العقل: اسم عام لا يكون بالقوة وبالفعل، ولا يكون غريزيا ومكتسبًا، وهو في اللغة عبارة عن قيد البعير لئلا يند، وسمي هذا الجوهر به تشبيهًا على عادتهم في استعارة أسماء المحسوسات للمعقولات، وخص بناء المصدر به لما كان يستعمل مرة للحدث، ومرة للفاعل، نحو عدل، وصوم، وزور، ومرة للمفعول نحو خلق وأمر. لكن يتصور
منه كونه سببًا لتقيد الإنسان به، وكونه مقيدًا له عن تعاطي ما لا يجمل، وكونه مقيدا به من بين الحيوان.
والنُّهى: في الأصل جمع نُهْيَة أو اسم مفرد نحو جُعَل ومُرد، أو وصف نحو دليل خضع وسائق حُطَم وجعل اسمًا للعقل الذي انتهى من المحسوسات إلى معرفة ما فيه من المعقولات، ولهذا أجبل أربابه على تدبر معاني المحسوسات في نحو قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)
وقال: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) .
والحجر: أصله من الحجر، أي: المنع وهو اسم لا يلزمه الإنسان من حظر الشرع
_________________
(١) ليس بحديث، لم أجده في مظانه، ولذا ييقى هذا كلاما حتى يثبت عند أهل الحديث قول فيه؛ لأن الراغب ليس بمحدث، ونستغربه على الراغب، لأنه يتصادم مع عصمة الأنبياء وفطنتهم وحفظ الله لهم بالبرهان كما تقدم في أمر يوسف ﵇.
[ ١٣٧ ]
والدخول في أحكامه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)
وسمي حجًّا من حجاه، أي قطعه، ومنه الأحجية، فكأنه سمي بذلك لكونه قاطعًا للإنسان عما يقبح.
ْوأما اللُّبُّ: فهو الذي قد خلص من عوارض الشَّبه، وترشح لاستفادة الحقائق من دون الفزع إلى الحواس، ولذلك علق اللَّه تعالى في كل موضع ذكره بحقائق المعقولات دون الأمور المحسوسة، نحو قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)
فوصفهم بهداية اللَّه إيَّاهم.
وقد سمى اللَّه تعالى العلم نورًا والجهل ظلمة فقال: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) .
وسماه روحًا في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا)
وسماه حياة والجهل موتًا في قوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا)
وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)
وسماه ماءً بقوله: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا.
والإيمان زبدة العقل والعمل، ولذلك قال في مواضع: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
فعلق به ما علق بهما، وسمى العقل قلبًا، وذلك أنه لما كان القلب مبدأ تأثير
الروحانيات والفضائل سميت به، ولذلك عظم الله تعالى أمره لاختصاصه بما قد أوجد لأجله وقال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)
وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)
وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)
فنبه أن القلب إنما يكون في الحقيقة قلبًا إذا كان متخصصًا بما قد أوجد لأجله، وما أوجد لأجله هو المعارف الحقيقية. وقال - ﷺ -: " إن في البدن مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن، وإذا فسدت فسد لها سائر البدن، ألا وهي القلب "
ولما كان أشرف المعارف هو ما يتخصص به القلب قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ) فخصه بالذكر.
[ ١٣٨ ]