمه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.
وأمما كرم العشيرة: فإنه يقال له: الحسب والشرف، والشرف أخص بمآثر الآباء والعشيرة، ولذلك قيل للعلوية: أشراف، ومن الناس من لا يعد شرف الأصل فضيلة، ويقول: المرء بنفسه.
واستدل بقول أمير المؤمنين - ﵁ -: " الناس أبناء ما يحسنون "
وبقوله: " قيمة كل امرئ ما يحسنه ".
وقول الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا يغنيك محموده عن النسب
وقول الحكيم: الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية.
وليس كذلك كما ظن، لأن كرم الأعمام والأخوال مخيلة لكرم المرء، ومظنة له، فالفرع وإن كان قد يفسد أحيانًا فمعلوم أن أصله يورثه الفضيلة والرذيلة، فإنه لا يكون من النخل الحنظل، ولا من الحنظل النخل، ولذلك قال الشاعر:
وما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل
وقيل:
إن السري إذا سرى فبنفسه وابن السري إذا سرى أسراهما
ويبين ذلك أن الأخلاق نتائج الأمزجة، ومزاج الأب كثيرًا ما يتأدى إلى الابن، كالألوان والخلق والصور، ومن أجل تأديها إليه، قال ﵊: " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء "، وقال - ﷺ -: " إياكم وخضراء الدمن " قيل: يا رسول اللَّه وما خضراء الدمن، قال: " المرأة الحسناء في المنبت السوء ".
وما ذكر في نحو قول أمير المؤمنين - ﵁ -: " الناس أبناء ما يحسنون " فهو حث
[ ١١٢ ]
للناس على اقتباس العلم، ونهي عن الاقتصار على مآثر الآباء، فإن المآثر الموروثة قليلة الغناء، سريعة الفناء، ما لم تضامَّها فضيلة النفس، لأن ذلك إنما يحمد لكي يوجد الفرع مثله. ومتى أخلف الفرع وتخلف فإنه يخبر بأحد شيئين: إما بتكذيب من يدعي الشرف لعنصره. وإما بتكذيبه في انتسابه إلى ذلك العنصر، وما فيهما حظ لمختار، فالمحمود أن يكون الأصل في الفضائل راسخًا، والفرع به شامخًا، كما قال الشاعر:
زانوا قديمهم بحسن حديثهم وكريم أخلاق بحسن خصال
ومن لم يجتمع له الأمران فلأن يكون المرء شريف النفس دني الأصل أولى من أن يكون دني النفس شريف الأصل، قال الشاعر:
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة من الثمرات اعتده الناس في الحطب
فما الحسب الموروث لا در دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب
ومن كان عنصره في الحقيقة سنيًّا وفي نفسه دنيًّا فذلك أتى إما من إهماله نفسه
وسومها، وإما لتعوده عادات قبيحة، وصحبة أشرار، وغير ذلك من العوارض المفسدة
للعناصر الكريمة، فليس سبب الرذيلة شيئا واحدًا.