قال ﷿: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].
فالأموال والدور والقصور متاع قليل .. سنوات تمضي، وأيام تنتهي، وأنفاس لا تعود! ثم الحساب والجزاء ..
قال خالد بن صفوان: بتّ ليلتي، أتمنى، فكسبت البحر الأخضر، والذهب الأحمر، فإذا يكفيني من ذلك رغيفان، وكوزان، وطمران (١).
وقال إسحاق بن جبلة: دخل الحسن بن صالح يومًا السوق، وأنا معه، فرأى هذا يخيط، وهذا يصبغ، فبكى وقال: انظر إليهم يتعللون حتى يأتيهم الموت (٢).
قال الحسن: والله، ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه، وما أمسكها الله عن عبد، فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه (٣).
وكان همهم الآخرة وعيونهم تجاه يوم عظيم ..
قال موسى بن المغيرة: رأيت محمدًا بن سيرين يدخل السوق نصف النهار، يكبر ويسبح ويذكر الله ﷿ فقال له رجل: يا
_________________
(١) أدب الدنيا والدين ص ١٢١.
(٢) السير ٧/ ٢٧٠.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧٤.
[ ٣٢ ]
أبا بكر في هذه الساعة؟ قال: إنها ساعة غفلة (١).
وقال مالك بن دينار: اتخذْ طاعةَ الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة (٢).
أخي المسلم:
فَرِّغْ خاطرك للهمِّ بما أُمرتَ به، ولا تشغله بما ضُمن لك، فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان. فما دام الأجل باقيًا، كان الرزق آتيًا. وإذا سد عليك بحكمته طريقًا من طرقه، فتح لك برحمته طريقًا أنفع لك منه. فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه، وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول لبنًا خالصًا سائغًا. فإذا تمت مدة الرضاع، وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح طرقًا أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان، فالطعامان من الحيوان والنبات، والشاربان من المياه والألبان، وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ. فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة لكنه -سبحانه - فتح له- إن كان سعيدًا - طرقًا ثمانية، وهى أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء.
فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئًا من الدنيا، إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له. وليس ذلك لغير المؤمن. فإنه يمنعه الحظ الأدنى الخسيس، ولا يرضى له به؛ ليعطيه الحظ الأعلى النفيس.
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ٢٤٥.
(٢) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص ٢٧.
[ ٣٣ ]
والعبد لجلهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ذُخِر له. بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئًا، وبقله الرغبة في الآجل وإن كان عليًا. ولو أنصف العبد ربه، وأنى له ذلك؟ لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها، أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه، وليسلك الطريق الموصلة إليه. قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]. والله المستعان (١).
قد نادت الدنيا على نفسها لو كان في العالم من يسمع
كم واثق بالعمر واريتيه وجامع بدّدت ما يجمع (٢)
قال سعيد بن مسعود: إذا رأيت الرجل تزداد دنياه على آخرته وهو به راض، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر (٣).
وكان ابن السماك يقول: يا بن آدم إنما تغدو في كسب
_________________
(١) الفوائد ص ٧٥.
(٢) تاريخ بغداد ٤/ ٦٦.
(٣) الإحياء ٣/ ٢٢٣.
[ ٣٤ ]
الأرباح، فاجعل نفسك فيما تكسبه أنَّك لم تكسب مثلها (١).
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر (٢)
_________________
(١) صفة الصفوة ٣/ ١٧٤.
(٢) مفتاح دار السعادة ١/ ١٠٠.
[ ٣٥ ]