فيها ونَصَبِه، إذ لم يُجَرِّد موالاته ومعاداته، ومحبته وبُغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله؛ فأبطلَ الله ﷿ ذلك العمل كلَّه، وقَطَعَ تلك الأسباب، وهي: الوُصَلُ والموالاة التي كانت بينهم في الدنيا لغيره كما قال: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ (^١)؛ فينقطع يوم القيامة كل سببٍ ووُصْلَةٍ ووسيلة ومودَّة [وموالاة] (^٢) كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وبين ربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته وحده، ولوازمها من الحُبِّ والبُغْض، والعطاء والمنع، والموالاة والمعاداة، والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسوله وترك أقوال غيره لقوله (^٣)، وترك كل (^٤) ما خالف ما جاء به، والإعراض عنه، وعدم الاعتداد (^٥) به، وتجريد متابعته تجريدًا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلًا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلًا عن تقديم قول غيره عليه.
فهذا السبب هو (^٦) الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخِيَتُه التي يجول ما يجول (^٧)، ثم إليها مَرْجِعُه.
_________________
(١) سورة البقرة: ١٦٦. ومن قوله "وهي الوصل" إلى هنا ساقط من ط، ق.
(٢) من ط.
(٣) "لقوله" ساقط من ط.
(٤) "كل" ساقط من ط.
(٥) ط: "الاعتناء".
(٦) ط: "هو السبب".
(٧) ط: "يحول ما يحول".
[ ٥٧ ]
نَقِّل فُؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوَى … ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأَوَّلِ
كم مَنزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُه الفتَى … وحَنِيْنُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ (^١)
وهذه النسبة هي (^٢) التي تنفع العبد، فلا ينفعُه غيرُها في الدُّوْرِ الثلاثة؛ أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ فلا قِوَامَ له ولا عيشَ ولا نعيمَ ولا فلاحَ إلا بهذه النسبة، وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله، ولقد أحسن القائلُ حيث قال (^٣):
إذا تَقَطَّعَ حَبْلُ الوَصْلِ بينَهُمُ … فللمحبينَ حَبْلٌ غيرُ مُنقطعِ
وإن تَصَدَّع شَمْلُ الوَصْلِ بينَهُمُ … فللمحبينَ شَمْلٌ غير مُنْصَدِعِ (^٤)
والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسبابَ والعُلَقَ والوُصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين ربِّه فقط، وهو سبب العبودية
_________________
(١) هما لأبي تمام في ديوانه (٤/ ٢٥٣) والبيان والتبيين (٣/ ٣١٣) وأخبار أبي تمام للصولي (ص ٢٦٣). والأول في الصناعتين (ص ٢٠٤) والخصائص (٢/ ١٧١) والموازنة للآمدي (ص ٦٠) ودلائل الإعجاز (ص ٤٩٥). وهما بلا نسبة في العقد الفريد (٣/ ٤٧٠، ٦/ ١٠٢).
(٢) ط: "هي النسبة".
(٣) "حيث قال" ساقطة من ط.
(٤) ذكرهما المؤلف في روضة المحبين (ص ٢٨٠).
[ ٥٨ ]