أمهات الفضائل النفسية وإن كن أربعا، فلها بنات هن أمهات لفضائل أخر. وبيان ذلك أن العقل متى تقوى تولد من حسن نظره جودة الفكر، وجودة الذكر، ومن حسن فعله الفطنة وجزالة الرأي، وتولد من اجتماع أربعتها جودة الفهم، وجودة الحفظ.
والشجاعة متى تقوت تولد منها الجود في حال النعمة، والصبر في حال المحنة، والصبر يزيل الجزع ويورث الشهامة المختصة بالرجولية، كما قيل.
خلقنا رجالًا للتجلد والأسى وتلك الغواني للبكا والمآتم
والعفة إذا تقوت ولدت القناعة، والقناعة تمنع عن الطمع في مال الغير فتولد الأمانة.
[ ١١٥ ]
والعدالة إذا تقوت تولد الرحمة، والرحمة هي الإشفاق من أن يفوت ذا حق حقه، فهي تولد الحلم، والحلم يقتضي العفو، والإنسانية والكرم يجمعان هذه الفضائل، وذلك أن الإنسانية هي الفضائل النفسية المختصة بالإنسان، وبقدر ما يكتسبه الإنسان يستحقها، وفيها تفاضل كثير كما تقدم في الفرق ما بين الإنسان والإنسان.
فمنهم من قد ارتفع حتى لحق أفق الملك، فلو تصورنا ملكًا جسميا لكان إيَّاه، لارتفاعه عن الإنسانية إلا بالصورة التخطيطية، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) .
ومنهم من اتضع حاله حتى صار في أفق البهائم، فلو تصورنا كلبًا أو حمارًا منتصب القامة متكلمًا لكان هو إيَّاه، لانسلاخه من الإنسانية إلا بالصورة التخطيطة، وعلى هذا قوله تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
ومنهم من هو في أواسط هذين، في درجة من درجات لها كثيرة، ولهذا صح أن يقال: فلان أكثر إنسانيَّة من فلان.
وما يختص به لفظ الإنسانية فهو الأفعال والأخلاق المحمودة، وأما المذمومات من الأخلاق فتشارك الإنسان فيها البهائم والشياطين.
وأما المروءة: فلها اشتقاقان:
ففي أحدهما: يقتضي أن تكون هي والإنسانية متقاربتين، وهو أن يجعل من قولهم:
تمرأ الصعام، وأمرأه إذا تخصص المريء لموافقته الطبع، وكأنها اسم للأخلاق والأفعال التي تقبلها النفوس السليمة فعلى هذا تكون اسمًا للأفعال المستحسنة كالإنسانية.
والثاني: أن تكون من المرء فتجعل اسمًا للمحاسن التي يختص بها الرجل دون المرأة
فتكون كالرجولية، وذلك أخص من الإنسانية، إذ الإنسانية يشترك فيها الرجال والنساء، والمروءة أخص، فكثير مما يكون فضيلة للمرأة يكون رذيلة للرجل، كالبله والخفر والبخل والجبن، ولهذا قيل: أفضل أخلاق الرجال أرذل أخلاق النساء. فالكيس والشجاعة والجود رذيلة لهن.
[ ١١٦ ]
وقيل لمعاوية - ﵀ -: ما المروءة، فقال: إطعام الطعام، وضرب الهام، وقيل للأحنف
فقال: أن لا يفعل في السر ما يستحي منه في العلانية، وقيل لآخر فقال: جماعها في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) .
وأما الكرم: فاسم لجميع الأخلاق والأفعال المحمودة إذا ظهرت بالفعل، والحرية مثله، لكن يقال ذلك فيمن لا تستعبده المطامع والأغراض الدنيوية.
وذكر بعض الحكماء أن الحرية تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، (والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة)، كمن ينفق مالًا في تجهيز جيش في سبيل اللَّه تعالى، أو تحمل حمالة يرفأ بها دماء قبيلة.
فكل كرم حريةً، وليس كل حرية كرمًا، وأيضًا فالحرية تتعلق بالتلطف عن الأخذ أكثر، والكرم يتعلق بالإنفاق أكثر، ويضاد الكرم اللؤم، والحرية العبودية، أعني الذكورة في قول الشاعر:
والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئًا إلا إذا رهبا
وكما أن الكرم أعم من الجود فاللؤم أعم من البخل، ولا يدخل في الحرية والكرم النساء، لأنهن مستخدمات، بل مستعبدات، ولذلك روي: " لو أمر اللَّه مخلوقًا بعبادة مخلوق لأمر النساء بعبادة أزواجهن ".
[ ١١٧ ]
فإن قيل: ما حقيقة قول اللَّه تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
قيل: لما كان الكرم اسمًا للأفعال المحمودة التي تقدم ذكرها، وهذه الأفعال إنما تكون فاضلة إذا كان فعلها عن علم، وقصد بها أشرف الوجوه، أي وجه اللَّه تعالى، وذلك هو التقوى، فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة، فإذًا كل من كان أتقى كان أكرم.
والعزيز: الذي يأبى تحمل المذلة، واشتقاقه من العزاز بالفتح الأرض الصلبة،
كالمتظلف في الامتناع من تناول الشهوات المذلة، وأصله من الظلف أي الأرض الصلبة.
وقد فرق بعض الحكماء بين الكريم والعزيز فقال: الكريم يأبى أن يعصى له، والعزيز يأبى أن يعصى عليه.
والظرف: اسم لحالة تجمع عامة الفضائل النفسية والبدنية والخارجية تشبيهًا بالظرف الذي هو الوعاء، ولذلك قال أعرابي: فلان حاضن الشرف ومقر الفضل، ولكونه واقعًا على ذلك قيل لمن حصل له علم وشجاعة ظريف، ولمن حسن لباسه وأثاثه ورياشه ظريف، فالظرف أعم من الحرية والكرم.
وأما الفتوة: فكالمروءة، فإنها اسم لما يختص به الفتى من الفضائل الإنسانية، لكن هي بالرجولية أشبه، وقد استعارت الصوفية لفظ الفتوة للتصوف، لكونها مشاركة له في جميع أفعالها إلا في الغرض، فإن غرض الفتيان استجلاب محمدة الأقران، وغرض المتصوفة استجلاب محمدة الرحمن، بل مجرد مرضاته تعالى.
وأما الحسب: فقد يقال فيما يختص الإنسان به، فيعده من مآثره، وقد يقال فيما يؤثر عن آبائه، والشرف نحوه لكن أكثر ما يقال فيما يؤثر عن الآباء.