قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَوْرَكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرَّازٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ وَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ يَضُرَّهُ ذَنْبٌ، ثُمَّ تَلا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا عَلامَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: «النَّدَامَةُ»
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَاتِكَةَ طَرِيفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ شَابٍّ تَائِبٍ»
التوبة أول منزلة من منازل السالكين وأول مقام من مقامات الطالبين وحقيقة التوبة فِي لغة العرب الرجوع يقال تاب أي رجع فالتوبة الرجوع عما كَانَ مذموما فِي الشرع إِلَى مَا هُوَ محمود فِيهِ وَقَالَ النَّبِي ﷺ: الندم التوبة فأرباب الأصول من أهل السنة قَالُوا: شرط التوبة حَتَّى تصح ثلاثة أشياء:
[ ١ / ٢٠٧ ]
الندم عَلَى مَا عمل من المخالفات، وترك الزلة فِي الحال، والعزم عَلَى أَن لا يعود إِلَى مثل مَا عمل من المعاصي فَهَذِهِ الأركان لابد منها حَتَّى تصح توبته قَالَ هَؤُلاءِ: وَمَا فِي الْخَبَر إِن الندم توبة إِنَّمَا نص عَلَى معظمه كَمَا قَالَ ﷺ الحج عرفة أي معظم أركانه عرفة أي الوقوف بِهَا لا أَنَّهُ لا ركن فِي الحج سِوَى الوقوف بعرفات ولكن معظم أركانه الوقوف بِهَا كَذَلِكَ قَوْله: الندم توبة أي معظم أركانها الندم ومن أهل التحقيق من قَالَ: يكفي الندم فِي تحقيق ذَلِكَ، لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فَإِنَّهُ يستحل تقدير أَن يَكُون نادما عَلَى مَا هُوَ مصر عَلَى مثله أَوْ عازم عَلَى الإتيان بمثله وَهَذَا معني التوبة عَلَى جهة التحديد والإجمال فأما عَلَى جهة الشرح والإبانة فَإِن للتوبة أسبابا وترتيبا وأقساما فأول ذَلِكَ انتباه القلب عَن رقدة الغفلة ورؤية العبد مَا هُوَ عَلَيْهِ من سوء الحالة ويصل إِلَى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إِلَى مَا يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه بسمع قلبه، فَإِنَّهُ جاء فِي الْخَبَر واعظ اللَّه فِي قلب كُل امرئ مُسْلِم وَفِي الْخَبَر إِن فِي البدن لمضغة إِذَا صلحت صلح جَمِيع الجسد وإذا فسدت فسد جَمِيع البدن ألا وَهِيَ القلب فَإِذَا فكر بقلبه فِي سوء مَا يصنعه وأبصر مَا هُوَ عَلَيْهِ من قبيح الأفعال سنح فِي قلبه إرادة التوبة والإقلاع عَن قبيح المعاملة فيعده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والأخذ فِي جميل الرجعى والتأهب لأسباب التوبة فأول ذَلِكَ
[ ١ / ٢٠٨ ]
هجران إخوان السوء فإنهم هُم الَّذِينَ يحملون عَلَى رد هَذَا القصد ويشوشون عَلَيْهِ صحة هَذَا العزم ولا يتم ذَلِكَ إلا بالمواظبة عَلَى المشاهدة الَّتِي تزيد رغبته فِي
التوبة وتوفر دواعيه عَلَى إتمام مَا عزم عَلَيْهِ مِمَّا يقوي خوفه ورجاءه فعند ذَلِكَ تنحل من قلبه عقدة الإصرار عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من قبيح الأفعال فيقف عَن تعاطي المحظورات ويكبح لجام نَفْسه عَن متابعة الشهوات فيفارق الزلة فِي الحال ويبرم العزيمة عَلَى أَن لا يعود إِلَى مثلها فِي الاستقبال فَإِن مضى عَلَى موجب قصده ونفذ بمقتضى عزمه فَهُوَ الموافق صدقا وإن نقض التوبة مرة أَوْ مرات وتحمل إرادته عَلَى تجديدها فَقَدْ يَكُون مثل هَذَا أَيْضًا كثيرا فلا ينبغي قطع الرجاء عَن توبة أمثال هَؤُلاءِ فَإِن لكل أجل كتابا.
حكي عَن أَبِي سُلَيْمَان الدراني أَنَّهُ قَالَ: اختلفت إِلَى مجلس قاص فاثر كلامه فِي قلبي فلما قمت لَمْ يبق فِي قلبي منه شَيْء فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي كلامه فِي قلبي فِي الطريق ثُمَّ زال ثُمَّ عدت ثالثا فبقي أثر كلامه فِي قلبي حَتَّى رجعت إِلَى منزلي فكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق فحكي هذه الحكاية ليحيى بْن معاذ فَقَالَ: عصفور اصطاد كركيا أراد بالعصفور ذَلِكَ القاص وبالكركي أبا سُلَيْمَان الدارني.
ويحكى عَن أَبِي حفص الحداد أَنَّهُ قَالَ: تركت العمل كَذَا وكذا مرة فعدت إِلَيْهِ ثُمَّ تركني العمل فلم أعد بَعْد إِلَيْهِ.
وقيل: إِن أبا عَمْرو بْن نجيد فِي ابتداء أمره اختلف إِلَى مجلس أَبِي عُثْمَان فأثر فِي قلبه كلامه فتاب ثُمَّ إنه وقعت لَهُ فترة فكان يهرب من أَبِي عُثْمَان إِذَا رآه ويتأخر عَن مجلسه فاستقبله أَبُو عُثْمَان يوما فحاد أَبُو عَمْرو عَن طريقه وسلك طريقا أُخْرَى فتبعه أَبُو عُثْمَان فَمَا زال يقفوا أثره حَتَّى لخفه فَقَالَ لَهُ:
[ ١ / ٢٠٩ ]
يا بَنِي لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما إِنَّمَا ينفعك أَبُو عُثْمَان فِي مثل هذه الحالة قَالَ فتاب أَبُو عَمْرو بْن نجيد وعاد إِلَى الإرادة ونفذ فِيهَا.
سمعت الشيخ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: تاب بَعْض المريدين ثُمَّ وقعت لَهُ فترة فكان يفكر وقتا لو عاد إِلَى توبته كَيْفَ حكمه؟ فهتف بِهِ هاتف يا فُلان أطعتنا فشكرناك ثُمَّ تركتنا فأهملناك وإن عدت إلينا قبلناك فعاد الفتى إِلَى الإرادة ونفذ فِيهَا فَإِذَا ترك المعاصي وجل عَن قلبه عقدة الإصرار وعزم عَلَى أَن لا يعود إِلَى مثله فعند ذَلِكَ يخلص إِلَى قلبه صادق الندم فيتأسف عَلَى مَا عمله ويأخذ فِي التحسر عَلَى مَا صنعه من أحواله وارتكبه من قبيح أعماله فتتم توبته وتصدق مجاهداته واستبدل بمخالطته العزلة وبصحبته مَعَ أخدان السوء التوحش عَنْهُم والخلوة ويصل ليله بنهاره فِي التلهف ويعتنق فِي عموم أحواله بصدق التأسف يمحو بصوب عبرته آثار عثرته ويأسو بحسن توبته كلوم حوبته يعرف من بَيْنَ أمثاله بذنوبه ويستدل عَلَى صحة حاله بنحوله ولن يتم لَهُ شَيْء من ذَلِكَ إلا بَعْد فراغه من إرضاء خصومه والخروج عما لزمه من مظالمه فَإِن أول منزلة من التوبة إرضاء الخصوم بِمَا أمكنه فَإِن اتسع ذَات يده لإيصال حقوقهم إليهم أَوْ سمحت أنفسهم بإحلاله والبراءة عَنْهُ وإلا فالعزم بقلبه عَلَى أَن يخرج عَن حقوقهم عِنْدَ الإمكان والرجوع إِلَى اللَّه بصدق الابتهال والدعاء لَهُمْ وللتائبين صفات وأحوال هِيَ من خصالهم يعد ذَلِكَ من جملة التوبة لكونها من صفاتهم لا لأنها من شرط صحتها وإلى ذَلِكَ تشير أقاويل الشيوخ فِي معني التوبة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: التوبة عَلَى ثلاثة أقسام:
[ ١ / ٢١٠ ]
أولها التوبة وأوسطها الإنابة وآخرها الأوبة، فجعل التوبة بداية والأوبة نهاية والإنابة واسطتهما، فَكُل من تاب لخوف العقوبة فَهُوَ صاحب توبة، ومن تاب طمعا فِي الثواب فَهُوَ صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة فِي الثواب أَوْ رهبة من العقاب فَهُوَ صاحب أوبة، ويقال أَيْضًا: التوبة صفة الْمُؤْمِنيِنَ قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] والإنابة صفة الأولياء والمقربين قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين قَالَ اللَّه تعالي: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠] .
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول سمعت الجنيد يَقُول: التوبة عَلَى ثلاثة معان: أولها الندم.
وَالثَّانِي العزم عَلَى ترك المعاودة إِلَى مَا نهى اللَّه عَنْهُ.
والثالث السعي فِي أداء المظالم.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ التوبة ترك التسويف.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الْقُرَشِيّ يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول سمعت الْحَارِث يَقُول: مَا قُلْت: قط اللَّهُمَّ أنى أسألك التوبة ولكني أقول أسألك شهوة التوبة أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الشيرازي قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن مصلح بالأهواز يَقُول سمعت ابْن زيري يَقُول سمعت الجنيد يَقُول: دخلت عَلَى السري يوما فرأيته متغيرا فَقُلْتُ لَهُ: مَالِك
[ ١ / ٢١١ ]
فَقَالَ: دَخَلَ عَلِي شاب فسألني عَنِ التوبة فَقُلْتُ لَهُ: أَن لا تنسى ذنبك فعارضني وَقَالَ بَل التوبة أَن تنسى ذنبك فَقُلْتُ: إِن الأمر عندي مَا قَالَ الشاب فَقَالَ: لَمْ قُلْت: لأني إِذَا كنت فِي حال الجفاء فنقلني إِلَى حال الوفاء فذكر الجفاء فِي حال الصفاء جفاء فسكت.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول سمعت أبا نصر السراج يَقُول سئل سهل بْن عَبْد اللَّهِ عَنِ التوبة فَقَالَ: أَن لا تنسى ذنبك وسئل الجنيد عَنِ التوبة فَقَالَ: أَن تنسى ذنبك قَالَ أَبُو نصر السراج أشار سهل إِلَى أحوال المريدين والمتعرضين تارة لَهُمْ وتارة عَلَيْهِم فأما الجنيد فَإِنَّهُ أشار إِلَى توبة المحققين لا يذكرون ذنوبهم بِمَا غلب عَلَى قلوبهم من عظمة اللَّه ودوام ذكره قَالَ وَهُوَ مثل مَا سئل رويم عَنِ التوبة فَقَالَ: التوبة من التوبة.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَنِ التوبة، فَقَالَ: توبة العوام من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة.
وَقَالَ النوري: التوبة أَن تتوب من كُل شَيْء سِوَى اللَّه ﷿.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي بْن مُحَمَّد التميمي يَقُول شتان مَا بَيْنَ تائب يتوب من الزلات وتائب يتوب من الغفلات وتائب يتوب من رؤية الحسنات.
وَقَالَ الواسطي: التوبة النصوح لا تبقي عَلِي صاحبها أثرا من المعصية سرا ولا جهرا ومن كانت توبته نصوحا لا يبالي كَيْفَ أمسى وأصبح.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الفضل الهاشمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الرومي، يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ
[ ١ / ٢١٢ ]
يَقُول: إلهي لا أقول تبت ولا أعود لما أعرف من خلقي ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفى ثُمَّ إني أقول لا أعود لعلي أَن أموت قبل أَن أعود وَقَالَ ذو النون الاستغفار من غَيْر إقلاع توبة الكاذبين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت النصرأباذي يَقُول سمعت ابْن يزدانيار يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ العبد إِذَا خرج إِلَى اللَّه عَلَى أي أصل يخرج فَقَالَ: عَلَى أَن لا يعود إِلَى مَا منه خرج ولا يراعي غَيْر من إِلَيْهِ خرج ويحفظ سره عَن ملاحظة مَا تبرأ منه فقيل لَهُ هَذَا حكم من خرج عَن وجود فكيف حكم من خرج عَن عدم فَقَالَ: وجود الحلاوة فِي المستأنف عوضا عَنِ المرارة فِي السالف.
وسئل البوشنجي عَنِ التوبة فَقَالَ: إِذَا ذكرت الذنب ثُمَّ لا تجد حلاوته عِنْدَ ذكره فَهُوَ التوبة وَقَالَ ذو النون حقيقة التوبة أَن تضيق عليك الأَرْض بِمَا رحبت حَتَّى لا يَكُون لَك قرار ثُمَّ تضيق عليك نفسك كَمَا أخبر اللَّه تَعَالَى فِي كتابه بقوله: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] وَقَالَ ابْن عَطَاء التوبة توبتان: توبه الإنابة وتوبة الاستجابة فتوبة الإنابة أَن يتوب العبد خوفا من عقوبته وتوبة الاستجابة أَن يتوب حياء من كرمه.
وقيل لأبي حفص: لَمْ يبغض التائب الدنيا؟ قَالَ لأنها دار باشر فِيهَا الذنوب فقيل لَهُ أَيْضًا هِيَ دار أكرمه اللَّه فِيهَا بالتوبة فَقَالَ: إنه من الذنب عَلَى يقين ومن قبول توبته عَلَى خطر.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَقَالَ الواسطي طرب دَاوُد ﵇ وَمَا هُوَ فِيهِ من حلاوة الطاعة أوقعه فِي أنفاس متصاعدة وَهُوَ فِي الحالة الثَّانِيَة أتم منه فِي وقت مَا ستر عَلَيْهِ أمره.
وَقَالَ بَعْضهم: توبة الكذابين عَلَى أطراف ألسنتهم يَعْنِي قَوْل أستغفر اللَّه.
وسئل أَبُو حفص عَنِ التوبة فَقَالَ: لَيْسَ للعبد فِي التوبة شَيْء، لأن التوبة إِلَيْهِ لا منه وقيل: أوحى اللَّه سبحانه إِلَى أدم يا آدم ورثت ذريتك التعب والنصب وورثتهم التوبة من دعاني مِنْهُم بدعوتك لبيته كتلبيتك يا آدم احشر التائبين من القبور مستبشرين بي ضاحكين ودعاؤهم مستجاب.
وَقَالَ رجل لرابعة إني قَدْ أكثرت من الذنوب والمعاصي فلو تبت عَلِي يتوب عَلِي فَقَالَتْ لا بَل لو تاب عليك لتبت واعلم أَن اللَّه تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ومن قارف الزلة فَهُوَ من خطئه عَلَى يقين فَإِذَا تاب فَإِنَّهُ من القبول عَلَى شك لا سيما إِذَا كَانَ من شرطه وحقه أَن يَكُون مستحقا لمحبة الحق وإلى أَن يبلغ العاصي محلا يجد فِي أوصافه أمارة محبة اللَّه إياه مسافة بعيدة فالواجب إذن عَلَى العبد إِذَا علم أَنَّهُ ارتكب مَا تجب منه التوبة دوام الانكسار وملازمة التنصل والاستغفار كَمَا قَالُوا استشعار الوجل إِلَى الأجل وَقَالَ عز من قائل: قل إِن كنتم تحبون اللَّه فاتبعون يحببكم اللَّه وَكَانَ من سنته ﷺ دوام الاستغفار، وَقَالَ ﷺ: إنه ليغان عَلَى قلبي فأستغفر اللَّه فِي اليوم سبعين مرة.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن عَلِي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن سهل يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: زلة واحدة بَعْد التوبة أقبح من سبعين قبلها
[ ١ / ٢١٤ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول سمعت أبا عُثْمَان يَقُول فِي قَوْله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] قَالَ رجوعهم وإن تمادى بِهِم الجولان فِي المخالفات.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول سمعت أبا عَمْرو الأنماطي يَقُول ركب عَلِي بْن عيسي الوزير فِي موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون: من هَذَا من هَذَا؟ فَقَالَت امْرَأَة قائمة عَلَى الطريق إِلَى مَتَى تَقُولُونَ من هَذَا من هَذَا؟ هَذَا عَبْد سقط من عين اللَّه فابتلاه اللَّه بِمَا ترون فسمع عَلِي بْن عيسى ذَلِكَ فرجع إِلَى منزلة واستعفى عَنِ الوزارة وذهب إِلَى مَكَّة وجاور بِهَا.
[ ١ / ٢١٥ ]
بَاب المجاهدة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ كَاسِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَفْضِلِ الْجِهَادِ؟ فَقَالَ: كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ.
وَدَمِعَتْ عَيْنَا أَبِي سَعِيدٍ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: من زين ظاهره بالمجاهدة حسن اللَّه سرائره بالمشاهدة قَالَ اللَّه تعالي ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] واعلم أَن من لَمْ يكن فِي بدايته صاحب مجاهدة لَمْ يجد من هذه الطريقة شمة
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: من ظن أَنَّهُ يفتح لَهُ شَيْء من هذه الطريقة أَوْ يكشف لَهُ عَن شَيْء منها إلا بلزوم المجاهدة فَهُوَ فِي غلط.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول من لَمْ يكن لَهُ فِي بدايته قومه لَمْ يكن لَهُ فِي نهايته جلسة وسمعته أَيْضًا يَقُول قولهم الحركة بركة حركات الظواهر توجب بركات السرائر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن غلوبة يَقُول: قَالَ أَبُو يَزِيد: كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي وخمس سنين كنت مرآة قلبي وسنة أنظر فيما بينهما
[ ١ / ٢١٦ ]
فَإِذَا فِي وسطى زنار ظاهر فعملت فِي قطعة ثنتي عشرة سنة ثُمَّ نظرت فَإِذَا فِي باطني زنار فعملت فِي قطعه خمس سنين أنظر كَيْفَ أقطعه فكشف لي فنظرت إِلَى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عَلَيْهِم أربع تكبيرات.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول سمعت السري يَقُول: يا معشر الشباب جدوا قبل أَن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا كَمَا ضعفت وقصرت وَكَانَ فِي ذَلِكَ الوقت لا يلحقه الشباب فِي العبادة وسمعته يَقُول سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول سمعت عَبْد الْعَزِيز النجراني يَقُول سمعت الْحَسَن القزاز يَقُول: بنى هَذَا الأمر عَلَى ثلاثة أشياء أَن لا تأكل إلا عِنْدَ الفاقة ولا تنام إلا عِنْدَ الغلبة ولا تتكلم إلا عِنْدَ الضرورة.
سمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن أدهم يَقُول: لَنْ ينال الرجل درجة الصالحين حَتَّى يَجُوز ست عقبات أولها أَن يغلق بَاب النعمة ويفتح بَاب الشدة.
وَالثَّانِي أَن يغلق بَاب العز ويفتح بَاب الذل.
والثالث أَن يغلق بَاب الراحة ويفتح بَاب الجهد.
والرابع أَن يغلق بَاب النوم ويفتح بَاب السهر.
والخامس أَن يغلق بَاب الغنى ويفتح بَاب الفقر.
والسادس أَن يغلق بَاب الأمل ويفتح بَاب الاستعداد للموت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: من كرمت عَلَيْهِ نَفْسه هان عَلَيْهِ دينه
[ ١ / ٢١٧ ]
وسمعته يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: إِذَا قَالَ الصوفي بَعْد خمسة أَيَّام أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالكسب.
واعلم أَن أصل المجاهدة وملاكها فطم النفس عَنِ المألوفات وحملها عَلَى خلاف هواها فِي عموم الأوقات وللنفس صفتان مانعتان لَهَا من الخير انهماك فِي الشهوات وامتناع عَنِ الطاعات فَإِذَا جمحت عِنْدَ ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى وإذا حرنت عِنْدَ القيام بالموافقات يجب سوقها عَلَى خلاف الهوى وإذا ثارت عِنْدَ غضبها فمن الواجب مراعاة حالها فَمَا من منازلة أَحْسَن عاقبة من غضب يكسر سلطانه بخلق حسن وتخمد نيرانه برفق فَإِذَا استحلت شراب الرعونة فضاقت إلا عَن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إِلَيْهَا ويلاحظها فمن الواجب كسر ذَلِكَ عَلَيْهَا وإحلالها بعقوبة الذل بِمَا يذكرها من حقارة قدرها وخساسة أصلها وقذارة فعلها وجهد العوام فِي توفية الأعمال وقصد الخواص عَلَى تصفية الأحوال فَإِن مقاساة الجوع والسهر سهل يسير ومعالجة الأخلاق والتقت عَن سفاسفها صعب شديد ومن غوامض آفات النفس ركونها إِلَى استحلاء المدح فَإِن من تحسى منه جرعة حمل السموات والأرضين عَلَى شفره من أشفاره وأمارة ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا انقطع عَنْهُ ذَلِكَ الشرب آل حاله إِلَى الكسل والفشل.
كَانَ بَعْض المشايخ يصلى فِي مسجده فِي الصف الأَوَّل سنين كثيرة فعاقه يوما عَنِ الابتكار إِلَى الْمَسْجِد عائق فصلى فِي الصف الأخير فلم ير مدة فسئل عَنِ السبب فَقَالَ: كنت أقضى صلاة كَذَا وكذا سنة صليتها وعندي أنى مخلص فِيهَا لِلَّهِ فداخلني يَوْم تأخري عَنِ الْمَسْجِد من شهود النَّاس إياي فِي الصف الأخير نوع خجل فعلمت أَن نشاطي طول عمرى إِنَّمَا كَانَ عَلَى رؤيتهم فقضيت صلواتي.
[ ١ / ٢١٨ ]
ويحكى عَن أَبِي مُحَمَّد المرتعش أَنَّهُ قَالَ: حججت كَذَا كَذَا حجة عَلَى التجريد فبان لي أَن جَمِيع ذَلِكَ كَانَ مشوبا بحظي وَذَلِكَ أَن والدتي سألتني يوما أَن أستقي لَهَا جرة ماء فثقل ذَلِكَ عَلَى نفسي فعلمت أَن مطاوعة نفسي فِي الحاجات كانت لحظ وشوب لنفسي إذ لو كانت نفسي فانية لَمْ يصعب عَلَيْهَا مَا هُوَ حق فِي الشرع وكانت امْرَأَة قَدْ طعنت فِي السن فسئلت عَن حالتها فَقَالَتْ كنت فِي حال الشباب أجد من نفسي نشاطا وأحوالا أظنها قوة الحال فلما كبرت زالت عنى فعلمت أَن ذَلِكَ كَانَ قوة الشباب فتوهمتها أحوالا سمعت أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول مَا سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز وَقَالَ إنها كانت منصفة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: مَا أعز اللَّه عَبْد بعز هُوَ أعز لَهُ من أَن يدله عَلَى ذل نَفْسه، وَمَا أذل اللَّه عبدا بذل هُوَ أذل لَهُ من أَن يحجبه عَن ذل نَفْسه وسمعته يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول: ما هالني شَيْء إلا ركبته وسمعته يَقُول سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: الراحة هُوَ الخلاص من أماني النفس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: دخلت الآفة عَلَى الخلق من ثلاثة: سقم الطبيعة، ولملازمة العادة، وفساد الصحبة، فسألته مَا سقم الطبيعة؟ فَقَالَ: أكل الحرام،
[ ١ / ٢١٩ ]
فَقُلْتُ: مَا ملازمة العادة؟ فَقَالَ: النظر والاستماع بالحرام والغيبة.
قُلْت: فَمَا فساد الصحبة؟ قَالَ كلما هاجت فِي النفس الشهوة تبعتها، وسمعته يَقُول سمعت النصراباذي يَقُول: سجنك نفسك فَإِذَا خرجت منها وقعت فِي راحة أبدية، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الوراق يَقُول: كَانَ أجل أحكامنا فِي مبادئ أمرنا فِي مَسْجِد أَبِي عُثْمَان الحيري الإيثار بِمَا يفتح عَلَيْنَا، وأن لا نبيت عَلَى معلوم، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لأنفسنا بَل نعتذر إِلَيْهِ ونتواضع لَهُ، وإذا وقع فِي قلوبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته والإحسان إِلَيْهِ حَتَّى يزول.
وَقَالَ أَبُو حفص: النفس ظلمة كلها، وسراجها سرها، ونور سراجها التوفيق، فمن لَمْ يصحبه فِي سره توفيق من ربه كَانَ ظلمه كُلهُ.
قَالَ الأستاذ الإِمَام القشيري: معنى قَوْله سراجها سرها يريد سر العبد الَّذِي بينه وبين اللَّه تَعَالَى وَهُوَ محل إخلاصه وَبِهِ يعرف العبد أَن الحادثات بالله لا بنفسه ولا من نَفْسه ليكون متبرئا من حوله وقوته عَلَى استدامة أوقاته ثُمَّ بالتوفيق يعتصم من شرور نَفْسه فَإِن من لَمْ يدركه التوفيق لَمْ ينفعه علمه بنفسه ولا بربه ولهذا قَالَ الشيوخ: من لَمْ يكن لَهُ سر فَهُوَ مصر، وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا يرى أحد عيب نَفْسه وَهُوَ مستحسن من نَفْسه شَيْئًا وإنما يرى عيوب نَفْسه من يتهمها فِي جَمِيع الأحوال.
وَقَالَ أَبُو حفص: مَا أسرع هلاك من لا يعرف هيبة فَإِن المعاصي بريد الكفر، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: مَا استحسنت من نفسي عملا فاحتسبت بِهِ، وَقَالَ السري، إياكم وجيران الأغنياء، وقراءة الأسواق، وعلماء الأمراء.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: إِنَّمَا دَخَلَ الفساد عَلَى الخلق من ستة أشياء:
[ ١ / ٢٢٠ ]
ضعف النية بعمل الآخرة.
وَالثَّانِي صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم والثالث غلبهم طول الأمل مَعَ قرب الأجل.
والرابع آثروا رضا المخلوقين عَلَى رضا الخالق.
والخامس اتبعوا أهواءهم، ونبذوا سنة نبيهم ﷺ وراء ظهورهم.
والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة لأنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم.
[ ١ / ٢٢١ ]
بَاب الخلوة والعزلة
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَن أَبِيهِ عَن بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ خَيْرِ مَعَايِشِ النَّاسِ كُلِّهِمْ رَجُلا آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ سَمِعَ قَرْعَةً أَوْ هَيْعَةً كَانَ عَلَى مَتْنِ فَرَسِهِ يَبْتَغِي الْمَوْتَ أَوِ الْقَتْلَ فِي مَظَانِّهِ أَوْ رَجُلا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ فِي رَأْسِ شَعْفَةٍ مِنْ هِذِه الشِّعَافِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ يُقِيمُ الصَّلاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلا فِي خَيْرٍ
قَالَ الأستاذ: الخلوة صفة أهل الصفوة، والعزلة من أمارات الوصلة، ولابد للمريد فِي ابتداء حاله من العزلة عَن أبناء جنسه، ثُمَّ فِي نهايته من الخلوة لتحققه بأنسه ومن حق العبد إِذَا آثر العزلة أَن يعتقد باعتزاله عَنِ الخلق سلامة النَّاس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق فَإِن الأَوَّل من القسمين نتيجة استصغار نَفْسه وَالثَّانِي شهود مزينة عَلَى الخلق، ومن استصغر نَفْسه فَهُوَ متواضع، ومن رأى لنفسه مزية عَلَى أحد فَهُوَ متكبر.
ورؤي بَعْض الرهبان فقيل لَهُ: إنك راهب؟ فَقَالَ: لا، بَل أنا حارس كلب إِن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم ليسلموا منها.
ومر إِنْسَان ببعض الصالحين فجمع ذَلِكَ الشيخ ثيابه منه فَقَالَ: الرجل لَمْ تجمع عني ثيابك؟ ليست ثيابي نجسة
[ ١ / ٢٢٢ ]
فَقَالَ الشيخ: وهمت فِي ظنك، ثيابي هِيَ النجسة جمعتها عَنْك لئلا تنجس ثيابك لا لكي تنجس ثيابي ومن آداب العزلة أَن يحصل من العلوم مَا يصحح بِهِ عقد توحيده لكي لا يستهويه الشَّيْطَان بوساوسه ثُمَّ يحصل من علوم الشرع مَا يؤدي بِهِ فرضه ليكون بناء أمره عَلَى أساس محكم والعزلة فِي الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة فالتأثير لتبديل الصفات لا للتنائي عَنِ الأوطان ولهذا قيل من العارف؟ قَالُوا: كائن بائن يعنى كائن مَعَ الخلق، بائن عَنْهُم بالسر.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: البس مَعَ النَّاس مَا يلبسون وتناول مِمَّا يأكلون وانفرد عَنْهُم بالسر، وسمعته يَقُول: جاءني إِنْسَان وَقَالَ: جئتك من مسافة بعيدة فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيث من حيث قطع المسافة ومقاساة الأسفار فارق نفسك بخطوة وَقَدْ حصل مقصودك.
ويحكى عَن أَبِي يَزِيد قَالَ: رأيت ربي ﷿ فِي المنام فَقُلْتُ: كَيْفَ أجدك: قَالَ: فارق نفسك وتعال.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: من اختار الخلوة عَلَى الصحبة ينبغي أَن يَكُون خاليا من جَمِيع الأذكار إلا ذكر ربه، وخاليا من جَمِيع الأرادات إلا رضا ربه، وخاليا من مطالبة النفس من جَمِيع الأسباب، فَإِن لَمْ يكن بِهَذِهِ الصفة فَإِن خلوته توقعه فِي فتنة أَوْ بلية وقيل: الانفراد فِي الخلوة أجمع لدواعي السلوة.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: انظر أنسك بالخلوة أَوْ أنسك مَعَهُ فِي الخلوة، فَإِن كَانَ أنسك بالخلوة ذهب أنسك إِذَا خرجت منها، وإن كَانَ أنسك بِهِ فِي الخلوة استوت لَك الأماكن فِي الصحارى والبراري.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: جاء رجل إِلَى زيارة أَبِي بَكْر الوراق فلما أراد أَن يرجع قَالَ لَهُ: أوصني فَقَالَ: وجدت خير الدنيا والآخرة فِي الخلوة والقلة وشرهما فِي الكثرة والاختلاط.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وسمعته يَقُول سمع مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الجريري وَقَدْ سئل عَنِ العزلة فَقَالَ: هِيَ الدخول بَيْنَ الزحام وتمنع سرك أَن لا يزاحموك وتعزل نفسك عَنِ الآثام ويكون سرك مربوطا بالحق.
وقيل: من آثر العزلة حصل العزلة.
وَقَالَ سهل: لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللَّه.
وَقَالَ ذو النون: لَمْ أر شَيْئًا أبعث عَلَى الإخلاص من الخلوة.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الرملي: ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحَدِيثك المناجاة فإما أَن تموت وإما أَن تصل إِلَى اللَّه.
وَقَالَ ذو النون: لَيْسَ من احتجب عَنِ الخلق بالخلوة كمن أحتجب عَنْهُم بالله.
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول مكابدة العزلة أيسر من مدارة الخلطة وَقَالَ مكحول: إِن كَانَ فِي مخالطة النَّاس خير فَإِن فِي العزلة السلامة وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الوحدة جليس الصديقين.
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمع الشبلي يَقُول: الإفلاس الإفلاس يا ناس، فقيل لَهُ: يا أبا بَكْر مَا علامة الإفلاس؟ .
قَالَ: من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس.
وَقَالَ يَحْيَي بْن أَبِي كثير: من خالط النَّاس داراهم ومن داراهم راءاهم.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَقَالَ سَعِيد بْن حرب: دخلت عَلَى مَالِك ابْن مَسْعُود بالكوفة وَهُوَ فِي داره وحده فَقُلْتُ لَهُ: أما تستوحش وحدك؟ فَقَالَ: مَا كنت أرى أَن أحد يستوحش مَعَ اللَّه.
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَمْرو الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: من أراد أَن يسلم لَهُ دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل النَّاس فَإِن هَذَا زمان وحشة والعاقل من اختار فِيهِ الوحدة.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: قَالَ أَبُو يعقوب السوسي: الانفراد لا يقوى عَلَيْهِ إلا الأقوياء ولأمثالنا الاجتماع أوفر وأنفع يعمل بَعْضهم عَلَى رؤية بَعْض وسمعته يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الدامغاني يَقُول: أوصاني الشبلي فَقَالَ: الزم الوحدة، وامح اسمك عَنِ الْقَوْم، واستقبل الجدار حَتَّى تموت.
وجاء رجل إِلَى شُعَيْب بْن حرب فَقَالَ لَهُ: مَا جاء بك؟ فَقَالَ: أكون معك، قَالَ يا أخي إِن العبادة لا تكون إلا بالشركة، ومن لَمْ يستأنس بالله لَمْ يستأنس بشيء.
حكي أَن بَعْضهم قيل لَهُ: مَا أعجب مَا لقيت فِي سياحتك؟ فَقَالَ لَهُ: لقينى الخضر فطلب منى الصحبة فخشيت أَن يفسد عَلِي توكلي.
وقيل لبعضهم ههنا أحد تستأنس بِهِ؟ فَقَالَ: نعم ومد يده إِلَى مصحفه ووضعه فِي حجره وَقَالَ: هَذَا وَفِي معناه أنشدوا:
وكتبك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم
[ ١ / ٢٢٥ ]
وَقَالَ رجل لذي النون الْمِصْرِي: مَتَى تصح لي العزلة؟ فَقَالَ: إِذَا قويت عَلَى عزلة نفسك.
وقيل لابن المبارك مَا دواء القلب؟ فَقَالَ: قلة الملاقاة لِلنَّاسِ.
وقيل: إِذَا أراد اللَّه أَن ينقل العبد من ذل المعصية إِلَى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نَفْسه فمن أعطي ذَلِكَ فَقَدْ أعطي خير الدنيا والآخرة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
بَاب التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ الأَعْلَى النَّرْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي.
فَقَالَ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ "
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرْمُزَ نَافِعُ بْنُ هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: «كُلُّ تَقِيٍّ»
فالتقوى جماع الخيرات وحقيقة الاتقاء التحرز بطاعة اللَّه عَن عقوبته يقال: اتقى فُلان بترسه، وأصل التقوى اتقاء الشرك ثُمَّ بعده اتقاء المعاصي والسيئات ثُمَّ بعده اتقاء الشبهات ثُمَّ تدع بعده الفضلات كَذَلِكَ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: سمعته يَقُول:
[ ١ / ٢٢٧ ]
ولكل قسم من ذَلِكَ بَاب وجاء فِي تفسير قَوْله ﷿: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَن معناه أَن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَاصِم يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: لا معين إلا اللَّه ولا دليل إلا رَسُول اللَّهِ ﷺ، ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا الصبر عَلَيْهِ وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: قسمت الدنيا عَلَى البلوى وقسمت الآخرة عَلَى التقوى.
سمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: من لَمْ يحكم بينه وبين اللَّه التقوى والمراقبة لَمْ يصل إِلَى الكشف والمشاهدة.
وَقَالَ النصرأباذي: التقوى أَن يتقى العبد مَا سواه تَعَالَى.
وَقَالَ سهل من أراد أَن تصح لَهُ التقوى فليترك الذنوب كلها.
وَقَالَ النصرأباذي: من لزم التقوى اشتاق إِلَى مفارقة الدنيا، لأن اللَّه سبحانه يَقُول: ﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] وَقَالَ بَعْضهم.
من تحقق من التقوى هون اللَّه عَلَى قلبه الإعراض عَنِ الدنيا.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: التقوى مجانية مَا يبعدك عَنِ اللَّه.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: التقى من لا يدنس ظاهره بالمعارضات ولا باطنه بالعلالات ويكون واقفا مَعَ اللَّه موقف الاتفاق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: للتقوى ظاهر وباطن فظاهره محافظة الحدود وباطنه النية والإخلاص وَقَالَ ذو النون.
فلا عيش إلا مَعَ رجال قلوبهم تحن إِلَى التقوى وترتاح للذكر سكون إِلَى روح اليقين وطيبه كَمَا سكن الطَّفْل الرضيع إِلَى الحجر.
وقيل: يستدل عَلَى تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لَمْ ينل وحسن الرضا فيما قَدْ نال وحسن الصبر عَلَى مَا قَدْ فات.
وَقَالَ طلق بْن حبيب: التقوى عمل بطاعة اللَّه عَلَى نور من اللَّه مخافة عقاب اللَّه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت محمدا الفراء يحكي عَن أَبِي حفص أَنَّهُ قَالَ: التقوى بالحلال المحض لا غَيْر.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الزنجاني يَقُول: من كَانَ رأس ماله التقوى كلت الألسن عَن وصف ربحه.
وَقَالَ الواسطي: التقوى أَن يتقى من تقواه يعنى من رؤية تقواه، والمتقي مثل ابْن سيرين اشترى أربعين حبا سمنا فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله من أي حب أخرجتها فَقَالَ: لا أدري فصبها كلها، ومثل أَبِي يَزِيد اشترى بهمذان حب القرطم ففضل منه شَيْء فلما رجع إِلَى بسطام رأى فِيهِ نملتين فرجع إِلَى همذان فوضع النملتين.
[ ١ / ٢٢٩ ]
ويحكى أَن أبا حَنِيفَة كَانَ لا يجلس فِي ظل شجرة غريمه وَيَقُول فِي الْخَبَر كُل قرض جر نفعا فَهُوَ ربا وقيل: إِن أبا يَزِيد غسل ثوبه فِي الصحراء مَعَ صاحب لَهُ فَقَالَ صاحبه: تعلق الثوب فِي جدار الكرم فَقَالَ: لا لا تغرز الوتد فِي جدار النَّاس فَقَالَ: نعلقه فِي الشجر؟ فَقَالَ: لا إنه يكسر الأغصان فَقَالَ: نبسطه عَلَى الإذخر؟ فَقَالَ: لا إنه علف الدواب لا نستره عَنْهَا، فولى ظهره إِلَى الشَّمْس والقميص عَلَى ظهره حَتَّى جف جانب ثُمَّ قلبه حَتَّى جف الجانب الآخر.
وقيل: إِن أبا يَزِيد دَخَلَ يوما الجامع فغرز عصاه فِي الأَرْض فسقطت ووقعت عَلَى عصا شيخ بجنبه ركز عصاه فِي الأَرْض فألقتها فانحنى الشيخ وأخذ عصاه فمضى أَبُو يَزِيد إِلَى بَيْت الشيخ واستحله وَقَالَ: كَانَ السبب فِي انحنائك تفريطي فِي غرز عصاي حيث احتجت إِلَى أَن تنحني.
ورؤي عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقا فِي الشتاء فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنه مكان عصيت اللَّه فِيهِ فسئل عَنْهُ فَقَالَ: كشطت من هَذَا الجدار قطعة طين غسل بِهَا ضيف لي يده وَلَمْ أستحل من صاحبه.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم بت ليلة تَحْتَ الصخرة ببيت المقدس فلما كَانَ بَعْض الليل نزل ملكان فَقَالَ أحدهما لصاحبه: من ههنا؟ فَقَالَ الآخر: إِبْرَاهِيم بْن أدهم فَقَالَ: ذاك الَّذِي حط اللَّه درجة من درجاته؟ فَقَالَ: لَمْ؟ قَالَ: لأنه اشترى بالبصرة التمر فوقعت تمرة عَلَى تمره من تمر البقال فلم يردها عَلَى صاحبها قَالَ إِبْرَاهِيم: فمضيت إِلَى البصرة واشتريت التمر من ذَلِكَ الرجل وأوقعت تمرة عَلَى تمره ورجعت إِلَى بَيْت المقدس وبت فِي الصخرة فلما كَانَ بَعْض الليل إذ أنا بملكين نزلا من السماء فَقَالَ أحدهما لصاحبه: من ههنا؟
[ ١ / ٢٣٠ ]
فَقَالَ الأخير: إِبْرَاهِيم بْن أدهم فَقَالَ: ذاك الَّذِي رد اللَّه مكانه ورفعت درجته وقيل: التقوى عَلَى وجوه للعامة تقوى الشرك وللخاصة تقوى المعاصي وللأولياء تقوى التوسل بالأفعال وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال إذ تقواهم منه إِلَيْهِ وعن أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي ﵁ قَالَ: سادة النَّاس فِي الدنيا الأسخياء وسادة النَّاس فِي الآخرة الأتقياء.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَي بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ فَغَضَّ بَصَرَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا فِي قَلْبِهِ "
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: كَانَ الجنيد جالسا مَعَ رويم، والجريري، وابن عَطَاء فَقَالَ الجنيد:
[ ١ / ٢٣١ ]
مَا نجا من نجا إلا بصدق اللجا قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] وَقَالَ رويم: مَا نجا من نجا إلا بصدق التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١] الآية وَقَالَ الجريري مَا نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء قَالَ اللَّه تعالي: الَّذِينَ يوفون بعهد اللَّه ولا ينقضون الميثاق: وَقَالَ ابْن عَطَاء: مَا نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وَقَالَ الأستاذ إمام مَا نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية وَقَالَ أيضًا: مَا نجا من نجا إلا بِمَا سبق لَهُ من الاجتباء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] .
[ ١ / ٢٣٢ ]