اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته، وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلالٍ بموجب الحكمة.
ثمَّ ذكر سبحانه قصةَ الملائكة في إرسالهم لإهلاك (^١) قوم لوط، وإرسال الحجارة المسَوَّمَة عليهم، وفي هذا ما يتضمن تصديقَ رسله وإهلاكَ المكذِّبين لهم، والدلالة على المعاد والثواب والعقاب؛ لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله وصحةِ (^٢) ما أخبروا به عن ربهم.
ثمَّ قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣)، ففرَّقَ بين الإِسلام والإيمان هنا لسرٍّ اقتضاه الكلام؛ فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة، فهو إخراج نجاةٍ من العذاب، ولا ريب أن هذا مختصٌّ بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ لما كان الموجودون (^٤) من المخرجين أوقع اسم الإِسلام عليهم؛ لأنَّ امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت، وهي مسلمةٌ في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين. وقد أخبر الله سبحانه عن خيانة امرأة لوط،
_________________
(١) ط: "لهلاك".
(٢) "لصحة".
(٣) سورة الذاريات: ٣٥ - ٣٦.
(٤) في الأصل: "الموجودين".
[ ٨٢ ]
وخيانتُها أنّها كانت تدلُّ قومَها (^١) على أضيافِه وقَلْبُها معهم، وليست خيانةَ فاحشةٍ، فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا، وليست من المؤمنين الناجين.
ومن وَضَع دلالاتِ (^٢) القرآن وألفاظه مواضعها، تبينَ له من أسرارِه وحِكَمِه ما يَهُزُّ (^٣) العقول، ويعلم معه تنزُّلَه (^٤) من حكيم حميد.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور، وهو أن الإِسلام أعمُّ من الإيمان، فكيف استثنَى (^٥) الأعمَّ من الأخصِّ، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس؟
وتبينَ أن المسلمين مُستثنَيْنَ (^٦) مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منهم (^٧)، بل هم المُخرَجون الناجون (^٨).
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ (^٩)،
_________________
(١) في الأصل: "قومه".
(٢) ط: ق: "دلالة".
(٣) ط: ق: "يبهر".
(٤) ط: "أنَّه تنزيل".
(٥) ط: "استثناء".
(٦) كذا في الأصل بالياء، وفي ط، ق: "المستثنين".
(٧) ط: "منه".
(٨) انظر كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية على الآيتين بنحو ما هنا في كتاب "الإيمان الأوسط" ضمن "مجموع الفتاوى" (٧/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
(٩) سورة الذاريات: ٣٧.
[ ٨٣ ]