قد تقدم أن النكاح ضروري في حفظ النسل وبقاء النوع الإنساني كما أن الغذاء ضروري في حفظ الشخص، ولذلك قال - ﷺ -: " تناكحوا تكاثروا، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة "، وقال - ﷺ -: " خير نسائكم الودود الولود "، وقال:
[ ٢٢١ ]
" سوداء ولود خير من حسناء عقيم "، ولقصد النسل حظر إتيان النساء في محاشها، وعلى هذا نبه قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)
فنبه على أنه لا يجوز إتيانها إلا حيث المحرث، وكره العزل تأكيدًا للمقصود من النكاح، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) .
وتحري النكاح على ضربين:
أحدهما: على الوجه الذي سنَّه الشرع، وذلك إما محمود وهو أن يتعاطاه قاصدًا به النسل أو مزيلًا للضرر عنه على ما يجب أو مسكنًا لنفسه، فالماء إذا اجتمع في مقره يجري مجرى مدة وقيح من جرح يعظم لحبسه الضرر، ويدعو صاحبه إلى ما هو في الشرع محرم، أو مكروه طبًّا وإن لم يكن قد كره شرعًا، وذلك أن يتعاطاه المرء فضلًا عما تقدم ذكره قإنه ينفذ العمر، ويستنفذ القوى، ويوسع أوعية المني ويجلب إليه دمًا كثيرًا، ويزيده شهوة، وأعظم فائدة فيه أن يلحق صاحبه بأفق البهائم من التيوس والثيران وغيرها مما يوصف بالشبق.
والضرب الثاني: هو أن يكون على غير الوجه المشروع، وذلك ضربان:
أحدهما: تعاطيه في المحرث، ولكن لا على الوجه الذي يجب وكما يجب كالزنا، وقد عظم اللَّه أمره فقرنه مرة بالشرك فقال: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ)
ومرة قرنه بالشرك وقتل النفس المحرمة فقال: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)
وسمي ذلك سفاحًا من حيث إن المجتمعين عليه لا غرض لهما سوى سفح الماء للشهوة كمن ضيع ماء في غير حرثه.
والثاني: تعاطيه في غير المحرث كاللواطة، وهي أعظم من الزنى، لأن الزنى وضع البذر في المحرث على غير الوجه المأمور به، فهو كمن يزرع في أرض غيره أو على غير
[ ٢٢٢ ]
الوجه الذىِ يجوز أن يزرع فيها، وفي اللواطة مع ذلك تضييع البذر فمتعاطيها ممن قال اللَّه تعالى فيه: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ)
ولهذا وصف اللَّه تعالى قوم لوط بالإسراف فقال: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) .
وأما العشق الشهوي فحماقة وجهل بما وضع لأجله الجماع، وتجاوز لحد البهائم في عدم ملكة النفس وذم الهوى، فإن المتعشق لم يرض بإرادة لذة الباه التي هي من أسمج الشهوات حتى أرادها من موضع واحد، فازداد بذلك عبودية على عبودية وذلة على ذلة، فالبهيمة أحسن حالًا منه، لأنها إذا أسقطت الأذى عن نفسها بالسفاد سكنحت فصارت
إلى الراحة وهو لم يرض بذلك حتى استعان بالعقل في خدمة الشهوة واستجلابها، وإنما أعطاه اللَّه تعالى العقل ليقمع به الشهوة القبيحة، لا ليجعله خادمًا لها وساعيًا في حمقتها، فتعاطي العشق حال كل جاهل فارغ، سيما إذا نظر في أخبار العشاق وجالسهم، وربما يؤدي بالعاشق الحال إلى الرق، والذبول، بل إلى الموت. قال الشاعر:
لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه
ومن أثار شهوته فهو كمن يثير بهائم عادية وسباعًا ضارية، ثم يلتمس دفعها وقمعها والخلاص من شرها، وقد كان فيما يهيج من باعث الطبيعة كفاية عن إثارتك بالفكرة والروية، فمن أعان الطبيعة على ذلك فهو كما قيل:
كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا
وقد قال حكيم لتلميذ له وقد كان هوي جارية: هل تشك في أنك لا بد أن تفارقها يوما ما،. فقال: لا، قال: فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في يومك هذا واربح ما بينهما من الخوف المنتظر، وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الألفة إليه، وقيل لبعض الحكماء: ما العشق، فقال: جنون لا يؤجر صاحبه عليه.
وسئل آخر عنه فقال: مرض نفس فارغة لا همة لها، وقال غيره: هو سوء
اختيار صادف نفسًا فارغة، فأشاروا كلهم إلى معنى واحد.
[ ٢٢٣ ]