الإنسان من حيث هو إنسان كل واحد كالآخر كما قيل:
فالأرض من تربة والناس من رجل
وإنما شرفه بأنه يوجد كاملًا في المعنى الذي أوجد لأجله، وبيان ذلك أن كل
نوع أوجده اللَّه تعالى في هذا العالم، أو هدى بعض الخلق إلى إيجاده وصنعه فإنه أوجد لفعل يختص به، ولولاه لما وجد، وله غرض لأجله خُصَّ بما خمصَّ به، فالبعير إنما خصَّ بذلك ليحملنا وأثقالنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس، والفرس ليكون لنا جناحًا نطير به، والمنشار والمنحت لنصلح بهما الباب والسرير ونحوهما، والباب لنحرز به البيت، والفعل المختص بالإنسان ثلاثة أشياء:
١ - عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)
وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره.
٢ - وعبادته المذكورة في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)
[ ٨٢ ]
وذلك هو الامتثال للباري - ﷿ - في أوامره ونواهيه
٣ - وخلافته المذكورة في قوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
وغيرها من الآيات، وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على
قدر طاقة البشر في السياسة باستعمال مكارم الشريعة.
ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس، والحلم، والإحسان، والفضل، والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تعالى.
وكل ما أوجد لفعل ما فشرفه بتمام وجود ذلك الفعل منه، ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه؛ كالفرس للعدو، والسيف للقطع والعمل المختص به في القتال، ومتى لم يوجد فيه المعنى الذي أوجد لأجله كان ناقصًا، فإما أن يطرح طرحًا، وإمَّا يرد إلى منزلة النوع الذي هو دونه، كالفرس إذا لم يصلح للعدو في الكر والفر اتخذ حمولة
أو أعد أكولة، (والسيف إذا لم يصلح للقطع اتخذ منشارًا) .
فمن لم يصلح لخلافة اللَّه تعالى، ولا لعبادته، ولا لعمارة أرضه فالبهيمة خير
منه " ولذلك قال تعالى في ذم الذين فقدوا هذه الفضيلة: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)، (أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) .
[ ٨٣ ]