قَالَ اللَّه ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِي خَبَّابٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَقُلْتُ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَبَكَتْ، وَقَالَتْ: وَأَيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا إِنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَةٍ فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي أَوْ قَالَتْ: فِي لِحَافِي حَتَّى مَسَّ جِلْدِي جِلْدَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ذَرِينِي أَتَعَّبَدُ لِرَبِّي.
قَالَتْ: قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ.
فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَامَ إِلَى قِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَأَكْثَرَ صَبَّ الْمَاءِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ رَكَعَ فَبَكَى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يُبْكِيكَ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا وَلِمَ لا أَفْعَلُ وَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآيَةَ
قَالَ الأستاذ: حقيقة الشكر عِنْدَ أهل التحقيق الاعتراف بنعمة المنعم عَلَى وجه الخضوع وعلى هذا القول يوصف الحق سبحانه بأنه شكور توسعا ومعناه أَنَّهُ يجازى الْعِبَاد عَلَى
[ ١ / ٣١١ ]
الشكر فسمى جزاء الشكر شكرا كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقيل: شكره إعطاؤه الكثير من الثوابت عَلَى العمل اليسير من قولهم دابة شكور إِذَا أظهرت من السمن فَوْقَ مَا تعطى من العلف ويحتمل أَن يقال: حقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه فشكر العبد لِلَّهِ تَعَالَى ثناؤه عَلَيْهِ بذكر إحسانه إِلَيْهِ وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عَلَيْهِ بذكر إحسانه لَهُ ثُمَّ إِن إحسان العبد طاعته لِلَّهِ تَعَالَى وإحسان الحق إنعامه عَلَى العبد بالتوفيق للشكر لَهُ وشكر العبد عَلَى الحقيقة إِنَّمَا هُوَ نطق اللسان وإقرار القلب بإنعام الرب تَعَالَى والشكر ينقسم إلى شكر باللسان وَهُوَ أعترافه بالنعمة بنعت الاستكانة وشكر بالبدن والأركان وَهُوَ اتصاف بالوفاق والخدمة وشكر القلب وَهُوَ اعتكاف عَلَى بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة ويقال: شكر هُوَ شكر العاملين يَكُون من جملة أقوالهم وشكر هُوَ نعت العابدين يَكُون نوعا من أفعالهم وشكر هُوَ شكر العارفين يَكُون باستقامتهم لَهُ فِي عموم أحوالهم وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق شكر النعمة مشاهدة المنة وحفظ الحرمة وَقَالَ حمدون القصار شكر النعمة أَن ترى نفسك فِيهِ طفيليا وَقَالَ الجنيد: الشك فِيهِ علة لأنه طَالِب لنفسه المزيد فَهُوَ واقفا مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى حظ نَفْسه وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الشكر معرفة العجز عَنِ الشكر ويقال: الشكر عَلَى الشكر أتم من الشكر وَذَلِكَ بأن ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذَلِكَ التوفيق من أجل النعم عليك فتشكره عَلَى الشكر ثُمَّ تشكره عَلَى شكر الشكر إِلَى مالا يتناهى وقيل: الشكر إضافة النعم إِلَى موليها بنعت الاستكانة.
[ ١ / ٣١٢ ]
وَقَالَ الجنيد: الشكر أَن لا ترى نفسك أهلا للنعمة وَقَالَ رويم الشكر استفراغ الطاقة.
وقيل: الشاكر الَّذِي شكر عَلَى الموجود والشكور الَّذِي يشكر عَلَى المفقود ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر على الرفد والشكور الَّذِي يشكر عَلَى الرد ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر على النفع والشكور الَّذِي يشكر على المنع ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر عَلَى العطاء والشكور الَّذِي يشكر عَلَى البلاء ويقال: الشاكر الَّذِي يشكر عِنْدَ البذل والشكور الَّذِي يشكر عِنْدَ المطل.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول كنت بَيْنَ يدي السري ألعب وأنا ابْن سبع سنين وبين يديه جَمَاعَة يتكلمون فِي الشكر فَقَالَ لي: يا غلام مَا الشكر فَقُلْتُ: أَن لا تعصى اللَّه بنعمة فَقَالَ: يوشك أَن يَكُون حظك من اللَّه تَعَالَى لسانك.
قَالَ الجنيد: فلا أزال أبكي عَلَى هذه الكلمة الَّتِي قالها السري.
وَقَالَ الشبلي: المنعم لا روية النعمة وقيل: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وَقَالَ أَبُو عُثْمَان شكر العامة عَلَى المطعم والملبس وشكر الخواص عَلَى مَا يرد عَلَى قلوبهم من المعاني.
وقيل: قَالَ دَاوُد ﵇ إلهي كَيْفَ أشكرك وشكري لَك نعمة من عندك فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: الآن قَدْ شكرتني وقيل: قَالَ موسي ﵇ فِي مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك فعلت وفعلت، فكيف شكرك فَقَالَ: علم أَن ذَلِكَ منى فكانت معرفته بِذَلِكَ شكره لي.
وقيل: كَانَ لبعضهم صديق فحبسه السلطان فأرسل إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صاحبه:
[ ١ / ٣١٣ ]
أشكر اللَّه تَعَالَى فضرب الرجل فكتب إِلَيْهِ فَقَالَ: اشكر اللَّه تَعَالَى فجئ بمجوسي مبطون وقيد وجعلت حلقة من قيده عَلَى رجل هَذَا وحلقه عَلَى رجل المجوسي فكان يقوم المجوسي بالليل مرات وَهَذَا يحتاج أَن يقوم عَلَى رأسه حَتَّى يفرغ فكتب إِلَى صاحبه فَقَالَ: أشكر اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: إِلَى مَتَى تقول وأي بلاء فَوْقَ هَذَا فَقَالَ لَهُ صاحبه: لو وضع الزنار الَّذِي فِي وسطه فِي وسطك كَمَا وضع القيد الَّذِي فِي رجله فِي رجلك ماذا كنت تصنع؟ .
وقيل: دَخَلَ رجل عَلَى سهل بْن عَبْد اللَّهِ فَقَالَ: إِن اللص دَخَلَ داري وأخذ متاعي فَقَالَ: اشكر اللَّه تَعَالَى لو دَخَلَ اللص قلبك وَهُوَ الشَّيْطَان وأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع.
وقيل: شكر العينين أَن تستر عيبا تراه بصاحبك وشكر الأذنين أَن تستر عيبا تسمعه فِيهِ.
وقيل: الشكر التلذذ بثنائه عَلَى مَا لَمْ يستوجبه من عطائه.
سمعت السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: كَانَ السري إِذَا أراد أَن ينفعني يسألني فَقَالَ لي يوما: يا أبا القاسم إيش الشكر؟ فَقُلْتُ: أَن لا يستعان بشيء من نعم اللَّه تَعَالَى عَلَى معاصيه فَقَالَ: من أين لَك هَذَا؟ فَقُلْتُ من مجالستك وقيل: التزم الْحَسَن بْن عَلِيّ الركن وَقَالَ: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكرا وابتليتني فلم تجدني صابرا فلا أَنْتَ سلبت النعمة بترك الشكر ولا أدمت الشدة بترك الصبر إلهي مَا يَكُون من الكريم إلا الكرم.
وقيل: إِذَا قصرت يدك عَنِ المكافأ فليطل لسانك بالشكر.
وقيل: أربعة لا ثمرة لأعمالهم
[ ١ / ٣١٤ ]
مسارة الأصم وواضع النعمة عِنْدَ من لا يشكر والباذر فِي السبخة والمسرج فِي الشَّمْس وقيل: لما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل الحياة فقيل لَهُ فِيهِ فَقَالَ: لأشكره فإني كنت أعمل قبله للمغفرة فبسط الْمَلِك جناحه وحمله إِلَى السماء.
وقيل: مر بَعْض الأنبياء ﵈ بحجر صَغِير يخرج منه الماء الكثير فتعجب منه فأنطقه اللَّه تَعَالَى مَعَهُ فَقَالَ: مذ سمعت اللَّه تَعَالَى يَقُول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] أنا أبكى من خوفه قَالَ فدعا ذَلِكَ النَّبِي أَن يجير اللَّه ذَلِكَ الحجر فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: إني أجرته من النار فمر ذَلِكَ النَّبِي فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذَلِكَ فعجب فأنطق اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ الحجر مَعَهُ فَقَالَ: لَمْ تبكى وَقَدْ غفر اللَّه تَعَالَى لَك فَقَالَ: ذَلِكَ كَانَ بكاء الحزن والخوف وَهَذَا بكاء الشكر والسرور.
وقيل: الشاكر مَعَ المزيد لأنه فِي شهود النعمة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والصابر مَعَ اللَّه تَعَالَى لأنه بشهود المبتلى قَالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] وقيل: قدم وفد على عمر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَ فيهم شاب فأخذ يخطب فَقَالَ عُمَر: الكبر الكبر فَقَالَ الشاب: يا أمير الْمُؤْمِنيِنَ لو كَانَ الأمر بالسن لكان فِي الْمُسْلِمِينَ من هُوَ أسن منك فَقَالَ: تكلم فَقَالَ: لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة.
أما الرغبة فَقَدْ أوصلها إلينا فضلك.
وَأَمَّا الرهبة فَقَدْ أمننا منها عدلك فَقَالَ: فمن أنتم؟ فَقَالَ: وفد الشكر جئناك نشكرك وننصرف، وأنشدوا:
ومن الرزية أَن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق
ورأى الصنيعة منك ثُمَّ أسرها إني إذن ليد الكريم لسارق
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى فَقَالَ: مَا بال المعافى فَقَالَ: لقلة شكرهم عَلَى عافيتي إياهم.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقيل: الحمد عَلَى الأنفاس والشكر عَلَى نعم الحواس وقيل: الحمد ابتداء منه والشكر افتداء منك، وَفِي الْخَبَر الصحيح أول من يدعى إِلَى الْجَنَّة الحامدون لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُل حال.
وقيل: الحمد عَلَى مَا دفع والشكر عَلَى مَا صنع.
وحكى عَن بَعْضهم أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي بَعْض الأسفار شيخا كبيرا قَدْ طعن فِي السن فسألته عَن حاله فَقَالَ: إني كنت فِي ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي وَهِيَ لي كَذَلِكَ تهواني فاتفق أَنَّهَا زوجت منى فليلة زفافها قُلْنَا: تعال حَتَّى نحيي هذه الليلة شكرا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا جمعنا فصلينا تلك الليلة وَلَمْ يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثَّانِيَة قُلْنَا: مثل ذَلِكَ فمنذ سبعين أَوْ ثمانين سنة نحن عَلَى تلك الصفة كُل ليلة أليس كَذَلِكَ يا فلانة؟ فَقَالَت العجوز: كَمَا يَقُول الشيخ.
[ ١ / ٣١٦ ]
بَاب اليقين قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]
حَدَّثَنَا الأُسْتَاذُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَوْرَكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرْزَاذَ الأَهْوَازِيُّ بِهَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي: ابْنَ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لا تَرْضِيَنَّ أَحَدًا بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا تَحْمِدَنَّ أَحَدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ ﷿، وَلا تَذُمَّنَّ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ رِزْقَ اللَّهِ تَعَالَى لا يَسُوقُهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ وَلا يَرُدُّهَ عَنْكَ كَرَاهَةُ كَارِهٍ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِعَدْلِهِ وَقِسْطِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالْفَرَحَ فِي الرِّضَا، وَالْيَقِينِ وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الرازي، قَالَ: حَدَّثَنَا عياش بْن حمزة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الأنطاكي: إِن أقل اليقين إِذَا وصل إِلَى القلب يملأ القلب نورا وينفي عَنْهُ كُل ريب ويمتلئ القلب بِهِ شكرا ومن اللَّه تَعَالَى خوفا.
ويحكى عَن أَبِي جَعْفَر الحداد قَالَ: رآني أَبُو تراب النخشبي وأنا فِي البادية جالس عَلَى بركة ماء ولى ستة عشر يوما لَمْ آكل وَلَمْ أشرب فَقَالَ لي: مَا جلوسك؟ فَقُلْتُ: أنا بَيْنَ العلم واليقين أنتظر مَا يغلب فأكون مَعَهُ يَعْنِي: إِن غلب العلم شربت وإن غلب اليقين مررت فَقَالَ: سيكون لَك شأن وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيرى: اليقين قلة الاهتمام لغد
[ ١ / ٣١٧ ]
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: اليقين من زيادة الإيمانه ومن تحقيقه، وَقَالَ سهل أَيْضًا: اليقين شُعْبَة من الإيمان وَهُوَ دُونَ التصديق.
وَقَالَ بَعْضهم: اليقين هُوَ العلم المستودع فِي القلوب يشير هَذَا القائل إِلَى أَنَّهُ غَيْر مكتسب.
وَقَالَ سهل: ابتداء اليقين المكاشفة ولذلك قَالَ بَعْض السلف: لو كشف الغطاء مَا ازددت يقينا ثُمَّ المعاينة والمشاهدة، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات.
وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن طاهر: العلم بمعارضة الشكوك، واليقين لا شك فِيهِ أشار إِلَى العلم الكسبي وَمَا يجري مجرى البديهي وَكَذَلِكَ علوم الْقَوْم فِي الابتداء كسبي وَفِي الانتهاء بديهي.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قَالَ بَعْضهم: أَوِ المقامات المعرفة ثُمَّ اليقين ثُمَّ التصديق ثُمَّ الإخلاص ثُمَّ الشهادة ثُمَّ الطاعة والإيمان اسم يجمع هَذَا كُلهُ أشار هَذَا القائل إِلَى أَن أول الواجبات هُوَ المعرفة بالله ﷾ والمعرفة لا تحصل إلا بتقديم شرائطها وَهُوَ النظر الصائب، ثُمَّ إِذَا توالت الأدلة وحصل البيان صار بتوالي الأنوار وحصول الاستبصار كالمستغني عَن تأمل البرهان وَهُوَ حال اليقين ثُمَّ تصديق الحق سبحانه فيما أخبر عِنْدَ إصغائه إِلَى إجابة الداعي فيما يخبر من أفعاله سبحانه فِي المستأنف، لأن التصديق إِنَّمَا يَكُون فِي الإخبار ثُمَّ الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ إظهار الإجابة بجميل الشهادة ثُمَّ أداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر بِهِ والتجرد عما زجر عَنْهُ، وإلى هَذَا المعنى أشار الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك فيما سمعته يَقُول: ذكر اللسان فضلة يفيض عَلَيْهَا القلب.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: حرام عَلَى قلب أَن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إِلَى غَيْر اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: اليقين داع إِلَى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إِلَى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر فِي العواقب.
[ ١ / ٣١٨ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة مخالطة النَّاس فِي العشرة، وترك المدح لَهُمْ فِي العطية، والتنزه عَن ذمهم عِنْدَ المنع.
وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تَعَالَى فِي كُل شَيْء، والرجوع إِلَيْهِ فِي كُل أمره، والاستعانة بِهِ فِي كُل حال.
وَقَالَ الجنيد: اليقين هُوَ استقرار العلم الَّذِي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير فِي القلب.
وَقَالَ ابْن عَطَاء: عَلَى قدر قربهم من التقوى أدركوا مَا أدركوا من اليقين.
وأصل التقوى مباينة النهي، ومباينة النهى مباينة النفس، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إِلَى اليقين، وَقَالَ بَعْضهم: اليقين هُوَ المكاشفة، والمكاشفة عَلَى ثلاثة أوجه: مكاشفة بالإخبار ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان.
واعلم أَن المكاشفة فِي كلامهم عبارة عَن ظهور الشيء للقلب باستيلاء ذكره من غَيْر بقاء للريب، وربما أرادوا بالمكاشفة مَا يقرب مِمَّا يراه الرائي بَيْنَ اليقظة والنوم، وكثيرا مَا يعبر هَؤُلاءِ عَن هذه الحالة بالثبات، سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك يَقُول سألت أبا عُثْمَان المغربي، فَقُلْتُ مَا هَذَا الَّذِي تقول؟ قَالَ الأشخاص أراهم كَذَا وكذا، فَقُلْتُ تراهم معاينة أَوْ مكاشفة؟ قَالَ: مكاشفة وَقَالَ عامر بْن عَبْد قَيْس: لو كشف الغطاء مَا ازددت يقينا، وقيل: اليقين رؤية العيان بقوة الإيمان، وقيل: اليقين زوال المعارضات.
وَقَالَ الجنيد: اليقين ارتفاع الريب فِي مشهد الغيب.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول فِي قَوْل النَّبِي ﷺ فِي عيسى بْن مريم ﵇ لو ازداد يقينا لمشى فِي الهواء قَالَ رحمه اللَّه تَعَالَى: إنه أشار بِهَذَا إِلَى حال نَفْسه ﷺ ليلة المعراج، لأن فِي لطائف المعراج أَنَّهُ قَالَ: رأيت البراق قَدْ بقى ومشيت.
[ ١ / ٣١٩ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السري يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ اليقين فَقَالَ: اليقين سكونك عِنْدَ جولان الموارد فِي صدرك لتيقنك أَن حركتك فِيهَا لا تنفعك ولا ترد عَنْك مقضيا، وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت عَلِي بْن سهل يَقُول الحضور أفضل من اليقين، لأن الحضور وطنات واليقين خطرات كَأَنَّهُ جعل اليقين ابتداء الحضور والحضور دوام المشاهدة يعنى أَن فِي المشاهدة يقينا لا شك فِيهِ لأنه لا يشاهده من لا يثق بِمَا منه وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق اليقين ملاك القلب وَبِهِ كمال الإيمان وباليقين عرف اللَّه تَعَالَى وبالعقل عقل عَنِ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ الجنيد: قَدْ مشى رجال باليقين على الماء وَمَاتَ بالعطش أفضل مِنْهُم يقينا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم الخواص: لقيت غلاما فِي التيه كَأَنَّهُ سبيكة فضة فَقُلْتُ: إِلَى أين يا غلام فَقَالَ: إِلَى مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى فَقُلْتُ: بلا زاد ولا راحة ولا نفقة فَقَالَ لي: يا ضعيف اليقين الَّذِي يقدر عَلَى حفظ السموات والأرضين لا يقدر عَلَى أَن يوصلني إِلَى مَكَّة بلا علاقة قَالَ فلما دخلت مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى إذ أنا بِهِ فِي الطواف وَهُوَ يَقُول:
يا عين سجي أبدا يا نفس موتي كمدا
ولا تحبي أحدا إلا الجليل الصمدا
فلما رآني قَالَ لي: يا شيخ أَنْتَ بَعْد عَلَى ذَلِكَ الضعف من اليقين.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: إِذَا استكمل
[ ١ / ٣٢٠ ]
العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة والرخاء مصيبة.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق: اليقين عَلَى ثلاثة: أوجه يقين خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة وَقَالَ أَبُو تراب: رأيت غلاما فِي البادية يمشى بلا زاد فَقُلْتُ: إِن لَمْ يكن مَعَهُ يقين فَقَدْ هلك فَقُلْتُ: يا غلام فِي مثل هَذَا الموضع بلا زاد فَقَالَ: يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غَيْر اللَّه ﷿ فَقُلْتُ: الآن اذهب حيث شئت.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عيسى يَقُول: قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز العلم مَا استعملك واليقين مَا حملك.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الأدمي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول طلبت المعاش لأكل الحلال فاصطدت السمك فيوما وقعت فِي الشبكة سمكة فأخرجتها وطرحت الشبكة فِي الماء فوقعت أُخْرَى فِيهَا فرميت بِهَا ثُمَّ عدت فهتف بي هاتف لَمْ تجد معاشا إلا أَن تأتي من يذكرنا فتقتلهم قَالَ فكسرت القصبة وتركت الاصطياد.
[ ١ / ٣٢١ ]
بَاب الصبر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَرَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن عَائِشَةَ ﵂ رَفَعَتْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِرْادَسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
ثُمَّ الصبر عَلَى أقسام: صبر عَلَى مَا هُوَ كسب للعبد وصبر عَلَى مَا لَيْسَ بكسب، فالصبر عَلَى المكتسب عَلَى قسمين: صبر عَلَى مَا أمر اللَّه تَعَالَى بِهِ وصبر عَلَى مَا نهى عَنْهُ وَأَمَّا الصبر عَلَى مَا لَيْسَ بمكتسب للعبد فصبره عَلَى مقاساة مَا يتصل بِهِ من حكم اللَّه فيما يناله فِيهِ مشقة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: المسير من الدنيا إِلَى الآخرة سهل هين عَلَى المؤمن وهجران الخلق فِي جنب اللَّه شديد والمسير من النفس إِلَى اللَّه تَعَالَى صعب شديد والصبر مَعَ اللَّه ﷿ أشد فسئل عَنِ الصبر فَقَالَ: تجرع المرارة من غَيْر تعبيس وَقَالَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب كرم اللَّه وجهه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [النحل: ١٢٧] أمر بالعبادة وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] عبودية فمن ترقى من درجة لَك إِلَى درجة بك فَقَد انتقل من درجة العبادة إِلَى درجة العبودية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بك أحيا وبك أموت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الرازي يَقُول: سمعت عياشا يَقُول: سمعت أَحْمَد يَقُول: سألت أبا سُلَيْمَان عَنِ الصبر فَقَالَ: والله مَا نصبر عَلَى مَا نحب فكيف عَلَى مَا نكره وَقَالَ ذو النون: الصبر التباعد عَنِ المخالفات والسكون عِنْدَ تجرع غصص البلية وإظهار الغنى مَعَ حلول الفقر بساحات المعيشة وَقَالَ ابْن عَطَاء: الصبر الوقوف مَعَ البلاء بحسن الأدب وقيل: هُوَ الفناء فِي البلوى بلا ظهور شكوى وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: الصبار الذي عود نَفْسه الهجوم عَلَى المكاره وقيل: الصبر المقام مَعَ البلاء بحسن الصحبة كالمقام مَعَ العافية وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أَحْسَن الجزاء عَلَى عُبَادَة الجزاء عَلَى الصبر ولا جزاء فوقه قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان: الصبر هُوَ الثبات مَعَ اللَّه تَعَالَى وتلقى بلائه بالرحب والدعة وَقَالَ الخواص: الصبر الثبات عَلَى أحكام الكتاب والسنة وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كَيْفَ يصبرون وأنشدوا:
الصبر يجمل فِي المواطن كلها إلا عليك فَإِنَّهُ لا يجمل
وَقَالَ رويم: الصبر ترك الشكوى،
[ ١ / ٣٢٣ ]
وَقَالَ ذو النون: الصبر هُوَ الاستعانة بالله تَعَالَى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الصبر كاسمه.
وأنشدني الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ، قَالَ: أنشدني أَبُو بَكْر الرازي، قَالَ: أنشدني ابْن عَطَاء لنفسه:
سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة وحسبي أَن ترضى ويتلفني صبري
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: الصبر عَلَى ثلاثة أقسام: متصبر وصابر وصبار.
وَقَالَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁: الصبر مطية لا تكبو.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البصري، يَقُول: وقف رجل عَلَى الشبلي، فَقَالَ: أي صبر أشد عَلَى الصابرين؟ فَقَالَ: الصبر فِي اللَّه ﷿، فَقَالَ: لا، فَقَالَ: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: الصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى.
قَالَ: لا، قَالَ: فأي شَيْء؟ قَالَ: الصبر عَنِ اللَّه ﷿.
قَالَ: فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه أَن تتلف، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان، يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري، يَقُول: الصبر أَن لا يفرق بَيْنَ حال النعمة والمحنة مَعَ سكون الخاطر فيهما، والتصبر هُوَ السكون مَعَ البلاء مَعَ وجدان أثقال المحنة، وأنشد بَعْضهم:
صبرت وَلَمْ أطلع هواك عَلَى صبري وأخفيت مَا بي منك عَن موضع الصبر
مخافة أَن يشكو ضميري صبابتي إِلَى دمعتي سرا فتجري ولا أدري
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول:
[ ١ / ٣٢٤ ]
فاز الصابرون بعز الدارين، لأنهم نالوا من اللَّه تَعَالَى معيته، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وقيل: فِي معنى قَوْله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، الصبر دُونَ المصابرة، والمصابرة دُونَ المرابطة، وقيل: اصبروا بنفوسكم عَلَى طاعة اللَّه تَعَالَى، وصابروا بقلوبكم عَلَى البلوى فِي اللَّه تَعَالَى، ورابطوا بأسراركم عَلَى الشوق إِلَى اللَّه تَعَالَى، وقيل: اصبروا فِي اللَّه تَعَالَى وصابروا بالله تَعَالَى ورابطوا مَعَ اللَّه تَعَالَى.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أنني أنا الصبور، وقيل: تجرع الصبر فَإِن قتلك قتلك شهيدا، وإن أحياك أحياك عزيزا، وقيل: الصبر لِلَّهِ تَعَالَى عناء، والصبر بالله تَعَالَى بقاء، والصبر فِي اللَّه تَعَالَى بلاء، والصبر مَعَ اللَّه تَعَالَى وفاء، والصبر عَنِ اللَّه تَعَالَى جفاء، وأنشدوا:
والصبر عَنْك فمذموم عواقبه والصبر فِي سائر الأشياء محمود
وأنشدوا:
وكيف الصبر عمى حل منى بمنزلة اليمين من الشمال
إِذَا لعب الرجال بكل شَيْء رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل الصبر عَلَى الطلب عنوان الظفر والصبر فِي المحن عنوان الفرج.
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: جرد واحد للسياط فلما رد إِلَى السجن دعا ببعض أَصْحَابه فتفل عَلَى يده وألقى من فمه دقاق الفضة عَلَى يده فسئل فَقَالَ: كَانَ فِي فمي درهمان وَكَانَ عَلَى حاشية الحلقة لي عين لَمْ أرد أَن أصيح لرؤيته إياي فكنت أعض عَلَى الدرهمين فتكسرا فِي فهمي
[ ١ / ٣٢٥ ]
وقيل: حالك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا رباطك وَمَا دُونَ اللَّه تَعَالَى أعداؤك فأحسن المرابطة فِي رباط حالك.
وقيل: المصابرة هِيَ الصبر عَلَى الصبر حَتَّى يستغرق الصبر فِي الصبر فيعجز الصبر عَنِ الصبر كَمَا قيل: صابر الصبر فاستغاث بِهِ الصبر فصاح المحب بالصبر صبرا وقيل حبس الشبلي وقتا فِي المارستان فدخل عَلَيْهِ جَمَاعَة فَقَالَ: من أنتم؟ فَقَالُوا: أحباؤك جاءوا زائرين فأخذ يرميهم بالحجر وأخذوا يهربون فَقَالَ: يا كذابون لو كنتم أحبائي لصبرتم عَلَى بلائي وَفِي بَعْض الأخبار: بعيني مَا لَمْ يتحمل المتحملون من أجلى وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وَقَالَ بَعْضهم: كنت بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فرأيت فقيرا طاف بالبيت وأخرج من جيبه رقعة ونظر فِيهَا ومر فلما كَانَ بالغد فعل مثل ذَلِكَ فترقبته أياما وَهُوَ يفعل مثله فيوما من الأيام طاف ونظر فِي الرقعة وتباعد قليلا وسقط ميتا فأخرجت الرقعة من جيبه فَإِذَا فِيهَا: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقيل: رؤى حدث يضرب وجه شيخ بنعله فقيل لَهُ: ألا تستحي تضرب حر وجه شيخ مثل هَذَا فَقَالَ: جرمه عظيم فقيل: وَمَا ذاك؟ فَقَالَ: هَذَا الشيخ يدعى أَنَّهُ يهواني ومنذ ثَلاث مَا رآني، وَقَالَ بَعْضهم: دخلت بلاد الهند فرأيت رجلا بفرد عين يسمى فلانا الصبور فسألت عَن حاله فقيل هَذَا فِي عنفوان شبابه سافر صديق لَهُ فخرج فِي وداعه فدمعت إحدى عينيه وَلَمْ تبك الأخرى فَقَالَ: لعينه الَّتِي لَمْ تدمع لِمَ لَمْ تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه فمنذ ستين سنة لَمْ يفتح عينه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ [المعارج: ٥] الصبر الجميل أَن يَكُون صاحب المصيبة فِي الْقَوْم لا يدرى من هُوَ وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁: لو كَانَ الصبر والشكر بعيرين لَمْ أبال أيهما ركبت وَكَانَ ابْن شبرمة إِذَا نزل بِهِ بلاء قَالَ: سحابة ثُمَّ تنقشع وَفِي الْخَبَر.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سئل عَنِ الإيمان فَقَالَ: الصبر والسماحة
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ الصُّوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّيجَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، فَقَالَ: الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ
وسئل السري عَنِ الصبر فجعل يتكلم فِيهِ فدب عَلَى رجله عقرب وَهِيَ تضربه بإبرتها ضربات كثيرة وَهُوَ ساكن فقيل لَهُ: لِمَ لَمْ تنحها؟ قَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أتكلم فِي الصبر وَلَمْ أصبر وَفِي بَعْض الأخبار: الفقراء الصبر هُمْ جلساء اللَّه يَوْم الْقِيَامَة.
وأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه أنزلت بعبدي بلائي فدعاني فماطلته بالإجابة فشكاني فَقُلْتُ: عبدي كَيْفَ أرحمك من شَيْء بِهِ أرحمك وَقَالَ ابْن عيينة فِي معنى قَوْله تَعَالَى: وجعلنا مِنْهُم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا قَالَ: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤساء سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: إِن الصبر حده أَن لا تعترض عَلَى التقدير فأما إظهار البلاء عَلَى غَيْر وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قصة أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] مَعَ مَا أَخْبَرَنَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
[ ١ / ٣٢٧ ]
وسمعته يَقُول: استخرج اللَّه منه هذه المقالة يَعْنِي قَوْله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.
وَقَالَ بَعْضهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] وَلَمْ يقل: صبورا لأنه لَمْ يكن جَمِيع أحواله الصبر بَل كَانَ فِي بَعْض أحواله يستلذ البلاء ويستعذبه فلم يكن فِي حالة الاستلذاذ صابرا فلذلك لَمْ يقل صبورا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يَقُول: حقيقة الصبر الخروج من البلاء عَلَى حسب الدخول فِيهِ مثل أيوب ﵇ قَالَ فِي آخر بلائه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] فحفظ أدب الْخَطَّاب حيث عرض بقوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وَلَمْ يصرح بقوله ارحمني.
واعلم أَن الصبر عَلَى ضريين صبر العابدين وصبر المحبين فصبر العابدين أحسنه أَن يَكُون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أَن يَكُون مرفوضا.
وَفِي معناه أنشدوا:
تبين يَوْم البين أَن اعتزامه عَلَى الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وَفِي هَذَا المعني سمعت الأستاذ أبا عَلي رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول أصبح يعقوب ﵇ وَقَدْ وعد الصبر من نَفْسه فَقَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] أي: فشأني صبر جميل، ثُمَّ لَمْ يمس حَتَّى قَالَ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
[ ١ / ٣٢٨ ]