٢٤٦ - ١ - عن عائشة ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيَّ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ لَكَفَاكُمْ، فَإِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ» (^١).
_________________
(١) =وهذا معضل، بإسناد ضعيف، فإن الحارث هذا: لينه أبو حاتم وضعفه الدارقطني وقال ابن عدي: «وفي بعض رواياته ما لا يتابعه أحد عليه» وقال ابن حبان: «لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد» [الكامل (٢/ ١٩٢). المجروحين (١/ ٢٢٤). الميزان (١/ ٤٢٨). اللسان (٢/ ١٩٦)]. - وفي الجملة: فحديث عبد الله بن عمرو بن حسن بشاهده عن أبي هريرة والله أعلم. -[وحديث عبد الله بن عمرو حسنه الحافظ في الفتوحات الربانية (٤/ ٣٤٢) كما تقدم، وحسنه الألباني ف صحيح الجامع برقم (٤٥٥٤)، وفي مشكاة المصابيح برقم (١٩٩٣)] «المؤلف». أخرجه أبو داود في ٢١ - ك الأطعمة، ١٦ - ب التسمية على الطعام، (٣٧٦٧). والترمذي في ٢٦ - ك الأطعمة، ٤٧ - ب ما جاء في التسمية على الطعام، (١٨٥٨). وفي الشمائل (١٨٠ و١٨٤). والنسائي في عمل اليوم والليلة، (٢٨١). والدرامي (٢/ ١٢٩/ ٢٠٢١). والحاكم (٤/ ١٠٨). وأحمد (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨ و٢٤٦ و٢٦٥). والطيالسي (١٥٦٦). وإسحاق بن راهوية (٣/ ٦٨٩ و٦٩٠/ ١٢٨٨ و١٢٨٩). والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٢٢٧/ ٤٠٧). والبيهقي في السنن (٧/ ٢٦٧). وفي الشعب (٥/ ٧٤/ ٥٨٣٢). والمزي في تهذيب الكمال (٣٥/ ٣٨٢). - من طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم عن عائشة به. - وقد اختلف فيه على الدستوائي:
(٢) فرواه إسماعيل بن علية ووكيع بن الجراح ومعاذ بن هشام وعفان بن مسلم والمعتمر بن سليمان وأبو داود الطيالسي وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف وروح بن عبادة: ثمانيتهم [وهم ثقات] عن هشام به هكذا.
(٣) وخالفهم يزيد بن هارون [ثقة متقن. التقريب (١٠٨٤)] فرواه عن هشام الدستوائي عن بديل ابن ميسرة عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة به. فلم يذكر أم كلثوم. - أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٤). والدرامي (٢/ ١٢٩/ ٢٠٢٠). وابن حبان (١٣٤١ - موارد). =
[ ٢ / ٥٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =وأحمد (٦/ ١٤٣).
(٢) وخالفهم حماد [ويحتمل أن يكون ابن زيد أو ابن سلمة أو ابن مسعدة والأرجح هو الأخير، والله أعلم، وكلهم ثقات] فراوه عن هشام عن بديل عن عبد الله بن عتبة عن امرأة أن رسول الله ﷺ: فذكره. فقال: «ابن عتبة» بدل «ابن عبيد بن عمير» وأبهم الصحابية وأسقط الواسطة. - أخرجه أو يعلى (١٣/ ٧٩/ ٧١٥٣). - ورواية الجماعة أولى بالصواب، فهم أكثر ومعهم زيادة علم، فيجب قبولها. - وعليه: قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وأم كلثوم هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق ﵁». - وقال الحاكم: «صحيح الإسناد لم يخرجاه». - ويعارض قول الترمذي في كون أم كلثوم هي بنت محمد بن أبي بكر الصديق، أن الراوي عنها قال: عن امرأة منهم، وهو ليثي مما يقتضي أن تكون ليثية، وقد اعتمد ابن حجر في التهذيب (١٠/ ٢٥٩) قول الترمذي فقال: «فعلى هذا فقول ابن عمير: عن امرأة منهم؛ قابل للتأويل فينظر فيه، فلعل قوله: منهم، أي: كانت منهم بسبب، إما بالمصاهرة، أو بغيرها من الأسباب، والعمدة على قول الترمذي، والله تعالى أعلم. وقد ذكرها ابن منده في كتاب النساء بروايتها عن عائشة وبرواية عبد الله بن عبيد عنها ولم ينسبها». وهناك أم كلثوم ثانية: يروي عنها حجاج بن أرطأة، وثالثة يروي عنها: عمر بن عامر الأسلمي، قال في التهذيب: «فلعلهن كلهن واحدة» ثم تردد في التقريب (١٣٨٤) فقال: «فما أدري هل الجميع واحدة أم لا؟» وأما الذهبي في الميزان (٤/ ٦١٣) فقال: «تفرد عنها عبد الله بن عبيد بن عمير في التسمية على الأكل» وذكر اثنتين غيرها: التي تفرد عنها حجاج، وبنت ثمامة التي تفرد عنها سبطها محمد بن إبراهيم اليشكري ثم قال: «فلعل الثلاث واحدة». - فإن كان كذلك، فقد ارتفعت عنها الجهالة، لا سيما وهي تابعية من القرن الثاني الذين يدخلون في عموم قوله ﷺ: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم » [البخاري (٢٦٥٢ و٣٦٥١ و٦٤٢٩ و٦٦٥٨) وغيره]. وإن لم يكن الحال كذلك، فإن جدها أبو بكر الصديق وعمتها أم المؤمنين مع دخولها في عموم الحديث، ولعله لأجل ذلك قال الترمذي: «حسن صحيح» جزمًا منه بصحة الحديث وثبوته عن النبي ﷺ وهو الإمام الناقد البصير، فلابد حينئذ من المصير إلى قوله؛ إلا أن يظهر لنا بجلاء وحجة قوية خلاف قوله. * وللحديث شاهدان يؤكدان صحته: الأول: يرويه خليفة بن خياط ثنا عمر بن علي المقدمي قال: سمعت موسى الجهني يقول: أخبرني القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من نسى أن يذكر الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره فإنه =
[ ٢ / ٥٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =يستقبل طعامًا جديدًا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه». - أخرجه ابن حبان (١٣٤٠ - موارد). والطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٠/ ١٠٣٥٤). وفي الأوسط (٥/ ٢٥/ ٤٥٧٦). وفي الدعاء (٨٨٩). وابن السني (٤٥٩). - قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٣): «رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات». - وقال ابن حجر [الفتوحات (٥/ ١٨٣): «ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، ولولا ذلك لكان على شرط الصحيح». - قلت: لهذا الإسناد علتان: - الأولى: الاختلاف في سماع عبد الرحمن من أبيه، والصحيح أنه سمع منه، فقد أثبت له السماع: سفيان الثوري وشريك وابن المديني وابن معين [في رواية] وأحمد والبخاري وأبو حاتم [التاريخ الكبير (٥/ ٢٩٩). التاريخ الصغير (١/ ٩٩) [الأوسط]. الجرح والتعديل (٥/ ٢٤٨). سؤالات ابن هانئ (٢١٧٠). التهذيب (٥/ ١٢٥). جامع التحصيل (٤٣٧)] ونفي سماعه: ابن معين- في رواية، وهي الأرجح- وشعبة [تاريخ ابن معين للدوري (٢/ ٣٥١). التهذيب (٥/ ١٢٥)]. - والمثبت مقدم على النافي لما معه من زيادة علم، وللبخاري في ذلك حجة أوضحها في تاريخه. فزالت بذلك هذه الشبهة؛ أعني: العلة. - الثانية: تفرد خليفة بن خياط بهذا الحديث، وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد [راجع: التهذيب (٢/ ٥٧٩). الميزان (١/ ٦٦٥) لكني وجدت له متابعًا، فقد رواه أبو النضر هاشم بن القاسم عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل ثنا موسى الجهني به إلا أوفقه على ابن مسعود قوله. - أخرجه الخطيب في التاريخ (١٠/ ١٨). - وإسناده صحيح، وله حكم الرفع، فإن مثله لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد. - فزالت بذلك العلة الثانية؛ وصح الحديث ولله الحمد والمنة. - وقد صححه الألباني في الصحيحة (١/ ٣٣٦). - الثاني: يرويه: جابر بن صبح حدثني بن عبد الرحمن الخزاعي حدثني جدي أمية ابن مخشي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ؛ أن النبي ﷺ رأى رجلًا يأكل ولم يسم فلما كان في آخر لقمة، قال: بسم الله أوله وآخره. قال رسول الله ﷺ: «ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سمى قاء الشيطان ما أكل». - أخرجه البخاري في التاريخ الجديد (٢/ ٦). وأبو داود (٣٧٦٨). والنسائي في الكبرى، ٦٢ - ك آداب الأكل، (٤/ ١٧٤/ ٦٧٥٨) وفي ٨١ - ك عمل اليوم والليلة، (٦/ ٧٨/ ١٠١١٣) [٢٨٢]. والحاكم (٤/ ١٠٨ - ١٠٩). والضياء في المختارة (٤/ ٣٤١ - ٣٤٣/ ١٥٠٩ - ١٥١٢). وأحمد (٤/ ٣٣٦). وابن سعد في الطبقات (٧/ ١٢). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢٨١/ ٢٣٠١). وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٤٨). والطبراني في الكبير (١/ ٢٩١/ ٨٥٤ و٨٥٥). وابن=
[ ٢ / ٥٠٧ ]
٢٤٧ - ٢ - وعن ابن عباس ﵄؛ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «مَنْ أَطْعَمَهُ اللهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَاّ اللَّبَنَ» (^١) .
_________________
(١) = السني (٤٦١). والدارقطني في الأفراد (١/ ٤٠٠ - أطرافه). وأبو نعيم في معرفة الصحابة (١/ ٢٩٩). وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٢٨٤). والمزي في تهذيب الكمال (٢٧/ ٢٠٨). - قال الحاكم: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». - وقال الدارقطني: «تفرد به جابر بن الصبح عن المثني بن عبد الرحمن الخزاعي عن جده أمية». * تنبيهان:
(٢) زاد بعضهم: «عن أبيه» بين المثني وجده أمية، وهو وهم. انظر: التهذيب (١/ ٣٨٥).
(٣) وقال عيسى بن بونس في روايته: «عن عمه أمية»، خالفه من هو أوثق منه وأثبت: يحيى بن سعيد القطان فقال في روايته: «عن جده أمية» وهو الصواب، ووهم من قال: «عن عمه». انظر: تهذيب مستمر الأوهام (٣٢٠). التهذيب (١/ ٣٨٥). - وإسناده ضعيف، لجهالة المثنى بن عبد الرحمن، تفرد عنه جابر بن صبح. قال ابن المديني: «مجهول؛ لم يرو عنه غير جابر بن صبح» وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي: «لا يعرف؛ تفرد عنه جابر بن صبح» [التهذيب (٨/ ٤١]. الميزان (٣/ ٤٣٥)]. - ويشهد له ما قبله. * والحديث حسنه الحافظ ابن حجر [الفتوحات (٥/ ١٨٢)] وصححه الألباني في الإرواء (١٩٦٥) وغيره. * وقد سرق هذا الحديث، واختلق له إسنادًا من عنده: إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي [كذاب، متهم بالوضع. الميزان (١/ ٢٥٣). اللسان (١/ ٤٩٣)] فرواه عن الحسن بن صالح بن حي عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من نسى أن يقول أول الطعام: بسم الله، فليقل في آخره: بسم الله أوله وآخره، فإن الشيطان سيقيء ما أخذ». - أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٠٧) وقال: «وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل». -[وحديث عائشة صححه العلامة الألباني في: صحيح سنن أبي داود (٢/ ٤٤٢) برقم (٣٧٦٧)، وفي صحيح ابن ماجه برقم (٣٢٦٤)، وصحيح الترمذي (٢/ ٣٢٠) برقم (١٨٥٨)، وإرواء الغليل برقم (١٩٦٥)، وغيرها] «المؤلف».
(٤) أخرجه ابن ماجه في ٢٩ - ك الأطعمة، ٣٥ - ب اللبن، (٣٣٢٢). قال: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا ابن جريح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس به =
[ ٢ / ٥٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =مرفوعًا. - ثم خرج منه طرفًا آخر بنفس الإسناد ي ٣٠ - ك الأشربة، ٢٢ - ب إذا شرب أعطى الأيمن فالأيمن، (٣٤٢٦) ولفظه: أَتي رسول الله ﷺ بلبن وعن يمينه ابن عباس وعن يساره خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ لابن عباس: «أتأذن لي أن أسقي خالدًا» قال ابن عباس: ما أحب أن أوثر بسؤر رسول الله ﷺ على نفسي أحدًا، فأخذ ابن عباس فشرب وشرب خالد. * وللحديث طرف ثالث: - وقد أخرجه بتمامه في سباق واحد- معلقًا- ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٥) وأوله: عن ابن عباس، قال: دخلت على خالتي ميمونة وخالد بن الوليد، فقالت: يا رسول الله ألا أطعمك مما أهدت إليَّ أختي من البادية؟ فقربت ضبَّين مشويين على خبز، فقال النبي ﷺ: «كلوا فإنه ليس من طعام قومي، أجدني أعافه» فأكل منه ابن عباس، وخالد بن الوليد، وقالت ميمونة: لا آكل من طعام لم يأكل منه رسول الله ﷺ، فأتى بإناء فشرب، وعن يمينه ابن عباس وعن يساره خالد بن الوليد فذكر القصة، ثم قال النبي صىلى الله عليه وسلم: «من أطعمه الله طعامًا فليقل: » فذكره. - سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: «هذا خطأ من وجوه» وقد كتبت خطأه في ظهر وسمعته». - قلت: إن الناظر في هذا الإسناد ليجزم بضعفه من وجوه ثلاثة: - الأول: ضعف ابن جريج في الزهري، فقد قال هو نفسه: «لم أسمع من الزهري شيئًا، إنما أعطاني جزءًا فكتبته» وأجاز له. وقال ابن معين: «وابن جريج ليس بشيء في الزهري» [التهذيب (٥/ ٣٠٣). شرح علل الترمذي (٢٦٨)]. - الثاني: تدليس ابن جريج، فإنه قد عنعنه ولم يصرح بالسماع، فهو شبه الريح، قال الدارقطني: «تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح » [التهذيب (٥/ ٣٠٣). وانظر: الميزان (٢/ ٦٥٩)]. - الثالث: إسماعيل بن عياش: فإن روايته عن الحجازيين ضعيفة؛ وهذه منها، فإن ابن جريج مكي. - لكن هذا الضعف ليس بالشديد، فإنه يتقوى بمجيء الحديث من وجه آخحر يعضده، فإذا وجدناه صار به حسنًا لغيره. - وهذا ما قد يفسره به قول أبي حاتم: «هذا خطأ من وجوه» إلا أن هذا الإمام الناقد البصير قد كفانا مؤونة ذلك، وأبان لنا عن علة هذا الإسناد، وأنه إسناد خطأ أدخل على هشام، لا يعتضد بغيره، ولا يتقوى به غيره. - ففي موضع آخر من العلل (٢/ ٤) قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار بآخره عن إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الضب قصة خالد بن الوليد؟ قال أبي: هذا خطأ؛ إنما هو الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن ابن عباس عن خالد بن الوليد عن النبي ﷺ».=
[ ٢ / ٥٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =- قلت: وهذا قد رواه مالك بن أنس ومحمد بن الوليد الزبيدي ومعمر بن راشد ويونس بن يزيد الأيلي وصالح بن كيسان وعقيل بن خالد: سنتهم [وهم ثقات أصحاب الزهري] عن ابن شهاب الزهري عن أبي إمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عباس عن خالد بن الوليد بن المغيرة: أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة زوج النبي ﷺ فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة، أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن ياكل منه، فقيل: هو ضب يا رسول الله! فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه» قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، لفظ حديث مالك. - أخرجه البخاري (٥٣٩١ و٥٤٠٠ و٥٥٣٧)، ومسلم (١٩٤٥ و١٩٤٦)، ومالك (٢/ ٧٣٧/ ١٠)، وأبو داود (٣٧٩٤)، والنسائي في المجتبى (٧/ ١٩٨/ ٤٣٢٧ و٤٣٢٨)، وفي الكبرى (٤/ ١٥٣/ ٦٦٥٣)، وابن ماجه (٣٢٤١)، وأحمد (١/ ٣٣٢) و(٤/ ٨٨ و٨٩)، والشافعي في المسند (١٦٨)، وعبد الرازق (٤/ ٥٠٩/ ٨٦٧١)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٠٢)، والبيهقي (٩/ ٣٢٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٠٧ - ١٠٩/ ٣٨١٥ - ٣٨٢١)، وغيرهم. - ثم قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: وفي حديث إسماعيل عن ابن جريج قال: فأتى النبي ﷺ بإناء فشرب وعن يمينه ابن عباس فذكر الحديث ثم قال: قال أبي: ليس هذا من حديث عبيد الله ابن عبد الله، ولا من حديث أبي أمامة بن سهل، وإنما هو من حديث الزهري عن أنس». - قلت: وهذا قد رواه مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وشعيب بن أبي حمزة ومحمد بن الوليد الزبيدي ويونس وسفيان بن حسين وغيرهم [وفيهم أثبت أصحاب الزهري] عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء من البئر، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن الأيمن» لفظ حديث مالك، وفي حديث غيره زيادة وهي في الصحيح. - أخرجه البخاري (٣٥٢ و٥٦١٢ و٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩)، ومالك (٢/ ٧٠٦/ ١٧)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، والنسائي في الكبرى (٤/ ١٩٣/ ٦٨٦١)، وابن ماجه (٣٤٢٥)، والدارمي (٢/ ١٦٠/ ٢١١٦)، وابن حبان (١٢/ ١٥٠ - ١٥٣/ ٥٣٣٣ و٥٣٣٤ و٥٣٣٦ و٥٣٣٧)، وأحمد (٣/ ١١٠ و١١٣ و١٩٧ و٢٣١)، وأبو يعلى (٦/ ٣٥٥٢ - ٣٥٥٥ و٣٥٦١ و٣٥٦٢ و٣٥٦٤ و٣٦٠٠ و٣٦١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٤)، والبيهقي (٧/ ٢٨٥)، وغيرهم. - وحديث سهل بن سعد أشبه من حيث المتن وسياق القصة [إلا أنه ليس من حديث الزهري]، ففيه: أتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: «يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟» قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه.=
[ ٢ / ٥١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =- أخرجه البخاري (٢٣٥١ و٢٣٦٦ و٢٤٥١ و٢٦٠٢ و٢٦٠٥ و٥٦٢٠)، ومسلم (٢٠٣٠)، ومالك (٢/ ٧٠٦/ ١٨)، والنسائي في الكبرى (٤/ ١٩٥/ ٦٨٦٨)، وابن حبان (١٢/ ١٥١/ ٥٣٣٥)، وأحمد (٥/ ٣٣٣/ ٣٣٨)، والروياني (١٠٢٧)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٩٤٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ٥٧٦٩ و٥٧٨٠ و٥٨١٥ و٥٨٩٠ و٥٩٥٧ و٥٩٨٩ و٦٠٠٧)، والبيهقي (٧/ ٢٨٦)، وغيرهم. - ثم قال ابن أبي حاتم: «وفي هذا الحديث بعض هذا الكلام فقال النبي ﷺ: «من أطعمه الله طعامًا فليقل: » فذكر الحديث ثم قال: قال أي: ليس هذا من حديث الزهري، إنما هو من حديث علي بن زيد بن جدعان عن عمر بن حرملة عن ابن عباس عن النبي ﷺ، قال أبي: وأخاف أن يكون قد أدخل على هشام بن عمار لأنه لما كبر تغير». - قلت: وحديث ابن جدعان هو الذي أعني؛ من أنه إذا جاء للحديث ما يقويه ويعضده فإنه يعتضد به ويصير حسنًا، ولكن هيهات أن يعتضد حديث ابن جدعان بحديث هشام بن عمار الذي آفته التلقين كما سيأتي بيانه. - أما حديث ابن جدعان ففيه قصة الضب والشرب والدعاء، رواه عنه شعبة وحماد زيد وإسماعيل ابن علية وسفيان بن عيينة، ولفظ حديث سفيان: عن ابن عباس قال دخلت مع رسول الله ﷺ على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد فقالت له ميمونة: ألا نقدم إليك يا رسول الله! شيئًا أهدته لنا أم عفيق، فأتته بضباب مشوية، فلما رآها رسول الله ﷺ تفل ثلاث مرات، ولم يأكل منها، وأمرنا أن نأكل، ثم أُتي رسول الله ﷺ بإناء فيه لبن فشرب، وأنا عن يمينه وخالد عن يساره، فقال لي رسول الله ﷺ: «الشربة لك يا غلام! وإن شئت آثرت بها خالدًا» فقلت: ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله ﷺ أحدًا، ثم قال رسول ﷺ: «من أطعنه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأبدلنا ما هو خير منه، ومن سقاه الله لبنًا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم يجزئ من الطعام والشراب غيره». - أخرجه أبو داود (٣٧٣٠)، والترميذي (٣٤٥٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٨٦ و٢٨٧)، وأحمد (١/ ٢٢٥ و٢٨٤)، والطيالسي (٢٧٢٣)، وعبد الرازق (٤/ ٥١١/ ٨٦٧٦)، والحميدي (٤٨٢) واللفظ له، وابن سعد في الطبقات (١/ ٣٩٧)، وابن السني (٤٨٤)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٠٤ و١٢٣/ ٥٩٥٧ و٦٠٤١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ١٢١ و١٢٣)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (١/ ١٥٩)، والمزي في تهذيب الكمال (٢١/ ٢٩٧). - قال الترمذي: «هذا حديث حسن». - وهو كما قال على شرطه: أعني: أن إسناده ضعيف، ففيه: عمر بن حرملة وفي اسمه اختلاف: وهو مجهول، قال أبو زرعة: «لا أعرفه إلا في الحديث» وقال الذهبي: «لا يدري من هو»، وقال ابن حجر: «مجهول» [التهذيب (٦/ ٣٨)، الميزان (٣/ ١٨٦)، التقريب (٧١٥)].=
[ ٢ / ٥١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =- وعلي بن زيد بن جدعان: ضعيف [التقريب (٦٩٦)]. - ولا يحسن حديثه بمجيئه من طريق هشام بن عمار: - وذلك: لأن هشامًا لما كبر تغير، فكلما دفع إليه قرأه، وكلما لقن تلقن، وكان قديمًا أصح، كان يقرأ من كتابه، قاله أبو حاتم، وقال أبو داود: «حدث هشام بأربعمائة حديث مسندة، لبس لها اصل، كان فضلك يدور على أحاديث أبي مسهر وغيرها يلقنها هشامًا فيحدث بها» [التهذيب (٩/ ٥٨)، الميزان (٤/ ٣٠٢)، السير (١١/ ٤٢٠)]. - وقد قلنا بطرح حديث هشام ها هنا؛ لأنه ظهر لنا بأنه مما تلقنه لأمارات ثلاث: - الأولى: أنه من رواية ابن ماجه عنه، وهو ممن روى عنه باخرة، فقد ولد ابن ماجه سنة (٢٠٩) ولهشام ست وخمسون سنة، وهذا يعني أنه أدركه كبيرًا بعدما تغير. - الثانية: تصريح ابن أبي حاتم بأن هذا الحديث قد رواه هشام بآخرة. - الثالثة: قول أبي حاتم: «وأخاف أن يكون قد أدخل على هشام بن عمار لأنه لما كبر تغير». - وأبو حاتم من أعلم الناس بهشام بن عمار وبحديثه، فإنه كان رأى أصله واطلع عليه؛ لهذا فهو أعلم بما أدخل عليه لما كبر، وتلقنه، فها هو يُسأل عن حديث به فيقول جازمًا: «هذا حديث باطل كاذب، قد أدخل على هشام» [العلل لابنه (١/ ٣٨٨)، وانظر في ذلك: العلل (١/ ٧٧) و(٢/ ٣٣ و٤٥ و٨٣ و١٣٥)]. - ومن هنا تظهر مكانة هؤلاء الأئمة النقاد، فقد يحكم بعدهم على حديث بالصحة؛ لسلامته عندهم من العلة والشذوذ، وذلك لعدم تمكنهم من الاطلاع على الأصول والنسخ الحديثية، التي تتيح لهم فرصة التعرف على حديث الرجل، فمهما زاد بعد ذلك على ما كان في أصل كتابه، فلا شك في بطلانه. - ولابن حجر العسقلاني كلام نفيس في الإشادة بمنزلة هؤلاء الأئمة وتقدمهم في هذا الفن يأتي ذكره عند تخريج حديث كفارة المجلس، ونذكر هنا بعضه إذ يقول: « وبهذا التقريب يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه » [النكت (٢/ ٧٢٦)]. - ومن المعلوم: أن قبول التلقين على قادحة في الحديث تؤدي إلى رده وعدم الاعتبار به، وفي ذلك يقول الحميدي: «ومن قبل التلقين، ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه» [الكفاية (١٨١)، الجرح والتعديل (٢/ ٣٤)]. - وأعظم من ذلك أن قبول التلقين مظنة رواية الموضوع، فقد أورد الشوكاني في الفوائد المجموعة حديثًا (١٥٨) أعله ابن الحوزي بأن راويه كان يتلقن، ثم أعقبه بتعقب السيوطي له في اللآلي: «هذا لا يقتضي الوضع»، فتعقبهما العلامة عبد الرحمن المعلمي بقوله (ص ٤٨٠): «لكنه مظنة رواية الموضوع، فإن معنى قبول التلقين أنه قد يقال له: أحدثك فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول:=
[ ٢ / ٥١٢ ]