قد جعل اللَّهْ للإنسان خمس قوى، يدل على وجودها فيه ما يظهر من تأثيراتها:
قوة الغذاء: وبها النشأة والتريية والولادة.
[ ٧٣ ]
وقوة الحس: وبها الإحساس واللذة والألم.
وقوة التخيل: وبها تصور أعيان الأشياء بعد غيبوبتها عن الحس.
وقوة النزوع: وبها يكون الطلب للموافق والهرب من المخالف، والرضا والغضب والإيثار والكراهة.
وقوة التفكر: وبها يكون النطق والعقل والحكمة والروية والتدبير والمهنة والرأي والمشورة.
فأما القوى المدركة منها فخمس: الحواس الخمس، والخيال، والفكر، والعقل، والحفظ.
فأما الحواس فلكل واحد منها إدراك مخصوص:
فللمسِّ عشر إدراكات: الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين والخشونة، والصلابة، والرخاوة، والثقل والخفة.
وللذوق سبع: الحلاوة، والمرارة، والملوحة، والحمو ضة، والحرافة، والعفوصة، والتفاهة.
وللشم اثنان: الطيب، والنتن.
وللسمع اثنان: الصوت البسيط، والكلام المركب منه.
وللبصر أحد عشر إدرا كًا: النور، والظلمة، واللون، والجسم، وسطحه، وشكله ووضعه، وأبعاده، وحركاته، وسكناته، وأعداده.
فأدون هذه الإدراكات اللمس ثم الذوق ثم الشم، فالنفس لا تكاد تستعين بها إلا فيما يعود نفعها إلى صلاح الجسم.
[ ٧٤ ]
وأرفع الإدراكات العقل ثم الفكر ثم التخيل ثم الحس، إلا أن العقل والفكر يدركان الأشياء الروحانية.
فأما السمع والبصر فمتوسطان، لأنهما يخدمان النفس والجسم، وخدمتهما للنفس أكثر، ويدركان الأشياء الجسمانية.
والتخيل متوسط بين العقل والفكر وبين السمع والبصر، فيأخذ تارة من
السمع والبصر ويسلم إلى العقل والفكر وذلك في حال اليقظة، ويأخذ تارة من العقل والفكر ويسلمه إلى السمع والبصر وذلك في حال النوم.
ولما كان مبدأ تأثير هذه القوى من الدماغ قيل: مسكن الفكرة وسط الدماغ، ومسكن الخيال مقدَّمُه، ومسكن الحفظ والذكر مؤخَّره. ولما كان قوام الدماغ، بل قوام الجسم كله من القلب الذي منه منشأ الحرارة الغريزية صار في كلام الناس يعبَّر عن هذه القوى تارة بالدماغ فيقال: لفلان دماغ إذا قويت منه هذه القوى المدركة، وفلان خالي الدماغ إذا ضعفت فيه هذه القوى. ويعبر عنها تارة بالقلب والثاني أكثر، وعلى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) .
ولما كان أكثر إدراك الحقائق بهذه القوى المدركة، وكانت الفكرة خادمة للعقل، والتخيل خادفا للعقل والفكر تارة، وللسمع والبصر تارة خص اللَّه بالذكر القلب - وهو أحد الطرفين - والسمع والبصر وهو الطرف الآخر؛ ولذلك عظم اللَّه المنَّة على الإنسان
[ ٧٥ ]
بإعطائه إيَّاه هذه الثلاثة، وحمد من استعملها، وذم من أهملها فقال (سبحانه): (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)،
وقال في ذم من لا ينتفع بها: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)
وقال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)
أي لا يفهمون.
المعنى أنهم لا يسمعون الأصوات أو لا ييصرون الذوات، وجعلهم بكمًا من حيث إنهم لا يوردون معنى مستنبطًا بالفكر مدركًا بالعقل.
واعلم أن السمع والبصر كالأخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في إدراكه، فقد ينوب السمع عن البصر في إبلاغ القلب بما يأخذه عن اللفظ فيدرك في ساعة ما لا يدركه البصر في برهة، وينوب البصر عن السمع في إبلاغ القلب بمطالعة الكتب ما لا يدركه السمع في مدة سيما إذا كان المخاطب ناقص العبارة، أو غير متثبت في الكلام، أو دق المعنى وغمض عن الإفهام.