المسائلَ في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي الهجرة التي انقطعت (^١) بالفتح، وهذه هجرة عارضةٌ ربما لا تتعلق به في العمر أصلا.
وأما هذه الهجرة التي هي واجبةٌ على مدى الأنفاس [فإنه] (^٢) لا يحصِّل [فيها] (^٣) علما ولا إرادة، وما ذاك إلا للإعراضِ عما خلق له، والاشتغال [بما لا ينجيه وحدَه] (^٤)، وهذه (^٥) حال من غَشِيَتْ بصيرتُه، وضعفت معرفتُه بمراتب العلوم والأعمال، والله المستعان، وبه (^٦) التوفيق، لا إلهَ غيره، ولا رب سواه.
فصل
وأما الهجرة إلى الرسول (^٧) ﷺ؛ فمَعلَمٌ (^٨) لم يبقَ منه سوى رسمِه (^٩)، ومنهج لم تترك منه بُنَيّاتُ الطريقِ سوى اسمِه (^١٠)، ومَحَجَّةٌ سَفَتْ عليها السَّوافي فطَمَسَتْ رُسومَها، وأغارت (^١١) عليها الأعادي
_________________
(١) ق: "تنقطع".
(٢) زيادة ليستقيم السياق.
(٣) من ط.
(٤) من ط.
(٥) ط: "وهذا".
(٦) ط: "وبالله".
(٧) ق: "رسوله".
(٨) ط: "فعلم".
(٩) ط: "اسمه".
(١٠) ط: "رسمه".
(١١) ط: "وغارت".
[ ٢١ ]
فَغَوَّرت مناهلها وعيونها، فسالُكها غريب بين العباد، فريد بين كل حيٍّ وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، مستوحش مما [به] يستأنسون، مستأنس مما به يستوحشون، مقيم إذا ظَعَنُوا، ظاعن إذا قَطَنوا (^١)، منفرد في طريق طلبه، لا يَقَرُّ قراره حتى يَظْفَرَ بأربِه، فهو الكائنُ معهم بجسده، البائنُ منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم وما ليلُ مَطِيهِ بنائم (^٢)، وقعدوا عن الهجرةِ النبوية وهو في طلبها مُشَمِّرٌ قائم، يعيبونه بمخالفة آرائهم، ويُزْرُونَ عليه إزراء على جهالاتهم وأهوائهم؛ قد رَجَموا فيه الظُّنون، وأَذْكَوْا (^٣) عليه العيون، وتَربَّصُوا به ريبَ المنون. ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ (^٤). ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (^٥).
نَحْنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولا (^٦) … أفلحَ عند الحسابِ مَن نَدِمَا
والمقصود أن هذه الهجرة النبوية شأنها شديد، وطريقها على غير المشتاق وَعِيْرٌ بعيد.
_________________
(١) في الأصل: "قطعوا" تحريف.
(٢) إشارة إلى بيت جرير (في ديوانه: ٩٩٣): لقد لُمتِنا يا أمَّ غيلانَ في السُّرَى … ونمتِ وما ليلُ المطيِّ بنائمِ
(٣) ق، ط: "أحدقوا فيه". وفي هامش الأصل: "أي أحدقوا".
(٤) سورة التوبة: ٥٢.
(٥) سورة الأنبياء: ١١٢.
(٦) ط: "فما".
[ ٢٢ ]