يأخذونه على إغماض، ويشوبونه على أقذاءٍ (^١)، فإن هذا منافٍ للإيمان، بل لابدَّ أن يكون أخذه بقبول ورضى وانشراحِ صدرٍ.
ومتى أراد العبدُ أن يَعلَمَ منزلته من (^٢) هذا فلينظر في حاله، وليُطالِع قَلْبَه (^٣) عند ورود حُكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلَّد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ (^٤).
فسبحان الله كم من حَزازةٍ في قلوب (^٥) كثيرٍ من الناس من كثير من النصوص وبوُدِّهم أن لو لم تَرِدْ؟
وكم من حَرَارةٍ (^٦) في أكبادِهم منها؟.
وكم من شَجى حُلوقِهم من موردها؟
ستبدُو لهم تلك السرائر بالذي … يَسُوءُ ويُخْزِيْ يومَ تُبلَى السَّرائرُ
ثم لم يقتصر [سبحانه] (^٧) على ذلك حتى ضمَّ إليه قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾؛ فذكر الفعل مُؤكِّدًا له (^٨) بمصدره القائم
_________________
(١) ط: "قذى".
(٢) "منزلته من" ساقطة من ط.
(٣) ط: "ويطالعه في قلبه".
(٤) سورة القيامة: ١٤، ١٥.
(٥) ط: "نفوس".
(٦) في الأصل: "حزازة".
(٧) زيادة من ط، ق.
(٨) "له" ساقطة من ط.
[ ٢٦ ]
مقامَ ذكرِه مرتين. وهو الخضوع له، والانقياد لما حكم به طوعًا ورِضى، وتسليمًا لا قهرًا ومصابرةً؛ كما يسلِّم المقهورُ لمن قهره كرها، بل تسليم عبدٍ محبٍّ (^١) مطيع لمولاه وسيِّدِه الذي هو أحبُّ شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم (^٢) بأنه أولى به من نفسه، وأبرُّ به منها، وأرحمُ به منها، وأنصحُ له منها، وأعلمُ بمصالحِه منها، وأقْدَر على تحصيلها (^٣).
فمتى عَلم العبدُ هذا من الرسول ﷺ استسلم له، وسلَّم إليه، وانقادت كل ذرّة من قلبه (^٤) إليه، ورأى أنه لا سعادةَ له إلا بهذا التسليم والانقياد.
وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة، بل هو أمر قد انشقَّ [له] (^٥) القلبُ واستقرَّ في سوَيدائِه، لا تَفِي العبارةُ بمعناه، ولا مَطمع في حصوله بالدعوى والأماني.
فكلٌّ يدعونَ وصالَ ليلَى … ولكن لا تُقِرُّ لهمْ بذاكا (^٦)
_________________
(١) "محب" ساقطة من ط.
(٢) في الأصل: "وعلمه".
(٣) ط: "تخليصها". ق: "حفظها".
(٤) ط: "وانقادت له كل علة في قلبه".
(٥) زيادة من ق.
(٦) كذا في الأصل، والرواية المشهورة: وكلٌّ يدَّعي وصلا بليلى * وليلى. . . . وهو من عائر الشعر الذي لم ينسب لقائل معين.
[ ٢٧ ]