قد تقدم أن طهارة النفس تكون لإصلاح القوى الثلاث:
فإصلاح الفكرة: بالتعلم حتى يميز بين الحق والباطل في الاعتقاد، وبين الصدق والكذب في المقال، وبين القبيح والجميل في الفعال.
وإصلاح الشهوة: بالعفة حتى تسلس للجود والمواساة المحمودة بقدر الطاقة.
وإصلاح الحمية: بإسلاسها حتى يحصل الحلم؛ وهو كف النفس عن قضاء وطر الغضب، وتحصل الشجاعة؛ وهي كف النفس عن الخوف وعن الحرص المذمومين.
وبإصلاح القوى الثلاث يحصل للنفس العدالة والإحسان، وهذه جماع المكارم، وطهارة النفس وحسن الخلق الممدوح يقول النبي - ﷺ -: " أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا وألطفهم بأهله "، ويعني باللطافة بالأهل تهذيبهم وتأديبهم المشار إليه بقوله
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) .
والممدوح أيضًا بقوله - ﷺ -: " أحبكم إليَّ أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون "
[ ٩٥ ]
وقيل: جماع المكارم في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)
وذلك أنه بالإيمان يحصل العلم والحكمة، وذلك بإصلاح الفكرة، وبالمجاهدة بالأموال والأنفس تحصل العفة والجود اللذان هما تابعان لإصلاح الشهوة، والشجاعة والحلم اللذان هما تابعان لإصلاح الحمية، وعلى ذلك قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) .
وقال النبي - ﷺ - في تفسير ذلك: " هو أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك "، فالعفو عمن ظلمك نهاية الحلم والشجاعة، وإعطاء من حرمك نهاية الجود، ووصل من قطعك نهاية الإحسان، واللَّه أعلم.