لكل نبي آيتان:
إحداهما: عقلية يعرفها أولو البصائر من الصديقين والشهداء والصالحين ومن يجري مجراهم.
والثانية: حسية يدركها أولو الأبصار من العامة.
فالأولى: ما لهم من الأصول الزكية، وصورهم المرضية، وعلومهم الباهرة،
ودلائلهم المتقدمة عليهم والمستصحبة، وأنوارهم الساطعة التي لا تخفى على أولي البصائر، كما قال الشاعر في مدح النبي - ﷺ -:
لو لم تكن في آيات مبينة كانت بداهته تغنيك عن خبره
وذلك أن حق النبي أن يكون من أكرم تربة في العالم، وحيث يكون عقل أربابها أوفر، لذلك لم يبعث نبي من الأطراف التي تضعف عقول أربابها، ويجب أن يكون من عنصر كريم من بيت الفضل؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)
ونبَّه بقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) أنه جعل النبوة في أهل بيت واحد لا تخرج عنهم لكونهم أشرف.
[ ١٥٦ ]
ويجب أن يكون عليه أنوار تروق من رآها وأخلاق تتملك من ابتلاها، كما قال تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، وقال لنبينا - ﷺ -: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) .
ويجب أن يكون كلامه ذا حجة وبيان يشفي سامعه إذا كان متخصصًا بنور العقل،ولذلك قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)
وهذه الأحوال إذا حصلت لا يحتاج ذو البصيرة معها إلى معجزة، ولا يطلبها كما لا يطلب الأنبياء من الملائكة فيما يخبرونهم به حجة، ولهذا لما عرض النبي - ﷺ - على الصديق أبي بكر الإسلام تلقاه بالقبول، حتى قال - ﷺ -: " ما أحد عرضت عليه
الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر الصديق فإنه لم يتلعثم فيه ".
وأما الآية الثانية فهي المعجزة التي تدركها الحواس من الأنبياء، وذلك يطلبه أحد رجلين إما ناقص عن معرفة الفرق بين الكلام الإلهي وبين الكلام البشري، وعن إدراك سائر ما تقدم ذكره، فيحتاج إلى ما يدركه بحسه لقصوره عن إدراك ذلك. وإما ناقص وهو مع نقصه معاند، فيقصد بما يطلبه العناد، كما قال تعالى حكاية عن الكفار:
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) .