قَالَ اللَّه ﷿: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] الآية.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْكَرِيمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّلالُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَادَانِيُّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سَلُونِي.
فَقَالُوا: نَسْأَلُكَ الرِّضَا عَنَّا.
قَالَ تَعَالَى: رِضَايَ قَدْ أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي هَذَا أَوَانُهَا فَسَلُونِي.
قَالُوا: نَسْأَلُكَ الزِّيَادَةَ.
قَالَ: فَيُؤْتَوْنَ بِنَجَائِبِ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ أَزِمَّتُهَا زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ وَيَاقُوتٍ أَحْمَرَ، فَجَاءُوا عَلَيْهَا تَضَعُ حَوَافِرَهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهَا، فَيَأْمُرُ اللَّهُ ﷿ بِأَشْجَارٍ عَلَيْهَا الثِّمَارُ، وَتَجِيءُ جَوَارٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَهُنَّ يَقُلْنَ: نَحْنُ النَّاعِمَاتِ فَلا نَبْؤُسُ وَنَحْنُ الْخَالِدَاتِ فَلا نَمُوتُ أَزْوَاجَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ كِرَامٍ وَيَأْمُرُ اللَّهُ ﷿ بِكُثْبَانَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ أَذْفَرَ فَتُثِيرُ عَلَيْهِمْ رِيحًا يُقَالُ لَهَا: الْمُثِيرُ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِهِمْ إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِيَ قَصَبَةُ الْجَنَّةِ فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: يَا رَبَّنَا قَدْ جَاءَ الْقَوْمُ فَيَقُولُ اللَّهُ: مَرْحَبًا بِالصَّادِقِينَ مَرْحَبًا بِالطَّائِعِينَ قَالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَيَتَمَتَّعُونَ بِنُورِ الرَّحْمَنِ حَتَّى لا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُوهُمْ إِلَى الْقُصُورِ بِالتُّحَفِ قَالَ: فَيَرْجِعُونَ وَقَدْ أَبْصَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢]
وَقَد اختلف العراقيون والخراسانيون فِي الرضا هل هُوَ من الأحوال أَوْ من المقامات فأهل خراسان قَالُوا: الرضا من جملة المقامات وَهُوَ نهاية التوكل ومعناه أَنَّهُ يئول إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يتوصل إِلَيْهِ العبد باكتسابه
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَأَمَّا العراقيون فإنهم قَالُوا: الرضا من جملة الأحوال وليس ذَلِكَ كسبا للعبد بَل هُوَ نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال ويمكن الجمع بَيْنَ اللسانين فيقال: بداية الرضا مكتسبة للعبد وَهِيَ من المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست بمكتسبة وتكلم النَّاس فِي الرضا فَكُل عبر عَن حاله وشربه فَهُمْ فِي العبارة عَنْهُ مختلفون كَمَا أنهم فِي الشرب والنصيب من ذَلِكَ متفاوتون فأما شرط العلم والذي هُوَ لابد منه فالراضي بالله تَعَالَى هُوَ الَّذِي لا يعترض عَلَى تقديره.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لَيْسَ الرضا أَن لا تحس بالبلاء إِنَّمَا الرضا أَن لا تعترض عَلَى الحكم والقضاء.
واعلم أَن الواجب عَلَى العبد أَن يرضى بالقضاء الَّذِي أمر بالرضا بِهِ إذ لَيْسَ كُل مَا هُوَ بقضائه يَجُوز للعبد أَوْ يجب عَلَيْهِ الرضا بِهِ كالمعاصي وفنون محن الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ المشايخ: الرضا بَاب اللَّه الأعظم يعنون أَن من أكرم بالرضا فَقَدْ لقى بالترحيب الأوفى وأكرم بالتقريب الأعلى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن حمزة قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الحواري قَالَ: قَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: الرضا بَاب اللَّه الأعظم وجنة الدنيا.
واعلم أَن العبد لا يكاد يرضى عَنِ الحق سبحانه إلا بَعْد أَن يرضى عَنْهُ الحق سبحانه، لأن اللَّه ﷿ قَالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قَالَ تلميذ لأستاذه: هل يعرف العبد أَن اللَّه تَعَالَى راض عَنْهُ؟ فَقَالَ لا كَيْفَ يعلم ذَلِكَ ورضاه غيب فَقَالَ التلميذ: الولي يعلم ذَلِكَ، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا وجدت قلبي راضيا عَنِ اللَّه تَعَالَى علمت أَنَّهُ راض عني، فَقَالَ الأستاذ: أحسنت يا غلام.
وقيل: قَالَ مُوسَى ﵇ إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى فَقَالَ:
[ ٢ / ٣٤٢ ]
إنك لا تطيق ذَلِكَ، فخر مُوسَى ﵇ ساجدا متضرعا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي.
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن حمزة قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الحواري قَالَ: سمعت أبا سُلَيْمَان الدارداني يَقُول: إِذَا سلا العبد عَنِ الشهوات فَهُوَ راض وسمعته يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: من أراد أَن يبلغ محل الرضا فليلزم مَا جعل اللَّه رضاه فِيهِ وَقَالَ مُحَمَّد بْن خفيف الرضا عَلَى قسمين: رضا بِهِ ورضا عَنْهُ فالرضا بِهِ مدبرا والرضا عَنْهُ فيما يقضى سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: طريق السالكين أطول وَهُوَ طريق الرياضة وطريق الخواص أقرب لكنه أشق وَهُوَ أَن يَكُون عملك بالرضا ورضاك بالقضا.
وَقَالَ رويم: الرضا أَن لو جعل اللَّه جهنم عَلَى يمينه مَا سأل أَن يحولها إِلَى يساره، وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن طاهر: الرضا إخراج الكراهية من القلب حَتَّى لا يَكُون فِيهِ إلا فرح وسرور، وَقَالَ الواسطي: استعمل الرضا جهدك ولا تدع الرضا يستعملك فتكون محجوبا بلذته ورؤيته عَن حقيقة مَا تطالع.
واعلم أَن هَذَا الْكَلام الَّذِي قاله الواسطي شَيْء عظيم، وفيه تنبيه عَلَى مقطعة للقوم خفية فَإِن السكون عندهم إِلَى الأحوال حجاب عَن محول الأحوال فَإِذَا استلذ رضاه ووجده بقلبه راحة الرضا حجب بحاله عَن شهود حقه، ولقد قَالَ الواسطي أَيْضًا: إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة، وَقَالَ ابْن خفيف: الرضا سكون القلب إِلَى أحكامه وموافقة القلب بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ وأختاره.
وسئلت رابعة مَتَى يَكُون العبد راضيا؟ فَقَالَتْ إِذَا سرته المصيبة كَمَا سرته النعمة،
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقيل قَالَ الشبلي بَيْنَ يدي الجنيد لا حول ولا قوة إلا بالله فَقَالَ الجنيد: قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا.
فسكت الشبلي وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الرضا أَن لا تسأل اللَّه تَعَالَى الْجَنَّة ولا تستعيذ بِهِ من النار.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول ثلاثة من أعلام الرضا: ترك الاختيار قبل الْقَضَاء، وفقدان المرارة بَعْد الْقَضَاء، وهيجان الحب فِي حشو البلاء، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن جَعْفَر البغدادي يَقُول: سمعت إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد الصفار يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن يَزِيد المبرد يَقُول: قيل للحسين بْن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵄: إِن أبا ذر يَقُول الفقر أحب إِلَى من الغني، والسقم أحب إِلَى من الصحة.
فَقَالَ: رحم اللَّه تَعَالَى أبا ذر أما أنا فأقول من اتكل عَلَى حسن اختيار اللَّه تَعَالَى لَهُ لَمْ يتمن غَيْر مَا اختاره اللَّه ﷿ لَهُ، وَقَالَ الفضيل بْن عياض لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد فِي الدنيا، لأن الراضي لا يتمنى فَوْقَ منزلته، وسئل أَبُو عُثْمَان عَن قَوْل النَّبِي ﷺ أسألك الرضا بَعْد الْقَضَاء فَقَالَ:، لأن الرضا قبل الْقَضَاء عزم عَلَى الرضا والرضا بَعْد الْقَضَاء هُوَ الرضا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت ابْن أَبِي حسان الأنماطي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان يَقُول: أرجو أَن أكون عرفت طرفا من الرضا لو أَنَّهُ أدخلني النار لكنت بِذَلِكَ راضيا.
وَقَالَ أَبُو عُمَر الدمشقي: الرضا ارتفاع الجزع فِي أي حكم كَانَ وَقَالَ الجنيد: الرضا رفع الاختيار، وَقَالَ ابْن عَطَاء: الرضا نظر القلب إِلَى قديم اختيار اللَّه تَعَالَى للعبد وَهُوَ ترك التسخط، وَقَالَ رويم: الرضا استقبال الأَحْكَام بالفرح، وَقَالَ المحاسبي: الرضا سكون القلب تَحْتَ مجاري الأَحْكَام، وَقَالَ النوري: الرضا سرور القلب بمر الْقَضَاء.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: من رَضِيَ بدون قدره رفعه اللَّه تَعَالَى فَوْقَ غايته، وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن علويه يَقُول: قَالَ أَبُو التراب النخشبي: لَيْسَ ينال الرضا من للدنيا فِي قلبه مقدار.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَتْرَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا
وقيل: كتب عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأشعري: أما بَعْد فَإِن الخير كُلهُ فِي الرضا فَإِن استطعت أَن ترضى وإلا فاصبر، وقيل: إِن عتبة الغلام بات ليلة يَقُول إِلَى الصباح: إِن تعذبني فأنا لَك محب، وإن ترحمني فأنا لَك محب.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: الإِنْسَان خزف وليس للخزف من الخطر مَا يعارض فِيهِ حكم الحق تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري: منذ أربعين سنة مَا أقامني اللَّه ﷿ فِي حال فكرهته وَمَا تنقلني إِلَى غيره فسخطته.
سمعت الأستاذ أبا عَلي الدقاق يَقُول: غضب رجل عَلَى عَبْد اللَّهِ لَهُ فاستشفع العبد إِلَى سيده إِنْسَانا فعفا عَنْهُ فأخذ العبد يبكى فَقَالَ لَهُ الشفيع: لَمْ تبكى وَقَدْ عفا عَنْك سيدك فَقَالَ السيد: إنه يطلب الرضا منى ولا سبيل إِلَيْهِ فإنما يبكى لأجله.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
بَاب العبودية قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ
سمعت الأستاذ أبا عَلي الدقاق ﵀ يَقُول: العبودية أتم من العبادة فأولا عُبَادَة ثُمَّ عبودية ثُمَّ عبودة فالعبادة للعوام من الْمُؤْمِنيِنَ والعبودية للخواص والعبودة لخاص الخاص.
وسمعته يَقُول: العبادة لمن لَهُ علم اليقين والعبودية لمن لَهُ عين اليقين والعبودة لَنْ لَهُ حق اليقين.
وسمعته يَقُول: العبادة لأَصْحَاب المجاهدات والعبودية لأرباب المكابدات والعبودة صفة أهل المشاهدات فمن لَمْ يدخر عَنْهُ نَفْسه فَهُوَ صاحب عُبَادَة ومن لَمْ يضن عَلَيْهِ بقلبه فَهُوَ صاحب عبودية ومن لَمْ يبخل عَلَيْهِ بروحه فَهُوَ صاحب عبودة، ويقال: العبودية القيام بحق الطاعات بشرط التوقير، والنظر إِلَى مَا منك بعين التقصير، وشهود مَا يحصل من مناقبك من التقدير ويقال: العبودية ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار،
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ويقال: العبودية التبري من الحول والقوة والإقرار بِمَا يعطيك ويوليك من الطول والمنة، ويقال: العبودية معانقة مَا أمرت بِهِ ومفارقة مَا زجرت عَنْهُ.
وسئل مُحَمَّد بْن خفيف: مَتَى تصح العبودية؟ فَقَالَ: إِذَا طرح كُلهُ عَلَى مولاه وصبر مَعَهُ عَلَى بلواه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت ابْن مسروق يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: لا يصح التعبد لأحد حَتَّى لا يجزع من أربعة أشياء: من الجوع والعرى والفقر والذل، وقيل: العبودية أَن تسلم إِلَيْهِ كلك وتحمل عليك كلك، وقيل: من علامات العبودية ترك التدبير وشهود التقدير، وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: العبودية أَن تكون عبده فِي كُل حال كَمَا أَنَّهُ ربك فِي كُل حال، وَقَالَ الجريري: عُبَيْد النعم كثير عديدهم وعبيد المنعم عزيز وجودهم.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الداق يَقُول: أَنْتَ عَبْد من أَنْتَ فِي رقه وأسره فَإِن كنت فِي أسر نفسك فأنت عَبْد نفسك وإن كنت فِي أسر دنياك فأنت عَبْد دنياك.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تعس عَبْد الدرهم، تعس عَبْد الدينار، تعس عَبْد الخميصة.
ورأى أَبُو زَيْد رجلا فَقَالَ لَهُ: مَا حرفتك؟ فَقَالَ: خر بنده فَقَالَ: أمات اللَّه تَعَالَى حمارك لتكون عَبْد اللَّهِ لا عَبْد الحمار.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: لا تصفو لأحد قدم فِي العبودية حَتَّى يشاهد أعماله عنده رياء وأحواله دعاوى، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ المعلم يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: العبد عَبْد ما لم يطلب لنفسه خادما
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فَإِذَا طلب لنفسه خادما فَقَدْ سقط عَن حد العبودية وترك آدابها.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت ابْن مسروق يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول لا يصلح للعبد التعبد حَتَّى يَكُون بحيث لا يرى عَلَيْهِ أثر المسكنة فِي العدم، ولا أثر الغي فِي الوجود وقيل: العبودية شهود الربوية.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول قيمة العابد بمعبوده، كَمَا أَن شرف العارف بمعروفه، وَقَالَ أَبُو حفص: العبودية زينة العبد فمن تركها تعطل من الزينة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الرازي يَقُول: سمعت عَبَّاس بْن حمزة يَقُول: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري قَالَ: سمعت النباجي يَقُول: أصل العبادة فِي ثلاثة أشياء لا ترد من أحكامه شَيْئًا ولا تدخر عَنْهُ شَيْئًا ولا يسمعك تسأل غيره حاجة.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول العبودية فِي أربع خصال: الوفاء بالعهود والحفظ للحدود والرضا بالموجود والصبر عَنِ المفقود وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: سمعت عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي يَقُول: مَا رأيت أحدا من المتعبدين فِي كثرة من لقيت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى وغيرها ولا أحد مِمَّن قدم عَلَيْنَا فِي المواسم أشد أجتهادا ولا أدوم عَلَى العبادة من المزني رحمه اللَّه تَعَالَى ولا رأيت أحدا أشد تعظيما لأوامر اللَّه تَعَالَى منه، وَمَا رأيت أحدا أشد تضييقا عَلَى نَفْسه وتوسعه عَلَى النَّاس منه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول لَيْسَ شَيْء أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم لَهُ بالعبودية ولذلك قَالَ سبحانه فِي وصف النَّبِي ﷺ ليلة المعراج وَكَانَ أشرف أوقاته فِي الدنيا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] فلو كَانَ اسم أحل من العبودية لسماه بِهِ
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَفِي معناه أنشدوا:
يا عَمْرو ثاري عِنْدَ زهرائي يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها فَإِنَّهُ أشرف أسمائي
وَقَالَ بَعْضهم: إِنَّمَا هُوَ شيئان سكونك إِلَى اللذة واعتمادك عَلَى الحركة فَإِذَا أسقطت عَنْك هذين فَقَدْ أديت العبودية حقها كَمَا قَالَ الواسطي: احذروا لذة العطاء فَإِنَّهُ غطاء لأهل الصفاء وَقَالَ أَبُو عَلَى الجورجاني: الرضا دار العبودية والصبر بابه والتفويض بيته فالصوت عَلَى الباب والفراغة فِي الدار والراحة فِي الْبَيْت.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول كَمَا أَن الربوية نعت للحق سبحانه لا يزول فالعبودية صفة للعبد لا تفارقه مَا دام وأنشد بَعْضهم:
فَإِن تسألوني قُلْت: ها أنا عبده وإن سألوه قَالَ هذاك مولايا
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: العبادات إِلَى طلب الصفح والعفو عَن تقصيرها أقرب منها عَلَى طلاب الأعواض والجزاء عَلَيْهَا وسمعته يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: العبودية إسقاط رؤية التعبد فِي مشاهد المعبود وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: العبودية ترك الأشغال والاشتغال بالشغل الَّذِي هُوَ أصل الفراغة.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
بَاب الإرادة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْن عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقْهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ
والإرادة بدء طريق السالكين وَهِيَ اسم لأول منزلة القاصدين إِلَى اللَّه تَعَالَى، وإنما سميت هذه الصفة إرادة، لأن الإرادة مقدمة كُل أمر فَمَا لَمْ يرد العبد شَيْئًا لَمْ يفعله، فلما كَانَ هَذَا أول الأمر لمن سلك طريق اللَّه ﷿ سمى إرادة تشبيها بالقصد فِي الأمور الَّذِي هُوَ مقدمتها والمريد عَلَى موجب الاشتقاق من لَهُ إرادة كَمَا أَن العالم من لَهُ علم لأنه من الأسماء المشتقة ولكن المريد فِي عرف هذه الطائفة من لا إرادة لَهُ، فمن لَمْ يتجرد عَن إرادته لا يَكُون مريدا كَمَا أَن من لا إرادة لَهُ عَلَى موجب الاشتقاق لا يَكُون مريدا وتكلم النَّاس فِي معني الإرادة فَكُل عبر عَلَى حسب مَا لاح لقلبه فأكثر المشايخ قَالُوا الإرادة ترك مَا عَلَيْهِ العادة وعادة النَّاس فِي الغالب التعريج فِي أوطان الغفلة والركون إِلَى اتباع الشهوة والإخلاد إِلَى مَا دعت إِلَيْهِ المنية والمريد منسلخ عَن هذه الجملة فصار خروجه أمارة ودلالة عَلَى صحة الإرادة فسميت تلك الحالة إرادة وهى خروج عَنِ العادة فإذن ترك العادة أمارة الإرادة
[ ٢ / ٣٥١ ]
فأما حقيقتها فهي نهوض القلب فِي طلب الحق سبحانه ولهذا يقال إنها لوعة تهون كُل روعة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول حاكيا عَن ممشاد الدينوري أَنَّهُ قَالَ: مذ علمت أَن أحوال الفقراء جد كلها لَمْ أمازح فقيرا وَذَلِكَ أَن فقيرا قدم عَلَى فَقَالَ: أيها الشيخ أريد أَن تتخذ لي عصيدة فجرى عَلَى لساني إرادة عصيدة فتأخر الفقير وَلَمْ أشعر بِهِ فأمرت باتخاذ عصيدة وطلبت الفقير فلم أجده فتعرفت خبره فقيل لي إنه انصرف من فوره وَكَانَ يَقُول فِي نَفْسه إرادة وعصيدة إرادة وعصيدة وهام عَلَى وجهه حَتَّى دَخَلَ البادية وَلَمْ يقل هذه الكلمة حَتَّى مَات.
وعن بَعْض المشايخ قَالَ كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فَقُلْتُ: يا إنس كلموني يا جن كلموني فهتف بي هاتف إيش تريد فَقُلْتُ: أريد اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: مَتَى تريد اللَّه يعنى أَن من قَالَ للجن والإنس كلموني مَتَى يَكُون مريدا لِلَّهِ ﷿ والمريد لا يفتر آناء الليل والنهار فَهُوَ فِي الظاهر بنعت المجاهدات وَفِي الباطن بوصف المكابدات فارق الفراش ولازم الانكماش وتحمل المصاعب وركوب المتاعب وعالج الأخلاق ومارس المشاق وعانق الأهوال وفارق الأشكال كَمَا قيل:
ثُمَّ قطعت الليل فِي مهمه لا أسدا أخشى ولا ذيبا
يغلبني شوقي فأطوي السرى وَلَمْ يزل ذو الشوق مغلوبا
سمعت الأستاذ أبا عَلي الدقاق يَقُول الإرادة لوعة فِي الفؤاد لدغة فِي القلب غرام فِي الضمير انزعاج فِي الباطن نيران تتأجج فِي القلوب.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر السباك يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول كَانَ بَيْنَ أَبِي سُلَيْمَان وَأَحْمَد بْن أَبِي الحواري عقد لا يخالفه أَحْمَد فِي شَيْء يأمره بِهِ فجاء يوما وَهُوَ يتكلم فِي مجلسه فَقَالَ: إِن التنور قَدْ سجر فَمَا تأمره فلم يجبه فَقَالَ: مرتين أَوْ ثلاثة فَقَالَ: أَبُو سُلَيْمَان اذهب فاقعد فِيهِ كَأَنَّهُ ضاق بِهِ قلبه وتغافل عَنْهُ أَبُو سُلَيْمَان ساعة ثُمَّ ذكر فَقَالَ: أدركوا أَحْمَد فَإِنَّهُ فِي التنور لأنه آلى عَلَى نَفْسه أَن لا يخالفني فنظروا فَإِذَا هُوَ فِي التنور لَمْ تحترق منه شعرة.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وسمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول كنت فِي ابتداء صباي محترقا فِي الإرادة وكنت أقول فِي نفسي ليت شعري مَا معنى الإرادة وقيل: من صفات المريدين والتحبب إِلَيْهِ بالنوافل والخلوص فِي نصيحة الأمة والأنس بالخلوة والصبر عَلَى مقاساة الأَحْكَام والإيثار لأمره والحياء من نظره وبذل الجهود فِي محبوبه والتعرض لكل سبب يوصل إِلَيْهِ والقناعة بالخمول وعدم القرار بالقلب إِلَى أَن يصل إِلَى الرب وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق آفة المريد ثلاثة أشياء التزويج وكتبة الْحَدِيث والأسفار وقيل لَهُ: لَمْ تركت كتابة الْحَدِيث؟ فَقَالَ منعتني عَنْهَا الإرادة وَقَالَ حاتم الأصم إِذَا رأيت المريد يريد غَيْر مراده فالعلم أَنَّهُ قَدْ أظهر بذالته.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: من حكم المريد أَن يَكُون فِيهِ ثلاثة أشياء نومه غلبة وأكله فاقلة وكلامه ضرورة.
وسمعته يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى بالمريد خيرا أوقعه إِلَى الصوفية ومنعه صحبة الفقراء وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت الدقاق يَقُول نهاية الإرادة أَن تشير إِلَى اللَّه تَعَالَى فنجده مَعَ الإشارة فَقُلْتُ: فايش يستوعب الإرادة فَقَالَ: أَن تجد اللَّه تَعَالَى بلا إشارة.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت عَبَّاس بْن أَبِي الصحو يَقُول: سمعت أبا بَكْر الدقاق يَقُول لا يَكُون المريد مريدا حَتَّى لا يكتب عَلَيْهِ صاحب الشمال عشرين سنة وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيرى: من لَمْ تصح إرادته بدار لا يزيده مرور الأيام عَلَيْهِ إلا إدبارا وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: المريد إِذَا سمع شَيْئًا من علوم الْقَوْم فعمل بِهِ صار حكمة فِي قلبه إِلَى آخر
[ ٢ / ٣٥٣ ]
عمره ينتفع بِهِ ولو تكلم بِهِ انتفع بِهِ من سمعه ومن سمع شَيْئًا من علومهم وَلَمْ يعمل بِهِ كَانَ حكاية يحفظها أياما ثُمَّ ينساها وَقَالَ الواسطي: أول مقام المريد إرادة الحق بإسقاط إرادته وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: أشد شَيْء عَلَى المريدين معاشرة الأضداد.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا القاسم الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول إِذَا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب فليس يجئ منه شَيْء وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي يَقُول سئل الجنيد مَا للمريدين فِي مجاراة الحكايات فَقَالَ: الحكايات جند من جنود اللَّه تَعَالَى يقوى بِهَا قلوب المريدين فقيل لَهُ فهل لَك فِي ذَلِكَ شاهد فَقَالَ: نعم قَوْله ﷿: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل مَا تثبت بِهِ فؤادك وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن خَالِد يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول المريد الصادق غنى عَن علم الْعُلَمَاء فأما الفرق بَيْنَ المريد والمراد فَكُل مريد عَلَى الحقيقة مراد إِذَا لو لَمْ يكن مراد اللَّه ﷿ بأن يريده لَمْ يكن مريدا إذ لا يَكُون إلا مَا أراده اللَّه تَعَالَى وكل مراد مريد لأنه إِذَا أراده الحق سبحانه بالخصوصية وفقه للإرادة ولكن الْقَوْم فرقوا بَيْنَ المريد والمراد فالمريد عندهم هُوَ المبتدئ والمراد هُوَ المنتهى والمريد الَّذِي نصب بعين التعب وألقى فِي مقاساة المشاق والمراد الَّذِي كفى بالأمر من غَيْر مشقة فالمريد متعن والمراد مرفوق بِهِ مرفه، وسنة اللَّه تَعَالَى مَعَ القاصدين مختلفة فأكثرهم يوفقون للمجاهدات ثُمَّ يصلون بَعْد مقاساة. . . . والتي إِلَى سنى المعالى وكثير مِنْهُم يكاشفون فِي الابتداء بجليل المعاني ويصلون عَلَى مَا لَمْ يصل إِلَيْهِ كثير من أَصْحَاب الرياضات إلا أَن أكثرهم يردون إِلَى المجاهدات بَعْد هذه الأرفاق ليستوفي مِنْهُم مَا فاتهم من أحكام أهل الرياضة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول المريد متحمل والمراد محمول.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وسمعته يَقُول كَانَ مُوسَى ﵇ مريدا فَقَالَ: قَالَ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وَكَانَ نبينا ﷺ مراد فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١-٤] وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى ﵇ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وَقَالَ لنبينا ﷺ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] وَكَانَ أَبُو عَلِي يَقُول: إِن المقصود قَوْله: ألم ترك إِلَى ربك، وقوله كَيْفَ مد الظل ستر للقصة وتحصيل للحالة.
وسئل الجنيد عَنِ المريد والمراد فَقَالَ: المريد تتولاه سياسة العلم والمراد تتولاه رعاية الحق سبحانه، لأن المريد يسير والمراد يطير فَمَتَى لحق السار الطائر.
وقيل: أرسل ذو النون إِلَى أَبِي يَزِيد رجلا وَقَالَ لَهُ قل لَهُ إِلَى مَتَى النوم والراحة وَقَدْ جاز القافلة فَقَالَ: أَبُو يَزِيد قل لأخي ذي النون الرجل من ينام الليل كُلهُ ثُمَّ يصبح فِي المنزل قبل القافلة وَقَالَ ذو النون هنيئا لَهُ هَذَا كَلام لا تبلغه أحوالنا.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
بَاب الاستقامة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] الآية
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ فَوْرَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دِينِكُمُ الصَّلاةُ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ
قَالَ الأستاذ: الاستقامة درجة بِهَا كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لَمْ يكن مستقيما فِي حالته ضاع سعيه وخاب جهده قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] ومن لَمْ يكن مستقيما فِي صفته لَمْ يرتق من مقامه إِلَى غيره وَلَمْ يبين سلوكه عَلَى صحة فمن شرط المستأنف الاستقامة فِي أحكام البداية كَمَا أَن من حق العارف الاستقامة فِي آداب النهاية فمن أمارات استقامة أهل البداية أَن لا تشوب معاملتهم فترة ومن أمارات استقامة أهل الوسايط أَن لا يصحب منازلتهم وقفة ومن أمارات استقامة أهل النهاية أَن لا تتداخل مواصلتهم حجبة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول الاستقامة لَهَا ثلاثة مدارج: أولها
[ ٢ / ٣٥٦ ]
التقويم ثُمَّ الإقامة ثُمَّ الاستقامة فالتقويم من حيث تأديب النفوس والإقامة من حيث تهذيب القلوب والاستقامة من حيث تقريب الأسرار.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الصديق ﵁ فِي معنى قَوْله: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لَمْ يشركوا وَقَالَ عُمَر ﵁ لَمْ يروغوا روغان الثعالب فقول الصديق محمول عَلَى مراعاة الأصول فِي التوحيد وقول عُمَر محمول عَلَى ترك طلب التأويل والقيام بشرط العهود وَقَالَ ابْن عَطَاء استقاموا عَلَى انفراد القلب بالله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو عَلَى الجوزجاني كن صاحب الاستقامة لا طَالِب الكرامة فَإِن نفسك متحركة فِي طلب الكرامة وربك ﷿ يطالبك بالاستقامة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الشبوي يَقُول: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: لَهُ رُوِيَ عَنْك أنك قُلْت: شيبتني هود فَمَا الَّذِي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم فَقَالَ: لا ولكن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وقيل: إِن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عَنِ المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى عَلَى حقيقة الصدق ولذلك قَالَ ﷺ استقيموا ولن تحصوا وَقَالَ الواسطي: الخصلة الَّتِي بِهَا كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن الاستقامة وحكى عَنِ الشبلي أَنَّهُ قَالَ: الاستقامة أَن تشهد الوقت قيامة ويقال الاستقامة فِي الأقوال بترك الغيبة وَفِي الأفعال بنفي البدعة وَفِي الأعمال بنفي الفترة وَفِي الأحوال بنفي الحجبة.
سمعت الأستاذ الإِمَام أبا بَكْر مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن فورك يَقُول
[ ٢ / ٣٥٧ ]
السين فِي الاستقامة سين الطلب أي طلبوا من الحق أَن يقيمهم عَلَى توحيدهم ثُمَّ عَلَى استدامة عهودهم وحفظ حدودهم قَالَ الأستاذ: واعلم أَن الاستقامة توجب إدامة الكرامة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] لَمْ يقل: سقيناهم، بَل قَالَ: (أسقيناهم) يقال: أسقيته إِذَا جعلت لَهُ سقيا فَهُوَ يشير إِلَى الدوام سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الفراغاني يَقُول: قَالَ الجنيد: لقيت شابا من المريدين فِي البادية تَحْتَ شجرة من شجر أم غيلان فَقُلْتُ: مَا أجلسك ههنا فَقَالَ: حال افتقدته فمضيت وتركته فلما انصرفت من الحج إِذَا أنا بالشاب قَد انتقل إِلَى موضع قريب من الشجرة فَقُلْتُ: مَا جلوسك ههنا فَقَالَ: وجدت مَا كنت أطلبه فِي هَذَا الموضع فلزمته قَالَ الجنيدي: فلا أدرى أيهما كَانَ أشرف لزومه لافتقاد حاله أَوْ لزومه للموضع الَّذِي نال فِيهِ مراده.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
بَاب الإخلاص قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَالُوتَ قَالَ: حَدَّثَنِي هَانِئُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ الْعَقِيلِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ بْنُ وِشَاحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلِيهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُنَاصَحَةُ وُلاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ الأستاذ: الإخلاص إفراد الحق سبحانه فِي الطاعة بالقصد وَهُوَ أَن يريد بطاعته التقرب إِلَى اللَّه سبحانه دُونَ شَيْء آخر من تصنع لمخلوق أَوِ اكتساب محمدة عِنْدَ النَّاس أَوْ محبة مدح من الخلق أَوْ معنى من المعاني سِوَى التقرب بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى ويصح أَن يقال الإخلاص تصفية الفعل عَن ملاحظة المخلوقين ويصح أَن يقال الإخلاص التوقي عَن ملاحظة الأشخاص وَقَدْ ورد خبر مسند أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ﷺ أخبر عَن جبريل ﵇ عَنِ اللَّه ﷾ أَنَّهُ قَالَ: الإخلاص سر من سرى استودعته قلب من أحببته من عبادي.
سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ فَقَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سَعِيدٍ وَأَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا وَقَدْ سَأَلْتُهُمَا عَنِ الإِخْلاصِ قَالا: سَمِعْنَا عَلِيَّ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الشَّقِيقِيَّ وَقَدْ سِأَلْنَاهُ عَنِ الإِخْلاصِ فَقَالَ سَمِعْتُ وَسَأَلْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْخَصَّافَ عَنِ الإِخْلاصِ فَقَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ بَشَّارٍ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ:
[ ٢ / ٣٥٩ ]
سَأَلْتُ أَبَا يَعْقُوبَ الشَّرِيطِيَّ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ قَالَ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ غَسَّانَ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ حُذَيَّفَةَ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإْخِلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ سَأَلْتُ جِبْرِيلَ ﵇ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ قَالَ: سَأَلْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنِ الإِخْلاصِ مَا هُوَ؟ قَالَ: سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: الإخلاص التوقي عَن ملاحظة الخلق والصدق: التنقي من مطالعة النفس فالمخلص لا رياء لَهُ والصادق لا إعجاب لَهُ، وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: الإخلاص لا يتم إلا بالصدق فِيهِ والصبر عَلَيْهِ والصدق لا يتم إلا بالإخلاص فِيهِ والمداومة عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي.
مَتَى شهدوا فِي إخلاصهم الإخلاص احتاج إخلاصهم إِلَى إخلاص وَقَالَ ذو النون: ثَلاث من علامات الإخلاص استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤية الأعمال فِي الأعمال ونسيان اقتضاء ثواب العمل فِي الآخرة سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول الإخلاص مَا لا يَكُون للنفس فِيهِ حظ بحال وَهَذَا إخلاص العوام، وَأَمَّا إخلاص الخواص فَهُوَ مَا يجرى عَلَيْهِم لا بِهِمْ فتبدو مِنْهُم الطاعات وَهُمْ عَنْهَا بمعزلة ولا يقع لَهُمْ عَلَيْهَا رؤية ولا بِهَا اعتداء فذلك إخلاص الخواص وَقَالَ أَبُو بَكْر الدقاق نقصان: كُل مخلص فِي إخلاصه رؤية إخلاصه فَإِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يخلص إخلاصه أسقط عَن إخلاصه رؤيته لإخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وَقَالَ سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: قَالَ لي رويم: قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين وَقَالَ ذو النون: الإخلاص: مَا حفظ من العدو أَن يفسده.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إِلَى الخلق وَقَالَ حذيفة المرعشي: الإخلاص أَن تستوي أفعال العبد فِي الظاهر والباطن.
وقيل: الإخلاص مَا أريد بِهِ الحق سبحانه وقصد بِهِ الصدق.
وقيل: الإغماض عَن رؤية الأعمال.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد الحميد يَقُول: سمعت السري يَقُول: من تزين لِلنَّاسِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ سقط من عين اللَّه تَعَالَى.
وسمعته يَقُول: سمعت عَلِي بْن بندار الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن محمود يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد ربه يَقُول: سمعت الفضيل يَقُول: ترك العمل من أجل النَّاس رياء والعمل من أجل النَّاس شرك والإخلاص أَن يعافيك اللَّه منهما وَقَالَ الجنيد: الإخلاص سر بَيْنَ اللَّه وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شَيْطَان فيفسده ولا هوى فيميله.
وَقَالَ رويم الإخلاص من العمل هُوَ الَّذِي لا يريد صاحبه عَلَيْهِ عوضا من الدارين ولاحظا من الملكين وقيل: لسهل بْن عَبْد اللَّهِ أي شَيْء أشد عَلَى النفس فَقَالَ: الإخلاص لأنه لَيْسَ لَهَا فِيهِ نصيب.
وسئل بَعْضهم عَنِ الإخلاص فَقَالَ: أَن لا تشهد عَلَى عملك غَيْر اللَّه ﷿.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وَقَالَ بَعْضهم دخلت عَلَى سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَوْم جمعة قبل الصلاة فرأيت فِي الْبَيْت حية فجعلت أقدم رجلا: وأؤخر أُخْرَى فَقَالَ: أدخل لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان وعلى وجه لأرض شَيْء يخافه ثُمَّ قَالَ هل لَك فِي صلاة الجمعة فَقُلْتُ: بيننا وبين الْمَسْجِد مسيرة يَوْم وليلة فأخذ بيدي فَمَا كَانَ إلا قليل حَتَّى رأيت الْمَسْجِد فدخلناه وصلينا الجمعة ثُمَّ خرجنا فوقف ينظر إِلَى النَّاس وَهُمْ يخرجون فَقَالَ: أهل لا اللَّه إلا اللَّه كثير والمخلصون مِنْهُم قليل أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ الْجُرْجَانِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرحيم قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَالِب مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا المقدسي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قرصافة مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب العسقلاني قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن نَافِع قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيد القراطيسي، عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد، عَن مكحول، قَالَ مَا أخلص عَبْد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه عَلَى لسانه.
سمعت الشيخ أبا يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: أعز شَيْء فِي الدنيا الإخلاص وكم أجتهد فِي إسقاط الرياء عَن قلبي فكأنه ينبت عَلَى لون آخر وسمعته يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: سمعت أبا الجهم يَقُول: سمعت ابْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان يَقُول: إِذَا أخلص العبد انقطعت عَنْهُ كثرة الوساوس والرياء.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
بَاب الصدق قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ فَوْرَكٍ ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لا يَزَالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى صِدِّيقًا، وَلا يَزَالُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا
قَالَ الأستاذ: والصدق عماد الأمر وَبِهِ تمامه وفيه نظامه وَهُوَ تالي درجة النبوة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية والصادق الاسم اللازم من الصدق والصديق المبالغة منه وَهُوَ الكثير الصدق الَّذِي الصدق غالبه كالسكير والخمير وبابه وأقل الصدق استواء السر والعلانية والصادق من صدق فِي أقواله والصديق من صدق فِي جَمِيع أقواله وأفعاله وأحواله وَقَالَ أَحْمَد بْن خضرويه: من أراد أَن يَكُون اللَّه تَعَالَى مَعَهُ فليلزم الصدق فَإِن اللَّه تَعَالَى قَالَ: إِن اللَّه مَعَ الصادقين.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الصادق يتقلب فِي اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت عَلَى حالة واحدة أربعين سنة وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: لو أراد الصادق أَن يصف مَا فِي قلبه مَا نطق بِهِ لسانه.
وقيل: الصدق القول بالحق فِي مواطن الهلكة.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وقيل: الصدق موافقة السر النطق، وَقَالَ القناد: الصدق منع الحرام من الشدق.
وَقَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: الصدق الوفاء لِلَّهِ ﷿ بالعمل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الحريري يَقُول: سمعت سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: لا يشم رائحة الصدق عَبْد داهن نَفْسه أَوْ غيره.
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْقُرَشِيّ: الصادق الَّذِي يتهيأ لَهُ أَن يموت ولا يستحي من سره لو كشف قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] .
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: كَانَ أَبُو عَلَى الثقفي يتكلم يوما فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بْن منازل: يا أبا عَلي استعد للموت فلابد منه فَقَالَ أَبُو عَلَى: وأنت يا عَبْد اللَّهِ استعد للموت فلابد منه فتوسد عَبْد اللَّهِ ذراعه ووضع رأسه وَقَالَ: قَدْ مت فانقطع أَبُو عَلِي لأنه لَمْ يمكنه أَن يقابله بِمَا فعل لأنه كَانَ لأبي عَلَي علاقات وَكَانَ عَبْد اللَّهِ مجردا لا شغل لَهُ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري يتكلم فصاحت عجوز فِي المجلس صيحة فَقَالَ لَهَا أَبُو الْعَبَّاس: موتي فقامت وخطت خطوات ثُمَّ التفتت إِلَيْهِ وَقَالَتْ: قَدْ مت ووقعت ميتة.
وَقَالَ الواسطي: الصدق صحة التوحيد مَعَ القصد.
وقيل: نظر عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد إِلَى غلام من أَصْحَابه قَدْ نحل بدينه فَقَالَ: يا غلام أتديم الصوم؟ فَقَالَ: ولا أديم الإفطار فَقَالَ: أتديم القيام بالليل؟ فَقَالَ: ولا أديم النوم فَقَالَ: فَمَا الَّذِي أنحلك فَقَالَ: هوى دائم وكتمان دائم عَلَيْهِ فَقَالَ: عَبْد الْوَاحِد اسكت فَمَا أجرأك فقام الغلام وخطا خطوتين وَقَالَ: إلهي إِن كنت صادقا فخذني فخر ميتا.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وحكى عَن أَبِي عَمْرو الزجاجي أَنَّهُ قَالَ: ماتت أمي فورثت منها دار فبعتها بخمسين دِينَار وخرجت إِلَى الحج فلما بلغت بابل استقبلني واحد من القناقنة وَقَالَ: إيش معك؟ فَقُلْتُ: فِي نفس الصدق خير ثُمَّ قُلْت: خمسون دِينَار فَقَالَ: ناولنيها فناولته الصرة فعدها فَإِذَا هي خمسون دِينَار فَقَالَ: خذها فلقد أخذني صدقك ثُمَّ نزل عَنِ الدابة وَقَالَ: اركبها فَقُلْتُ: لا أريد فَقَالَ: لا وألح عَلَى فركبتها فَقَالَ: وأنا عَلَى أترك فلما كَانَ العام المستقبل لحق بي ولازمني حَتَّى مَات.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جعفرا الخواص يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول: الصادق لا تراه إلا فِي فرض يؤديه أَوْ فضل يعمل لربه فِيهِ.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن مقسم يَقُول: سمعت جعفرا الخواص يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: حقيقة الصدق أَن تصدق فِي مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب وقيل: ثلاثة لا تخطئ الصادق الحلاوة والهيبة والملاحة.
وقيل: أوحى اللَّه إِلَى دَاوُد ﵇ يا دَاوُد من صدقني فِي سريرته صدقته عِنْدَ المخلوقين فِي علانيته.
وقيل: دَخَلَ إِبْرَاهِيم بْن دوحة مَعَ إِبْرَاهِيم بْن ستنبة البادية فَقَالَ: إِبْرَاهِيم بْن ستنبة اطرح مَا معك من العلائق قَالَ فطرحت كُل شَيْء إلا دِينَار فَقَالَ: يا إِبْرَاهِيم لا تشغل سرى اطرح مَا معك من العلائق قَالَ: فطرحت الدينار، ثُمَّ قَالَ: يا إِبْرَاهِيم اطرح مَا معك من العلائق فتذكرت أَن معى شسوعا للنعل فطرحتها فَمَا احتجت فِي الطريق إِلَى شسع إلا وجدته بَيْنَ يدي فَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن ستنبة: هكذا من عامل اللَّه تَعَالَى بالصدق وَقَالَ ذو النون: الصدق سَيْف اللَّه مَا وضع عَلَى شَيْء إلا قطعه،
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أول خيانة الصديقين حديثهم مَعَ أنفسهم.
وسئل فتح الموصلي عَنِ الصدق فأدخل يده فِي كير الحداد وأخرج الحديدة المحماة ووضعها عَلَى كفه وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصدق وَقَالَ يُوسُف بْن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل اللَّه تَعَالَى بالصدق أحب إلي من أَن أضرب بسَيْفي فِي سبيل اللَّه تَعَالَى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: الصدق أَن تكون كَمَا ترى من نفسك أَوْ ترى من نفسك كَمَا تكون.
وسئل الحرث المحاسبي عَن علامة الصدق فَقَالَ: الصادق هُوَ الَّذِي لا يبالي لو خرج عَلَى قدر لَهُ فِي قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع النَّاس عَلَى مثاقيل الذر من حسن عمله ولا يكره أَن يطلع النَّاس عَلَى السيئ من عمله فَإِن كراهته لِذَلِكَ دليل عَلَى أَنَّهُ يحب الزيادة عندهم وليس هَذَا من أخلاق الصديقين وَقَالَ بَعْضهم من لَمْ يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت قيل مَا الفرض الدائم قَالَ: الصدق وقيل: إِذَا طلبت اللَّه بالصدق أعطاك مرآة تبصر فِيهَا كُل شَيْء من عجائب الدنيا والآخرة وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أَنَّهُ يضرك فَإِنَّهُ ينفعك ودع الكذب حيث ترى أَنَّهُ ينفعك فَإِنَّهُ يضرك وقيل: كُل شَيْء شَيْء ومصادقة الكذاب لا شَيْء وقيل: علامة الكذب جوده باليمين بغير مستحلف وَقَالَ ابْن سيرين: الْكَلام أوسع من أَن يكذب ظريف وقيل: مَا أملق تاجر صدوق.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
بَاب الحياء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْحِيرِيُّ الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّحْوِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَي بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَقْدِسِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْريُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَات يَوْم لأَصْحَابه: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ.
قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحِي يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ "
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول أَخْبَرَنَا أَبُو نصر الوزيري قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد قَالَ: حَدَّثَنَا الغلابي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مخلد عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ بَعْض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول العلم الأكبر الهيبة والحياء فَإِذَا ذهبت الهيبة والحياء لَمْ يبق فِيهِ خير وسمعته يَقُول: سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن يَعْقُوبَ يَقُول: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْمَلِك قَالَ: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: الحياء وجود الهيبة
[ ٢ / ٣٦٧ ]
فِي القلب مَعَ وحشة مَا سبق منك إِلَى ربك تَعَالَى وَقَالَ ذو النون: الحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: من تكلم فِي الحياء ولا يستحي من اللَّه ﷿ فيما يتكلم بِهِ فَهُوَ مستدرج.
سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: دَخَلَ الْحَسَن بْن الحداد عَلَى عَبْد اللَّهِ بْن منازل فَقَالَ: من أين تجئ فَقَالَ: من مجلس أَبِي القاسم المذكر فَقَالَ: فيما ذا كَانَ يتكلم فَقَالَ: فِي الحياء فَقَالَ: عَبْد اللَّهِ واعجباه من لَمْ يستح من اللَّه تَعَالَى كَيْفَ يتكلم فِي الحياء.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن صَالِح يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عبدون يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس المؤدب يَقُول: قَالَ السري إِن الحياء والأنس يطرقان القلب.
فَإِن وجدا فِيهِ الزهد والورع حطا وإلا رحلا.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: تعامل القرن الأَوَّل من النَّاس فيما بينهم بالدين حَتَّى رق الدين ثُمَّ تعامل القرن الثَّانِي بالوفاء حَتَّى ذهب الوفاء ثُمَّ تعامل القرن الثالث بالمروءة حَتَّى ذهبت المروءة ثُمَّ تعامل القرن الرابع بالحياء حَتَّى ذهب الحياء ثُمَّ صار النَّاس يتعاملون بالرغبة والرهبة وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] البرهان أَنَّهَا ألقت ثوبا عَلَى وجه صنم فِي زاوية الْبَيْت، فَقَالَ يُوسُف: ماذا تفعلين فَقَالَتْ: أستحي منه قَالَ يُوسُف ﵇ أنا أولى منك أَن أستحي من اللَّه تَعَالَى.
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: فجاءته إحداهما تمشى عَلَى استحياء قيل إِنَّمَا استحيت منه لأنها كانت تدعوه إِلَى الضيافة فاستحيت أَن لا يجب مُوسَى ﵇ فصفة المضيف الاستحياء وَذَلِكَ استحياء الكرم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد البلاذري يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ العمري يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الجواري يَقُول: سمعت أبا سلمان الداراني يَقُول: قَالَ اللَّه تَعَالَى:
[ ٢ / ٣٦٨ ]
عبدى إنك مَا استحييت منى أنسيت النَّاس عيوبك وأنسيت بقاع ذنوبك ومحوت من أم الكتاب زلاتك ولا أناقشك الحساب يَوْم الْقِيَامَة وقيل: رؤي رجل يلبي خارج الْمَسْجِد فقيل لَهُ لا تدخل الْمَسْجِد فتصلي فِيهِ فَقَالَ: استحي منه أَن أدخل بيته وَقَدْ عصيته وقيل: من علامات أَن لا يرى بموضع يستحيا منه وَقَالَ بَعْضهم: خرجنا ليلة فمررنا بأجمة فَإِذَا رجل نائم وفرس عِنْدَ راسه ترعى فحركناه وقلنا لَهُ ألا تخاف أَن تنام فِي مثل هَذَا الموضع المخوف وَهُوَ مسبع فرفع رأسه وَقَالَ: أنا أستحي منه أَن أخاف غيره ووضع رأسه ونام وأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى عيسى ﵇ عظ نفسك فَإِن اتعظت فعظ النَّاس وإلا فاستح منى أَن تعظ النَّاس وقيل: الحياء عَلَى وجوه: حياء الجناية كآدم ﵇ لما قيل لَهُ أفرار لا بَل حياء منك وحياء التقصير كالملائكة يقولون سبحانك مَا عبدناك حق عبادتك وحياء الإجلال كإسرافيل ﵇ تسربل بجناحه حياء من اللَّه ﷿ وحياء الكرم كالنبي ﷺ كَانَ يستحى من أمته أَن يَقُول اخرجوا فَقَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وحياء حشمة كعلي ﵁ حِينَ سأل المقداد حَتَّى سأل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَن حكم المذي لمكان فاطمة ﵂ وحياء الاستحقار كموسى ﵇ قَالَ: إني لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أَن أسألك يا رب فَقَالَ اللَّه ﷿: سلني حَتَّى ملح عجينك، وعلف شاتك وحياء الإنعام هُوَ حياء الرب سبحانه يدفع إِلَى العبد كتابا مختوما بَعْد مَا عبر الصراط وإذا فِيهِ فعلت مَا فعلت ولقد استحييت أَن أظهر عليك فاذهب فاني قَدْ غفرت لَك.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي هَذَا الْخَبَر إِن يَحْيَي بْن معاذ قَالَ: سبحان من يذنب العبد فيستحي هُوَ منه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت زنجويه اللباد يَقُول: سمعت عَلِي بْن الْحُسَيْن الهلالي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن الأشعث يَقُول: سمعت الفضيل بْن عياض يَقُول خمس من علامات الشقاء: القسوة فِي القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة فِي الدنيا وطول الأمل وَفِي بَعْض الكتب: مَا أنصفني عبدى يدعوني فاستحيي أَن أرده ويعصيني فلا يستحيي منى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ من استحيا من اللَّه مطيعا استحيا اللَّه تَعَالَى منه وَهُوَ مذنب.
قَالَ الأستاذ واعلم أَن الحياء يوجب التذويب فيقال الحياء ذوبان الحشا لاطلاع المولى ويقال الحياء انقباض القلب لتعظيم الرب وقيل: إِذَا جلس الرجل ليعظ النَّاس ناداه ملكاه عظ نفسك بِمَا تعظ بِهِ أخاك وإلا فاستحيي من سيدك فَإِنَّهُ يراك.
وسئل الجنيد عَنِ الحياء فَقَالَ: رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء وَقَالَ الواسطي لَمْ يذق لذعات الحياء من لابس خرق حد أَوْ نقض عهد.
وَقَالَ الواسطي أَيْضًا المستحي يسيل منه العرق وَهُوَ الفضل الَّذِي فِيهِ وَمَا دام فِي النفس شَيْء فَهُوَ مصروف عَنِ الحياء.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: الحياء ترك الدعوى بَيْنَ يدي اللَّه ﷿ سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد الزوزني يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الجوزجاني يَقُول: سمعت أبا بَكْر الوراق يَقُول: رُبَّمَا أصلى لِلَّهِ تَعَالَى ركعتين فأنصرف عَنْهُمَا وأنا بمنزلة من ينصرف عَنِ السرقة من الحياء.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
بَاب الحرية قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] قَالَ: إِنَّمَا آثروا عَلَى أنفسهم لتجردهم عما خرجوا منه وآثروا بِهِ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ النَّطَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ مُورَعِ بْنِ تَوْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنٍ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ مَا قَنَعَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَإِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَشِبْرٍ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الأَمْرُ إِلَى آخِرِهِ "
قَالَ الأستاذ: الحرية أَن لا يَكُون العبد تَحْتَ رق المخلوقات ولا يجرى عَلَيْهِ سلطان المكونات وعلامة صحته: سقوط التمييز عَن تنبيه بَيْنَ الأشياء فيتساوى شدة أخطار الأعراض.
قَالَ حارثة ﵁ لرسول اللَّه ﷺ عزفت نفسي عَنِ الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من دَخَلَ الدنيا وَهُوَ عَنْهَا حر ارتحل إِلَى الآخرة وَهُوَ عَنْهَا حر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد المراغي، يحكي عَنِ الدقي، عَنِ الدقاق، أَنَّهُ كَانَ يَقُول: من كَانَ فِي الدنيا حرا منها كَانَ فِي الآخرة حرا منها قَالَ الأستاذ: واعلم أَن حقيقة الحرية فِي كمال العبودية فَإِذَا صدقت لِلَّهِ تَعَالَى عبوديته خلصت عَن رق الأغيار حريته
[ ٢ / ٣٧١ ]
فأما من توهم أَن العبد يسلم لَهُ أَن يخلع وقتا عذار العبودية ويحيد بلحظة عَن حد الأمر والنهي وَهُوَ مميز فِي دار التكليف فذلك أنسلاخ من الدين قَالَ اللَّه سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] يَعْنِي الأجل وعليه أجمع المفسرون وأن الَّذِي أشار إِلَيْهِ الْقَوْم من الحرية هُوَ أَن لا يَكُون العبد بقلبه تَحْتَ رق شَيْء من المخلوقات لا من أعراض الدنيا ولا من أعراض الآخرة فيكون فرد الفرد لَمْ يسترقه عاجل دنيا ولا حاصل هوى ولا آجل منى ولا سؤال ولا قصد ولا أرب ولا حظ وقيل للشبلي: ألا تعلم أَنَّهُ رحمن فَقَالَ: بلى ولكن منذ عرفت رحمته مَا سألته أَن يرحمني ومقام الحرية عزيز.
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول كَانَ أَبُو الْعَبَّاس السياري يَقُول: لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بِهَذَا الْبَيْت: أتمنى عَلَى الزَّمَان محالا أَن ترى مقلتاي طلعة حر وَأَمَّا أقاويل المشايخ فِي الحرية فَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور من أراد الحرية فليصل العبودية.
وسئل الجنيد عمن لَمْ يبق عَلَيْهِ من الدنيا إلا مقدار مص نواة فَقَالَ: المكاتب عَبْد مَا بقي عَلَيْهِ درهم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول إنك لا تصل إِلَى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية وَقَالَ بشر الحافي: من أراد أَن يذوق طعم الحرية ويستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين اللَّه تَعَالَى وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور إِذَا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حرا من تعب
[ ٢ / ٣٧٢ ]
العبودية فيترسم بالعبودية بلا عناء ولا كلفه ذَلِكَ مقام الأنبياء والصديقين يَعْنِي يصير محمولا لا يلحقه بقلبه مشقة وإن كَانَ متحليا بِهَا شرعا أنشدنا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ قَالَ: أنشدنا أَبُو بَكْر الرازي قَالَ: أنشدني مَنْصُور الفقيه لنفسه: لما بقي فِي الأنس حر لا ولا فِي الجن حر قَدْ مضى حر الفريقين فحلو العيش مر واعلم أَن معظم الحرية فِي خدمة الفقراء.
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول أوحي اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: إِذَا رأيت لي طالبا فكن لَهُ خادما وَقَالَ ﷺ: سيد الْقَوْم خادمهم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الفضل يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الرومي يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد وأبناء الآخرة تخدمهم الأحرار والأبرار.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عُثْمَان بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد الْمِصْرِي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن مُوسَى يَقُول: سمعت بْن خيبق يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن أدهم يَقُول: إِن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أَن يخرج منها وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم: لا تصحب إلا حرا كريما يسمع ولا يتكلم.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
بَاب الذكر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْدَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلا أُنَبِّئْكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرَقِ وَأَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: مَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالُ فِي الأَرْضِ: اللَّهَ اللَّهَ
قَالَ الأستاذ: الذكر ركن قوى فِي طريق الحق ﷾ بَل هُوَ العمدة فِي هَذَا الطريق ولا يصل أحد إلى الله تَعَالَى إلا بدوام الذكر
[ ٢ / ٣٧٤ ]
والذكر عَلَى ضربين: ذكر اللسان وذكر القلب فذكر اللسان بِهِ يصل العبد إِلَى استدامة ذكر القلب والتأثير لذكر القلب فَإِذَا كَانَ العبد ذاكرا بلسانه وقلبه فَهُوَ الكامل فِي وصفه فِي حال سلوكه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فَقَدْ أعطى المنشور ومن سلب الذكر فَقَدْ عزب وقيل: إِن الشلبي كَانَ فِي ابتداء أمره ينزل كُل يَوْم سربا ويحمل مَعَ نَفْسه حزمة من القضبان فكان إِذَا دَخَلَ قلبه غلفه ضرب نَفْسه بتلك الخشب حَتَّى يكسرها عَلَى نَفْسه فربما كانت الحزمة تفنى قبل أَن يمسى فكان يضرب بيديه ورجليه عَلَى الحائط وقيل: ذكر اللَّه بالقلب سَيْف المريدين بِهِ يقاتلون أعداءهم وَبِهِ يدفعون الآفات الَّتِي يقصدهم وإن البلاء إِذَا أظل العبد فَإِذَا فزع بقلبه إِلَى اللَّه تَعَالَى يحيد عَنْهُ فِي الحال كُل مَا يكرهه.
وسئل الواسطي عَنِ الذكر فَقَالَ: الخروج من ميدان الغفلة إِلَى فضاء المشاهدة عَلَى غلبة الخوف وشدة الحب.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا محمد البلاذري يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن بَكْر يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: من ذكر اللَّه تَعَالَى ذكرا عَلَى الحقيقة نسى فِي جنب ذكره كُل شَيْء وحفظ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ كُل شَيْء وَكَانَ لَهُ عوضا عَن كُل شَيْء، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ المعلم يَقُول: سمعت أَحْمَد المسجدي يَقُول: سئل أَبُو عُثْمَان فقيل لَهُ: نحن نذكر اللَّه تَعَالَى ولا نجد فِي قلوبنا حلاوة فَقَالَ: احمدوا اللَّه تَعَالَى عَلَى أَن زين جارحة من جوارحكم بطاعته، وَفِي الْخَبَر المشهور عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
[ ٢ / ٣٧٥ ]
إِذَا رأيتم رياض الْجَنَّة فارتعوا فِيهَا، فقيل لَهُ: وَمَا رياض الْجَنَّة؟ فَقَالَ: مجالس الذكر.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ صَفْوَانَ الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَأَيُّهَا النَّاسُ، ارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ قَالَ: اغْدُوا وَرُوحُوا وَاذْكُرُوا مَنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ
وسمعته مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: أليس اللَّه تَعَالَى يَقُول: أنا جليس من ذكرني؟ مَا الَّذِي استفدتم من مجالسة الحق سبحانه، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُوسَى السلامي يَقُول: سمعت الشبلي ينشد فِي مجلسه:
ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة وأيسر مَا فِي الذكر ذكر لساني
وكدت بلا وجد أموت من الهوى وهام عَلَى القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري شهدتك موجودا بكل مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلم ولاحظت معلوما بغير عيان
ومن خصائص الذكر أَنَّهُ غَيْر مؤقت بَل مَا من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر اللَّه تَعَالَى إِمَّا فرضا وإما ندبا والصلاة وإن كانت أشرف العبادات فَقَدْ لا تجوز فِي بَعْض الأوقات والذكر بالقلب مستدام فِي عموم الحالات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]
[ ٢ / ٣٧٦ ]
سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك ﵀ يَقُول: قياما بحق الذكر وقعودا عَنِ الدعوى فِيهِ، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يسأل الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق فَقَالَ: الذكر أتم أم الفكر؟ فَقَالَ الأستاذ أَبُو عَلَى: مَا الَّذِي يقع للشيخ منه فَقَالَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: عندي الذكر أتم من الفكر، لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وَمَا وصف بِهِ الحق سبحانه أتم مَا اختص بِهِ الخلق فاستحسنه الأستاذ أَبُو عَلَى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: لولا أَن ذكره فرض عَلَى لما ذكرته إجلالا لَهُ مثلى يذكره وَلَمْ يغسل فمه بألف توبة متقبلة عَن ذكره.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ ﵀ ينشد لبعضهم:
مَا إِن ذكرتك إلا هُمْ يزجرني قلب وسرى وروحي عِنْدَ ذكراكا
حَتَّى كأن رقيبا منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياك
ومن خصائص الذكر أَنَّهُ جعل فِي مقابلته الذكر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وَفِي خبر أَن جبريل ﵇ قَالَ لرسول اللَّه ﷺ: إِن اللَّه تَعَالَى: يَقُول أعطيت أمتك مَا لَمْ أعط أمة من الأمم فَقَالَ: وَمَا ذاك يا جبريل؟ فَقَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] لَمْ يقل هَذَا لأحد غَيْر هذه الأمة.
وقيل: إِن الْمَلِك يستأمر الذاكر فِي قبض روحه.
وَفِي بَعْض الكتب أَن مُوسَى ﵇ قَالَ: يا رب أين تسكن؟ فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ فِي قلب عبدى المؤمن ومعناه سكون الذكر فِي القلب فَإِن الحق ﷾ منزه عَن كُل سكون وحلول وإنما هُوَ إثبات ذكر وتحصيل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت
[ ٢ / ٣٧٧ ]
فارسا يَقُول: سمعت الثَّوْرِي يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي وسألته عَنِ الذكر فَقَالَ: غيبة الذاكر عَنِ الذكر ثُمَّ أنشأ يَقُول: لا لأني أنساك أَكْثَر ذكراك ولكن بذاك يجرى لساني.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: مَا من يَوْم إلا والجليل سبحانه ينادي: عبدى مَا أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك إِلَى وتذهب إِلَى غيرى وأذهب عَنْك البلايا وأنت معتكف عَلَى الخطايا يا ابْن آدم مَا تقول غدا إِذَا جئتني.
وَقَالَ سلمان الداراني: إِن فِي الْجَنَّة قيعانا فَإِذَا أخذ الذاكر فِي الذكر أخذت الملائكة فِي غرس الأشجار فِيهَا فربما يقف بَعْض الملائكة فيقال لَهُ: لَمْ وقفت فيقال فتر صاحبي وَقَالَ الْحَسَن: تفقدوا الحلاوة فِي ثلاثة أشياء فِي الصلاة والذكر وقراءة الْقُرْآن فَإِن وجدتم وإلا فاعلموا أَن الباب مغلق وَقَالَ حامد الأسود: كنت مَعَ إِبْرَاهِيم الخواص فِي سفر فجئنا إِلَى موضع فِيهِ حيات كثيرة فوضع ركوته وجلس وجلست فلما كَانَ برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات فصحت بالشيخ فَقَالَ: اذكر اللَّه تَعَالَى فذكرت فرجعت ثُمَّ عادت فصحت بِهِ فَقَالَ: مثل ذَلِكَ فلم أزل إِلَى الصباح فِي مثل تلك الحالة فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت مَعَهُ فسقطت من وطائه حية عظيمة قَدْ تطوقت بِهِ فَقُلْتُ: مَا أحسست بِهَا فَقَالَ: لا منذ زمان مَا بت ليلة أطيب من البارحة وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: من لَمْ يذق وحشة الغفلة لَمْ يجد طعم أَنَس الذكر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّهِ الذبياني يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول: مكتوب فِي بَعْض الكتب الَّتِي أنزل اللَّه تَعَالَى إِذَا كَانَ الغالب عَلَى عبدى ذكرى عشقني وعشقته وبإسناده أَنَّهُ أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇ بي فافرحوا وبذكري فتنعموا
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وَقَالَ النوري: لكل شَيْء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عَنِ الذكر وَفِي الإنجيل اذكرني حِينَ تغضب أذكرك حِينَ أغضب وارض بنصرتي لَك فَإِن نصرتي لَك خير لَك من نصرتك لنفسك وقيل لراهب: أَنْتَ صائم فَقَالَ: صائم بذكره فَإِذَا ذكرت غيره أفطرت وقيل: إِذَا تمكن الذكر من القلب فَإِن دنا منه الشَّيْطَان صرع كَمَا يصرع الإِنْسَان إِذَا دنا منه الشَّيْطَان فتجتمع إِلَيْهِ الشياطين فيقولون مَا لِهَذَا فيقال قَدْ مسه الإنس وَقَالَ سهل مَا أعرف معصية أقبح من نسيان هَذَا الرب وقيل: الذكر الخفي لا يرفعه الْمَلِك لأنه لا اطلاع لَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ سر بَيْنَ العبد وبين اللَّه ﷿ وَقَالَ: بَعْضهم وصف لي ذاكر فِي أجمة فأتيته فبينا هُوَ جالس إِذَا سبع عظيم ضربه ضربة واستلب منه قطعة فغشى عَلَيْهِ وعلى فلما أفاق قُلْت: مَا هَذَا فَقَالَ: قيض اللَّه هَذَا السبع عَلَى فكلما دخلتني فترة عضني عضة كَمَا رأيت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: كَانَ بَيْنَ أَصْحَابنا رجل يكثر أَن يَقُول اللَّه اللَّه فوقع يوما عَلَى رأسه جذع فانشج رأسه وسقط الدم فاكتتب عَلَى الأَرْض اللَّه اللَّه.
[ ٢ / ٣٧٩ ]