الإنسان مركب من جسم مدرك بالبصر، ونفس مدركة بالبصيرة، وإليهما أشار تعالى بقوله: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)
فالإشارة بالروح إلى النفس، وإضافته تعالى الروح إليه تشريفًا لها، وعنى بها النفس المذكورة في قوله تعالى: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ)، ووجود النفس في
الإنسان لا يحتاج إلى أن يدل عليه لوضوح أمره، بل ينبه الجاحد لها والغافل عنها بأنها هي التي بحصولها في الجسم تحصل الحياة والحركة والحس والعلم والرأي والتمييز،
ويكون الجسم متصرفًا بها وحاملًا ومستحسنًا ومستطابا ومحببا، وبفقدها عدم هذه الأشياء فيصير جيفة يحتاج إلى عدة تحمله، وهي محل الأعراض الروحانية كالجسم
[ ٧٢ ]
في كونه محلَا للأعراض الجسمانية، وقد حث اللَّه تعالى على التدبر في النفس والتفكر فيها، وجعل معرفتها مقرونة بمعرفته تعالى في قوله: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)
وقال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) .
وكان يقال في الأم السالفة: من أنكر الباري رجم لكونه جاحدًا، ومن أنكر النفس رجم لكونه جاهلًا، وقيل: كان في كتب اللَّه المنزلة: اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك، وقال - ﷺ -: " أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه "، بل قد قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)، تنبيهًا لهم أنهم لما نسوه تعالى دلَّ
نسيانهم إيَّاه على نسيانهم لها.
وقالت الحكماء: قد ركب اللَّه الإنسان تركيبًا محسوسًا معقولًا، على هيئة العالم وأوجده شبه كل ما هو موجود في العالم حتى قيل: الإنسان هو عالم صغير ومختصر للعالم الكبير؛ وذلك ليدل به على معرفة العالم، فيتوصل بهما إلى معرفة صانعهما، فغاية معرفة الإنسان لبارئه تعالى أن يعرف العالم، فيعلم أنه موجَد، وأن له موجِدًا ليس مثله، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.