كما أن للدراهم والدنانير ميزانًا قد عرف أهلها صحته فلكل علم ميزان نحو: الحساب للمعدودات، والهندسة للممسوحات، والعروض للشعر، والنحو للألفاظ العربية، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ)
وأوصى الذين أعطاهم الموازين فقال: (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
وقال تعالى: (أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)
فكل شاكٍ أو منازع غيره في مقدار فحقه أن يعتمد ميزانه إن عرفه ويقلد أربابه إن لم يعرفه، فإن من ترك ذلك وأخذ يخرص ويحزر ويظن ويخمن لم يزل شكه ولم يسقط خلافه، فالخرص قلما يصدق والظن قلما يوافق ويحقق، ولذلك عبر بالخرص عن الكذب، فقال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)
وقال تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)
وقال تعالى في ذم الظن: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)
ومعلوم أن ميزان الدين الذي صوابه يوصل إلى الثواب العظيم
وخطؤه يفضي إلى العذاب الأليم أصعب الموازين وأشرفها وأولاها بالمعرفة، وكثير في زماننا ممن تحلى بعلم الكلام وترشح فيه للجدال والخصام ورام الزعامة فيه قبل أوانها،
[ ١٨٥ ]
وطلب تحقيق موزوناته بغير ميزانها، أخذ كل واحد منهم يخرص خرصًا ويظن ظنًا ويسلك بظنه طريقًا غير نهج، فإذا وقع بينهم خلاف جعل كل واحد منهم ميزانه خرصه، واتبع فيما اعتقده ظنه، فإذا تحاكموا إلى ما اتخذوه ميزانًا صار خلافهم في الميزان أكثر من خلافهم في الموزون فهم في ذلك كمن غص بطعام فاستغاث بماء فشرق به.
لا جرم أن كثيرًا من مناظراتهم لا تولد إلا شبهة ولا تثمر إلا حيرة، ولا يقوم عنها اثنان بثاطة مدت بماء: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) .