العقل إذا أشرق في الإنسان يحصل عنه العلم والمعرفة والدراية والحكمة، وقد تقدم ذكرهن، ويحصل عنه أيضًا الذكاء، والذهن، والفهم، والفطنة، وجودة الخاطر، وجودة التوهم، والتخيل، والبديهة، والكيس، والخبر، وإصابة الظن، والفراسة، والزكانة،
[ ١٤٢ ]
والكهانة، والعرافة، والإلهام، ودقة النظر، والرأي، والتدبر، وصحة الفكر، وسرعة الذكر، وجودة الحفظ، والبلاغة والفصاحة.
فأما الذكاء: فالمضاء في الأمور وسرعة القطع بالحق، وأصله من ذكت النار، وذكت الريح، وشاة مذكاة، مدرك ذبحها بحدة السكين، وذكي الرجل إذا تم فيه قوة الذكاء، لكن لما كان أكثر ما يوجد ذلك فيمن تمت سنُّه صار يعبِّر به عن تمام السن، ومنه قيل: " جَري المُذكِّياتِ غِلَابُ ".
وأما الذهن: فقريب من الذكاء، لكن يقال في إدراك ما وقع فيه التنازع.
وأما الفطنة: فسرعة إدراك ما يقصد إشكاله؛ ولهذا يكثر استعمالها في استنباط الأحاجي والرموز.
وأما الفهم: فمقدمة العقل، فمن لا يعرف معنى الشيء فهمًا لم يتحققه عقلًا، وقد سمي الفهم عقلًا، وإن كانت مرتبته دون مرتبة العقل، فقوة الفهم أن تدرك به الأشياء الجزئية والعقل يدرك كلياتها، ومعنى ذلك أن العقل يدرك أن العدالة حسنة، والظلم قبيح، والفهم يميز بين كل واحد من الفعل هل هو عدل أو جور.
وقد يوصف بالفهم من لا يوصف بالعقل، كالحاذق في لعب الشطرنج، وكل من يوصف بالعقل فإنه يوصف بالفهم.
فأما الخاطر: فحركة الفهم نحو الشيء، يقال: خطر الشيء ببالي ولا يقال:
خطر بالي بالشيء، فتجوز أن يكون ذلك من المقلوب كقولهم: عيش ناصب، وقد قيل في قولهم: عقلت الشيء وأحسست أنه أيضًا من المقلوب، فالشيء هو المؤثر في الحاسة والعقل لا هما فيه.
وأما الوهم: فانقياد النفس لقبول أثر ما يرد عليها من قولهم: حمل وهم وطريق وهم، والفرق بينه وبين الخاطر أن الخاطر يقال فيما لا تقبله النفس، والوهم لا يقال إلا فيما تقبله النفس.
وأما الخيال: فنحو الوهم لكن يقال اعتبارًا بما يكون من جهة الحاسة وفيما له صورة
[ ١٤٣ ]
ما، ومنه سمِّي الطيف الوارد من جهة المحبوب خيالًا، والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة، والطيف لا يقال إلا فيما كان حال النوم، ولهذا ينسب الطيف إلى الخيال لما كان ذلك من جوانبه. قال الشاعر:
نم فا ما زارَكَ الخيال وَلـ كِنَّك بالفكر زرت طيف الخيال
وأما البديهة: فمعرفة ثاقبه تجيء بلا فكر ولا قصد، فالبديه في المعرفة كالبديع في الفعل.
وأما الرويَّة: فما كان من المعرفة بعد فكر كثير وهو من روي.
وأما الكيس: فالقدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير " ولهذا
قال - ﷺ -: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت، وقول العرب: الكيس من الخيل، لتصورها بصورة الكيس، لأنها ذات كيس في الحقيقة، وكاس في مشيته، أي أظهر الكيس
برفع إحدى رجليه. وتسميتهم الغادر: كيسان إما على طريق المجاز، أو تنبيهًا أن الغادر يعد ذلك كيسًا أو لأن كيسان في الأصل اسم الغادر ثم سمي كل غادر كيسان كتسميتهم كل حداد هالكية.
وأما الخبر: فالمعرفة المتوصل إليها من قولهم خبرته، أي أصبت خبره، وقيل: هو من قولهم: ناقة خبيرة، وهي الخبرة عن غزارتها، أي غزيرة اللبن، فكأن الخبر هو غزارة المعرفة، ويجوز أن قولهم: ناقة خبيرة، أي: الخبرة عن غزارتها كقولهم: ناقة ناجرة.
وأما الظن: فإصابة المطلوب بضرب من الأمارة، ولما كانت الأمارات مترددة بين يقين وشك، فتقرب تارة من طرف اليقين، وتارة من طرف الشك جاز تفسير أهل اللغة بهما، فمتى رؤي إلى طرف اليقين أقرب استعمل " أنَّ " المثقلة والمخففة منها نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)
وقوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ)
ومتى رؤي إلى طرف الشك أقرب استعمل معه " أن " التي للمعدومين
[ ١٤٤ ]
من الفعل، نحو ظننت أن تخرج وأن خرجت، وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) لأمرين:
أحدهما: تنبيه أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم.
والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين المعنيين بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا.
والظن متى كان عن أمارة قوية فإنه يمدح به، ومتى كان عن تخمين لم يعتمد ذُم به
حيث قال تعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) .
وأما الفراسة: فالاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله، وربما يقال: هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله، وقد نبَّه اللَّه تعالى على صدقها بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
وقوله: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)
وبقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) .
ولفظها من قولهم فرس: السبع الشاة، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه، وذلك ضرب من الإلهام، بل ضرب من الوحي، وإياه عني بقوله - ﷺ -: " المؤمن ينظر بنور الله "، وهو الذي
يسمى صاحبه المروع والمحدث، وقال - ﷺ -: " إن يكن في أمتي محدث فهو عمر "
وقيل في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)
إن ما كان وحيًا بإلقائه في الروع، وذلك يكون للأنبياء كما قال تعالى:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)
وقد يكون لإلهام في حال اليقظة، وقد يكون في حال المنام؛ ولذلك قال ﵊:
[ ١٤٥ ]
" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ".
والضرب الثاني من الفراسة: يكون بصناعة متعلمة، وهي معرفة ما بين الألوان والأشكال وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية، ومن عرف ذلك وكان ذا فهم ثاقب، قوي في الفراسة، وقد عمل في ذلك كتب فمن تتبع الصحيح منها اطلع منها على صدق ما ضمنوه، والفراسة ضرب من الظن، وقد سئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما، فقال: الظن بتقلب القلب، والفراسة بنور الرب تعالى، وكل من قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)
كان ممن وصفه بقوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ)
وكان ذلك النور شاهدًا منه أصاب فيما حكم به.
ومن الفراسة قوله - ﷺ - في المتلاعنين: " إن أمرهما بين لولا حكم اللَّه "، ومن الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم اللَّه أمرها في جميع الكتب المنزلة، وقال لنبيه - ﷺ -:
(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)
وقال تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) .
وقال في قصة إبراهيم الخليل - ﷺ -: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ)
وقال تعالى حكاية عن يوسف - ﷺ -: (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) .
والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة، واللَّه تعالى يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب - وهو الأكثر - أضغاث أحلام وأحاديث النفس من الخواطر الرديئة، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج الذي لا يقبل صورة، وضرب - وهو الأقل - صحيح وذلك قسمان:
قسم لا يحتاج إلى تأويل، وقسم يحتاج إلى تأويل، ولهذا يحتاج المعبر إلى مهارة ليفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا يصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من
[ ١٤٦ ]
يصح له ذلك منهم من يرشح أن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك، ولهذا قال اليونانيون: يجب للمعبر أن يشتغل بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن لهم حظًّا من النبوة، وقد قال - ﷺ -: " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة "
وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه، فرب حكيم لا يرزق حذقًا فيه، وربما نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم يرزق حظّا فيه، وتوجد له فيه قوة عجيبة.
وأما الزكانة: فضرب من الفراسة، وهي معرفة فعل باطن بفعل ظاهر بضرب من التوهم يقال: قد زكنتُ وأزكنتُ.
والقيافة: ضرب من الزكانة لكنه أدق وهو ضربان:
أحدهما: بتتبع أثر الأقدام والاستدلال به على السالكين.
والثاني: الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله على نسبته.
وخص من العرب بالقيافة بنو مدلج، وقيل: إن ذلك بمناسبة طبيعية لا بتعلم، وهي محكوم بها في الشرع، وقال بعض الحكماء: خص اللَّه بذلك العرب، ليكون سببًا لارتداع نسائهم عما يورث شوب نسبهم، وخبيث حسبهم، وفساد بذورهم وزروعهم، صيانة لنسب النبوة، (وليكون ذلك شرفًا لنبيه - ﷺ -، ولأجل حفظه تعالى نسبهم ذلك، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)
أي: ليعرف بعضكم بعضًا بمعرفة أصله.
[ ١٤٧ ]
وأما الكهانة والعرافة: فإن الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة، والعرافة
مختصة بالأمور الماضية، وكان ذلك في العرب كثيرًا، وآخر من وجد، وروي عنه الأخبار العجبية سطيح، وسواد بن قارب. وقيل: كان وجود ذلك في العرب أحد أسباب معجزات النبي - ﷺ - لما كان يخبر به ويحث على اتباعه، ثم نزع عنهمِ ذلك بعد النبوة، حتى روي: " لا كهانة بعد النبوة "، وقال - ﷺ -: " من أتى عرافَا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " تنبيها أنه قد رفع.
ومما يجري مجراها الطيرة، وهو: تشاؤم الإنسان بشيء يقع تحت المناظر والمسامع مما تنفر منه النفس مما ليس بطبيعي، فأما نفارها مما هو طبيعي في الإنسان كنفاره من صرير الحديد وصوت الحمار فلا يعد من هذا، واشتقاقه من الطير، وأصله في زجر الطير، وما سواه ملحق به، وعلى ذلك قول الشاعر:
وما أنا ممن يزجر الطير حوله أصاح غراب أم تعرض طائر
ثم كثر في غيره حتى قال تعالى حكاية عمن أخبر عنه: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)
أي: السبب الذي يسعدكم ويشقيكم عند اللَّه، وقال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) .
وسمي عمل الإنسان الذي يعاقب عليه طائرًا قال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)
[ ١٤٨ ]
والنظر: هو إجالة الخاطر نحو المرئي لإدراك البصيرة إيَّاه، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، فمن صحت عين قلبه، وأعانه نور اللَّه اطلع على حقائق الأشياء، وأدرك العالم العلوي وهو في الدنيا، فيرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكون الاطلاع عليه ممكنًا قال أمير المؤمنين علي - ﵀ -: " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا ".
والرأي: إجالة الخاطر في رؤية ما يريده، وقد يقال للقضية التي تثبت عن الرأي رأي.
والرأي للفكرة كالآلة للصانع التي لا يستغني عنها، ولا يكون إلا في الأمور
الممكنة دون الواجبة والممتنعة، ويكون في جملة الممكنات مما تكون إلينا، فالطبيب لا يجيل رأيه في نفس البرء، وإنما يجيله في كيفية الوصول إليه.
ويحتاج الرأي إلى أربعة أشياء: اثنان من جهة الزمان في التقديم والتأخير:
أحدهما: أن يعيد النظر فيما يرتئيه، (ولا يجعل إمضاءه حتى يعب، فقد تي، @:
إياك والرأي الفطير، وقد قيل: دع الرأي يعب. وأكثر من يستعجل في ذلك ذو النفوس الشهمة والأمزجة الحادة.
والثاني: لا يدافع به بعد إحكامه، فقد قيل: روِ تحزم وإذا استوضحت فاعزم،
وقيل: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع فيه، وقال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)
وأكثر من يدافع ذوو النفوس المهينة والأمزجة الباردة.
واثنان من جهة الناس:
أحدهما: ترك الاستبداد بالرأي، فالاستبداد بالرأي من فعل المعجب بنفسه،
وقد قيل: الأحمق من قطعه العجب بنفسه عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة.
والمأني: أن يتخير من تجوز مشاورته.
فما كل ذي لب مؤتيك نصحه وما كل مؤت نصحه بلبيب
[ ١٤٩ ]
ولكن إذاما استجمعنا عند واحد فحق له من طاعة بنصيب
ومن دخل في أمر بعد الاحتراز من هذه الأربعة فقد أحكم تدبيره، فإن لم ينجح عمله لم يلحقه مذمَّة.
وأما التدبير: فنحو الرأي، لكن يقال له إذا استعمل في النظر في عواقب الأمور، واشتقاقه يقتضي ذلك، لأنه تأمل دبر الأمر، وعليه حثَّ الشاعر في قوله:
ومن ترك العواقب مهملات فأيسر سعيه أبدًا تبار
وأما الفكرة: فقوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، وهو تخيل عقلي موجود في الإنسان، والتفكر جولان تلك القوة بين الخواطر بحسب نظر العقل، وقد يقال للتفكر: الفكر، وربما ضلَّ الفكر وأخطأ ضلال الرائد وخطأه، والتفكر لا يكون إلا فيما له ماهية بما يصح أن يجعل له صورة في القلب مفهومة، ولأجل ذلك قال النبي - ﷺ -:
" تفكروا في آلاء اللَّه ولا تفكروا في اللَّه "،
وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)
وقال: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)
وسئل بعض الحكماء عن الفكرة
والعبرة، فقال: الفكرة أن تجعل الغائب حاضرًا، والعبرة أن تجعل الحاضر غائبًا.
وأما الذكر: فوجود الشىِء في القلب أو في اللسان، وذلك أن الشيء له أربعة وجودات:
وجوده في ذاته، ووجوده في قلب الإنسان، ووجوده في لفظه، ووجوده
في كتابته.
فوجوده في ذاته هو سبب لوجوده في قلب الإنسان، ووجوده في قلبه
سبب لوجوده فىِ لسانه، ولوجوده في كتابته. ويقال للوجودين، أي: للوجود في القلب، والوجود في اللسان: الذكر، ولا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك عن
[ ١٥٠ ]
ذكر في القلب، بل لا يكون ذلك ذكرًا.
والذكر بالقلب ضربان:
أحدهما: استعادة ما قد استثبته القلب فانمحى عنه بنسيان أو غفلة، وهذا هو في الحقيقة التذكر.
والثاني: ثبات وجود الشيء في القلب من غير نسيان أو غفلة، وذكر اللَّه تعالى على نحو الأول غير مرتضى عند الأولياء وإنما يحمد إذا كان على النحو الثاني.
واعلم أن ذكر اللَّه تعالى تارةً يكون بعظمته فيتولد منه الإجلال والهيبة، وتارةً يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن.
وتارةً بفضله ورحمته فيتولد منه الرجاء، وتارةً بنعمته فيتولد منه الشكر؛
ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها، وتارةً بأفعاله الباهرة فيتولد منه العبرة.
فحق المؤمن ألا ينفك أبدًا من ذكره على أحد هذه الوجوه، وعليها دلَّ قول اللَّه تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)
أي: يذكرونه في كل حالٍ؛ لأن الإنسان لا ينفك من هذه الأوجه الثلاثة، فإن قيل: ما حقيقة ذكر اللَّه تعالى عند ابتداء الأعمال حتى قال - ﷺ -: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكراللَّه تعالى فهو أبتر "، قيل: نبه بذلك أن الأمور كلها يجب أن يقصد بها وجه الله تعالى، وأن كل أمر لا يقصد به ذلك فهو ناقص، وشرع ذكره باللسان؛ ليكون سببًا لذكره بالقلب، فيتحرى بفعله وجه اللَّه، ولا يعمل ما ينافي رضاه. وعلى
ذلك قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)
أي: إذا عرض لك نسيان لا يلزمك فتذكر أنه مطلع عليك؛ ولهذا قال - ﷺ -: " اعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن
تراه فإنه يراك ".
[ ١٥١ ]
وأما الحفظ: فالمواظبة على مراعاة الشيء وقلة الغفلة عنه، ومنه محافظة الحريم،حتى قيل للغضب المقتضي لذلك: حفيظة، ويقال لثبات صورة الشيء في القلب: حفظ، ويقال للقوة الحافظة أيضًا: حفظ، وفلان جيد الحفظ، أي: القوة الحافظة.
والحفظ للنفس من وجه جارٍ مجرى الخزانة للملك يضمع فيها الزخائر إلى وقت الحاجة) ومن وجه جارٍ مجرى الكتاب الذي يكتب فيه الشيء ليرجع إليه فيتذكر به، والناس متفاوتون فيه بحسب أمزجتهم، فمنهم من قوى الله تعالى ذلك فيه كما جعله لنبيه - ﷺ -، (فلذلك كان كونه أميًا شرفًا له)، إذ كان له من الحفظ ما يغنيه عن الاستعانة بالكتابة، ولهذا قال تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)
فضمن أنه يحفظ عليه بما جعل له من القوة الإلهية. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢»
قال النبي - ﷺ - لعلي: " سألت اللَّه تعالى أن يجعلها أذنك " فلم يسمع بعد ذلك شيئًا إلا وعاه.
ومن الناس من يسرع إليه النسيان فما سمعه يكون كالخط يكتب في بسط الماء.
وأما البلاغة: فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة في تأليفها وقدرها ومعناها وتحري الصدق فيها، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني، فإنه متى قبح اللفظ، أو قبح التأليف، أو كان أكثر مما يحب، أو أقل مما يحب، أو لم يطابق اللفظ المعنى، إما حقيقةً أو استعارةً رائقة، أو كان المعنى محالا أو كذبًا، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة، وقد وصفت البلاغة بأوصاف مختلفة بحسب أنظار مختلفة، فقال بعضهم: البلاغة هي الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.
وقيل: ما فهمته العامة ورضيته الخاصة.
وقيل: ما اجتيازه فساد له. إلى غير ذلك من الأوصاف.
وأما الفصاحة: فاشتقاقها من فصح اللبن إذا خلص، وهي الإصابة في اللفظ (يعني اختصاره)، والائتلاف دون اعتبار الصدق وصواب المعنى، فكل كلام جزل اللفظ
[ ١٥٢ ]
حسن التركيب فموصوف بالفصاحة، صدقًا كان أو كذبًا.
فالبلاغة ترجع إلى اللفظ والمعنى، والفصاحة إلى اللفظ دون المعنى