التوفيق: موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء اللَّه سبحانه وقدره، وهو وإن كان في الأصل موضوعًا على وجه يصح استعماله في السعادة والشقاوة فقد صار متعارفًا في السعادة فقط.
[ ١١٨ ]
والاتفاق: مطاوعة التوفيق، لكن قد يستعمل في السعادة والشقاوة جميعا، فيقال: اتفاق جيد، واتفاق رديء.
والتوفيق: مما لا يستغني الإنسان عنه في كل حال، كما قيل لحكيم: ما الذي لا يستغني عنه أحد في كل حال، فقال: التوفيق، وأنشد:
إذا لم يكن عون من اللَّه للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
فالسعادة التوفيقية هي الهداية، والرشد، والتسديد، والتأييد.
فيجب أن يعلم أن لا سبيل لأحد إلى شيء من الفضائل إلا بهداية اللَّه تعالى ورحمته، فهو مبدأ الخيرات ومنتهاها، كما قال تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)
وخاطب الناس فقال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) .
وقال - ﷺ -: " ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله "، أي: بهدايته.
قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه، فقال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته وهدايته "، تنبيهًا أنه لو توهمت رحمته مرتفعة ابتداءً وانتهاءً ما كان لنا سبيل إلى ذلك.
وللهداية ثلاث منازل في الدنيا:
الأول: تعريف طريق الخير والشر المشار إليهما بقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)
وقد خوَّل اللَّه تعالى الهدى كل مكلف، بعضه بالعقل، وبعضه بألسنة
الرسل، وإياه عني بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) .
والثاني: ما يمد به العبد حالا فحالًا بحسب استزادته من العلم والعمل
الصالح، وإياه عني بقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) .
والثالث: نور الولاية التي هي في أفق نور النبوة، وإياه عني بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى)
فأضاف ذلك إلى لفظ اللَّه تعظيما له،. ثم قال:
(هُوَ الْهُدَى) فجعله الهدى المطلق (وعناه) بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)
أي نورًا تفرقون به بين الحق والباطل، وكل ذلك يسمى النور والحياة نحو: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) .
وقال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) .
[ ١١٩ ]
بتحري هذه المنازل الثلاث يتوصل إلى الهداية للجنة الذكورة في قوله تعالى:
(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) .
والرشد: عناية إلهية تعين الإنسان عند توجهه في أموره فتقويه على ما فيه صلاحه وتُفتره عما فيه فساده، وأكثر ما يكون ذلك من الباطن نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)
وكثيرًا ما يكون ذلك بتقوية العزم أو بفسخه وإليه توجه قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .
والتسديد: أن يُقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، لتهجم عليه في أسرع مدة يمكن الوصول فيها إليه، وهو المسؤول بقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) .
والنصرة من اللَّه تعالى معونة الأنبياء والأولياء وصالحي العباد بما يؤدي إلى إصلاحهم عاجلًا وآجلا، وذلك يكون تارة من خارج كمن يقيضه اللَّه تعالى فيعينه، وتارة من داخل بأن يقوي قلوب الأولياء أو يلقي رعبًا في قلوب الأعداء، وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)
وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) .
وأما ما يختص بسعادة الدنيا ولا يعتبر فيه العاقبة فيقال له: الدولة والدول، وعلى هذا قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) .
وقوله في وصف الفيء: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .
والتأييد: تقوية أمره من داخل بالبصيرة، ومن خارج بقوة البطش، ومن الأول قوله تعالى: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) .
والعصمة: فضل إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر حتى يصير كمانع له من باطنه، وإن لم يكن منعًا محسوسًا، وإيَّاه عني بقوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .
وقد روي أن يوسف رأى صورة يعقوب - ﷺ - وهو عاضٌّ على إبهامه، فأحجم (١)، وليس ذلك ينافي التكليف كما تصوره بعض المتكلمين، فإن ذلك كان تصوَّرًا منه وتذكرًا لما كان قد حذره منه، وعلى هذا قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
ومن عصمته تعالى أنه يكرر الوعيد
_________________
(١) من الإسرائيليات المنكرة.
[ ١٢٠ ]
على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه، كقوله تعالى للنبي - ﷺ -: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) .
واعلما أن رشده تعالى للعبد، وتسديده، ونصرته، وعصمته، تكون بما يخوله من الفهم الثاقب، والسمع الواعي، والقلب المراعي، وتقييض المعلم الناصح له، والرفيق الموافق، وإمداده من المال بما لا تقعد به عن مغزاه قلته، ولا تشغل عنه كثرته، ومن العشيرة والعز ما يصونه عن سفه السفهاء، وعن الغض منه من جهلة الأغنياء، وأن يخوله من كبر الهمة،
وقوة االعزيمة ما يحفظه عن التشوق للدنية، والتأخر عن بلوغ كل منزلة سنية.