المحضة التي لا وجودَ لها ولا تَحَقُّقَ (^١) إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عُرِفَتْ إلا بهم، ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ (^٢).
فهذه الأعمال (^٣) التي كانت في الدنيا على غيرِ سُنّةِ رُسُلِه وطريقتِهم ولغيرِ وجهِه، يجعلها الله هباءً منثورًا، لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا؛ وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة أن يَرى سَعْيَه كلَّه ضائعًا لم ينتفع منه بشيء، وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سَعِدَ أهلُ السَّعي النافع بسعيهم.
فصل
فهذا حكم الأتباع (^٤) الأشقياء، فأما الأتباع (^٥) السُّعَدَاء فنوعان:
أتباعٌ لهم حكمُ الاستقلال، وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٦).
_________________
(١) ط: "تحقيق".
(٢) سورة الفرقان: ٢٣.
(٣) ط: "هي أعماله".
(٤) ط: "أتباع".
(٥) ط: "أتباع".
(٦) سورة التوبة: ١٠٠.
[ ٥٩ ]
فهؤلاء هم السُّعداء الذين ثبت لهم ﵃، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، وكل من تبعهم بإحسان، وهذا يَعُمُّ كل من اتبعهم بإحسان (^١) إلى يوم القيامة، ولا يختصُّ ذلك بالقرن الذين رأوهم فقط، وإنما خُصَّ التابعون (^٢) بمن رأى (^٣) الصحابة تخصيصًا عُرفيًا؛ ليتميزوا به عمن بعدهم فقيل: التابعون مطلقًا لذلك القرن فقط، وإلا فكل من سلك سبيلهم فهو من التابعين لهم بإحسان، وهو ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه (^٤).
وقيَّد سبحانه هذه التبعية بأنها تبعية [بإحسانٍ، ليست مُطلقة فتَحصُل بمجرد النسبة والاتباع في شيء والمخالفة في غيره، ولكن تبعية] (^٥) مصاحبةٌ للإحسان؛ فإن الباء هنا (^٦) للمصاحبة. والإحسان في المتابعة شرطٌ في حصولِ ﵃ وجنّاتِه.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ (^٧).
_________________
(١) "وهذا. . . بإحسان" ساقطة من ط، ق.
(٢) ط: "التابعين".
(٣) ط، ق: "رأوا".
(٤) في الأصل: "﵁ ورضي عن الله".
(٥) سقط من الأصل، وزيد من ط، ق.
(٦) ط: "ههنا".
(٧) سورة الجمعة: ٢ - ٤.
[ ٦٠ ]