اعلم أن مثل نفس الإنسان في بدنه كمثل والٍ في بلده، وقواه وجوارحه بمنزلة صناع وعملة، والعقل له كمشير ناصح عالم، والشهوة فيه كعبد سوء جالب للميرة،
والحمية له كصاحب شرطة، والعبد الجالب للميرة خبيث ماكر يتمثل للوالي بصورة الناصح وفي نصحه ذنب العقرب، ويعارض الوزير في تدبيره، ولا يغفل ساعة عن منازعته ومعارضته، وكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته وزيره دون هذا العبد الخبيث، وأدب صاحب شرطته وجعله مؤتمرًا لوزيره، وسلطه على هذا العبد وأتباعه
حتى يكون هذا العبد مسوسًا لا سائسًا، ومدَّبرًا لا مدبِّرًا استقام أمر بلده. فكذلك النفس أيضًا متى استعانت بالعقل في التدبير، وأدبت الحمية وسلطتها علي الشهوة وقواها
استتب أمرها وإلا فسدت، ولهذا حذرنا اللَّه تعالى غاية الحذر من اتباع الهوى فقال: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
وقال في ذم من اتبعه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)
وقال تعالى: (أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ)
وقال في مدح من عصاه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
وقال ﵊: " أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك "
إشارة إلى الهوى.
[ ٨٩ ]
والعقل وإن كان أشرف القوى وبه صار الإنسان خليفة اللَّه تعالى في العالم فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير على المريض بما يرى فيه بُرأه، فإن قبل منه المريض وإلا سكت عنه، ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في الدافعة والممانعة؛ ولهذا لا يتبين
فضيلة العقل لمن لا حمية له وبهذا النظر قيل: المهين من لا سفيه له، وقال الشاعر (النابغة):
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستأسد الحامي
وأيضًا مثل النفس في البدن مثل مجاهد بعث إلى ثغر كي يراعي أحواله، وعقله خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذ عاد إلى حضرة مولاه
وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه، وشهوته كسائس حبيث ضم إليه ليتفقد فرسه، ولا قدر لهذا السايس عند المولى، والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه، وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلًا وآجلًا كما وصفه تعالى بقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)
وبقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)
والنبي - ﷺ - رسول الله أتاه بالكتاب ليبين له ما يشكل عليه مما يقرؤه من الكتاب.
وقبيح أن ينسى هذا الوالي مولاه، ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه وينقضه، ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسائسه، ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ربه.
ومن وجه آخر الإنسان من حيث ما جعله اللَّه عالمًا صغيرًا وجعل بدنه كسمدينة والعقل كملك مدبر فيها، وقواه من الفكرة والخيال والحواس كجنده وأعوانه، والأعضاء كرعيته، والشهوة كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته، صار بدنه كرباط وثغر، ونفسه كمقيم فيه مرابط، فإن جاهد عدوه فهزمه وقهره على ما يجب وكما يجب حمد أثره إذا عاد إلى حضرته كما ضمنه تعالى حيث قال: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)
فدفاع الهوى أعظم جهاد كما قال - ﷺ -، وقد سئل: أي الجهاد أفضل فقال: " جهادك هواك ". وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره إذا عاد إليه
[ ٩٠ ]
كما قال - ﷺ -: " كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " وأن اللَّه تعالى يقول للكافر
يوم القيامة: " يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالَّة ولم تجبر الكسير، اليوم أنتقم منك ".
وأيضا مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه، وغضبه ككلبه، فمتى كان الفارس حاذقًا وفرسه مروضًا، وكلبه معلما، فهو قمين بإدراك حاجته من الصيد، ومتى كان أخرق وفرسه جموحًا أو حرونًا، وكلبه عقورًا فلا فرسه ينبعث تحته منقادًا ولا كلبه يسلس معه مطيعًا، فهو قمين أن يعطب فضلًا عن أن لا يدرك ما طلب.
وللإنسان مع هواه ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يغلبه الهوى فيملكه كما قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) .
والثانية: أن يغالبه فيقهره مرة ويُقهر مرة، وإيَّاه قصد بمدح المجاهدين، وعناه النبي - ﷺ - بقوله: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ".
والثالثة: أن يغلب هواه ككثير من الأنبياء وبعض صفوة الأولياء، وهذا المعنى قصد بقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)
وله قصد النبي - ﷺ - بقوله: " ما من أحد إلا وله شيطان وإن اللَّه تعالى أعانني عليه حتى ملكته "، فإن الشيطان يتسلط على الإنسان بحسب وجود الهوى فيه، واللَّه أعلم بالحقيقة.
[ ٩١ ]