بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
فلقد خلق الله الجن والإنس للعبادة كما قال ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^١). ومن أعظم العبادات الدعاء، فقد قال - ﷺ -: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^٢). (^٣)
_________________
(١) سورة الذاريات، الآيات: ٥٦، ٥٧، ٥٨.
(٢) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧١٤). وأبو داود في ٢ - کتاب الصلاة، ٣٥٩ - باب الدعاء (١٤٧٩). والترمذي في ٤٨ - كتاب تفسير القرآن، ٣ - باب: سورة البقرة، (٢٩٦٩)، وفي ٤١ - ب سورة المؤمن، (٣٢٤٧). وفي ٤٩ - ك الدعوات، ١ - ب ما جاء في فضل الدعاء، (٣٣٧٢). والنسائي في الكبري، ٨٢ - ك التفسير، سورة غافر، (١١٤٦٤ - ٦/ ٤٥٠). وابن ماجة في ٣٤ - ك الدعاء، ١ - ب فضل الدعاء، (٣٨٢٨). وابن حبان (١١٤٦٤ - موارد). والحاكم (١/ ٤٩٠ - ٤٩١). وأحمد (٤/ ٢٦٧ و٢٧١ و٢٧٦ و٢٧٦ - ٢٧٧). وابن المبارك في الزهد (١٢٩٨). والطيالسي (٨٠١). وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٠٠). وابن جرير الطبري في التفسير (٢٤/ ٧٨ و٧٩). والطبراني في الصغير (١٠٤١). وفي الدعاء (١ - ٧). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٠). والقضاعي في مسند الشهاب (٢٩ و٣٠). والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٧). وفي الدعوات (٤). والبغوي في التفسير (٤/ ١٠٣). وفي شرح السنة (٥/ ١٨٤ - ١٨٥/ ١٣٨٤).
[ ١ / ٣ ]
وقال ﷾: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (^١)، وقال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (^٢)، وما من شيء من المخلوقات إلا وقد خضع لله طوعًا وكرهًا، كلٌ يسبح الله تعالى بتسبيح يَعْلَمُه منه ﷾؛ قال الله تعالي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ (^٣)، وقال تعالي: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٤)، وقال النبي - ﷺ -: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْل أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ» (^٥)، ولقد أسمعَ اللهُ الصحابةَ
_________________
(١) = - من طريق ذر بن عبدالله المرهبي عن يسيع بن معدان الحضرمي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: فذكره. - قال الترمذي: «حسن صحيح» وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ولم يتعقبه الذهبي. وجوَّد إسناده الحافظ في الفتح (١/ ٦٤). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٠٧) وصحيح الترمذي (١/ ١٣٨).
(٢) سورة البقرة، الآية ١٨٦.
(٣) سورة البقرة، الآية ١٥٢.
(٤) سورة النور، الآية ٤١.
(٥) سورة الإسراء، الآية ٤٤.
(٦) أخرجه مسلم بلفظه في ٤٣ - كتاب الفضائل، ١ - باب: فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، (٢٢٧٧ - ٤/ ١٧٨٢). والترمذي في ٥٠ - ك المناقب، ٥ - ب في آيات إثبات نبوة النبي - ﷺ - ، (٣٠٠) بنحوه. والدارمي (١/ ٢٥/ ٢٠). وأحمد (٥/ ٨٩ و٩٥ و٥ہ ١٠). وابن أبي شيبة (١١/ ٤٦٤). والطبراني في الكبير (٢/ ١٩٠٧ و١٩٦١ و١٩٩٥ و٢٠٢٨). وفي الصغير (١٦٧). وأبو نعيم في الدلائل (٣٠٠). وفي تاريخ أصبهان (١/ ١٠٨). والبيهقي في الدلائل (١٣/ ٢٨٧). والبغوي في شرح السنة (١٣/ ٢٨٧). - من طرق عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة به مرفوعًا.
[ ١ / ٤ ]
تسبيح الطعام على عهد النبي - ﷺ - «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ" (^١).
وقد ألَّف العلماء في الذكر وفضله، والدعاء كتبًا عظيمة ولم يُغفلوا هذا الموضوع بل كتبوا فيه كثيرًا وعلى رأسهم الإمام النووي رحمه الله تعالى، وكتابه عظيم النفع في بابه، وقد قيل فيه: بِعِ الدارَ واشتَرِ الأذكار. ولما اطَّلعت على بعض كتب الأذكار أحببت أن أجمع منها من الأحاديث الصحيحة والحسنة ما تيسر من الأذكار والدعوات، وأعزوها إلى مصادرها الأصلية من كتب السنة، وأضيف إليها ما تيسر لي من الأذكار من كتب الحديث، وأرتِّب أذكارة ودعوات ورقي؛ لتكون مرجعا لي ولمن أراد من القاصرين مثلي.
وقد جمعت في هذا الكتاب الأذكار والدعوات والرقى التي يحتاجها المسلم، ولابد له من المواظبة عليها في مناسباتها التي كان النبي - ﷺ - يعمل بها فيها وترتيبي على النحو الآتي:
_________________
(١) هو طرف من حديث عبدالله بن مسعود قال: «كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا. کنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فقلَّ الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال: «حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ -، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل». . - أخرجه البخاري في ٦١ - ك المناقب، ٢٥ - ب علامات النبوة في الإسلام، (٣٥٧٩). والترمذي في ٤٦ - ك المناقب، ١٤ - ب في ذکر تسبيح الطعام ، (٣٦٣٣). وقال: «حسن صحيح». النسائي في ١ - ك الطهارة، ٦١ - ب الوضوء من الإناء، (١/ ٦٠ / ٧٧). والدارمي (١/ ٢٨ / ٢٩). وابن خزيمة (٢٠٤). وأحمد (١/ ٤٦٠). والطحاوي في المشكل (٤/ ٣٣٢). والبيهقي في الدلائل (٤/ ١١٧ و١٢٩ - ١٣٠) و(٦/ ٦٢). وابن أبي شيبة (١١/ ٤٧٤). وأبو نعيم في الدلائل (٣١١ و٣١٢).
[ ١ / ٥ ]
الذكر وفضله من الكتاب والسنة، والدعاء الذي يحتاجه المسلم في حياته، بل في يومه وليلته من وقت استيقاظه من النوم في الصباح الباكر إلى نومه من الليلة الأخرى - ما عدا الفرائض والواجبات التي علمت من دين الإسلام بالضرورة - ومن ذلك أذكار الصباح والمساء، والاستيقاظ من النوم، ودخول المنزل والخروج منه، وغير ذلك من الأذكار والدعوات. ثم أتبعت ذلك بشروط الدعاء وموانع الإجابة، وآداب الدعاء وأوقات وحالات وأماكن إجابة الدعوات، وأسباب قبول الدعاء. وذكرت نماذج ممن يستجيب الله دعاءهم ثم بينت اهتمام الأنبياء بالدعاء، وأهمية الدعاء ومكانته في الحياة. ثم جمعت معظم الدعوات التي وردت في كتاب الله ﷿، سواء كانت من دعوات الأنبياء والمرسلين أو من الدعوات التي ذكرها الله تعالى عن الصالحين، ثم جمعت دعوات غير مقيدة بزمن معين من دعوات النبي - ﷺ -. وأتبعت ذلك كله بأهمية العلاج بالرقى المشروعة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الل ه، ومنها: علاج السحر قبل وقوعه وبعده، وعلاج العين قبل الإصابة وبعدها، مع بيان الأسباب التي تدفع عين الحاسد عن المحسود، بإذن الله تعالى، وعلاج التباس الجني بالإنسي، وعلاج الأمراض النفسية، وعلاج القرحة والجرح، وعلاج: المصيبة، والهم والحزن، والكرب، والقلق، والفزع، والحمى، والغضب، والعلاج بالحبة السوداء، والعسل، وماء زمزم، وعلاج أمراض القلوب، وغير ذلك.
[ ١ / ٦ ]
وقد عزوت جميع الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب واستفدت كثيرة من تخاريج الشيخ الألباني، والشيخ عبدالقادر الأرناؤوط والشيخ شعيب الأرناؤوط وشيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، حفظهم الله تعالى وأثابهم، ونفعنا وجميع المسلمين بعلومهم. وقد سميته: «الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة».
وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم؛ وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبع أثره إلى يوم الدين.
المؤلف سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر في بداية عام ١٤٠٦ ه
[ ١ / ٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم