فأمر سبحانه بالقيام بالقسط، وهو العدل، وهذا أمر بالقيام به في حقِّ كل أحد عَدُوًّا كان أو وليًّا، وأحقُّ ما قام له العبد بالقسط (^١): الأقوالُ والآراء والمذاهب؛ إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره؛ فالقيام فيها بالهوى والعصبية (^٢) مضادٌّ لأمر الله، مُنافٍ لما بَعَثَ به رُسُلَه (^٣)، والقيامُ فيها بالقسط وظيفةُ خلفاءِ الرسول في أمته، وأمنائِه بين أتباعه، ولا يستحقُّ اسمَ الأمانةِ إلا من قام فيها بالعدل المحض، نصيحةً لله ولكتابه ولرسوله ولعباده.
أولئك هم الوارثون حقًا، لا من يجعل أصحابه ونِحْلَته ومذهبَه عِيَارًا (^٤) على الحق وميزانًا له؛ يُعادي من خالفه ويُوالِي من وافقَه لمجرد (^٥) موافقته ومخالفته. فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضَه اللهُ على كل أحد؟ وهو في هذا الباب أعظم فرضًا، وأكبرُ وجوبًا.
ثم قال: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ والشاهد هو المُخْبر، فإن أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور؛ فأمر تعالى أن نكون شهداء (^٦) له مع القيام بالقسط، وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط أيضًا (^٧)، وأن تكون لله لا لغيره.
_________________
(١) ط: "بقصد".
(٢) ط: "المعصية".
(٣) ط: "رسوله".
(٤) ط، ق: "معيارًا".
(٥) ط: "بمجرد".
(٦) ط: "يكون شهيدا".
(٧) "أيضًا" ساقطة من ط.
[ ٣٤ ]
وقال في الآية الأخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ (^١).
[فتضمنت الآيتان أمورًا أربعة:
أحدها: القيام بالقسط] (^٢).
والثاني: أن يكون لله.
والثالث: الشهادة بالقسط.
والرابع: أن تكون لله.
واختصت آية النساء بالقيام (^٣) بالقسط والشهادة لله، وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط، لسرٍّ عجيبٍ من أسرار القرآن ليس هذا موضعَ ذكرِه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فأمر سبحانه بأن (^٤) يقام بالقسط، ويشهد به على كل أحدٍ، ولو كان أحبَّ الناس إلى العبد، فيقوم به (^٥) على نفسِه، ووالديه اللذين هما أصله، وأقربيه (^٦) الذين هم أخصُّ به وألصق (^٧) من سائر الناس،
_________________
(١) سورة المائدة: ٨.
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) "بالقيام" ساقط من ط.
(٤) ط: "أن".
(٥) ط: "بالقسط".
(٦) ط: "أقاربه".
(٧) ط: "الصديق" تحريف.
[ ٣٥ ]
فإنّ ما في العبد من محبتِه (^١) لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، [ولاسيما إذا كان الحق] (^٢) لمن يبغضه ويعاديه قبلهم؛ فإنه لا يقوم به في هذه (^٣) الحال إلا من كان الله ورسوله أحبَّ إليه من [كل] (^٤) ما سواهما.
وهذا يَمتحِنُ به العبدُ إيمانَه؛ فيعرف منزلةَ الإيمان من قلبه ومحلَّه منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يَشْنَؤُه (^٥)، وإنه لا ينبغي له (^٦) أن يحمله بغضُه لهم على (^٧) أن يَجْنَفَ (^٨) عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبُّه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يُدخِلُه ذلك البغضُ في باطل، ولا يَقْصُرُ به هذا الحبُّ عن الحقِّ. كما قال بعض السلف (^٩): "العادل هو الذي إذا غَضِبَ لم يُدخِلْه غضبُه في باطل، وإذا رضي لم يُخرِجْهُ رِضاه عن الحقِّ".
_________________
(١) ط: "محبة".
(٢) ساقط من الأصل.
(٣) ط: "هذا".
(٤) من ط، ق.
(٥) ط: "يجفوه". ق: "يسوءه".
(٦) "له" ساقطة من ط.
(٧) "على" ساقطة من ط.
(٨) ط: "يحيف".
(٩) رُوي نحوه عن محمد بن كعب، كما في "إحياء علوم الدين" (٣/ ١٧٦). وأخرج الطبراني في "الصغير" (ص ١١٤) عن أنس مرفوعًا نحوه، قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٥٩): فيه بشر بن الحسين وهو كذاب.
[ ٣٦ ]
فاشتملت الآيتان على هذين الحُكْمين وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا ترجونَ وتأملون عَوْدَ منفعةِ غِنَاه عليكم فلا تقومون عليه، أو فقيرًا فلا ترجونه ولا تخافونه، فاللهُ أولى (^١) بهما منكم، هو ربهما ومولاهما، وهما عَبْدَاه (^٢) كما أنكم عَبِيدُه، فلا تُحَابُوا غنيًّا لغِنَاه، ولا تَطمَعُوا في (^٣) فقيرٍ لفقرِه؛ فإن الله أولى بهما منكم.
وقد يقال: فيه (^٤) معنى آخر أحسنُ من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير؛ أما الغنيُّ فخوفًا على ماله، وأما الفقيرُ فلإعْدَامِه، وأنه لا شيء له؛ فتتساهلُ النفوسُ في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: اللهُ أولى بالغني والفقير منكم، أعلمُ بهذا، وأرحمُ بهذا؛ فلا تتركوا أداءَ الحق والشهادة على غنيٍّ ولا فقير.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل.
_________________
(١) "أي إن يكن. . . بهما" ساقطة من ط، ق.
(٢) ط: "عبيده".
(٣) "تطمعوا في" ساقطة من ط.
(٤) ق: "في هذا".
[ ٣٧ ]