أسباب الرزق كثيرة متنوعة من أهمها: لزوم التقوى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وقال تعالى في ذكر الإستغفار والتوبة وفوائدهما: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠].
ومن أعظم الأسباب الجالبة للرزق: ترك الذنوب والمعاصي، فإنها تحرم خيري الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أي بجنايتكم على أنفسكم، فقد سمَّى جناية المرء على نفسه كسبًا.
وقال - ﷺ -: "إن الرجل ليُحْرم الرزق بالذنب يصيبه" (١).
قيل لرجل من الفقهاء: من يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فقال الفقيه: والله، إنه ليجعل لنا المخرج، وما بلغنا من التقوى ما هو أهله وإنه ليرزقنا وما اتقيناه، وإنا لنرجو الثالثة، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرًا (٢).
_________________
(١) رواه أحمد.
(٢) حلية الأولياء ٤/ ٢٤٨.
[ ١١ ]
وقال بعض السلف متعجبًا ممن يعصي الله ﷿ كيف يرزقه الكريم الحليم، فقال: عجبت لمن يصلي الصبح بعد طلوع الشمس كيف يرزق؟ !
أين نحن من هؤلاء:
لم تكن الدنيا أكبر همهم ومبلغ سعيهم، فلم تلههم، كانوا يعرفون نعم الله ﷿ الأخرى، وأعظمها وأهمها، وأكملها وأتمها نعمة الإسلام، ثمَّ نعمة الصحة والعافية، والأمن في الأوطان: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
عن الحسن بن صالح قال: ربَّما أصبحت ما معي درهم، وكأن الدنيا كلها قد حيزت لي (١).
ولقد كان ارتباطهم بالله ﷿ قويًا، وخوفهم من المعاصي شديدًا، ولهذا يرون أثر المعاصي لقلتها في دوابهم وزوجاتهم وأبنائهم!
فقد أغلظ رجل لوكيع بن الجراح، ثم دخل وكيع بيتًا فعفر وجهه بالتراب، ثم خرج إلى الرجل فقال زد وكيعًا بذنبه، فلولاه ما سُلطت عليه (٢).
وكان المال وسيلة عندهم، والمآل والمنتهى والمطلب هو جنة عدن، ولهذا تدور إجاباتهم وهمومهم على الآخرة، فهى غاية
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١/ ٢١٧.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٥٠٣.
[ ١٢ ]
المطالب، وأسمى المنازل.
قيل لأبي حازم الزاهد ما مالك؟ قال: مالان، لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس (١).
اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس واقنع بياس فإن العز في اليأس
واستغني عن ذي قربى وذي رحم إن الغِنَّي من استغنى عن الناس (٢)
ومن يسَّر الله له المال، وساق إليه الخيرات، فليشكر الله على نعمه، وليستعملها في طاعته، ويفرقها ذات اليمين والشمال في اصحاب الحقوق، وقضاء الحوائج.
قال ابن تيمية: "ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس؛ ليبارك له فيه، من غير أن يكون له في القلب مكانة، والسعي فيه إذا سعى كإصلاح الخلاء".
ثم قال ﵀: "فيكون المال عنده يُستعمل في حاجته يمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، فيكون هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا".
ورزق الله مكتوب مقدر، لا يجلبه حرص حريص، ولا يدفعه
_________________
(١) جامع العلوم والحكم ص ٣٥٣.
(٢) مكاشفة القلوب ص ١٨١.
[ ١٣ ]
كسل كسول، فإن الله ﷿ قسم الأرزاق بعلمه وعدله، ولهذا كفر من قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ إنما هي منحة ربانية؛ ليبتلي عباده بها!
قالت مريم البصرية: ما أهتممت بالرزق ولا تعبت في طلبه منذ سمعت الله ﷿ يقول:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢].
أخي المسلم:
إذا سُدَّ باب عنك من دون حاجةٍ فدعه لأخرى ينفتح لك بابُها
فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ويكفيك سوآت الأمور اجتنابُها
ولاتك مبذالًا لعرضك واجتنب ركوب المعاصي يجتنبك تقلبُها (١)
وحذر النبي - ﷺ - أن تكون الدنيا وطعامها هَمَّ المسلم وديدنه في ليله ونهاره، تشغله عن الطاعة، وتصرفه عن العبادة، قال - ﷺ -: "من أصبح والدنيا أكبر همِّه، جعل الله فقره بين عينيه، وشتَّت عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له، ومن أصبح والآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع" (٢).
_________________
(١) الإحياء ٣/ ٢٥٤.
(٢) رواه الترمذي وصححه الألباني.
[ ١٤ ]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فهذا هو الفقر الحقيقي والغنى الحقيقي، وإذا كان هذا غنى من كانت الآخرة أكبر همه فكيف من كان الله سبحانه أكبر همه؟ فهذا من باب التنبيه والأولى (١).
وقد وردت آيات كثيرة نصت على الترف والمترفين، وسوء ذلك على نفوس الكثير، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] وقال تعالى عن أصحاب الشمال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤].
والأمر في الأموال والدور والقصور، مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تصنيفه لفئات الناس مع المال: "والفقر يصلح عليه خلق كثير، والغنى لا يصلح عليه إلا أقل منهم، ولهذا كان أكثر ما يدخل الجنة المساكين؛ لأن فتنة الفقر أهون، وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، لكن لما كان في السراء اللذة وفي الضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء".
ولهذا مال الإنسان محدود الفائدة في ذاته إما لقمة يأكلها، أو ثوبًا يلبسه أو مركبًا يركبه، أما من اراد به الله الخير فهو ينفق منه،
_________________
(١) طريق الهجرتين ص ٤٥.
[ ١٥ ]
ويتصدَّق ويواسي ويفرج، فهذا نعم المال!
قال - ﷺ -: "يقول ابن آدم مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (١).
قال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة (٢).
ومن هذا الخوف والوجل كانوا يحتاطون لأنفسهم، ويحاسبونها؛ رغبة في النجاة، وخوفًا من الوقوع في الهلاك.
قال خرمي بن يونس: سمعت أبا يوسف الغولي يقول: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة.
وكان أبو حنيفة خزازًا يبيع الخز، فروي أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا حنيفة قد احتجت إلى ثوب خز، فقال: ما لونه؟ قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، فما دارت الجمعة حتى وقع، فجاءه الرجل فقال له أبو حنيفة: قد وقعت حاجتك، ثم أخرج إليه ثوبًا فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة كم أزن للغلام؟ فقال درهمًا، فقال: أتهزأ بي قال: لا والله إني اشتريت ثوبين بعشرين دينارًا ودرهم، فبعت أحدهم بعشرين دينارًا، وبقى هذا بدرهم، وما كانت لأربح على صديق. فأخذه! (٣).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/ ٢١٢.
(٣) مناقب أبي حنيفة للموفق ١/ ١٩٦.
[ ١٦ ]
قال سفيان الثوري: انظر درهمك من أين هو، وصل في الصف الأخير (١).
وقال محمد بن سيرين: كان يقال: المتعلم المسلم عند الدرهم (٢).
وغالب الناس اليوم ينطبق عليهم قول الشاعر:
نُرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نُرقع
ولهذا قلت الدمعة في المآقي، وندر البكاء من خشية الله.
قال سهل ﵀: لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال (٣).
وعندما رأى عطاء بن يسار رجلًا في المسجد فدعاه فقال: هذه سوق الآخرة، فإن أردت البيع فأخرج إلى سوق الدنيا (٤).
وروي عن خالد البلوي قال: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: أرشدت إليك تبيعني ثوبين أريدهما لأمي وزوجتي، وأحسن بيعي، فقال له، أي لون تريد؟ فوصف له. فقال: انتظرني جمعتين، قال: نعم. فذهب، ثم جاء بعد ذلك فدفع إليه ثوبين ودينارًا واحدًا وقال: إني لم أخسر عليك، إني جعلت لك بضاعة فرزقت من عند الله ﷿، فأحمده فقلت له، أو قيل له: يا أبا حنيفة هل ذكرت
_________________
(١) حلية الأولياء ٧/ ٦٨.
(٢) الزهد للبيهقي ص ٣٦٢.
(٣) الإحياء ٤٠/ ١٧٠.
(٤) الورع للإمام أحمد بن حنبل ص ٥١.
[ ١٧ ]
بينكما معرفة قديمة؟ قال: لا. ألم تسمع إلى قوله: (وأحسن بيعي).
قال سعيد بن جبير: إذا قال الرجل للرجل: أحسن بيعي فقد ائتمنه، فلم أكن أبقي من الإحسان شيئًا إلا أتيته؛ لتسلم لي أمانتي (١).
وعن علي بن حفص البزاز قال: كان حفص بن عبدالرحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه، فبعث إليه في رفقة بمتاع، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيبًا، فإذا بعته فبيِّن. فباع حفص المتاع ونسي أن يبيِّن ولم يعلم ممن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدق بثمن المتاع كُلِّه (٢).
أخي الحبييب: أين نحن من هؤلاء:
قال مسلمة بن عبدالملك: دخلتُ على عمر بن عبدالعزيز بعد الفجر في بيت كان يخلو فيه بعد الفجر، فلا يدخل عليه أحدٌ، فجاءته جارية بطبق عليه تمرُ صيحاني، وكان يُعجبه التمر، فرفع بكفِّه منه، فقال يا مسلمة، أترى لو أن رجُلًا أكل هذا، ثم شرب عليه من الماء -على التمر طيب- أكان مُزجئه إلى الليل؟ قلتُ: لا أدري. قال: فرفع أكثر منه فقال: هذا؟ قلتُ: نعم يا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا، حتى ما يُبالي أن لا يذوق طعامًا غيره. قال: فعلامَ يدخل النار؟ قال مسلمة: فما وقعتْ مني موعظة ما وقعتْ
_________________
(١) مناقب أبي حنيفة للموفق ١/ ٢٤١.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٨.
[ ١٨ ]
هذه (١).
وعن مزمل قال: سمعت وهيبًا (ابن الورد) يقول لو قمت قيام هذه السارية ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام.
وعندما نظر حذيفة المرعشي إلى الناس يتبادرون إلى الصف الأول، فقال: ينبغي أن يتبادروا إلى أكل خبز الحلال، ولا يُتبادر إلى الصف الأول (٢).
والشيطان في صراع وجهاد لإغواء المسلم وصده عن سبيل الله.
قال يوسف بن أسباط: إذا تعبد الشاب يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعم سوء، قال: دعوه، لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نصيبه (٣).
وقد يجعل الله ﷿ نعمة المال استدراجًا لمن عصاه وخالف أمره، كما سمعنا ذلك عن أمم سابقة، ورأينا ذلك في أمم ودولٍ معاصرة، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
[النحل: ١١٢].
_________________
(١) الورع لأحمد ص ٦٣.
(٢) الزهد للبيهقي ص ٢٥٣.
(٣) الزهد للبيهقي ص ٣٥٩.
[ ١٩ ]
قال شعيب بن حرب: لا تحقرنَّ فلسًا تطيع الله في كسبه، ليس الفلس يراد، إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلًا فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك (١).
أرى حُللًا تُصان على أناس وأخلاقًا تداس فلا تصانُ
يقولون الزمان به فساد وهم فسدوا، وما فسد الزمان
قال بعض السلف: لترك دينار مما يكره الله، أحب إلي من خمسمائة حجة (٢).
ولهذا قال الحسن: رأيت سبعين بدريًّا كانوا فيما أحلَّ الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم (٣).
المال يذهب حلَّه وحرامه طرًا ويبقى في غدٍ آثامه
ليس المتقي بمتق لإلهه حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما تحوى وتسكب كفه ويكون في حسن الحديث كلامه (٤)
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ١٠.
(٢) الورع لابن أبي الدنيا.
(٣) حلية الأولياء ٤/ ٢٥٥.
(٤) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٩.
[ ٢٠ ]
أما صدق الحديث في البيع والشراء فإنك ترى العجب من حال أولئك!
حدثنا زياد بن الربيع عن أبيه: قال رأيت محمدًا بن واسع يمر ويعرض حمارًا له على البيع فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه (١).
وجاء مجمع التيمي بشاة يبيعها، فقال: إني أحسب أو أظن في لبنها ملوحةً.
وجاء يوسف بن عبيد بشاةٍ، فقال: بعها وابرأ من
أنها تقلب المعلف، وتنزع الوتد، ولا تبرأ بعد ما تبيع، بيِّن قبل أن تبيع (٢).
أين نحن من هؤلاء؟ !
عن السري بن يحيى قال: لقد ترك ابن سيرين ربح أربعين ألفًا في شيء دخله (٣).
وعن ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبةً من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه، ومطعمه، ومشربه (٤).
_________________
(١) الورع لابن أبي الدنيا ص ١٠٤.
(٢) الورع لابن أبي الدنيا ص ١٠٤.
(٣) صفة الصفوة ٣/ ٢٤٤.
(٤) السير ٥/ ٧٤.
[ ٢١ ]
وكانت الزوجة والابنة الصالحة تعين على الحلال واستطابة المطعم.
قالت ابنة العدوية لأبيها: يا أبتِ، لست أجعلك في حلٍ من حرام تطعمنيه. فقال لها: أرأيت إن لم أجد إلا حرامًا. قالت: نصبر في الدنيا على الجوع، خير من أن نصبر في الأخرة على النار.
وقال المعافى بن عمران: كان عشرة فيمن مضى من أهل العلم، ينظرون في الحلال النظر الشديد، لا يدخلون بطونهم، إلا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفُّوا التراب، ثم عد بشر، وإبراهيم بن أدهم، وسليمان الخواص، على بن الفضيل، وأبا معاوية الأسود ويوسف بن اسباط، ووهيب بن الورد، وحزيفة شيخ من أهل حران، وداود الطائي، فعد عشرة كانوا لا يدخلون بطونهم إلا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفُّوا التراب (١).
وكان بشرٌ يقول: ينبغي للرجل أن ينظر خبزه من أين هو؟ ومسكنه الذي سكنه أصله من أي شيء؟ ثم يتكلم (٢).
وقال علي بن شعيب، قال لي أبي: كنت قلْت عند فلان، قال: فقال لي: أكلت عنده؟ قلت: نعم قال: احْمِد ربك، أكلت ما لا تُسأل عنه، يعني عن كسبه (٣).
_________________
(١) الورع للإمام أحمد ص ١٠.
(٢) الورع للإمام أحمد ص ١٠.
(٣) الورع للإمام أحمد ص ١٠.
[ ٢٢ ]
وقال أبو يوسف الغسولي: إنه ليكفيني في السنة اثنا عشر درهمًا، في كل شهر درهم، وما يحملني على العمل إلا ألْسنَةُ هؤلاء القرَّاء، يقولون: أبو يوسف من أين يأكل؟
وكان يقول: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة.
وسأل خلف بن تميم، إبراهيم بن أدهم فقال: منذ كم قدمت الشام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، ما جئت لرباط ولا لجهاد، جئت لأشبع من خبزٍ حلال.
وقال ابن المبارك: رد درهمٍ من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم، ومائة ألف، حتى بلغ إلى ستمائة ألف (١).
وتأمل في سؤال فقهي: ليس المراد الجواب .. بل في السؤال تحرز وبراءة للذمة!
سُئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ثلاثة دراهم منها درهم لا يعرفه. قال ﵀: لا يأكل منها شيئًا حتى يعرفه.
وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل، وأمره أن يبيعه يوم يدخل لسعر يومه، فأتاه كتابه أني قدمت البصرة فوجدت الطعام منقصًا فحبسته، فزاد الطعام، فازددت كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وصلت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي فتصدَّق بجميع ذلك الثمن -ثمن الطعام- على فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك (٢).
_________________
(١) الإحياء ٢/ ١٠٣.
(٢) جامع العلوم والحكم ص ١٣٢.
[ ٢٣ ]
وكانوا يتواصون بالحرص على القليل من الحلال؛ ففيه غنية وبركة ..
قال بشر بن الحارث: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال؛ لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام، فكيف على هذه الأقدار اليوم (١)؟ !
ومن يحمد الدنيا لعيش يسره فسوف لعمري على قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةً وأن أقبلت كانت كثيرة همومها (٢)
أخي المسلم:
كان عمرو بن قيس الملائي إذا نظر إلى أهل السوق قال: ما أغفل هؤلاء عما أُعد لهم (٣)!
وكان يونس بن عبيد يشتري الإبرسيم في البصرة، فيبعث به إلى وكيله بالسوس، وكان وكيله يبعث إليه بالخز، فإن كتب وكيله إليه أن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم أبدًا، حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد (٤).
_________________
(١) الورع للإمام أحمد ص ٧.
(٢) الإحياء ٣/ ٢٢١.
(٣) صفة الصفوة ٣/ ١٢٤.
(٤) حلية الأولياء ٣/ ١٥.
[ ٢٤ ]
أخي الحبيب:
يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا
جاء رجل من أهل الشام من سوق الخزازين، فقال المطرف بأربعمائة، فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين، فنادى المنادي بالصلاة، فانطلق يونس إلى بني قشير؛ ليصلي بهم، فجاء وقد باع ابن أخته المطرف من الشامي بأربعمائة، فقال يونس: ما هذه الدراهم؟ قال: ذاك المطرف بعناه من ذا الرجل، قال يونس: يا عبدالله هذا المطرف الذي عرضت عليك بمائتي درهم فإن شئت خذه، وخذ مائتين وإن شئت فدعه (١).
حدث: أحمد بن حفص: دخلت على أبي الحسن. يعني إسماعيل. والد إبراهيم عبدالله البخاري عند موته، فقال: لا أعلم من مالي درهمًا من حرام ولا درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد: فتصاغرتْ إليَّ نفسي عند ذلك، ثم قال أبو عبدالله: أصدق ما يكون الرجل عند الموت (٢).
ورحم الله الصاحبي الجليل أبا الدّرداء إذ يقول: من فقه الرَّجل المسلم استصلاحه معيشته.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣/ ١٥.
(٢) السير ١٢/ ٤٤٧.
[ ٢٥ ]
وقال ﵁ صلاح المعيشة من صلاح الدين، وصلاح الدين من صلاح العقل.
وقال: ليس من حُبِّك الدُّنيا التماسُك بما يصلحك منها (١).
وقال عمر بن الخطّاب ﵁ موجِّهًا القرَّاء: يا معشر القرَّاء، استبقوا الخيرات، وابتغوا من فضل الله، ولا تكونوا عيالًا على الناس (٢).
ويحكى عن مبارك أبي عبدالله: أنه كان يعمل في بستان لمولاه، وأقام فيه زمانًا، ثم أن مولاه صاحب البستان وكان أحد تُجار همذان جاءه يومًا، وقال له: يا مبارك، أريد رمانًا حلوًا.
فمضى مبارك إلى بعض الشجر، وأحضر منها رمانا، فكسره مولاه، فوجده حامضًا، فحرد عليه، وقال: أطلب الحلو فتحضر لي الحامض! هات حلوًا.
فمضى وقطع من شجرة أخرى، فلما كسره سيده وجده أيضًا حامضًا، فاشتد حرده عليه، وفعل ذلك مرة ثالثة، فذاقه، فوجد أيضا حامضًا، فقال له بعد ذلك:
أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟
فقال: لا.
فقال: وكيف ذلك؟
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٥.
(٢) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٥.
[ ٢٦ ]
فقال: لآني ما أكلت منه شيئًا حتى أعرفه.
فقال: ولِمَ لم تأكل؟
قال: لأنك ما أذنت لي بالأكل منه.
فعجب صاحب البستان من ذلك، ولما تبين له صدق عبده؛ عظم في عينه، وزاد قدره عنده. وكانت له بنتُ خطبت كثيرًا، فقال له: يا مبارك، من ترى تزوج هذه البنت؟
فقال: أهل الجاهلية كانوا يزوجون للحسب، واليهود للمال، والنصارى للجمال، وهذه الأمة للدين.
فأعجبه عقله، وذهب فأخبر به زوجته، وقال لها: ما أرى لهذه البنت زوجًا غير مبارك.
فتزوجها، وأعطاهما أبوها مالًا كثيرًا، فجاءت بعبدالله بن المبارك، العالم، المحدث، الزاهد، المجاهد، الذي كان أكرم ثمرة زواجٍ على أبويه في آفاق زمانه، حتى قال فيه الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى ويقسم على قوله: "وربَّ هذا البيت، ما رأت عيناي مثل ابن المبارك" (١).
واليوم وقد كثر الغش، والخداع، في واقع حياة بعض الناس، ندر أن تجد الصادق الصدوق في أداء الامانة، المبتعد عن الغش والخديعة!
وإن كانت نتيجة المعصية واضحة معلومة في الآخرة، فإن
_________________
(١) وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٧ والتبر المسبوك ص ٨٥.
[ ٢٧ ]
مآلها في الدنيا أقرب!
ذُكر أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى في خلافته عن مَذق اللبن بالماء (أي مزجه به)، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنةِ لها: ألا تمذُقين لبنك فقد أصبحت؟
فقالت الجارية: كيف أمذُق وقد نهى أمير المؤمنين عن المَذق؟
فقالت: قد مذق الناس فامذُقي، فما يدري أمير المؤمنين؟
فقالت: إن كان عمر لا يعلم، فإله عمر يعلم ما كنت لأفعله وقد نهى عنه.
فوقعت مقالتها من عمر، فدعا عاصمًا ابنه، فقال:
يا بُني، اذهب إلى موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية -ووصفها له-.
فذهب عاصم، فإذا هى جارية من بني هلال، فقال له عمر:
اذهب يا بُني، فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب.
فتزوجها عاصم بن عمر، فولدت له أمُ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فتزوجها عبدالعزيز بن مروان بن الحكم، فأتت بعمر بن عبدالعزيز (١).
واما أثر المال الحرام فواضح، حتى وإن كان المال قليلًا والرجل مجاهدًا ..
_________________
(١) سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن عبدالحكم ص ٢٢.
[ ٢٨ ]
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي - ﷺ -: "كلا إني رأيته في النار في بُردةٍ غلها -أو عباءة-" (١).
أين نحن من هؤلاء؟
قال بشر بن المفضل: جاءت امرأة بمطرف خز إلى يونس بن عبيد تعرضه عليه، فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهمًا، فألقاه إلى جاره، فقال: كيف تراه؟ قال بعشرين ومائة، قال: أرى ذلك ثمنه، أو نحوًا من ثمنه، فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة، قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين، قال: ارجعي فاستأمريهم (٢).
وحُمل إلى الإمام البخاري بضاعة أنفذها إليه أبو حفص أحد أخص تلامذة أبيه، فاجتمع بعض التجار إليه بالمعيشة وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم.
فقال لهم: انصرفوا الليلة. فجاءه الغد تجار آخرون فطلبوا منه البضاعة بربح عشرة آلاف درهم، فردهم، وقال إني نويت البارحة أن أدفعها إلى الأولين، فدفعها إليهم وقال: لا أحب أن أنقض نيتي (٣).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) السير ٦/ ٢٩٠ وحلية الأولياء ٣/ ١٦.
(٣) مقدمة الفتح ص ٧٤٩.
[ ٢٩ ]
فكان ﵀ يريد أن يعوِّد نفسه على الإيثار، والبعد عن حب المال الذي يعد من الصفات القبيحة.
كم رأينا من جمع المال ولم يتمتع به فأبقاه لغيره وأفنى نفسه كما قال الشاعر:
كدودة القز ما تبنيه يهدمها وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
لما رأي المتيقِّظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان، وقياد النفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمارة، لجئوا إلى حصن التضرع والالتجاء كما يأوي العبد المذعور إلى حرم سيده (١).
أخي المسلم:
ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين:
إحداهما: سوء ظنه بربه، وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيرًا منه حلالًا.
والثانية: أن يكون عالمًا بذلك، وأن من ترك شيئًا أعاضه خيرًا منه، ولكن تغلب شهوته صبره، وهواه عقله. فالأول من ضعف علمه، والثاني من ضعف عقله وبصيرته.
قال يحيى بن معاذ: من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يرده.
قلت: إذا اجتمع عليه قلبُه، وصدقت ضرورته وفاقته، وقوي
_________________
(١) الفوائد ص ٦٢.
[ ٣٠ ]
رجاؤه، فلا يكاد يرد دعاؤه (١).
قال الحسن: إن هذه المكاسب قد فسدتْ، فخذوا منها القوت، أي شبه المضطر (٢).
_________________
(١) الفوائد ص ٦٢.
(٢) الورع لابن أبي الدنيا ص ١١١.
[ ٣١ ]