الغذاء ضربان:
أحدهما: ما لا يستغنى عنه في تربية البدن كالطعام الذي به يتغذى
والماء الذي به يروى، والإنسان إذا تناول من ذلك مقدار لا يمكن التبلغ بأقل منه على ما يجب وكما يجب فهو معذور، بل مشكور ومأجور، وعلى هذا ما روي عند أكل الصالحين تنزل الرحمة، وحقه أن يتناوله تناول مضطر عالم بقذارة مآله، وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث، فلو نطق الشجر لقال: لك أنت تأكل فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك، والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر،
[ ٢١٩ ]
وبهذا تعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بالإطلاق، فألقِ يا إنسان عن مناكبك الدثار وجل البصيرة، واستعمل الاعتبار تجد صدق ما قلت. ومن تناول من الطعام أكثر من ذلك كره له طبا وشرعًا، أما طبًّا فيدل عليه قول الشاعر:
فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب
وقد قال النبي - ﷺ -: " البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وعود كل بدن بما اعتاد "، قال ابن زكريا المتطبب: ما ترك النبي - ﷺ - في الطب شيئًا إلا وأتى به في هذه الكلمات الثلاث.
وأما شرعًا فقد قال - ﷺ -: " ما من وعاء أبغض إلى اللَّه من بطن مليء من حلال " وذاك أن امتلاء البطن مقوٍ للشهوة، وقوة الشهوة داعية للهوى، والهوى أعظم جند للشيطان، ومن آثر هواه وانتشر في بدنه حل في كل عضو منه جزء بقدر وسعه له فكثر جنود الشيطان، والشيطان إذا تسلط على الإنسان سباه من ربه وصرفه عن بابه،
وقد قيل لحكيم: ما بالك مع كبرك لا تتفقد بدنك وقد انهد،
فقال: لأنه سريع المرح فاحش الأشر، فأخاف أن يجمع بي فيورطني، ولأن أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش.
والضرب الثاني من المطعم: ما يستغنى عنه ولو توهمناه مفقودًا لم يختل بافتقاده
البدن، وأعظمه ضررًا المسكر فنفعه ليس بضروري وتناوله تسهيل لطريق الشيطان إلى تهييج القوة السبعية وإثارة سلطان الهوى، كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ)
وقد قيل: حيث يسكن الشراب واللهو لا تسكن العفة والحكمة.
فإن قيل فقد قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)
[ ٢٢٠ ]
فلم يخص من الحلال قدرًا دون قدر ولا جنسًا دون جنس، قيل: الطيب التام الطيب هو الذي جمع اللذة والنفع والفضيلة، وذلك هو القدر المتبلغ به على ما يجب وكما يجب، ألا ترى كيف ذم من لم يكن ذلك قصده، فقال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)
ومن الدلالة على خسة كثرة الأكل: ادعاء العامة الاستغناء بالقليل، وقلة وجود المفتخر بكثرة الأكل، وقد قيل:
من كانت همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه،
وقد استحسن قول الشاعر:
فإنك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقد قال - ﷺ -: " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد، فلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس "،
وقال - ﷺ -: " المؤمن ياكل في معي واحد، والكافر
ياكل في سبعة أمعاء " فنبه في الخبرين أنه لا يستحب للإنسان إلا الأكل في سبع بطنه، وهو ما ذكره من اللقيمات، وذلك دون عشر لقيمات؛ لأن جمع القلة بالألف والتاء لما دون العشرة، ثم رخص لمن غلب عليه النهم أن يببغ إلى ثلث بطنه، فحصل من ذلك أن أكل المؤمن في اليوم ينبغي أن يكون سبع بطنه أو ثلث بطنه.