الأمر، وسلّط عليهما عاملًا واحدًا. وقد كان ربّما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكسَ هذا؛ فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، ولكن الواقع في الآية هو المناسبُ. وتحته سرٌّ لطيف؛ وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله تَجبُ طاعتُه فيه، وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن، فتجبُ طاعةُ الرسول مفردةً ومقرونةً. فلا يَتوهّمُ مُتَوَهِّمٌ أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن (^١)، وإلا فلا تجب طاعته في؛ كما قال النبي ﷺ: "يُوشِكُ رجلٌ شَبعانُ متكئٌ على أريكتِه يأتيه الأمرُ من أمري؛ فيقول: بيننا وبينكم كتابُ الله، ما وجدنا فيه من شيء اتبعناه، ألا وإنّي أُوتِيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (^٢).
وأما أولو الأمر فلا تجب طاعةُ أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا طاعة مفردة مستقلة؛ كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "على المرءِ السَّمعُ والطاعةُ [فيما أحبَّ وكرهَ] (^٣) ما لم يُؤْمَرْ بمعصيةِ الله، فإنْ (^٤) أُمِرَ بمعصيةِ الله، فلا سمع ولا طاعةَ" (^٥).
_________________
(١) "طاعة الرسول. . . القرآن" ساقطة من ق.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٣٢) والدارمي (٥٩٢) والترمذي (٢٦٦٤) وحسَّنه، وابن ماجه (١٢) من طريق معاوية بن صالح عن الحسن بن جابر عن المقدام بن معدي كرب. وأخرجه أحمد (٤/ ١٣٠) وأبو داود (٤٦٠٤) من طريق حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام. وصححه الألباني في تعليقه على "المشكاة" (١٦٣).
(٣) من ط، وكذا الرواية.
(٤) ط: "فإذا". ووردت الرواية بالوجهين.
(٥) أخرجه البخاري (٧١٤٤) ومسلم (١٨٣٩) من حديث عبد الله بن عمر.
[ ٤٤ ]
فتأمَّلْ كيف اقتضتْ إعادة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولم يقل: وإلى الرسول؛ فإن الردَّ إلى القرآن ردٌّ إلى الله والرسول، والردُّ إلى السنة ردٌّ إلى الله والرسول (^١)، فما يحكم (^٢) به الله هو بعينه حكم رسوله، وما يحكم به الرسول هو بعينه حكم الله.
فإذا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه، يعني إلى (^٣) كتابه؛ فقد رددتموه إلى الله و(^٤) رسوله وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله؛ فقد رددتموه إلى الله والرسول (^٥)، وهذا من أسرار القرآن.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في أولي الأمر، فعنه (^٦) فيهم روايتان:
إحداهما: أنهم العلماء.
والثانية: أنهم الأمراء (^٧).
_________________
(١) "والرد إلى السنة. . . الرسول" ساقطة من ط، ق.
(٢) ط: "حكم".
(٣) "إلى" ساقطة من ط.
(٤) "الله و" ساقطة من ط.
(٥) "والرسول" ساقطة من ط.
(٦) ط: "وعنه".
(٧) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٥٨): "نصَّ الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية، إذ كلٌّ منهما تجب طاعته فيما يقوم به من طاعة الله، وكان نواب رسول الله ﷺ في حياته. . . يجمعون الصنفين، وكذلك خلفاؤه من بعده".
[ ٤٥ ]