[بعيدٌ على كسلانَ أو ذي مَلالةٍ … وأما على المشتاقِ فهو قريبُ] (^١)
ولَعمرُ اللهِ ما هي إلا نور يتلألأ، ولكنِ أنت ظَلامُه، وبدر أضاءَ مشارق الأرض ومغاربها، ولكن أنتَ غيْمُه وقَتَامُه، ومنهلٌ عذب صافي، ولكن (^٢) أنت كَدَرُه، ومبتدأ له خَبَرٌ عظيمٌ (^٣)، ولكن ليس عندك خبره.
فاسمع الآنَ شأنَ هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسِبْ نفسَكَ (^٤) بينك وبين الله هل أنت من المهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟
فحدُّ هذه الهجرة: سفرُ الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلةٍ من نوازل (^٥) القلوب، وحادثةٍ من حوادث الأحكام، إلى معدِن الهُدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (^٦)، فكل مسألةٍ طلعتْ (^٧) عليها شمسُ رسالتِه وإلا فاقذِفْ بها في بحار الظلمات (^٨)، وكل شاهد
_________________
(١) البيت ساقط من الأصل، وهو لجميل بثينة في ديوان المعانى (٢/ ١٢٩) وسمط اللآلي (٢/ ٧١٩) والمنازل والديار (١/ ٣٤٧) ووفيات الأعيان (١/ ٣٦٨) وديوانه ٣٠.
(٢) "لكن" ساقطة من ق، ط.
(٣) ط: "لخير عظيم".
(٤) ط: "ما".
(٥) ط، ق: "نازل من منازل".
(٦) سورة النجم: ٤.
(٧) ط: "طلع".
(٨) ط: "بحر الظلمات".
[ ٢٣ ]
عدَّله هذا المزكِّي الصادق (^١) وإلا فعُدَّهُ من أهل الريب والتهمات؛ فهذا هو حدُّ هذه الهجرة.
فما للمقيمِ في مدينة طَبْعِه وعوائِده، القاطِن في دار مرباه ومولده (^٢)، القائل: إنا على طريقة آبائنا سالكون، وإنا بحبلهم مستمسكون، وإنا على آثارهم مُقتدون، وما لهذه الهجرة؟ قد ألقَى كُلَّه (^٣) عليهم، واستند في معرفةِ طريق نجاتِه (^٤) وفلاحِه إليهم، معتذرا بأن رأيهم له (^٥) خير من رأيه لنفسه، وأن ظنونهم وآراءهم أوثقُ من ظنّه وحَدْسِه.
ولو فتَّشتَ عن مصدر هذه الكلمة لوجدتَها صادرة عن الإخلادِ إلى أرض البطالة، متولدةً بين بَعْلِ (^٦) الكسل وزوجتِه الملالة.
والمقصود أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضَى شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن الهجرة الأولى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.
وعن هاتين الهجرتين يُسأَلُ كل عبد يومَ القيامة وفي البرزخ،
_________________
(١) "الصادق" ساقط من ط.
(٢) في الأصل: "موالده".
(٣) ط: "التي كلت".
(٤) ط: "طريقة نجاحه".
(٥) "له" ساقط من ط.
(٦) "بعل" ساقط من ط، ق.
[ ٢٤ ]