بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب - ﵀ -: كنت قد أشرت فيما أمليته من كتاب " تحقيق البيان في تأويل القرآن " إلى الفرق بين أحكام الشريعة ومكارمها، فإن المكارم المطلقة هي اسم لما لا يتحاشى من وصف الباري جل ثناؤه بها أو
بأكثرها) نحو الحكمة، والجود، والحلم، والعلم، والعفو، وإن كان وصفه تعالى بذلك على حد أشرف مما يوصف به البشر، وإن الأحكام تتناول ذلك وتتناول) العبادات.
وإنه باكتساب المكرمة يستحق الإنسان أن يوصف بكونه خليفة اللَّه المعني
بقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وبقوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) .
[ ٥٩ ]
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ.
وأشرت أن خلافة الله - ﷿ - لا تصح إلا بطهارة النفس، كما أن أشرف العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم.
وقد استخرت اللَّه الآن، وعملت في ذلك كتابًا ليكون ذريعة إلى مكارم الشريعة، وبينت كيف يصل الإنسان إلى منزلة العبودية التي جعلها الله تعالى شرفًا للأتقياء،
وكيف يترقى عنها إذا وصلها إلى منزلة الخلافة التي جعلها اللَّه تعالى شرفا للصديقين والشهداء.
فبالجمع بين أحكام الشرع ومكارمه علمًا، وإبرازهما عملًا يكتسب العلا،
ويتم التقوى، ويبلغ إلى جنة المأوى.
ورغبني أيها الأخ الفاضل - وفقك اللَّه وأرشدك، وأعاذك من شر نفسك - في تصنيفه ما رأيت من تشوقك أن تزين ما وليه اللَّه من حسن خَلْقك وخُلُقك بما تتولاه من تحسين أدبك، وإكمال مروءتك، فما أجدر رواك الصبيح أن تحصِّل وراءه الرأي الصحيح.
حتى تصادف أُترجًّا يطيب معًا حملًا ونَورًا فطاب العود والورق
فما أقبح المرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه جنة يعمرها بوم، وصرمة يحرسها ذئب، كما قال حكيم لجاهل صبيح الوجه: أما البيت فحسنٌ وأما ساكنه فرديءٌ، وأن يكون باعتباره بكثرة ماله وحسن أثاثه ثورًا عليه حلى، فقد سمَّى بعضُ الحكماء الأغنياءَ الأغبياءَ تيوسًا صوفها درر، وحمرًا جلالها حبر، ودخل حكيم على رجل فرأى دارًا مستجدة، وفرشًا مبسوطة، ورأى صاحبها خلوًا من الفضيلة
[ ٦٠ ]
فبزق في وجهه، فقال له: ما هذا السفه أيها الحكيم، فقال: بل هذه حكمة، إن البزاق ليرمي إلى أخس مكان في الدار، ولم أر في دارك أخس منك، فنبه بذلك على دناءة الجهل، وأن قبحه لا يزول بادخار القَنيَّات.
فكن أيها الأخ عالمًا، وبعلمك عاملًا، تكن من أولياء اللَّه الذين (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، واحذر الشيطان أن يسبيك، ويغريك بأعراض
الدنيا وزخارفها، فيجعلك من أوليائه ويخوفك بوساوسه، كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) .
واعلم أنه قبيح بذي العقل أن يكون بهيمة وقد أمكنه أن يكون إنسانًا، أو إنسانًا وقد أمكنه أن يكون ملكًا، وأن يرضى بقنية معارة، وحياة مستردة، وله أن يتخذ قنية مخلدة، وحياةً مؤبدة:
فلم ير في عيوب الناس شيء كنقص القادرين على التمام
وإن أردت أن تعرف بقاء العلماء الأتقياء فاعتبر ما قال أمير المؤمنين - ﵁ -: " مات خزَّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة ".
[ ٦١ ]
وإن أردت أن تشاهدهم في الجنة يتنعمون فاستعد حال حارثة حيث قال للنبي - ﷺ -: أصبحت مؤمنًا حقا.
فقال رسول اللَّه - ﷺ -: " لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك، فقال في جملة جوابه: وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، فصدقه - ﷺ - فقال له: " عرفت فالزم ".
ولا يخدعنك عن طلب ذلك وإدراكه (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)،
فقد وصفهم اللَّه تعالى بالصمم والعمى إذ قال: (مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) .
ثم ذمهم بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)،
ثم فرق بينهم وبين من ضادهم فقال: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) .
فأخبر اللَّه تعالى أنهم لا يسمعون ولا يبصرون لفقدان سمع القلب وبصره اللذين بهما تنال حقائق المسموعات والمبصرات.
وهذا الكتاب يشتمل على سبعة فصول وأبواب.
[ ٦٢ ]