نفس الإنسان معدن الحكمة والعلوم، وهي مركوزة فيها بالفطرة، مجعولة لها
بالقوة، كالنار في الحجر، والنخلة في النواة، والذهب في الحجارة، وكالماء تحت الأرض، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما يعاين تحت الأرض، لكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء، ومنه ما هو كامن يحتاج في استنباطه إلى حفر وتعب شديد، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به، كذا العلم في نفوس البشر، منه ما يوجد من غير تعلم بشري وذلك حال الأنبياء، فإنه تفيض عليهم المعارف من جهة الملأ الأعلى، ومنه ما يوجد بأدنى تعلم، ومنه ما يصعب وجوده كحال أكثر عوام الناس.
ولكون العلوم مركوزة في النفوس قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) .
فنبَّه أنهم أقروا أن اللَّه هو الذي يربيهم ويغذيهم ويرزقهم ويكملهم من الطفولية. فهذا إقرار نفوسهم كلهم بما ركز في عقولهم.
فأما الإقرار باللسان فلم يحصل من كلهم، وكذا المعني بقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
أي: لو اعتبرت أحوالهم لكانت نفوسهم وجوارحهم تنطق بذلك؛ وعلى هذا قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) .
فبين أن الدين الحنيف وهو المستقيم قد فطر الناس عليه، أي: خلقهم عالمين به، وأن المعاندين وإن قصدوا تبديله وإزالة الناس عنه لم يقدروا عليه، وعلى ذلك قوله
تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)
وقال تعالى فيمن
[ ١٦٨ ]
قويت فيه الصبغة والفطرة: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)
فسمي ذلك كتابا، وقال - ﷺ -: " كل مولود يولد على الفطرة "، وأما الشهادة المأخوذة عليهم فالناس فيها ضربان:
ضرب: أجالوا خواطرهم فيها حتى أدركوا حقائقها فصاروا كمن حملوا الشهادة فنسوها، ثم تذكروها، ولذلك قال تعالى في غير موضح: (لَعَلَّهُم يَتَذَكرونَ) (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) .
وضرب: أهملوا أنفسهم ولم يشتغلوا بتذكر ما حملوا من الشهادة، كما قال
تعالى: (وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)
فهم في الجهالة يتسكعون، وعلى هذا حثنا الله تعالى على التذكر بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ)
وقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
أي: يسرنا القرآن ليكون سببًا تتوصلون به إلى تذكر ما سبق من
عهدكم، والتذكر على أضرب:
الأول: أن يكون في اللسان عن صورة ما حصل في القلب.
والثاني: أن لمجون بالقلب كصورة حصلت عن شيء معهود إما بالبصر أو بالبصيرة أو غيره من المشاعر.
والثالث: أن يكون عن صورة متضمنة بالفطرة في الإنسان، وهو المشار إليه بهذه الآيات، ومن هذا الوجه قال الحكماء: التعلم ليس يجلب إلى الإنسان شيئا من خارج في الحقيقة، وإنما يكشف الغطاء عما حصل في النفس فيبرزه بجلائه، فمثله كمثل الحافر المستنبط الماء من تحت الأرض، وكالصيقل الذي يبرز الجلاء في المرآة، وهذا ظاهر لمن نظر بعين عقله.