قَالَ اللَّه ﷿: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] قيل: حفظ آداب الحضرة وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] جاء فِي التفسير عَنِ ابْن عَبَّاس فقهوهم وأدبوهم.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَنَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: حَقُّ الْوَلِدِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ وَيُحْسِنَ مَرْضَعَهُ وَيُحْسِنَ أَدَبَهُ
ويحكى عَن سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ: من لَمْ يعرف مَا لِلَّهِ ﷿ عَلَيْهِ فِي نَفْسه وَلَمْ يتأدب بأمره ونهيه كَانَ من الأدب فِي عزله وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن اللَّه ﷿ أدبني فأحسن أدبي وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير فالأديب الَّذِي اجتمع فِيهِ خصال الخير ومنه المأدبة اسم للمجمع.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: العبد يصل بطاعته إِلَى الْجَنَّة وبأدبه فِي طاعته إِلَى اللَّه تَعَالَى وسمعته يَقُول رأيت من أراد أَن يمد يده فِي الصلاة عَلَى أنفه فقبض عَلَى يده
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قَالَ الأستاذ: وإنما أشار إِلَى نَفْسه لأنه لا يمكن الإِنْسَان أَن يعرف من غيره أَنَّهُ قبض عَلَى يده وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لا يستند إِلَى شَيْء وَكَانَ يوما فِي مجمع فأردت أَن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غَيْر مستند فتنحى عَنِ الوسادة قليلا فتوهمت أَنَّهُ توفى الوسادة لأنه لَمْ يكن عَلَيْهَا خرقة أَوْ سجادة فَقَالَ: لا أريد الاستناد فتأملت بعده حاله فكان لا يستند إِلَى شَيْء.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد البصري يَقُول: سمعت الجلاجلي البصرى يَقُول التوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان لَهُ فلا توحيد لَهُ والإيمان موجب بوجب الشريعة فمن لا شريعة لَهُ فلا إيمان لَهُ ولا توحيد والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب لَهُ لا شريعة لَهُ ولا إيمان ولا توحيد وَقَالَ ابْن عَطَاء: الأدب الوقوف مَعَ المستحسنات فقيل: وَمَا معناه؟ قَالَ: أَن تعامل اللَّه تَعَالَى بالأدب سرا وعلنا فَإِذَا كنت كَذَلِكَ كنت أديبا وإن كنت أعجميا ثُمَّ أنشد:
إِذَا نطقت جاءت بكل ملاحة وإن سكتت جاءت بكل مليح
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الجريري يَقُول منذ عشرين سنة مَا مددت رجلي وقت جلوسي فِي الخلوة فَإِن حسن الأدب مَعَ اللَّه تَعَالَى أولى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إِلَى القتل رَوَى عَنِ ابْن سيرين أَنَّهُ سئل أي الآداب أقرب إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: معرفة ربوبيته وعمل بطاعته والحمد لِلَّهِ عَلَى السراء والصبر عَلَى الضراء.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ إِذَا ترك للعارف أدبه مَعَ معروفه فَقَدْ هلك مَعَ الهالكين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: ترك الأدب موجب يوجب الطرد فمن أساء الأدب عَلَى البساط رد إِلَى الباب ومن أساء الأدب عَلَى الباب رد إِلَى سياسة الدواب
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وقيل: للحسن البصري قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي علم الآداب فَمَا أنفعها عاجلا وأوصلها جلا فَقَالَ: التفقه فِي الدين والزهد فِي الدنيا والمعرفة مِمَّا لِلَّهِ ﷿ عليك وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من تأدب بأدب اللَّه تَعَالَى صار من أهل محبة اللَّه تَعَالَى وَقَالَ سهل: الْقَوْم استعانوا بالله تَعَالَى عَلَى أمر اللَّه تَعَالَى وصبروا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى آداب اللَّه تَعَالَى وَرَوَى عَنِ ابْن مبارك أَنَّهُ قَالَ: نحن إِلَى قليل من الأدب أحوج منا إِلَى كثير من العلم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد يَقُول: سمعت الْعَبَّاس بْن حمزة يَقُول: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحوارى قَالَ: قَالَ الْوَلِيد بْن عتبة قَالَ ابْن المبارك: طلبنا الأدب حِينَ فاتنا المؤدبون وقيل: ثَلاث خصال لَيْسَ معهن غربة مجانبة أهل الريب وحسن الأدب وكف الأذى وأنشدنا الشيخ أَبُو عَبْد اللَّهِ ﵁ فِي هَذَا المعنى:
يزين الغريب إِذَا مَا اغترب ثَلاث فمنهن حسن الأدب
وثانيه حسن أخلاقه وثالثه اجتناب الريب
ولما دَخَلَ أَبُو حفص بغداد قَالَ لَهُ الجنيد لَقَدْ أدبت أَصْحَابك أدب السلاطين فَقَالَ: أَبُو حفص حسن الأدب فِي الظاهر عنوان حسن الأدب فِي الباطن.
وعن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ أنه قَالَ: الأدب للمعارف التوبة للمستأنف.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: قيل لبعضهم يا سيئ الأدب فَقَالَ: لست بسيء الأدب فقيل لَهُ: من أدبك فَقَالَ: أدبني الصوفية سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا النصر الطوسي السراج يَقُول النَّاس فِي الأدب عَلَى ثَلاث طبقات أما أهل الدنيا فأكثر آدابهم فِي الفصاحة، والبلاغة، وحفظ العلوم، وأسماء الملوك، وأشعار العرب،
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وَأَمَّا أهل الدين فأكثر آدابهم فِي رياضة النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وَأَمَّا أهل الخصوصية فأكثر آدابهم فِي طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إِلَى الخواطر وحسن الأدب فِي مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب.
وحكى عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: من قهر نَفْسه بالأدب فَهُوَ يعبد اللَّه تَعَالَى بالإخلاص وقيل: كمال الأدب لا يصفو إلا للأنبياء ﵈ والصديقين وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي الأدب ونحن نقول: هُوَ معرفة النفس وَقَالَ الشبلي: الانبساط بالقول مَعَ الحق سبحانه ترك الأدب وَقَالَ ذو النون المصري: أدب العارف فَوْقَ كُل أدب، لأن معرفة مؤدب قلبه وَقَالَ بَعْضهم: يَقُول الحق سبحانه: من ألزمته القيام مَعَ أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ومن كشفت لَهُ عَن حقيقة ذاتي ألزمته العطب فاختر أيهما شئت الأدب أَوِ العطب.
وقيل: مد ابْن عَطَاء رجله يوما بَيْنَ أَصْحَابه وَقَالَ: ترك الأدب بَيْنَ أهل الأدب أدب ويشهد لهذه الحكاية الْخَبَر الَّذِي رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عنده أَبُو بَكْر وعمر فدخل عُثْمَان فغطى فخذه وَقَالَ: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة نبه ﷺ أَن حشمة عُثْمَان ﵁ وإن عظمت عنده فالحالة الَّتِي بينه وبين أَبِي بَكْر وعمر ﵄ كانت أصفى، وَفِي قريب من معناه أنشدوا:
فِي انقباض وحشمة فَإِذَا صادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت لنفسي عَلَى سجيتها وقلت مَا قُلْت غَيْر محتشم
وَقَالَ الجنيد إِذَا صحت المحبة سقطت شروط الأدب وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: إِذَا صحت المحبة تأكدت عَلَى المحب ملازمة الأدب وَقَالَ النوري: من لَمْ يتأدب للوقت فوقته مقت
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وَقَالَ ذو النون المصري: إِذَا خرج المريد عَنِ استعمال الأدب فَإِنَّهُ يرجع من حيث جاء.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول فِي قَوْله ﷿: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] قَالَ: لَمْ يقل: ارحمني لأنه حفظ آداب الْخَطَّاب وَكَذَلِكَ عيسى ﵇ حيث قَالَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وَقَالَ: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وَلَمْ يقل لَمْ أقل رعاية لآداب الحضرة.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا الطيب بْن الفرحان يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول جاءني بَعْض الصالحين يَوْم الجمعة فَقَالَ لي: ابعث معي فقيرا يدخل عَلَى سرورا ويأكل معى شَيْئًا فالتفت فَإِذَا أنا بفقير شهدت فِيهِ الفاقة فدعوته وقلت لَهُ: امض مَعَ هَذَا الشيخ وأدخل عَلَيْهِ سرورا فمضى فلم ألبث أَن جاءني الرجل وَقَالَ لي: يا أبا القاسم لَمْ يأكل ذَلِكَ الرجل إلا لقمة وخرج فَقُلْتُ: لعلك قُلْت: كلمة جفاء عَلَيْهِ فَقَالَ لي: لَمْ أقل لَهُ شَيْئًا فالتفت فَإِذَا أنا بالفقير جالس فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ تتم عَلَيْهِ السرور فَقَالَ: يا سيدي خرجت من الكوفة وقدمت بغداد وَلَمْ آكل شَيْئًا وكرهت أَن يبدو سوء أدب منى من جهة الفاقة فِي حضرتك فلما دعوتني سررت إذ جرى ذَلِكَ ابتداء منك فمضيت وأنا لا أرضى لَهُ الجنان فلما جلست عَلَى مائدته سِوَى لقمة وَقَالَ كُل فهذا أحب إِلَي من عشرة آلاف درهم لما سمعت هَذَا منه علمت أَنَّهُ دنيء الهمة فتظرفت أَن آكل طعامه فَقَالَ الجنيد: ألم أقل لَك إنك أسأت أدبك مَعَهُ فَقَالَ: يا أبا القاسم التوبة فسأله أَن يمضي مَعَهُ ويفرحه.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
بَاب أحكامهم فِي السفر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الأَزْرَقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جَرِيحٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّ عَلِيًّا الأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْبَعِيرِ خَارِجًا عَلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿١٣﴾ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣-١٤] ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى وَهَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ، فَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ نَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ
قَالَ الأستاذ: لما كان رأى كثير من هذه الطائفة اختيار السفر أفردنا لذكر السفر فِي هذه الرسالة بابا لكونه من أَعْظَم شأنهم، وَهَذِهِ الطائفة مختلفون، فمنهم من آثر الإقامة عَلَى السفر، وَلَمْ يسافر إلا لفرض كحجة الإِسْلام والغالب عَلَيْهِم الإقامة مثل الجنيد، وسهل بْن عَبْد اللَّهِ، وأبي يَزِيد البسطامي، وأبي حفص، وغيرهم، وَمِنْهُم من آثر السفر وكانوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَن خرجوا من الدنيا مثل أَبِي عَبْد اللَّهِ المغربي، وإبراهيم بْن أدهم وغيرهم، وكثير مِنْهُم سافروا فِي ابتداء أمورهم فِي حال ابتداء شبابهم أسفارا كثيرة، ثُمَّ قعدوا عَنِ السفر فِي
[ ٢ / ٤٥٠ ]
آخر أحوالهم مثل أَبِي عُثْمَان الحيرى والشبلي وغيرهم، ولكل مِنْهُم أصول بنوا عَلَيْهَا طريقتهم.
واعلم أَن السفر عَلَى قسمين: سفر بالبدن وَهُوَ الانتقال من بقعة إِلَى بقعه، وسفر بالقلب وَهُوَ الارتقاء من صفة إِلَى صفة، فترى ألفا يسافر بنفسه وقليل من يسافر بقلبه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: كَانَ بفرخك قرية بظاهر نيسابور شيخ من شيوخ هذه الطائفة وَلَهُ عَلَى هَذَا اللسان تصانيف سَأَلَهُ بَعْض النَّاس هل سافرت أيها الشيخ فَقَالَ: سفر الأَرْض أم سفر السماء؟ سفر الأَرْض لا، وسفر السماء بلى، وسمعته رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: جاءني بَعْض الفقراء يوما وأنا بمرو فَقَالَ لي: قطعت إليك شقة بعيدة، والمقصود لقاؤك، فَقُلْتُ لَهُ: كَانَ يكفيك خطوة واحدة لو سافرت عَن نفسك وحكاياتهم فِي السفر تختلف عَلَى مَا ذَكَرْنَا من أقسامهم فِي أحوالهم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ العلوي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت أحنف الهمداني يَقُول: كنت فِي البادية وحدي فأعييت فرفعت يدي وقلت: يا رب ضعيف زمن وَقَدْ جئت إِلَى ضيافتك فوقع فِي قلبي أَن يقال لي: من دعاك؟ فَقُلْتُ: يا رب هِيَ مملكة تحتمل الطفيلي، فَإِذَا أنا بهاتف من ورائي فالتفت فَإِذَا أعرابي عَلَى راحلة فَقَالَ: يا أعجمي إِلَى أين قُلْت: إِلَى مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: أودعاك قُلْت: لا أدرى، فَقَالَ: أليس قَالَ: من استطاع إِلَيْهِ سبيلا، فَقُلْتُ: المملكة واسعة تحتمل الطفيلي، فَقَالَ: أطفيلي أَنْتَ؟ يمكنك أَن تخدم الجمل؟ قُلْت: نعم، فنزل عَن راحلته وأعطانيها وَقَالَ: سر عَلَيْهَا.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت
[ ٢ / ٤٥١ ]
الكتاني وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْض الفقراء أوصني قَالَ اجتهد أَن تكون كُل ليلة ضيف مَسْجِد، وأن لا تموت إلا بَيْنَ منزلين.
ويحكى عَنِ الحصري أَنَّهُ كَانَ يَقُول: جلسة خير من ألف حجة، وإنما أراد جلسة تجمع الهم عَلَى نعت الشهود ولعمري أَنَّهَا أتم من ألف حجة عَلَى وصف الغيبة عَنْهُ.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي التميمي يَقُول حكى عَن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الفراغاني أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نسافر مقدار عشرين سنة وأنا وأبو بَكْر الزقاق والكتاني لا نختلط بأحد ولا نعاشر أحد فَإِذَا قدمنا بلدا فَإِن كَانَ فِيهِ شيخ سلمنا عَلَيْهِ وجالسناه إِلَى الليل ثُمَّ نرجع إِلَى مَسْجِد فيصلى الكتاني فِي أول الليل إِلَى آخره ويختم الْقُرْآن ويجلس الزقاق مستقبل القبلة، وكنت أستلقي متفكرا ثُمَّ نصبح ونصلي صلاة الفجر عَلَى وضوء العتمة، فَإِذَا وقع معنا إِنْسَان ينام كُنَّا نراه أفضلنا.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت عيسى القصار يَقُول: سئل رويم عَن أدب السفر فَقَالَ: أَن لا يجاوز همه قدمه، وحيثما وقف قلبه يَكُون منزله، وحكى عَن مَالِك بْن دِينَار أَنَّهُ قَالَ: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ اتخذ نعلين من حديد وعصا من حديد ثُمَّ سح فِي الأَرْض واطلب الآثار والعبر حَتَّى تنخرق النعلان وتنكسر العصا، وقيل: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ المغربي يسافر أبدا ومعه أَصْحَابه وَكَانَ يَكُون محرما، فَإِذَا تحلل من إحرامه ثانيا، وَلَمْ ينسج لَهُ ثوب، ولا طال لَهُ ظفر ولا شعر، وَكَانَ يمشي مَعَهُ أَصْحَابه بالليل وراءه فكان إِذَا حاد أحدهم عَنِ الطريق يَقُول يمينك يا فُلان يسارك يا فُلان وَكَانَ لا يمد يده إِلَى مَا وصلت إِلَيْهِ يد الآدميين وَكَانَ طعامه أصل شَيْء من النبات يؤخذ فيقطع لأجله.
وقيل: كُل صاحب تقول لَهُ قم فَيَقُول: إِلَى أين، فليس بصاحب وَفِي معناه أنشدوا:
[ ٢ / ٤٥٢ ]
إِذَا استنجدوا لَمْ يسألوا من دعاهم لأية حرب أم لأي مكان
وحكى عَن أَبِي عَلِيّ الرباطي قَالَ: صحبت عَبْد اللَّهِ المروزي وَكَانَ يدخل البادية قبل أَن أصحبه بلا زاد ولا راحلة فلما صحبته قَالَ لي: أيما أحب إليك تكون أَنْتَ الأمير أم أنا؟ فَقُلْتُ: لا بَل أَنْتَ فَقَالَ: وعليك الطاعة فَقُلْتُ: نعم فأخذ مخلاة ووضع فِيهَا زادا وحملها عَلَى ظهره فَإِذَا قُلْت: أعطني حَتَّى أحملها قَالَ الأمير: أنا وعليك الطاعة.
قَالَ: فأخذنا المطر ليلة فوقف إِلَى الصباح عَلَى رأسي وعليه كساء يمنع عنى المطر، فكنت أقول فِي نفسي يا ليتني مت وَلَمْ أقل لَهُ أَنْتَ الأمير ثُمَّ قَالَ لي إِذَا صحبت إِنْسَانا فاصحبه كَمَا رأيتني صحبتك.
وقدم شاب عَلَى أَبِي الروذباري فلما أراد الخروج قَالَ: يَقُول الشيخ شَيْئًا فَقَالَ: يا فتى كَانُوا لا يجتمعون عَن موعد ولا يتفرقون عَن مشورة.
وعن المزين الكبير قَالَ: كنت يوما مَعَ إِبْرَاهِيم الخواص فِي بَعْض أسفاره فَإِذَا عقرب تسعى عَلَى فخذه فقمت لأقتلها فمنعني وَقَالَ دعها كُل شَيْء مفتقر إلينا ولسنا مفتقرين إِلَى شَيْء غَيْر اللَّه.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ النصيبيني: سافرت ثلاثين سنة مَا خطت قط خرقة عَلَى مرقعتي ولا عدلت إِلَى موضع علمت أَن لي فِيهِ رفيقا ولا تركت أحدا يحمل معي شَيْئًا.
واعلموا أَن الْقَوْم استوفوا آداب الحضور من المجاهدات ثُمَّ أرادوا أَن يضيفوا إِلَيْهَا شَيْئًا فأضافوا أحكام السفر إِلَى ذَلِكَ رياضة لنفوسهم حَتَّى أخرجوها عَنِ المعلومات وحملوها عَلَى مفارقة المعارف كي يعيشوا مَعَ اللَّه ﷿ بلا علاقة ولا واسطة فلم يتركوا شَيْئًا من أورادهم فِي أسفارهم وَقَالُوا الرخص لمن كَانَ سفره ضرورة ونحن لا شغل لنا ولا ضرورة فِي أسفارنا عَلَيْنَا.
سمعت أبا صادق بْن حبيب قَالَ: سمعت النصرأباذي يَقُول: ضعفت فِي البادية مرة فأيست من نفسي فوقع بصري عَلَى القمر وَكَانَ ذَلِكَ بالنهار فرأيت مكتوبا عَلَيْهِ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فاستقللت وفتح عَلِي من ذَلِكَ الوقت هَذَا الْحَدِيث.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي: يحتاج المسافر إِلَى أربعة أشياء فِي سفره: علم يسوسه، وورع يحجزه، ووجد يحمله، وخلق يصونه وقيل: سمي السفر سفرا لأنه يسفر عَن أخلاق الرجال.
وَكَانَ الكتاني إِذَا سافر الفقير إِلَى اليمن ثُمَّ رجع إِلَيْهِ مرة أُخْرَى يأمر بهجرانه وإنما كَانَ يفعل ذَلِكَ، لأنهم كَانُوا يسافرون إِلَى اليمن ذَلِكَ الوقت لأجل الرفق.
وقيل: كَانَ إِبْرَاهِيم الخواص لا يحمل شَيْئًا فِي السفر وَكَانَ لا يفارقه الإبرة والركوة أما الإبرة فلخياطة ثوبه إِن تمزق سترا للعورة وَأَمَّا الركوة فللطهارة وَكَانَ لا يرى ذَلِكَ علاقة ولا معلوما.
وحكي عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ الرازي قَالَ: خرجت من طرسوس حافيا وَكَانَ معي رفيق فدخلنا بَعْض قرى الشام فجاءني فَقِير بحذاء فامتنعت من قبوله فَقَالَ: لي رفيق البس هَذَا فَقَدْ عييت فَإِنَّهُ قَدْ فتح عليك بِهَذَا النعل بسببي فَقُلْتُ: مَالِك فَقَالَ: نزعت نعلي موافقة لَك ورعاية لحق الصحبة.
وقيل: كَانَ الخواص فِي سفر ومعه ثلاثة نفر فبلغوا مسجدا فِي بَعْض المفاوز وبأنوا فِيهِ وَلَمْ يكن عَلَيْهِ بَاب وَكَانَ برد شديد فناموا فلما أصبحوا رأوه واقفا عَلَى الباب فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: خشيت أَن تجدوا البرد وَكَانَ قَدْ وقف طول ليلته.
وقيل: إِن الكتاني استأذن أمه فِي الحج مرة فأذنت لَهُ فخرج فأصاب ثوبه البول فِي البادية فَقَالَ: إِن هَذَا لخلل فِي حالي، فانصرف، فلما دق بَاب داره أجابته أمه ففتحت فرآها جالسة خلف الباب فسألها عَن جلوسها فَقَالَتْ لَهُ مذ خرجت اعتقدت أَن لا أبرح عَن هَذَا الموضع حَتَّى أراك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم القصار يَقُول سافرت ثلاثين سنة أصلح قلوب النَّاس للفقراء.
وقيل: زار رجل دَاوُد الطائي فَقَالَ لَهُ: يا أبا سُلَيْمَان كانت نفسي تنازعني إِلَى لقائك منذ زمان فَقَالَ: لا بأس إِذَا كانت الأبدان هادئة والقلوب ساكنة فالتلاقي أيسر.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
سمعت أبا نصر الصوفي وَكَانَ من أَصْحَاب النصرأباذي ﵀ يَقُول: خرجت من البحر بعمان وَقَدْ أثر فِي الجوع فكنت أمر فِي السوق فبلغت حانوت حلاوى فرأيت فِيهِ حملانا مشوية وحلواء فتعلقت برجل وقلت اشتر لي من هذه الأشياء فَقَالَ: لماذا ألك عَلِي شَيْء أَوْ عندي دين فَقُلْتُ: لابد أَن تشتري لي من هَذَا فرآني رجل فَقَالَ: خله يا فتى إِن الَّذِي يجب عَلَيْهِ أَن يشترى لَك مَا تريد أنا لا هُوَ اقترح عَلِي واحكم بِمَا تريد ثُمَّ اشترى لي مَا أردت ومر.
وحكى عَن أَبِي الْحُسَيْن الْمِصْرِي قَالَ: اتفقت مَعَ الشجري فِي السفر من طرابلس فسرنا أياما لَمْ نأكل شَيْئًا فرأيت قرعا مطبوخا فأخذت آكله فالتفت إِلَى الشيخ وَلَمْ يقل شَيْئًا فرميت بِهِ وعلمت أَنَّهُ كرهه ثُمَّ فتح عَلَيْنَا بخمسة دنانير فدخلنا قرية فَقُلْتُ: يشترى لنا شَيْئًا لا محالة فمر وَلَمْ يفعل ثُمَّ قَالَ لعلك تقول نمشي جياعا وَلَمْ تشتر لنا شَيْئًا هُوَ ذا، فوافى الْيَهُودِيَّة قرية عَلَى الطريق وثم رجل صاحب عيال إِذَا دخلناها يشتغل بنا فادفعها إِلَيْهِ لينفقها عَلَيْنَا وعلى عياله فوصلنا إِلَيْهِ ودفع الدنانير إِلَى الرجل فأنفقها فلما خرجنا قَالَ لي: إِلَى أين يا أبا الْحُسَيْن؟ فَقُلْتُ: أسير معك فَقَالَ: لا إنك تخونني فِي قرعة وتصحبني لا تفعل وأبي أَن أصحبه سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: كنت فِي حال حداثني استقبلني بَعْض الفقراء فرأى فِي أثر الضر والجوع فأدخلني داره وقدم إِلَى لحما طبخ بالكشك واللحم متغير فكنت آكل الثريد وأتجنب اللحم لتغيره فلقمني لقمة فأكلتها بجهد ثُمَّ لقمني ثانية فبلغتني مشقة فرأى ذَلِكَ فِي وخجل وخجلت لأجله فخرجت وانزعجت فِي الحال للسفر
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فأرسلت إِلَى والدتي من يحمل إلي مرقعتي فلم تعارضني الوالدة ورضيت بخروجي فارتحلت من القادسية مَعَ جَمَاعَة من الفقراء فتهنا ونفد مَا كَانَ معنا وأشرفنا عَلَى التلف فوصلنا إِلَى حي من أحياء العرب وَلَمْ نجد شَيْئًا واضطررنا إِلَى أَن اشترينا مِنْهُم كلبا بدنانير وشووه وأعطوني قطعة من لحمه فلما أردت أكله فكرت فِي حالي فوقع لي أَنَّهُ عقوبة خجل ذَلِكَ الفقير فتبت فِي نفسي وسكت فدلونا عَلَى الطريق فمضيت وحججت ثُمَّ رجعت معتذرا إِلَى الفقير.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
بَاب الصحبة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] قَالَ الأستاذ الإِمَام أَبُو القاسم ﵁: لما أثبت سبحانه للصديق ﵁ الصحبة بَيْنَ أَنَّهُ أظهر عَلَيْهِ الشفقة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] فالحر شفيق عَلَى من يصحبه.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِيَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَرَ.
والصحبة عَلَى ثلاثة أقسام: صحبة مَعَ من فوقك وَهِيَ فِي الحقيقة خدمة وصحبة مَعَ من دونك وَهِيَ تقضي عَلَى المتبوع بالشفقة والرحمة وعلى التابع بالوفاق والحرمة وصحبة الأكفاء والنظراء وَهِيَ مبنية عَلَى الإيثار والفتوة فمن صحب شيخا فوقه فِي الرتبة فأدبه ترك الاعتراض وحمل مَا يبدو منه عَلَى وجه جميل وتلقى أحواله بالإيمان بِهِ
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي وسأله بَعْض أَصْحَابنا كم سنة صحبت أبا عُثْمَان المغربي فنظر إِلَيْهِ شزرا وَقَالَ: إني لَمْ أصحبه بَل خدمته مدة وَأَمَّا إِذَا صحبك من هُوَ دونك فالخيانة منك فِي حق صحبته أَن لا تنبهه عَلَى مَا فِيهِ من نقصان فِي حالته.
كتب أَبُو الخير التبناتي إِلَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير: وزر جهل الفقراء عليكم لأنكم اشتغلتم
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بنفوسكم عَن تأديبهم فبقوا جهلة.
وَأَمَّا إِذَا صحبت من هُوَ فِي درجتك فسبيلك التعامي عَن عيوبه وحمل مَا ترى منه عَلَى وجه من التأويل جميل مَا أمكنك فَإِن لَمْ تجد تأويلا عدت إِلَى نفسك بالتهمة وإلى التزام اللائمة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري قُلْت: لأبي سُلَيْمَان الداراني: إِن فلانا لا يقع من قلبي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: وليس يقع أَيْضًا من قلبي ولكن يا أَحْمَد لعلنا أتينا من قبلنا لسنا من جملة الصالحين فلسنا نحبهم وقيل: صحب رجل إِبْرَاهِيم بْن أدهم فلما أراد أَن يفارقه قَالَ لَهُ الرجل: إِن رأيت فِي عيبا فنبهني عَلَيْهِ فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إني لَمْ أر بك عيبا لأني لاحظتك بعين الوداد فاستحسنت منك مَا رأيت فسل غيري عَن عيبك، وَفِي معناه أنشدوا:
وعين الرضا عَن كُل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
وحكى عَن إِبْرَاهِيم بْن شيبان أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا لا نصحب من يَقُول نعلي.
سمعت أبا حاتم الصوفي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: قَالَ أَبُو أَحْمَد القلانسي وَكَانَ من أستاذي الجنيد صحبت أقواما بالبصرة فأكرموني فَقُلْتُ مرة لبعضهم: أين إزاري فسقطت من أعينهم.
وسمعت أبا حاتم يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعتا لزقاق يَقُول منذ أربعين سنة أصحب هَؤُلاءِ فَمَا رأيت رفقا لأَصْحَابنا إلا من بَعْضهم لبعض أَوْ مِمَّن يحبهم ومن لَمْ يصحبه التقوى والورع فِي هَذَا الأمر أكل الحرام النص.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قَالَ رجل لسهل بْن عَبْد اللَّهِ: أريد أَن أصحبك يا أبا مُحَمَّد فَقَالَ: إِذَا مَات أحدنا فمن يصحبه الباقي
[ ٢ / ٤٥٨ ]
فَقَالَ: اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: فليصحبه الآن.
وصحب رجل رجلا مدة ثُمَّ بدا لأحدهما المفارقة فاستأذن صاحبه فَقَالَ: بشرط أَن لا تصحب أحدا إلا إِذَا كَانَ فوقنا وإن كَانَ أَيْضًا فوقنا فلا تصحبه لأنك صحبتنا أولا فَقَالَ الرجل: زال من قلبي إرادة المفارقة.
سمعت أبا حاتم الصوفي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول صحبني رجل وَكَانَ عَلَى قلبي ثقيلا فوهبت لَهُ شَيْئًا ليزول مَا فِي قلبي فلم يزل فحملته إِلَى بَيْتِي وقلت لَهُ: ضع رجلك الآن عَلَى خدي فأبي فَقُلْتُ: لابد ففعل واعتقدت أَن لا يرفع رجله من خدي حَتَّى يرفع اللَّه تَعَالَى من قلبي مَا كنت أجده فلما زال عَن قلبي مَا كنت أجده قُلْت لَهُ: ارفع رجلك الآن وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم يعمل فِي الحصاد وحفظ البساتين وغيره ويتفق عَلَى أَصْحَابه وقيل: كَانَ مَعَ جَمَاعَة من أَصْحَابه فكان يعمل بالنهار وينفق عَلَيْهِم ويجتمعون بالليل فِي موضع وَهُوَ صيام فكان يبطئ فِي الرجوع من العمل فَقَالُوا ليلة تعالوا نأكل فطورنا دونه حَتَّى يعود بَعْد هَذَا أسرع فأفطروا وناموا فلما رجع إِبْرَاهِيم وجدهم نياما فَقَالَ: مساكين لعلهم لَمْ يكن لَهُمْ طَعَام فعمد إِلَى شَيْء من الدقيق كَانَ هناك فعجنه وأوقد عَلَى النار ووضع الملة فانتبهوا وَهُوَ ينفخ فِي النار واضعا محاسنه عَلَى التراب فَقَالُوا لَهُ: فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْت: لعلكم لَمْ تجدوا فطورا فنمتم فأحببت أَن تستيقظوا والملة قَدْ أدركت فَقَالَ بَعْضهم لبعض: انظروا إيش الَّذِي عملنا وَمَا الَّذِي بِهِ يعاملنا وقبل كَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم إِذَا صحبه أحد شارطه عَلَى ثلاثة أشياء أَن تكون الخدمة والأذان لَهُ وأن تكون يده فِي جَمِيع مَا يفتح اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم من الدنيا كيدهم فَقَالَ لَهُ يوما رجل من أَصْحَابه: أنا لا أقدر عَلَى هَذَا فَقَالَ: أعجبني صدقك وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: قُلْت لذي النون: مَعَ من أصحب؟ فَقَالَ: مَعَ من لا تكتمه شَيْئًا يعلمه اللَّه تَعَالَى منك - وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لرجل: إِن كنت مِمَّن يخاف السباع فلا تصبحني
[ ٢ / ٤٥٩ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن العلوي يَقُول: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حمدان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو القاسم بْن منبه قَالَ: سمعت بشر بْن الحرث يَقُول: صحبة الأشرار توجب سوء الظن بالأخيار.
وحكى الجنيد قَالَ لما دَخَلَ أَبُو حفص بغداد كَانَ مَعَهُ إِنْسَان أصلع لا يتكلم بشيء فسألت أَصْحَاب أَبِي حفص عَن حاله فَقَالُوا هَذَا رجل أنفق عَلَيْهِ مائة ألف درهم واستدان مائة ألف درهم أنفقها عَلَيْهِ ولا يرخص أَبُو حفص لَهُ أَن يتكلم بحرف وَقَالَ ذو النون لا تصحب مَعَ اللَّه تَعَالَى إلا بالموافقة ولا مَعَ الخلق إلا بالمناصحة ولا مَعَ النفس إلا بالمخالفة ولا مَعَ الشَّيْطَان إلا بالعداوة.
وَقَالَ رجل لذي النون: مَعَ من أصحب؟ فَقَالَ: مَعَ من إِذَا مرضت عادك وإذا أذنبت تاب عليك.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي ﵀ يَقُول: الشجر إِذَا نبت بنفسه وَلَمْ يستنبته أحد يورق ولكنه لا يثمر كذاك المريد إِذَا لَمْ يكن لَهُ أستاذ يتخرج بِهِ لا يجئ منه شَيْء، وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي يَقُول: أخذت هَذَا الطريق عَنِ النصرأباذي والنصراباذي، عَنِ الشبلي والشبلي، عَنِ الجنيد والجنيد، عَنِ السري والسري، عَن معروف الكرخي، ومعروف الكرخي، عَن دَاوُد الطائي، وَدَاوُد الطائي لقى التابعين.
وسمعته رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: لَمْ أختلف إِلَى مجلس النصرأباذي قط إلا اغتسلت قبله قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم القشيري: وَلَمْ أدخل أنا عَلَى أستاذ أَبِي عَلِي فِي وقت بدايتي إلا صائما وكنت أغتسل قبله وكنت أحضر بَاب مدرسته غَيْر مرة فأرجع من الباب احتشاما منه أَن أدخل عَلَيْهِ فَإِذَا تجاسرت مرة ودخلت المدرسة كنت إِذَا بلغت وسط المدرسة يصحبني شبه خدر حَتَّى لو غرز فِي إبرة مثلا لعلي كنت لا أحس بِهَا، ثُمَّ إِذَا قعدت لواقعة وقعت لي لَمْ أحتج أَن أسأله بلساني عَنِ المسألة، فكما كنت أجلس كَانَ يبتدئ بشرح واقعتي وغير مرة رأيت منه هَذَا عيانا وكنت أفكر فِي نفسي كثيرا أَنَّهُ لو بعث اللَّه ﷿ فِي وقتي رسولا إِلَى الخلق هل يمكنني أَن أزيد من حشمته عَلَى قلبي فَوْقَ مَا كَانَ منه رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فكان لا يتصور لي أَن ذَلِكَ ممكن ولا أذكر أني فِي طول اخْتِلاف إِلَى مجلسه ثُمَّ كوني مَعَهُ بَعْد حصول الوصلة أَن جرى فِي قلبي أَوْ خطر ببالي عَلَيْهِ قط اعتراض إِلَى أَن خرج رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من الدنيا.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيّ الْجُرْجَانِيّ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد العبدي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عوانة، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس، قَالَ: حَدَّثَنَا خلف بْن تميم أَبُو الأحوص عَن مُحَمَّد بْن النضر الحارثي قَالَ: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ كن يقظانا مرتادا لنفسك أخدانا وكل خدن لا يؤاتيك عَلَى مسرة فأقصه ولا تصحبه، فَإِنَّهُ يقسي قلبك وَهُوَ لَك عدو وأكثر من ذكري تستوجب عَلَى شكري والمزيد من فضلي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن المعلم، يَقُول: سمعت أبا بَكْر الطمستاني، يَقُول: اصحبوا مَعَ اللَّه تَعَالَى فَإِن لَمْ تطيقوا فاصبحوا مَعَ من يصحب مَعَ اللَّه تَعَالَى لتوصلكم بركات صحبتهم إِلَى صحبة اللَّه ﷿.
[ ٢ / ٤٦١ ]
بَاب التوحيد قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ فَوْرَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرْزَاذَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسِيحُ بْنُ حَاتِمٍ الْعُكْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُجْبِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمٍ الْعَتَكِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي صَدَقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلا التَّوْحِيدَ فَقَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْتَحِقُونِي ثُمَّ ذَرُوا نِصْفِي فِي الْبَرِّ وَنِصْفِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمِ رِيحٍ فَفَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُ ﷿ لِلرِّيحِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ فَإِذَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ فَقَالَ: اسْتِحْيَاءً مِنْكَ فَغَفَرَ لَهُ.
قَالَ الأستاذ: التوحيد هُوَ الحكم بأن اللَّه واحد والعلم بأن الشيء واحد أَيْضًا توحيد يقال وحدته إِذَا وصفته بالوحدانية كَمَا يقال: شجعت فلانا إِذَا نسبته إِلَى الشجاعة ويقال فِي اللغة: وحد يحد فَهُوَ واحد ووحد ووحيد كَمَا يقال: فرد فَهُوَ فارد وفرد وفريد وأصل أحد وحد فقلبت الواو همزة والواو المفتوحة قَدْ تقلب همزة كَمَا تقلب المك ﴿[والمضمومة ومنه امْرَأَة أسماء بمعنى وسماء من الوسامة ومعنى كونه سبحانه واحدا عَلَى لسان العلم قيل: هُوَ الَّذِي لا يصح فِي وصفه الوضع والرفع بخلاف قولك إِنْسَانا واحدا لأنك تقول إِنْسَان بلا يد ولا رجل فيصح رفع شَيْء منه والحق سبحانه أحدي الذات بخلاف اسم الجملة الحاملة
وَقَالَ بَعْض أهل التحقيق: معنى أَنَّهُ واحد نفي القسيم لذاته ونفي التشبيه عَن حقه وصفاته ونفى الشريك مَعَهُ فِي أفعاله ومصنوعاته.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
والتوحيد ثلاثة: توحيد الحق للحق وَهُوَ علمه بأنه واحد وخبره عَنْهُ بأنه واحد وَالثَّانِي: توحيد الحق سبحانه للخلق وَهُوَ حكمه سبحانه بأن العبد موحد وخلقه توحيد العبد والثالث: توحيد الخلق للحق سبحانه وَهُوَ علم العبد بأن اللَّه ﷿ واحد وحكمه وإخباره عَنْهُ بأنه واحد فَهَذِهِ جملة فِي معنى التوحيد عَلَى شرط الإيجاز والتحديد واختلفت عبارات الشيوخ عَن معنى التوحيد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: وَقَدْ سئل عَنِ التوحيد فَقَالَ: أَن تعلم أَن قدرة اللَّه تَعَالَى فِي الأشياء بلا مزاج وصنعه للأشياء بلا علاج وعلة كُل شَيْء صنعه ولا علة لصنعه ومهما تصور فِي نفسك شَيْء فالله ﷿ بخلافه وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن صَالِح يَقُول: قَالَ الجريري: لَيْسَ لعلم التوحيد إلا لسان التوحيد.
وسئل الجنيد عَنِ التوحيد فَقَالَ: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أَنَّهُ الْوَاحِد الَّذِي لَمْ يلد وَلَمْ يولد بنفي لأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١] وَقَالَ الجنيد: إِذَا تناهت عقول العقلاء فِي التوحيد تناهت إِلَى الحيرة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن مقسم يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول ذَلِكَ، وسئل الجنيد عَنِ التوحيد فَقَالَ: معنى تضمحل فِيهِ الرسوم وتندرج فِيهِ العلوم ويكون اللَّه تَعَالَى كَمَا لَمْ يزل.
وَقَالَ
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الحصري أصولنا فِي التوحيد خمسة أشياء: رفع الحدث وإفراد القدم، وهجر الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان مَا علم وجهل.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: كنت فِي صحن الجامع بِبَغْدَادَ يَعْنِي: جامع الْمَنْصُور والحصري يتكلم فِي التوحيد فرأيت ملكين يعرجان إِلَى السماء فَقَالَ أحدهما لصاحبه: الَّذِي يَقُول هَذَا الرجل علم التوحيد والتوحيد غيره يَعْنِي: كنت بَيْنَ اليقظة والنوم وَقَالَ فارس: التوحيد هُوَ إسقاط الوسائط عِنْدَ غلبة الحال والرجوع إِلَيْهَا عِنْدَ الأَحْكَام وأن الحسنات لا تغير الأقسام من الشقاوة والسعادة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن شاذان يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: التوحيد صفة الموحد حقيقة وحلية الموحد رسما.
وسئل الجنيد عَن توحيد الخاص فَقَالَ: أَن يَكُون العبد شبحا بَيْنَ يدي اللَّه سبحانه تجري عَلَيْهِ تصاريف تدبيره فِي مجاري أحكام قدرته فِي لجج بحار توحيده بالفناء عَن نَفْسه وعن دعوة الخلق لَهُ وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته فِي حقيقة قربه بذهاب حسه وحركته لقيام الحق سبحانه لَهُ فيما أراد منه وَهُوَ أَن يرجع آخر العبد إِلَى أوله فيكون كَمَا كَانَ قبل أَن يَكُون وسئل البوشنجي عَنِ التوحيد فَقَالَ: غَيْر مشبه الذات ولا منفي الصفات.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن العنبري يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول وَقَدْ سئل عَن ذَات اللَّه ﷿ فَقَالَ: ذَات اللَّه تَعَالَى موصوفة بالعلم غَيْر مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار فِي دار الدنيا وَهِيَ موجودة بحقائق الإيمان من غَيْر حد ولا إحاطة ولا حلول وتراه العيون فِي العقبى ظاهرا فِي ملكه وقدرته قَدْ حجب الخلق عَن معرفة كنه ذاته ودلهم عَلَيْهِ بآياته
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فالقلوب تعرفه والعقول لا تدركه ينظر إِلَيْهِ المؤمنون بالأبصار من غَيْر إحاطة ولا إدراك نهاية، وَقَالَ الجنيد: أشرف كلمة فِي التوحيد مَا قاله أَبُو بَكْر الصديق ﵁: سبحان من لَمْ يجعل لخلقه سبيلا إِلَى معرفته إلا بالعجز عَن معرفته.
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: لَيْسَ يريد الصديق ﵁ أَنَّهُ لا يعرف، لأن عِنْدَ المحققين العجز عجز عَنِ الموجود دُونَ المعدوم كالمقعد عاجز عَن قعوده إذ لَيْسَ بكسب لَهُ لا فعل والقعود موجود فِيهِ كَذَلِكَ العارف عاجز عَن معرفته والمعرفة موجودة فِيهِ لأنها ضرورية وعند هذه الطائفة المعرفة بِهِ سبحانه فِي الانتهاء ضرورة فالمعرفة الكسبية فِي الابتداء وإن كانت معرفة عَلَى التحقيق فلم يعدها الصديق ﵁ شَيْئًا بالإضافة إِلَى المعرفة الضرورية كالسراج عِنْدَ طلوع الشَّمْس وانبساط شعاعها عَلَيْهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن سَعِيد البصرى بالكوفة يَقُول: سمعت ابْن الأعرابي يَقُول: قَالَ الجنيد: التوحيد الَّذِي انفرد بِهِ الصوفية هُوَ إفراد القدم عَنِ الحدث والخروج عَنِ الأوطان وقطع المحاب وترك مَا علم وجهل وأن يَكُون الحق سبحانه مكان الجميع.
وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: من وقع فِي بحار التوحيد لا يزداد عَلَى ممر الأوقات إلا عطشا وَقَالَ الجنيد: علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مفارق لعمله.
وَقَالَ الجنيد أَيْضًا: علم التوحيد طوي بساطه منذ عشرين سنة والناس يتكلمون فِي حواشيه.
سمعت بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الأَصْبَهَانِي يَقُول: وقف رجل عَلَى الْحُسَيْن بْن مَنْصُور فَقَالَ: من الحق الَّذِي يشيرون إِلَيْهِ فَقَالَ: معل الأنام ولا يعتل
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: من اطلع عَلَى ذرة من علم التوحيد ضعف عَن حمل بقة لثقل مَا حمله.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سئل الشبلي فقيل لَهُ: أَخْبَرَنَا عَن توحيد مجرد وبلسان حق مفرد فَقَالَ: ويحك من أجاب عَنِ التوحيد بالعبارة فَهُوَ ملحد ومن أشار إِلَيْهِ فَهُوَ ثنوي ومن أومأ إِلَيْهِ فَهُوَ عابد وثن ومن نطق فِيهِ فَهُوَ غافل ومن سكت عَنْهُ فَهُوَ جاهل ومن توهم أَنَّهُ واصل فليس لَهُ حاصل ومن رأى أَنَّهُ قريب فَهُوَ بعيد ومن تواجد فَهُوَ فاقد وكل مَا ميز تموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم فِي أتم معانيكم فَهُوَ مصروف مردود إليكم محدث مصنوع مثلكم وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: توحيد الخاصة أَن يَكُون بسره ووجده وقلبه كَأَنَّهُ قائم بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى يجري عَلَيْهِ تصاريف تدبيره وأحكام قدرته فِي بحار توحيده بالفناء عَن نَفْسه وذهب حسه لقيام الحق سبحانه لَهُ فِي مراده منه فيكون كَمَا هُوَ قبل أَن يَكُون فِي جريان حكمه سبحانه عَلَيْهِ وقيل: التوحيد للحق سبحانه والخلق طفيلي، وقيل: التوحيد إسقاط الياءات لا تقول لي وبي ومني وإلي وقيل لأبي بَكْر الطمستاني: مَا التوحيد فَقَالَ: توحيد، وموحد، وموحد، هذه ثلاثة قَالَ رويم: التوحيد محو آثار البشرية وتجرد الألوهية.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي آخر عمره وَكَانَ قَد اشتدت بِهِ العلة فَقَالَ: من أمارات التأييد حفظ التوحيد فِي أوقات الحكم ثُمَّ قَالَ كالمفسر لقوله مشيرا إِلَى مَا كَانَ فِيهِ من حاله: هُوَ أَن يقرضك بمقاريض القدرة فِي إمضاء الأَحْكَام قطعة قطعة وأنت شاكر حامد
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وَقَالَ الشبلي: مَا شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق بِذَلِكَ فناء ذكر الأشياء عَن قلبه وانفراده بالله ﷿ وَقَالَ الشبلي لرجل أتدري لَمْ لا يصح توحيدك فَقَالَ: لا قَالَ لأنك تطلبه بك وَقَالَ ابْن عَطَاء: علامة حقيقة التوحيد نسيان التوحيد وَهُوَ أَن يَكُون القائم بِهِ واحدا ويقال: من النَّاس من يَكُون فِي توحيده مكاشفا بالأفعال يرى الحادثات بالله تَعَالَى وَمِنْهُم من هُوَ مكاشف بالحقيقة فيضمحل إحساسه بِمَا سواه فَهُوَ يشاهد الجمع سرا بسر وظاهره بوصف التفرقة.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد القزويني يَقُول: سمعت القنفد يَقُول: سئل الجنيد عَنِ التوحيد فَقَالَ: سمعت قائلا يَقُول: وغنى لي من قلبي وغنيت كَمَا غنى وكنا حينما كَانُوا وكانوا حينما كُنَّا فَقَالَ السائل: أهلك الْقُرْآن والأخبار فَقَالَ: لا ولكن الموحد يأخذ أعلى التوحيد من أدنى الْخَطَّاب وأيسره.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
بَاب أحوالهم عِنْدَ الخروج من الدنيا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] يَعْنِي: طيبة نفوسهم ببذلهم مهجهم لا يثقل عَلَيْهِم رجوعهم إِلَى مولاهم.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَضْرُ بْنُ أَبَانٍ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَدِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعَالِجَ كَرْبَ الْمَوْتِ وَسَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَإِنَّ مَفَاصِلَهُ لَيُسَلِّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ تَقُولُ عَلَيْكَ السَّلامُ تُفَارِقَنِي وَأُفَارِقُكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَضْرُ بْنُ أَبَانٍ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَوَّارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى وَأَخَافُ ذُنُوبِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: شَيْئَانِ لا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ.
قَالَ الأستاذ: واعلم أَن أحوالهم فِي حال النزع مختلفة فبعضهم الغالب عَلَيْهِ الهيبة وبعضهم الغالب عَلَيْهِ الرجاء وَمِنْهُم من كشف لَهُ فِي تلك الحالة مَا أوجب لَهُ السكون وجميل الثقة حكى أَبُو مُحَمَّد الجريري قَالَ: كنت عِنْدَ الجنيد فِي حال نزعه وَكَانَ يَوْم الجمعة ويوم نيروز وَهُوَ يقرأ الْقُرْآن فختم فَقُلْتُ: فِي هذه الحالة يا أبا القاسم فَقَالَ: ومن أولى بِذَلِكَ منى وَهُوَ ذا تطوى صحيفتي.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: بلغني عَن أَبِي مُحَمَّد الهروي أَنَّهُ قَالَ: مكثت عِنْدَ الشبلي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا فكان يَقُول طول ليلته هذين البيتين:
[ ٢ / ٤٦٨ ]
كُل بَيْت أَنْتَ ساكنه غَيْر محتاج إِلَى السرج
وجهك المأمول حجتنا يَوْم يَأْتِي النَّاس بالحجج
وحكى عَن عَبْد اللَّهِ بْن منازل أَنَّهُ قَالَ: إِن حمدون القصار أوصى إِلَى أَصْحَابه أَن لا يتركوه فِي حال الْمَوْت بَيْنَ النسوان وقيل لبشر الحافي وَقَد احتضر كأنك يا أبا نصر تحب الحياة، فَقَالَ: القدوم عَلَى اللَّه ﷿ شديد وقيل: كَانَ سُفْيَان الثَّوْرِي إِذَا قَالَ لَهُ بَعْض أَصْحَابه إِذَا سافر تأمر بشغل يَقُول: إِن وجدت الْمَوْت فاشتره لي فلما قربت وفاته كَانَ يَقُول كُنَّا نتمناه فَإِذَا هُوَ شديد.
وقيل: لما حضرت الْحَسَن بْن عَلِي بْن أَبِي طَالِب الوفاة بكى، فقيل لَهُ مَا يبكيك؟ فَقَالَ: أقدم عَلَى سيد لَمْ أره، وَأَمَّا حضرت بلالا الوفاة، قَالَت امرأته.
: واحزناه، فَقَالَ: بَل واطرباه غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه.
وقيل: فتح عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ عينيه عِنْدَ الوفاة وضحك وَقَالَ لمثل هَذَا فليعمل العاملون، وقيل: كَانَ مكحول الشامي الغالب عَلَيْهِ الحزن فدخلوا عَلَيْهِ فِي مرض موته وَهُوَ يضحك فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَمْ لا أضحك وَقَدْ دنا فراق من كنت أحذره، وسرعة القدوم عَلَى من كنت أرجوه وآمله.
وَقَالَ رويم: حضرت وفاة أَبِي سَعِيد الخراز وَهُوَ يَقُول فِي آخر نَفْسه: حنين قلوب العارفين إِلَى الذكر وتذكارهم وقت المناجاة للسر أديرت كؤوس للمنايا عَلَيْهِم فأغفو عَنِ الدنيا كإغفاء ذي السكر همومهم جوالة بمعسكر بِهِ أهل ود اللَّه كالأنجم الزهر فأجسامهم فِي الأَرْض قتلى بحبه وأرواحهم فِي الحجب نَحْو العلا تسرى فَمَا عرسوا إلا بقرب حبيبهم وَمَا عرجوا عَن مس بؤس ولا ضر
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وقيل للجنيد إِن أبا سَعِيد الخراز كَانَ كثير التواجد عِنْدَ الْمَوْت فَقَالَ: لَمْ يكن بعجيب أَن تطير روحه اشتياقا.
وَقَالَ بَعْضهم: وَقَدْ قربت وفاته: يا غلام اشدد كتافي وعفر خدي ثُمَّ قَالَ: دنا الرحيل ولا براءة لي من ذنب، ولا عذر أعتذر بِهِ، ولا قوة أنتصر بِهَا، أَنْتَ لي أَنْتَ لي ثُمَّ صاح صيحة وَمَاتَ فسمعوا صوتا استكان العبد لمولاه فقبله، وقيل لذي النون الْمِصْرِي عِنْدَ موته: مَا تشتهى؟ قَالَ: أَن أعرف قبل موتى بلحظة، وقيل: لبعضهم وَهُوَ فِي النزع قل اللَّه فَقَالَ: إِلَى مَتَى تَقُولُونَ قل: اللَّه وأنا محترق بالله تَعَالَى، وَقَالَ بَعْضهم: كنت عِنْدَ ممشاد الدينوري فقدم فَقِير وَقَالَ: سلام عليكم، فردوا ﵇ فَقَالَ: هل هاهنا موضع نظيف يمكن الإِنْسَان أَن يموت فِيهِ.
قَالَ: فأشاروا عَلَيْهِ بمكان وَكَانَ ثُمَّ عين ماء فجدد الفقير الوضوء وركع مَا شاء اللَّه ﷿ ومضى إِلَى المكان الَّذِي أشاروا إِلَيْهِ ومد رجليه وَمَاتَ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري يتكلم يوما فِي مجلسه فصاحت امْرَأَة تواجدا فَقَالَ: لَهَا موتى فقامت المرأة فلما بلغت بَاب الدار التفتت إِلَيْهِ وَقَالَتْ قَدْ مت ووقعت ميتة، وَقَالَ بَعْضهم: كنت عِنْدَ ممشاد الدينوري عِنْدَ وفاته فقيل لَهُ: كَيْفَ تجد العلة فَقَالَ: سلوا العلة عنى كَيْفَ تجدني فقيل: قل: لا اللَّه إلا اللَّه فحول وجهه إِلَى الجدار وَقَالَ أفنيت كلى بكلك هَذَا جزاء من يحبك، وقيل: لأبي مُحَمَّد الديبلي وَقَدْ حضرته الوفاة قل لا اللَّه إلا اللَّه فَقَالَ: هَذَا شَيْء قَدْ عرفناه وَبِهِ نفنى، ثُمَّ أنشأ يَقُول: تسربل ثوب التيه لما هويته وصد وَلَمْ يرض بأن أك عبده وقيل للشبلي عِنْدَ وفاته: قل: لا اللَّه إلا اللَّه، فَقَالَ: قَالَ سلطان حبه أنا لا أقبل الرشا فسلوه بحقه لَمْ بقتلى تحرشا
[ ٢ / ٤٧٠ ]
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: سمعت بَعْض الفقراء يَقُول: لما مَات يَحْيَي الإصطخري جلسنا حوله، فَقَالَ: لَهُ رجل منا قل: أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه فجلس مستويا ثُمَّ أخذ بيد واحد منا وَقَالَ لَهُ: قل أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه ثُمَّ أخذ بيد آخر حَتَّى عرض الشهادة عَلَى جَمِيع الحاضرين ثُمَّ مَات.
ويحكى عَن فاطمة أخت أَبِي عَلِي الروذباري أَنَّهَا قَالَتْ: لما قرب أخي أَبِي عَلِي الروذباري وَكَانَ رأسه فِي حجري فتح عينيه وَقَالَ: هذه أبواب السماء قَدْ فتحت، وَهَذَهِ الجنان قَدْ زينت، وَهَذَا قائل يَقُول لي: يا أبا عَلِيّ قَدْ بلغناك الرتبة القصوى وإن لَمْ تردها، ثُمَّ أنشأ يَقُول: وحقك لا نظرت إِلَى سواكا بعين مودة حَتَّى أراكا أراك معذبي بفتور لحظ وبالخد المورد من جناكا ثُمَّ قَالَ: يا فاطمة الأَوَّل ظاهر وَالثَّانِي فِيهِ إشكال.
سمعت بَعْض الفقراء يَقُول: لما قربت وفاة أَحْمَد بْن نصر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ واحد: قل: أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه فنظر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: لا تترك الحرمة بالفارسية بي حرمتي مكن.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت فقيرا يجود بنفسه غريبا والذباب عَلَى وجهه فجلست أذب الذباب عَن وجهه ففتح عينيه وَقَالَ من هَذَا؟ أنا منذ كَذَا سنة فِي طلب وقت يصفو لي فلم يتفق إلا الآن جئت أَنْتَ توقع نفسك فِيهِ مر عافاك اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو عمران الإصطخري: رأيت أبا تراب فِي البادية قائما ميتا لا يمسكه شَيْء.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: كَانَ سبب وفاة أَبِي الْحُسَيْن النوري أَنَّهُ سمع هَذَا الْبَيْت: لا زلت أنزل من ودادك منزلا تتحير الألباب عِنْدَ نزوله.
فتواجد النوري وهام فِي الصحراء فوقع فِي أجمة قصب وَقَدْ قطعت وبقى أصولها مثل
[ ٢ / ٤٧١ ]
السيوف فكان يمشى عَلَيْهَا ويعيد الْبَيْت إِلَى الغداة والدم يسيل من رجليه ثُمَّ وقع مثل السكران فتورمت قدماه وَمَاتَ.
وحكى أَنَّهُ قيل لَهُ عِنْدَ النزع: قل: لا اللَّه إلا اللَّه فَقَالَ: أليس إِلَيْهِ أعود.
وقيل: مرض إِبْرَاهِيم الخواص فِي الْمَسْجِد الجامع بالري وكانت بِهِ علة الإسهال فكان إِذَا قام مجلسا يدخل الماء ويتوضأ فدخل الماء مرة فخرجت روحه.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: دَخَلَ عَلَيْهِ ويسف بْن الْحُسَيْن عائدا لَهُ بَعْد مَا أتى عَلَيْهِ أَيَّام لَمْ يعده وَلَمْ يتعهده فلما رآه قَالَ للخواص أتشتهي شَيْئًا؟ قَالَ نعم قطعة كبد مشوي قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: لعل الإشارة فِيهِ أَنَّهُ أراد أشتهي قلبا يرق لفقير وكبدا تشتوي وتحترق لغريب لأنه كالمستجفي ليوسف بْن الْحُسَيْن حيث لَمْ يتعهده.
وقيل: كَانَ سبب موت ابْن عَطَاء أَنَّهُ أدخل عَلَى الوزير فكلمه الوزير بكلام غليظ فَقَالَ لَهُ ابْن عَطَاء: اهدأ يا رجل فأمر فضرب بخفه عَلَى رأسه فمات منه.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي التميمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الدقي يَقُول: كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْر الزقاق بالغداة فَقَالَ: إلهي كم تبقيني هاهنا فَمَا بلغ الغداة الأولى حَتَّى مَات.
وحكى عَن أَبِي عَلِيّ الروذباري أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي البادية حدثا فلما رآني قَالَ: أما يكفيه أَن شغفني بحبه حَتَّى علني ثُمَّ رأيته يجود بروحه فَقُلْتُ لَهُ: قل: لا اللَّه إلا اللَّه فأنشأ يَقُول: أيا من لَيْسَ لي عَنْهُ وإن عذبني بد ويا من نال من قلبي منالا مَا لَهُ حد وقيل للجنيد: قل: لا إله إلا اللَّه، فَقَالَ: مَا نسيته فأذكره، وَقَالَ: حاضر فِي القلب يعمره لست أنساه فأذكره فَهُوَ مولاي ومعتمدي ونصيبي منه أوفره سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي التميمي يَقُول:
[ ٢ / ٤٧٢ ]
سألت جَعْفَر بْن نصير بكران الدينوري وَكَانَ يخدم الشبلي مَا الَّذِي رأيت منه؟ فَقَالَ: قَالَ لي عَلَى درهم مظلمة وَقَدْ تصدقت عَن صاحبه بألوف فَمَا عَلَى قلبي شغل أَعْظَم منه ثُمَّ قَالَ: وضئني للصلاة ففعلت فنسيت تخليل لحيته وَقَدْ أمسك عَلَى لسانه فقبض عَلَى يدي وأدخلها فِي لحيته ثُمَّ مَات فبكى جَعْفَر وَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رجل لَمْ يفته حَتَّى فِي آخر عمره أدب من آداب الشريعة.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن بْن عَبْد اللَّهِ الطرسوسي يَقُول: سمعت علوشا الدينوري يَقُول: سمعت المزين الكبير يَقُول: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فوقع بي انزعاج فخرجت أريد المدية، فلما وصلت إِلَى بئر ميمونة إِذَا أنا بشاب مطروح فعدلت إِلَيْهِ وَهُوَ ينزع فَقُلْتُ لَهُ: قل: لا اللَّه إلا اللَّه ففتح عينيه وأنشأ يَقُول: أنا إِن مت فالهوى حشو قلبي وبداء الهوى تموت الكرام فشهق شهقة ثُمَّ مَات فغسلته وكفنته وصليت عَلَيْهِ فلما فرغت من دفنه سكن مَا كَانَ بي من إرادة السفر فرجعت إِلَى مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى.
وقيل: لبعضهم: أتحب الْمَوْت؟ فَقَالَ: القدوم عَلَى من يرجى خيره خير من البقاء مَعَ من لا يؤمن شره.
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ أستاذي ابْن الكرنبي وَهُوَ يجود بنفسه فنظرت إِلَى السماء فَقَالَ: بَعْد ثُمَّ نظرت إِلَى الأَرْض فَقَالَ: بَعْد يَعْنِي: أَنَّهُ أقرب إليك من أَن تنظر إِلَى السماء أَوْ إِلَى الأَرْض بَل هُوَ وراء المكان سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر الطوسي يَقُول: سمعت بَعْض أَصْحَابنا يَقُول قَالَ أَبُو يَزِيد عِنْدَ موته: مَا ذكرتك إلا عَن غفلة ولا قبضتني إلا عَلَى فترة.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: دخلت مصر فرأيت النَّاس مجتمعين فَقَالُوا كُنَّا فِي جنازة فنى سمع قائلا يَقُول: كبرت همة عَبْد طمعت فِي أَن تراكا فشهق شهقة وَمَاتَ منذ ثلاثين سنة تعرض عَلَى الْجَنَّة بِمَا فِيهَا فَمَا أعرتها طرفي، وَقَالُوا لَهُ عِنْدَ النزع: كَيْفَ تجد قلبك؟ فَقَالَ:
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وقيل: دَخَلَ جَمَاعَة عَلَى ممشاد الدينوري فِي مرضه فَقَالُوا: مَا فعل اللَّه بك وَمَا صنع؟ فَقَالَ: منذ ثلاثين سنة تعرض عَلِي الْجَنَّة بِمَا فِيهَا فَمَا أعرتها طرفي، وَقَالُوا لَهُ عِنْدَ النزع: كَيْفَ تجد قلبك؟ فَقَالَ: منذ ثلاثين سنة فقدت قلبي.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي التميمي يَقُول: قَالَ الوجيهي: كَانَ سبب موت ابْن بنان أَنَّهُ ورد عَلَى قلبه شَيْء فهام عَلَى وجهه فلحقوه فِي وسط متاهة بَنِي إسرائيل فِي الرمل ففتح عينيه وَقَالَ ارتع فهذا مرتع الأحباب وخرجت روحه.
وَقَالَ أَبُو يعقوب النهرجوري: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فجاءني فَقِير مَعَهُ دِينَار فَقَالَ: إِذَا كَانَ غدا فأنا أموت فأصلح لي بنصف هَذَا قبرا والنصف الثَّانِي لجهازي فَقُلْتُ فِي نفسي: دوخل الشاب فَإِنَّهُ قَدْ أصابهم فاقة الحجاز فلما كَانَ الغد جاء ودخل الطواف ثُمَّ مضى وامتد عَلَى الأَرْض فَقُلْتُ: هوذا يتماوت فذهبت إِلَيْهِ فحركته فَإِذَا هُوَ ميت فدفنته كَمَا أمر.
وقيل: لما تغيرت الحال عَلَى أَبِي عُثْمَان الحيرى مزق ابنه أَبُو بَكْر قميصا ففتح أَبُو عُثْمَان عينيه وَقَالَ: يا بَنِي إِن خلاف السنة فِي الظاهر من رياء فِي الباطن.
وقيل: دَخَلَ ابْن عَطَاء عَلَى الجنيد وَهُوَ يجود بنفسه فسلم فأبطأ فِي الجواب ثُمَّ رد وَقَالَ اعذرني فلقد كنت فِي وردى ثُمَّ مَات، وحكى أَبُو عَلَى الروذباري قَالَ: دم عَلَيْنَا فَقِير فمات فدفنته وكشفت عَن وجهه لأضعه فِي التراب ليرحم اللَّه ﷿ غربته ففتح عينيه وَقَالَ يا أبا عَلِيّ أتذللني بَيْنَ يدي من دللني فَقُلْتُ: يا سيدي أحياة بَعْد موت فَقَالَ لي: بلى أنا حي وكل محب لِلَّهِ ﷿ حي لا يضرنك غدا بجاهي يا روزباري.
ويحكى عَنِ ابْن سهل الأصفهاني، أَنَّهُ قَالَ: أترون أنى أموت كَمَا يموت النَّاس مرض وعيادة إِنَّمَا أدعى فيقال: يا عَلِي فأجيب فكان يمشي يوما فَقَالَ: لبيك وَمَاتَ سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن المزين قَالَ: لما عرض أَبُو يعقوب النهرجوري مرض وفاته قُلْت: لَهُ وَهُوَ فِي
[ ٢ / ٤٧٤ ]
النزع قل لا اللَّه إلا اللَّه فتبسم إلي وَقَالَ: إياي تعنى؟ وعزة من لا يذوق الْمَوْت مَا بيني وبينه إلا حجاب العزة وانطفأ من ساعته، فكان المزين يأخذ بلحيته وَيَقُول: حجام مثلي يلقن أولياء اللَّه تَعَالَى الشهادة واخجلتاه منه، وَكَانَ يبكى إِذَا ذكر هذه الحكاية.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن المالكي: كنت اصحب خيرا النساج سنين كثيرة فَقَالَ لي: قبل موته بثمانية أَيَّام أنا أموت يَوْم الخميس وقت المغرب وأدفن يَوْم الجمعة قبل الصلاة وستنسى هَذَا فلا تنس قَالَ أَبُو الْحُسَيْن: فأنسيته إِلَى يَوْم الجمعة فلقيني من أخبرني بموته فخرجت لأحضر جنازته فوجدت النَّاس راجعين يقولون: يدفن بَعْد الصلاة فلم أنصرف وحضرت فوجدت الجنازة قَدْ أخرجت قبل الصلاة كَمَا قَالَ فسألت من حضر وفاته فَقَالَ: إنه غشي عَلَيْهِ ثُمَّ أفاق ثُمَّ التفت إِلَى ناحية الْبَيْت وَقَالَ: قف عافاك اللَّه فإنما أَنْتَ عَبْد مأمور وأنا عَبْد مأمور الَّذِي أمرت بِهِ لا يفوتك والذي أمرت بِهِ يفوتني فدعا بماء فجدد وضوءه وصلى ثُمَّ تمدد وغمض عينيه فرؤي فِي المنام بَعْد موته فقيل لَهُ: كَيْفَ حالك؟ فَقَالَ: لا تسل لكني تخلصت عَن دنياكم الوضرة.
وذكر أَبُو الْحُسَيْن الحمصي مصنف كتاب بهجة الأسرار أَنَّهُ لما مَات سهل بْن عَبْد اللَّهِ انكب النَّاس عَلَى جنازته وَكَانَ فِي البلد يهودي نيف عَلَى السبعين فسمع الضجة فخرج لينظر مَا كَانَ فلما نظر إِلَى الجنازة صاح وَقَالَ: أترون مَا أرى فَقَالُوا: لا إيش ترى؟ فَقَالَ: أرى أقواما ينزلون من السماء يتمسحون بالجنازة ثُمَّ إنه تشهد وأسلم وحسن إسلامه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر بْن قَيْس بمصر يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فجزت يوما بباب بَنِي شيبة فرأيت شابا حسن الوجه ميتا فنظرت فِي وجهه فتبسم فِي وجهي وَقَالَ لي: يا أبا سَعِيد أما علمت أَن الأحباء أحياء وإن مَاتُوا وإنما ينقلون من دار إِلَى دار وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: بلغني أَنَّهُ قيل لذي النون الْمِصْرِي عِنْدَ النزع أوصنا، فَقَالَ: لا تشغلوني فإني متعجب من محاسن لطفه.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الحيرى يَقُول سئل أَبُو حفص فِي حال وفاته مَا الَّذِي تعظنا بِهِ فَقَالَ: لست أقوى عَلَى القول ثُمَّ رأى من نَفْسه قوة فَقُلْتُ لَهُ: قل حَتَّى أحكي عَنْك فَقَالَ: موعظتي الانكسار بكل القلب عَلَى التقصير.
[ ٢ / ٤٧٦ ]