أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَي بْن أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنٍ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ
قَالَ الأستاذ ﵀: الصمت سلامة وَهُوَ الأصل وعليه ندامة إذ ورد عَنْهُ الزجر فالواجب أَن يعتبر فِيهِ الشرع والأمر والنهى والسكوت فِي وقته صفة الرجال كَمَا أَن النطق فِي موضعه من أشرف الخصال سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: من سكت عَنِ الحق فَهُوَ شَيْطَان أخرس والصمت من آداب الحضرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَقَالَ تَعَالَى مخبرا عَنِ الجن بحضرة الرسول ﷺ ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]
[ ١ / ٢٤٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] وكم بَيْنَ عَبْد سكت تصاونا عَنِ الكذب والغيبة وبين عَبْد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة عَلَيْهِ، وَفِي معناه أنشدوا:
أفكر مَا أقول إِذَا افترقنا وأحكم دائبا حجج المقال
فانساها إِذَا نحن التقينا فأنطق حِينَ أنطق بالمحال
وأنشدوا:
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة جئتكم لَمْ أدر يا ليل مَا هيا
وأنشدوا:
وكم حَدِيث لَك حَتَّى إِذَا مكنت من القيام أنسيته
وأنشدوا:
رأيت الْكَلام يزين الفتى والصمت خير لمن قَدْ صمت
فكم من حروف تجر الحتوف ومن ناطق ود أَن لو سكت
والسكوت عَلَى قسمين: سكون بالظاهر وسكوت بالقلب والضمائر فالمتوكل يسكت قلبه عَن تقاضي الأزراق والعارف يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق فهذا بجميل صنعه واثق وَهَذَا بجميع حكمه قانع وَفِي معناه قَالُوا: تجرى عليك صروفه وهموم سرك مطرقه وربما يَكُون سبب السكوت حيرة البديهة فَإِنَّهُ إِذَا ورد كشف عَن وصف البغتة خرست العبارات عِنْدَ ذَلِكَ فلا بيان ولا نطق وطمست الشواهد هناك فلا علم ولا حس قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]
[ ١ / ٢٤٦ ]
فأما إيثار أرباب المجاهدة السكوت فلما علموا فِي الْكَلام من الآفات، ثُمَّ مَا فِيهِ من حفظ النفس وإظهار صفات المدح والميل عَلَى أَن يتميز بَيْنَ أشكاله بحسن النطق وغير هَذَا من آفات الخلق وَذَلِكَ نعت أرباب الرياضات وَهُوَ أحد أركانهم فِي حكم المنازلة وتهذيب الخلق وقيل: إِن دَاوُد الطائي لما أراد أَن يقعد فِي بيته اعتقد أَن يحضر مجالس أَبِي حَنِيفَة إذ كَانَ تلميذا لَهُ ويقعد بَيْنَ أضرابه من الْعُلَمَاء ولا يتكلم فِي مسألة فلما قوى نَفْسه عَلَى ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد فِي بيته عِنْدَ ذَلِكَ وآثر العزلة وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز إِذَا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن إِسْحَاق السراج قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن الفتح يَقُول: سمعت بشر بْن الْحَارِث يَقُول: إِذَا أعجبك الْكَلام فاصمت وإذا أعجبك الصمت فتكلم وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لا يصح لأحد الصمت حَتَّى يلزم نَفْسه الخلوة ولا تصح لَهُ التوبة حَتَّى يلزم نَفْسه الصمت وَقَالَ أَبُو بَكْر الفارسي من لَمْ يكن الصمت وطنه فَهُوَ فِي الفضول وإن كَانَ صامتا والصمت لَيْسَ بمخصوص عَلَى اللسان لكنه عَلَى القلب والجوارح كلها وَقَالَ بَعْضهم من لَمْ يستغنم السكوت فَإِذَا نطق نطق بلغو.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت ممشاذ الدينوري يَقُول الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر.
وسئل أَبُو بَكْر الفارسي عَن صمت السر فَقَالَ: ترك الاشتغال بالماضي والمستقبل وَقَالَ أَبُو بَكْر الفارسي إِذَا كَانَ العبد ناطقا فيما يعنيه وَمَا لابد منه فَهُوَ فِي حد الصمت
[ ١ / ٢٤٧ ]
ويروى عَن معاذ بْن جبل أَنَّهُ قَالَ: كلم النَّاس قليلا وكلم ربك تَعَالَى كثيرا لعل قلبك يرى اللَّه تَعَالَى.
وقيل لذي النون الْمِصْرِي من أصون النَّاس لنفسه؟ قَالَ أملكهم للسانه وَقَالَ ابْن مَسْعُود مَا من شَيْء بطول السجن أحق من اللسان وَقَالَ عَلِي بْن بكار جعل اللَّه تَعَالَى لكل شَيْء بابين وجعل للسان أربعة أبواب فالشفتان مصراعان والأسنان مصراعان وقيل: إِن أبا بَكْر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يمسك فِي فِيهِ حجرا كَذَا كَذَا سنة ليقل كلامه وقيل: إِن أبا حمزة البغدادي كَانَ حسن الْكَلام فهتف بِهِ هاتف تكلمت فأحسنت بقى أَن تسكت فتحسن فَمَا تكلم بَعْد ذَلِكَ حَتَّى مَات وَمَاتَ قريبا من هذه الحالة عَلَى رأس أسبوع أَوْ أقل وأكثر وربما يَكُون السكوت يقع عَلَى المتكلم تأديبا لَهُ لأنه أساء أدبه فِي شَيْء.
كَانَ الشبلي إِذَا قعد فِي حلقته ولا يسألونه يَقُول ووقع القول عَلَيْهِم بِمَا ظلموا فَهُمْ لا ينطقون وربما يقع السكوت عَلَى المتكلم، لأن فِي الْقَوْم من هُوَ أولى منه بالكلام سمعت ابْن السماك يَقُول: كَانَ بَيْنَ شاه الكرماني ويحي بْن معاذ صداقة فجمعهما بلد فكان شاه لا يحصر مجلسه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الصواب هَذَا فَمَا زالوا بِهِ حَتَّى حضر يوما مجلسه وقعد ناحية لا يشعر بِهِ يَحْيَي بْن معاذ فلما أخذ يَحْيَي فِي الْكَلام سكت ثُمَّ قَالَ: ههنا من هُوَ أولى بالكلام منى وارتج عَلَيْهِ فَقَالَ شاه قُلْت لكم: الصواب أَن لا أحضر مجلسه وربما يقع السكوت عَلَى المتكلم لمعنى فِي الحاضرين وَهُوَ أَن يَكُون هناك من لَيْسَ بأهل لسماع ذَلِكَ الْكَلام فيصون اللَّه تَعَالَى لسان المتكلم غيرة وصيانة لِذَلِكَ الْكَلام عَن غَيْر أهله وربما كَانَ سببا السكوت الَّذِي يقع عَلَى المتكلم أَن بَعْض الحاضرين كَانَ معلوم اللَّه تَعَالَى
[ ١ / ٢٤٨ ]
من حاله أَنَّهُ يسمع ذَلِكَ الْكَلام فيكون فتنة لَهُ إِمَّا لتوهمه أَنَّهُ وقته ولا يَكُون أَوْ لأنه يحمل نَفْسه مَا لا يطيق فيرحمه اللَّه تَعَالَى بأن يحفظ سمعه عَن ذَلِكَ الْكَلام إِمَّا صيانة لَهُ أَوْ عصمة عَن غلطه، وَقَالَ مشايخ هذه الطريقة: رُبَّمَا يَكُون السبب فِيهِ حضور من لَيْسَ بأهل لسماعه من الجن إذ لا تخلو مجالس الْقَوْم من حضور جَمَاعَة من الجن.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: اعتللت مرة بمرو فاشتقت أَن أرجع إِلَى نيسابور فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول لي لا يمكنك أَن تخرج من هَذَا البلد فَإِن جَمَاعَة من الجن قَد استحلوا كلامك ويحضرون مجلسك فلأجلهم تجلس ههنا.
وَقَالَ بَعْض الحكماء: إِنَّمَا خلق للإِنْسَان لسان واحد وعينان وأذنان ليسمع ويبصر أَكْثَر مِمَّا يَقُول.
ودعى إِبْرَاهِيم بْن أدهم إِلَى دعوة فلما جلس أخذوا فِي الغيبة فَقَالَ: عندنا يؤكل اللحم بَعْد الخبز وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم أشار إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] وَقَالَ بَعْضهم: الصمت لسان الحلم، وَقَالَ بَعْضهم: تعلم الصمت كَمَا تتعلم الْكَلام فَإِن كَانَ الْكَلام يهديك فَإِن الصمت يقيك.
وقيل: عفة اللسان صمته، وقيل: مثل اللسان مثل السبع إِن لَمْ توثقه عدا عليك.
وسئل أَبُو حفص أي الحالين للولي أفضل الصمت أَوِ النطق؟ فَقَالَ: لو علم الناطق مَا آفة النطق لصمت إِن استطاع عُمَر نوح ولو علم الصامت مَا آفة الصمت لسأل اللَّه تَعَالَى ضعفى عُمَر نوح حَتَّى ينطق.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وقيل: صمت العوام بألسنتهم وصمت العارفين بقلوبهم وصمت المحبين من خواطر أسرارهم، وقيل لبعضهم: تكلم فَقَالَ: لَيْسَ لي لسان فأتكلم فقيل لَهُ: اسمع فَقَالَ: لَيْسَ فِي مكان فأسمع.
وَقَالَ بَعْضهم: مكثت ثلاثين سنة لا يسمع لساني إلا من قلبي ثُمَّ مكثت ثلاثين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني.
وَقَالَ بَعْضهم: لو سكت لسانك لَمْ تنج من كَلام قلبك ولو صرت رميما لَمْ تتخلص من حَدِيث نفسك ولو جهدت كُل الجهد لَمْ تكلمك روحك لأنها كاتمة للسر.
وقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه وقيل: المحب إِذَا سكت هلك والعراف إِذَا سكت ملك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصر الصائغ يَقُول: سمعت مردويه الصائغ يَقُول: سمعت الفضل بْن عياض يَقُول: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
[ ١ / ٢٥٠ ]
بَاب الخوف قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْحِبْرِيُّ الْعَدْلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ أَحْمَدُ بْنِ دَلَوَيْهِ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَلِجَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَّانُ جَهَنَّمَ فِي مِنْخَرَيْ عَبْدٍ أَبَدًا
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الشَّرْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا
قُلْت: الخوف معنى متعلقة فِي المستقبل لأنه إِنَّمَا يخاف أَن يحل بِهِ مكروه أَوْ يفوته محبوب ولا يَكُون هَذَا إلا لشيء يحصل فِي المستقبل.
فأما مَا يَكُون فِي الحال موجودا فالخوف لا يتعلق بِهِ، والخوف من اللَّه تَعَالَى هُوَ أَن يخاف أَن يعاقبه اللَّه تَعَالَى إِمَّا فِي الدنيا وإما فِي الآخرة وَقَدْ فرض اللَّه سبحانه عَلَى الْعِبَاد أَن يخافوه فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]
[ ١ / ٢٥١ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] ومدح الْمُؤْمِنيِنَ بالخوف فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] .
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: الخوف عَلَى مراتب: الخوف والخشية والهيبة فالخوف من شرط الإيمان وقضيته قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] والخشية من شرط العلم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] والهيبة من شرط المعرفة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي الحيري يَقُول: سمعت محفوظا يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: الخوف سوط اللَّه يقوم بِهِ الشاردين عَن بابه.
وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم: الخوف عَلَى ضربين رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجئ إِلَى الهرب إِذَا خاف وصاحب الخشية يلتجئ إِلَى الرب.
قَالَ ﵀.
ورهب وهرب يصح أَن يقال هما واحد مثل جذب وجبذ فَإِذَا هرب أنجذب فِي مقتضى هواه كالرهبان الَّذِينَ اتبعوا أهواءهم فَإِذَا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق الشرع فَهُوَ الخشية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: الخوف سراج القلب بِهِ يبصر مَا فِيهِ من الخير والشر.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الخوف أَن لا تعلل نفسك بعسى وسوف.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الدمشقي يَقُول: الخائف من يخاف من نَفْسه أَكْثَر مِمَّا يخاف من الشَّيْطَان،
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَقَالَ ابْن الجلاء: الخائف من تأمنه المخوفات، وقيل: لَيْسَ الخائف الَّذِي يبكي ويمسح عينيه إِنَّمَا الخائف من يترك مَا يخاف أَن يعذب عَلَيْهِ، وقيل للفضيل: مالنا لا نرى خائفا؟ فَقَالَ: لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين إِن الخائف لا يراه إلا الخائفون وإن الثكلى هِيَ الَّتِي فِي تحب أَن ترى الثكلي، وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: مسكين ابْن آدم لو خاف من النار كَمَا يخاف من الفقر لدخل الْجَنَّة، وَقَالَ شاه الكرماني: علامة الخوف الحزن الدائم، وَقَالَ أَبُو القاسم الحكيم: من خاف من شَيْء هرب منه ومن خاف من اللَّه ﷿ هرب إِلَيْهِ.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي رحمه اللَّه تَعَالَى: مَتَى يتيسر عَلَى العبد سبيل الخوف؟ فَقَالَ: إِذَا أنزل نَفْسه منزلة السقيم يحتمي من كُل شَيْء مخافة طول السقام.
وَقَالَ معاذ بْن جبل: إِن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته حَتَّى يخلف جسر جهنم وراءه.
وَقَالَ بشر الحافي: الخوف ملك لا يسكن إلا فِي قلب متق.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري: عيب الخائف فِي خوفه السكون إِلَى خوفه لأنه أمر خفي.
وَقَالَ الواسطي: الخوف حجاب بَيْنَ اللَّه تَعَالَى وبين العبد وَهَذَا اللفظ فِيهِ إشكال ومعناه أَن الخائف متطلع لوقت ثان وأبناء الوقت لا تطلع لَهُمْ فِي المستقبل وحسنات الأبرار سيئات المقربين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ النهاوندي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت النوري يَقُول: الخائف يهرب من ربه إِلَى ربه.
وَقَالَ بَعْضهم: علامة الخوف التحير عَلَى بَاب الغيب.
[ ١ / ٢٥٣ ]
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت عَلِي بْن إِبْرَاهِيم العبكري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وسئل عَنِ الخوف فَقَالَ: توقع العقوبة مَعَ مجاري الأنفاس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الصفار يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب، يَقُول: سمعت هاشم بْن خَالِد يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني يَقُول: مَا فارق الخوف قلبا إلا خرب، وسمعته، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول صدق الخوف هُوَ الورع عَنِ الآثام ظاهرا وباطنا وَقَالَ ذو النون النَّاس عَلَى الطريق مَا لَمْ يزل عَنْهُم الخوف فَإِذَا زال عَنْهُم الخوف ضلوا عَنِ الطريق وَقَالَ حاتم الأصم لكل شَيْء زينة وزينة العبادة الخوف وعلامة الخوف قصر الأمل وَقَالَ رجل لبشر الحافي أراك تخاف الْمَوْت فَقَالَ: القدوم عَلَى اللَّه ﷿ شديد.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول دخلت عَلَى الإِمَام أَبِي بَكْر بْن فورك عائدا فلما رآني دمعت عيناه فَقُلْتُ لَهُ: إِن شاء اللَّه تَعَالَى يعافيك ويشفيك فَقَالَ: لَنْ تراني أخاف من الْمَوْت إِنَّمَا أخاف مِمَّا وراء الْمَوْت.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَمَانٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنٍ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُوَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: لا وَلَكِنِ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ "
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَقَالَ ابْن المبارك الَّذِي يهيج الخوف حَتَّى يسكن فِي القلب دوام المراقبة فِي السر والعلانية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن أَبِي مُوسَى يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا عَلَى الرازي قَالَ: سمعت ابْن المبارك يَقُول ذَلِكَ.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول إِذَا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه وطرد رغبة الدنيا عَنْهُ وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأَحْكَام، وقيل: الخوف حركة القلب من جلال الرب وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني ينبغي للقلب أَن لا يَكُون الغالب عَلَيْهِ إلا الخوف فَإِنَّهُ إِذَا غلب الرجاء عَلَى القلب فسد القلب ثُمَّ قَالَ يا أَحْمَد بالخوف ارتفعوا فَإِن ضيعوه نزلوا.
وَقَالَ الواسطي الخوف والرجاء زمامان عَلَى النفوس لئلا تخرج إِلَى رعوناتها.
وَقَالَ الواسطي إِذَا ظهر الحق عَلَى السرائر لا يبقى فِيهَا فضله لرجاء ولا لخوف قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: وَهَذَا فِيهِ إشكال ومعناه إِذَا اصطلمت شواهد الحق الأسرار مكتها فلا يبقى فِيهَا مساغ لذكر حدثان والخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور من خاف من شَيْء سِوَى اللَّه ﷿ أَوْ رجا سواه أغلق عَلَيْهِ أبواب كُل شَيْء وسلط عَلَيْهِ المخافة وحجبه بسبعين حجابا أيسرها الشك وإن مِمَّا أوجب شدة خوفهم فكرهم فِي العواقب وخشية تغير أحوالهم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤]
[ ١ / ٢٥٥ ]
فكم من مغبوط فِي أحواله انعكست عَلَيْهِ الحال ومني بمفارقة قبيح الأفعال فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ ينشد كثيرا:
أحسنت ظنك بالأيام إِذَا حسنت وَلَمْ تخف سوء مَا يَأْتِي بِهِ القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بِهَا وعند صفو الليالي يحدث الكدر
سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: كَانَ رجلان اصطحبا فِي الإرادة برهة من الزَّمَان ثُمَّ إِن أحدهما سافر وفارق صاحبه وأتى عَلَيْهِ مدة من الزَّمَان وَلَمْ يسمع منه خبرا فبينا هَذَا الآخر كَانَ فِي غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج عَلَى الْمُسْلِمِينَ رجل مقنع فِي السلاح يطلب المبارزة فخرج إِلَيْهِ من أبطال الْمُسْلِمِينَ واحد فقتله الرومي ثُمَّ خرج آخر فقتله ثُمَّ ثالث فقتله فخرج إِلَيْهِ هَذَا الصوفي وتطاردا فحسر الرومي عَن وجهه فَإِذَا هُوَ صاحبه الَّذِي صحبه فِي الإرادة والعبادة سنين فَقَالَ هَذَا لَهُ: أيش الْخَبَر فَقَالَ: إنه ارتد وخالط الْقَوْم وولد لَهُ أولاد واجتمع لَهُ مال فَقَالَ لَهُ: وكنت تقرأ الْقُرْآن بقراءات كثيرة فَقَالَ لا أذكر منه حرفا فَقَالَ لَهُ هَذَا الصوفي لا تفعل وارجع فَقَالَ لا أفعل فلى فيهم جاه ومال فانصرف أَنْتَ إلا لأفعلن بك مَا فعلت بأولئك فَقَالَ لَهُ هَذَا الصوفي: أعلم أنك قتلت ثلاثة من الْمُسْلِمِينَ وليس عليك أنفة فِي الانصراف فانصرف أَنْتَ وأنا أمهلك فرجع الرجل موليا فتبعه هَذَا الصوفي وطعنه فقتله فبعد تلك المجاهدات ومقاسات تلك الرياضات قتل عَلَى النَّصْرَانِيَّة
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقيل: لما ظهر عَلَى إبليس مَا ظهر طفق جبريل وميكائيل ﵉ يبكيان زمانا طويلا فأوحى اللَّه تَعَالَى إليهما مالكما تبكيان كُل هَذَا البكاء فقالا يا رب لا نأمن مكرك فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: هكذا كونا لا تأمنا مكري ويحكى عَنِ السري السقطي، أَنَّهُ قَالَ: إني لأنظر إِلَى أنفي فِي اليوم كَذَا مرة مخافة أَن يَكُون قَد اسود لما أخافه من العقوبة.
وَقَالَ أَبُو حفص منذ أربعين سنة اعتقادي فِي نفسي أَن اللَّه تَعَالَى ينظر إِلَى نظر السخط وأعمالي تَدُل عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ حاتم الأصم لا تغتر بموضع صَالِح فلا فِي مكان أصلح من الْجَنَّة فلقي آدم ﵇ فِيهَا مَا لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فَإِن إبليس بَعْد طول تعبده لقي مَا لقي ولا تغتر بكثرة العلم فَإِن بلعام كَانَ يحسن اسم اللَّه الأعظم فانظر ماذا لقي ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدرا من المصطفى ﷺ وَلَمْ ينتفع بلقائه أقاربه أو أعداؤه وخرج ابْن المبارك يوما عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ: إني قَد اجترأت البارحة عَلَى اللَّه ﷿ سألته الْجَنَّة وقيل: خرج عيسى ﵇ ومعه صَالِح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطئ مشهور بالفسق فيهم فقعد منتبذا عَنْهُمَا منكسرا فدعا اللَّه سبحانه وَقَالَ اللَّهُمَّ اغفر لي ودعا هَذَا الصالح وَقَالَ اللَّهُمَّ لا تجمع غدا بيني وبين ذَلِكَ العاصي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى عيسى ﵇ إني قَد استجبت دعاءهما جميعا رددت ذَلِكَ الصالح وغفرت لِذَلِكَ المجرم.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي قُلْت لعليم: لَمْ سميت مجنونا قَالَ لما طال حبسى عَنْهُ صرت مجنونا لخوف فراقه وَفِي معناه أنشدوا:
لو أَن مَا بي عَلَى صخر لأنحله فكيف يحمله خلق من الطين
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَقَالَ بَعْضهم: مَا رأيت رجلا أَعْظَم رجاء لهذه الأمة ولا أشد خوفا عَلَى نَفْسه من ابْن سيرين وقيل: مرض سُفْيَان الثَّوْرِي فعرض دليله عَلَى الطبيب فَقَالَ: هَذَا رجل قطع الخوف كبده ثُمَّ جاء وحس عرقه ثُمَّ قَالَ مَا علمت أَن فِي الحنيفية مثله.
وسئل الشبلي لَمْ تصفر لشمس عِنْدَ الغروب فَقَالَ: لأنها عزلت عَن مكان التمام فاصفرت لخوف المقام وكذا المؤمن إِذَا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه لأنه يخاف المقام فَإِذَا طلعت الشَّمْس طلعت مضيئة كَذَلِكَ المؤمن إِذَا بعث من قبره خرج ووجهه يشرق.
ويحكي عَن أَحْمَد بْن حنبل رحمه اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: سألت ربي ﷿ أَن يفتح عَلي بابا من الخوف ففتح فخفت عَلَى عقلي فَقُلْتُ يا رب أعطني عَلَى قدر مَا أطيق فسكن ذَلِكَ عني.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بَاب الرجاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلاءُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لِشَهْرٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعَالَى زَوِّدْنِي زَوَّدَكَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ نَعَمْ حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ ﷿ عَبْدِي مَا عَبَدَّتَنِي وَرَجَوْتَنِي وَلَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَوِ اسْتَقْبَلْتَنِي بِمِلْءِ الأَرْضِ خَطَايَا وَذُنُوبًا اسْتَقْبَلْتُكَ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً فَأَغْفِرُ لَكَ وَلا أُبَالِي "
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ طَرِيفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ شَعِيرٍ مِنْ إِيمَانٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ثُمَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَجْعَلُ مَنْ آمَنَ بِي سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي
الرجاء تعلق القلب بمحجوب سيحصل فِي المستقبل.
وكما أَن الخوف يقع فِي مستقبل الزَّمَان فَكَذَلِكَ الرجاء يحصل لما يؤمل فِي الاستقبال وبالرجاء عيش القلوب واستقلالها
[ ١ / ٢٥٩ ]
والفرق بَيْنَ الرجاء وبين التمني أَن التمني يورث صاحبه الكسل ولا يسلك طريق الجهد والجد وبعكسه صاحب الرجاء فالرجاء محمود والتمني معلول وتكلموا فِي الجراء فَقَالَ شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة وَقَالَ ابْن خبيق الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة فَهُوَ يرجو قبولها ورجل عمل سيئة ثُمَّ تاب فَهُوَ يرجو المغفرة والثالث الرجل الكاذب يتمادى فِي الذنوب وَيَقُول أرجو المغفرة ومن عرف نَفْسه بالإساءة ينبغي أَن يَكُون خوفه غالبا عَلَى رجائه وقيل: الرجاء ثقة الجود من الكريم والودود وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال وقيل: هُوَ قرب القلب من ملاطفة الرب وقيل: سرور الفؤاد بحسن المعاذ وقيل: هُوَ النظر إِلَى سعة رحمة اللَّه تَعَالَى.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إِذَا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فِيهِ النقص وإذا ذهبا صار الطائر فِي حد الْمَوْت.
وسمعته يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: سمعت ابْن أَبِي حاتم يَقُول: سمعت عَلِي بْن شمرذان يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي وسئل مَا علامة الرجاء فِي العبد؟ قَالَ أَن يَكُون إِذَا أحاط بِهِ الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الدنيا وتمام عفوه فِي الآخرة.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف الرجاء استبشار بوجود فضله.
وَقَالَ ارتياح القلوب لرؤيته كرم المرجو المحبوب.
[ ١ / ٢٦٠ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: من حمل نَفْسه عَلَى الرجاء تعطل ومن حمل نَفْسه عَلَى الخوف قنط ولكن من هذه مرة ومن هذه مرة.
وسمعته يَقُول: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس البغدادي قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن صفوان قَالَ: حدثا ابْن أَبِي الدنيا قَالَ حدثت عَن بَكْر بْن سليم الصواف قَالَ دخلنا عَلَى مَالِك بْن أَنَس فِي العشية الَّتِي قبض فِيهَا فقلنا يا أبا عَبْد اللَّهِ كَيْفَ تجدك فَقَالَ: مَا أدرى مَا أقول لكم غَيْر أنكم ستعاينون من عفو اللَّه تَعَالَى مَا لَمْ يكن لَك فِي حساب ثُمَّ مَا برحنا حَتَّى أغمضناه.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ يكاد رجائي لَك مَعَ الذنوب يغلب رجائي لَك مَعَ الأعمال لأني أجدني أعتمد فِي الأعمال عَلَى الإخلاص وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف وأجدني فِي الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف وكلموا ذا النون المصري وَهُوَ فِي النزع فَقَالَ: لا تشغلوني فَقَدْ تعجبت من كثرة لطف اللَّه تَعَالَى معى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: إلهي أحلى العطايا فِي قلبي رجاؤك وأعذب الْكَلام عَلَى لساني ثناؤك وأحب الساعات إِلَى ساعة يَكُون فِيهَا لقاؤك.
وَفِي بَعْض التفاسير أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَصْحَابه من بَاب بَنِي شيبة فرآهم يضحكون، فَقَالَ: أتضحون لو تعلموا مَا أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثُمَّ مر ثُمَّ رجع القهقرى وَقَالَ: نزل عَلِي جبريل ﵇ وأتى بقوله تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنٍ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَضْحَكُ مِنْ يَأْسِ الْعِبَادِ وَقُنُوطِهِمْ وَقُرْبُ الرَّحْمَةِ مِنْهُمْ "، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَضْحَكُ رَبُّنَا ﷿؟
[ ١ / ٢٦١ ]
فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيَضْحَكُ.
فَقَالَتْ: لا يَعْدِمُنَا خَيْرًا إِذَا ضَحِكَ
واعلم أَن الضحك فِي وصفه من صفات فعله وَهُوَ إظهار فضله كَمَا يقال ضحكت الأَرْض بالنبات وضحكه من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الَّذِي هُوَ ضعف انتظارهم لَهُ.
وقيل إِن مجوسيا استضاف إِبْرَاهِيم الخليل ﵇ فَقَالَ لَهُ: إِن أستلمت أضفتك فَقَالَ: المجوسي إِذَا أسلمت فأي منه تكون لَك عَلَى فمر المجوسي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيم ﵇ يا إِبْرَاهِيم لَمْ تطمعه إلا بتغييره دينه نحن منذ سبعين سنة نطمعه عَلَى كفره فلو أضفته ليلة ماذا عليك فمر إِبْرَاهِيم ﵇ خلف المجوسي وأضافه فَقَالَ لَهُ المجوسي: إيش كَانَ السبب فِي الَّذِي بدا لَك؟ فذكر لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ المجوسي: أهكذا يعاملني ثُمَّ قَالَ أعرض عَلِي الإِسْلام فأسلم.
سمعت الشيخ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: رأى الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاج فِي النوم وَكَانَ يَقُول بوعيد ألابد فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ حالك فَقَالَ: وجدنا الأمر أسهل مِمَّا توهمنا.
سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: رأيت أبا سهل الصعلوكي فِي المنام عَلَى هيئة حسنة لا توصف فَقُلْتُ لَهُ: يا أستاذ بِمَا نلت هَذَا فَقَالَ: حسن ظني بربي ورؤي مَالِك بْن دِينَار فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: قدمت عَلَى ربي ﷿ بذنوب كثيرة محاها عنى حسن ظني بِهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: يَقُول اللَّه ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.
[ ١ / ٢٦٢ ]
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفِرَايِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَن أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُول ذَلِكَ
وقيل: كَانَ ابْن المبارك يقاتل علجا مرة فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فأمهله فلما سجد للشمس أراد ابْن المبارك أَن يضربه بسَيْفه فسمع من الهواء قائلا يَقُول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] فأمسك فلما سلم المجوسي قَالَ لَهُ لَمْ أمسكت عما هممت بِهِ فذكر لَهُ مَا سمع فَقَالَ لَهُ المجوسي نعم الرب رب يعاتب وليه فِي عدوه فأسلم وحسن إسلامه.
وقيل: إِنَّمَا أوقعهم فِي الذنب حِينَ سمى نَفْسه عفوا.
وقيل: لو قَالَ لا أغفر الذنوب لَمْ يذنب مُسْلِم قط كَمَا أَنَّهُ لما قَالَ: إِن اللَّه لا يغفر أَن يشرك بِهِ لَمْ يشرك مُسْلِم قط ولكن لما قَالَ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] طمعوا فِي مغفرته.
ويحكى عَن إِبْرَاهِيم بْن أدهم أَنَّهُ قَالَ: كنت أنتظر مدة من الزَّمَان أَن يخلو المطاف لي فكانت ليلة ظلماء فِيهَا مطر شديد فخلا المطاف فدخلت الطواف وكنت أقول فِيهِ اللَّهُمَّ عصمني اللَّهُمَّ اعصمني فسمعت هاتفا يَقُول لي يا ابْن أدهم أَنْتَ تسألني العصمة وكل النَّاس يسألوني العصمة فَإِذَا عصمتكم فلمن أرحم.
وقيل: رأى أَبُو الْعَبَّاس ابْن سريج فِي منامه فِي مرض موته كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وإذا الجبار سبحانه يَقُول أين الْعُلَمَاء قَالَ فجاءوا ثُمَّ قَالَ ماذا عملتم فيما علمتم قَالَ فقلنا يا رب قصرنا وأسأنا قَالَ فأعاد السؤال كَأَنَّهُ لَمْ يرض بِهِ وأراد جوابا آخر فَقُلْتُ أما أنا فليس فِي صحيفتي الشرك وَقَدْ وعدت أَن تغفر مادونه فَقَالَ: اذهبوا فَقَدْ غفرت لكم وَمَاتَ بَعْد ذَلِكَ بثلاث ليال.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقيل: كَانَ رجل شريب جمع قوما من ندمائه ودفع إِلَى غلام لَهُ أربعة دراهم وأمره أَن يشترى بِهَا شَيْئًا من الفواكه للمجلس فمر الغلام بباب مجلس مَنْصُور بْن عمار وَهُوَ يسأل لفقير شَيْئًا وَيَقُول من دفع لَهُ أربعة دراهم دعوت لَهُ أربع دعوات قَالَ فدفع لَهُ الغلام الدراهم فَقَالَ مَنْصُور: مَا الَّذِي تريد أَن أدعو لَك فَقَالَ لي سيدي أريد أَن أتخلص منه فدعا لي مَنْصُور وَقَالَ: مَا الأخرى فَقَالَ: أَن يخلف اللَّه تَعَالَى عَلَى دراهمي فدعا ثُمَّ قَالَ وَمَا الأخرى فَقَالَ: أَن يتوب اللَّه عَلَى سيدي فدعا قَالَ وَمَا الأخرى فَقَالَ: أَن يغفر اللَّه تَعَالَى لي ولسيدي ولك وللقوم فدعا مَنْصُور فرجع الغلام إِلَى سيده فَقَالَ: لَمْ أبطأت؟ فقص عَلَيْهِ القصة فَقَالَ: وبم دعا فَقَالَ: سألت لنفسي العتق فَقَالَ أذهب فأنت حر وأيش الثَّانِي فَقَالَ: أَن يخلف اللَّه عَلِي الدراهم فَقَالَ: لَك أربعة آلاف درهم فَقَالَ: وأيش الثالث فَقَالَ: أَن يتوب اللَّه عليك فَقَالَ: تبت إِلَى اللَّه تَعَالَى فَقَالَ: وأيش الرابع فَقَالَ: أَن يغفر اللَّه تَعَالَى لَك ولي وللقوم وللمذكر فَقَالَ: هَذَا الْوَاحِد لَيْسَ إلي فلما بات رأى فِي المنام كأن قائلا يَقُول لَهُ أَنْتَ فعلت مَا كَانَ إليك تراني لا أفعل مَا إلي قَدْ غفرت لَك وللغلام ولمنصور بْن عمار وللقول الحاضرين وقيل: حج رباح القيسي حجات كثيرة فَقَالَ: يوما وَقَدْ وقف تَحْتَ الميزاب إلهي وهبت من حجاتي كَذَا وكذا لرسول اللَّه ﷺ وعشرة منها لأَصْحَابه العشرة وثنتين لوالدي والباقي للمسلمين وَلَمْ بحبس شَيْئًا لنفسه فسمع هاتفا يَقُول هُوَ ذا يتسخى عَلَيْنَا لأغفرن لَك ولأبويك ولمن شهد شهادة الحق وَرَوَى عَن عَبْد الْوَهَّاب بْن عَبْد المجيد الثقفي قَالَ رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة قَالَ فأخذت مكان المرأة وذهبنا إِلَى المقبرة فصلينا عَلَيْهَا ودفناها فَقُلْتُ المرأة من كَانَ هَذَا منك فَقَالَت ابني قُلْت: أَوْ لَمْ يكن لكم جيران قَالَتْ: نعم ولكنهم صغروا أمره
[ ١ / ٢٦٤ ]
فَقُلْتُ: وأيش كَانَ هَذَا فَقَالَتْ: مختئا
قَالَ: فرحمتها وذهبت بِهَا إِلَى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابا ونمت تلك الليلة فرأيت كَأَنَّهُ أتاني آت كَأَنَّهُ القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يتشكر لي فَقُلْتُ من أَنْتَ فَقَالَ: المخنث الَّذِي دفنتموني اليوم رحمني ربي وعَزَّ وَجَلَّ باحتقار النَّاس إياي سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول مر أَبُو عَمْرو البيكندي يوما بسكة فرأى قوما أرادوا إخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكي قيل إنها أمه فرحمها أَبُو عَمْرو فشفع لَهُ إليهم وَقَالَ هبوه مني هذه المرة فَإِن عاد إِلَى فساده فشأنكم فوهبوه منه فمضى أَبُو عَمْرو فلما كَانَ بعد أَيَّام اجتاز بتلك السكة فسمع بكاء العجوز من وراء ذَلِكَ الباب فَقَالَ فِي نَفْسه: لعل الشاب عاد إِلَى فساد فنفي من المحلة فدق عَلَيْهَا الباب وسألها عَن حالة الشاب فخرجت العجوز وَقَالَتْ إنه مَات فسألها عَن حاله فَقَالَتْ لما قرب أجله قَالَ لا تخبري بموتي الجيران فلقد آذيتهم وأنهم يشمتون بي ولا يحضرون جنازتي وإذا دفنتيني فهذا خاتم لي مكتوب عَلَيْهِ بسم اللَّه فادفنيه معي فَإِذَا فرغت من دفني فتشفعي لي إِلَى ربي ﷿ قَالَتْ ففعلت وصيته فلما انصرفت عَن رأس قبره سمعت صوته يَقُول انصرفي يا أماه فَقَدْ قدمت عَلَى رب كريم.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد قل لَهُمْ إني لَمْ أخلقهم لأربح عَلَيْهِم وإنما خلقتهم ليربحوا عَلي.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحريري يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الأطروس يَقُول كُنَّا قعودا ببغداد مَعَ معروف الكرخي عَلَى الدجلة إذ مر بنا قوم أحداث فِي زورق يضربون بالدف ويشربون ويلعبون فقلنا لمعروف أما تراهم كَيْفَ يعصون اللَّه تَعَالَى مجاهرين ادع اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم فرفع يده وَقَالَ إلهي كَمَا فرحتهم فِي الدنيا ففرحهم فِي الآخرة فَقَالُوا إِنَّمَا سألناك أَن تدعو عَلَيْهِم
[ ١ / ٢٦٥ ]
فَقَالَ: إِذَا فرحهم فِي الآخرة تاب عَلَيْهِم.
سمعت أبا الْحَسَن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد المزكي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَي بْن مُحَمَّد الأديب قَالَ: حَدَّثَنَا الفضل بْن صدقة قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّهِ بْن سَعِيد قَالَ كَانَ يَحْيَي بْن أكثم الْقَاضِي صديقا لي وَكَانَ يودني وأوده فمات يَحْيَي فكنت أشتهي أَن أراه فِي المنام فأقول لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك فرأيته ليلة فِي المنام فَقُلْتُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك قَالَ غفر لي إلا أَنَّهُ وبخني ثُمَّ قَالَ لي: يا يَحْيَي خلطت عَلِي فِي دار الدنيا فَقُلْتُ أي رب اتكلت عَلَى حَدِيث
حَدَّثَنِيهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكَ قُلْتَ: إِنِّي لأَسْتَحِي أَنْ أُعَذِّبَ ذَا شَيْبَةٍ بِالنَّارِ
فَقَالَ: قَدْ عفوت عَنْك يا يَحْيَي وصدق نبيي إلا أنك خلط عَلِي فِي دار الدنيا.
[ ١ / ٢٦٦ ]
بَاب الحزن قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ أَوْ نَصَبٍ أَوْ حَزَنٍ أَوْ أَلَمٍ يَهِمُّهُ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»
الحزن: حال يقبض القلب عَنِ التفرق فِي أودية الغفلة والحزن من أوصاف أهل السلوك.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول صاحب الحزن يقطع من طريق اللَّه تَعَالَى فِي شَهْر مالا يقطعه من فَقَدْ حزنه سنين وَفِي الْخَبَر إِن اللَّه تَعَالَى يحب كُل قلب حزين وَفِي التوراة: إِذَا أحب اللَّه عبدا جعل فِي قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل فِي قلبه مزمارا وروي أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ متواصل الأحزان دائم الفكرة.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث الحزن ملك فَإِذَا سكن فِي موضع لَمْ يرض أَن يساكنه أحد وقيل: القلب ذا لَمْ يكن فِيهِ حزن خرب كَمَا أَن الدار إِذَا لَمْ يكن فِيهَا ساكن تخرب
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْقُرَشِيّ بكاء الحزن يعمى وبكاء الشوق يعشى البصر ولا يعمى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤] وَقَالَ ابْن خفيف الحزن حصر النفس عَنِ النهوض فِي الطرب وسمعت رابعة العدوية رجلا يَقُول واحزناه فَقَالَتْ قل واقلة حزناه لو كنت محزونا لَمْ يتهيأ لَك أَن تتنفس وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة لو أَن محزونا بكى فِي أمة لرحم اللَّه تَعَالَى تلك الأمة ببكائه وَكَانَ دَاوُد الطائي الغالب عَلَيْهِ الحزن وَكَانَ يَقُول بالليل إلهي همك عطل عَلِي الهموم وحال بيني وبين الرقاد وَكَانَ يَقُول كَيْفَ يتسلى من الحزن من تتجدد عَلَيْهِ المصائب فِي كُل وقت وقيل: الحزن يمنع من الطعام والخوف يمنع من الذنوب وسئل بَعْضهم بم يستدل عَلَى حزن الرجل فَقَالَ: بكثرة أنينه.
وَقَالَ سرى السقطي وددت أَن حزن كُل النَّاس ألقى عَلَى وتكلم النَّاس فِي الحزن فكلهم قَالُوا إِنَّمَا يحمد حزن الآخرة وَأَمَّا حزن الدنيا فغير محمود إلا أبا عُثْمَان الحيري فَإِنَّهُ قَالَ الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن مَا لَمْ يكن بسبب معصية لأنه إِن لَمْ يوجب تخصيصا فَإِنَّهُ يوجب تمحيصا.
وعن بَعْض المشايخ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سافر واحد من أَصْحَابه يَقُول لَهُ إِن رأيت محزونا فأقرئه منى السَّلام.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول كَانَ بَعْضهم يَقُول للشمس عِنْدَ غروبها هل طلعت اليوم عَلَى محزون.
وَكَانَ الْحَسَن البصري لا يراه أحد إلا ظن أَنَّهُ حَدِيث عهد بمصيبة
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَقَالَ وكيع لمامات الفضل ذهب الحزن اليوم من الأَرْض وَقَالَ بَعْض السلف أَكْثَر مَا يجده المؤمن فِي صحيفته من الحسنات اللَّهُمَّ والحزن.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت عَلِي بْن بكران يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي المروزي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي روح يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: سمعت الفضيل بْن عياض، يَقُول: كَانَ السلف يقولون إِن عَلَى كُل شَيْء زكاة وزكاة العقل طول الحزن.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفراء يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الوراق يَقُول سألت أبا عُثْمَان الحيري يوما عَنِ الحزن، فَقَالَ: الحزني لا يتفرغ إِلَى سؤال الحزن فاجتهد فِي طلب الحزن ثُمَّ سل.
[ ١ / ٢٦٩ ]
بَاب الجوع وترك الشهوة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] ثُمَّ قَالَ فِي آخر الآية: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] فبشرهم بجميل الثواب عَلَى الصبر عَلَى مقاساة الجوع.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ صَاحِبُ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵂ بِكَسْرَةِ خُبْزٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ يَا فَاطِمَةُ؟ قَالَتْ: قُرْصًا خَبَزْتُهُ وَلَمْ تَطْلُبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ.
فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمُ أَبِيكِ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ "
وَفِي بَعْض الروايات جاءت فاطمة ﵂ بقرص شعير ولهذا كَانَ الجوع من صفات الْقَوْم وَهُوَ أحد أركان المجاهدة فَإِن أرباب السلوك تدرجوا إِلَى اعتياد الجوع والإمساك عَنِ الأكل ووجدوا ينابيع الحكمة فِي الجوع وكثرة الحكايات عَنْهُم فِي ذَلِكَ.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي يَقُول: سمعت ابْن سالم يَقُول: أدب الجوع أَن لا ينقص من عادته إلا مثل أذن السنور، وقيل: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لا يأكل الطعام إلا فِي كُل خمسة عشر يوما، فَإِذَا دَخَلَ شَهْر رمضان كَانَ لا يأكل حَتَّى يرى الهلال وَكَانَ يفطر كُل ليلة عَلَى الماء القراح.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لو أَن الجوع يباع فِي السوق لما كَانَ ينبغي لطلاب الآخرة إِذَا دخلوا السوق أَن يشتروا غيره.
[ ١ / ٢٧٠ ]
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِي بْن الْحُسَيْن الأرجاني قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد الإصطخري بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى قَالَ: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ لما خلق اللَّه تَعَالَى الدنيا جعل فِي الشبع المعصية والجهل، وجعل فِي الجوع العلم والحكمة.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول دَخَلَ بَعْضهم عَلَى بَعْض الشيوخ فرآه يبكي فَقَالَ لَهُ: مَالِك تبكي؟ قَالَ إني جائع قَالَ ومثلك يبكي من الجوع فَقَالَ: أسكت مَا علمت أَن مراده من جوعى أَن أبكى.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بشر قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مَنْصُور قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُد بْن معاذ قَالَ: سمعت مخلدا يَقُول: كَانَ الْحَجَّاج بْن فرافصة معنا بالشام فمكث خمسين ليلة لا يشرب الماء ولا يشبع من شَيْء يأكله، وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الغزالي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن يَحْيَي الجلاء يَقُول دَخَلَ أَبُو تراب النخشبي من بادية البصرة مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى فسألناه عَن أكله فَقَالَ: خرجت من البصرة وأكلت بنباح ثُمَّ بذات عرق ومن ذَات عرق إليكم فقطع البادية بأكلتين، وسمعته يَقُول حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ النحاس الْمِصْرِي قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُون بْن مُحَمَّد الدقاق قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الدرقش قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري قَالَ: سمعت عَبْد الْعَزِيز بْن عمير يَقُول: تجوع صنف من الطير أربعين صباحا ثُمَّ طاروا فِي الهواء فرجعوا بَعْد أَيَّام فكان يفوح مِنْهُم رائحة المسك
[ ١ / ٢٧١ ]
وَكَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ إِذَا جاع قوى وإذا أكل شَيْئًا ضعف.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي الرباني لا يأكل فِي أربعين يوما والصمداني فِي ثمانين يوما، وسمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ العلوي يَقُول: سمعت عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الْقَاضِي بدمشق يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي بْن خلف يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني يَقُول: مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخره الجوع.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُبَيْد اللَّه يَقُول: سمعت عَلِي بْن الْحُسَيْن الأرجاني يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الاصطخري يَقُول: سمعت سهل بْن عُبَيْد اللَّه وقيل لَهُ: الرجل يأكل فِي اليوم أكلة فَقَالَ: قَالَ: فأكلتين قَالَ: أكل الْمُؤْمِنيِنَ قَالَ: فثلاثة قَالَ: قل لأهلك يبنون لَك معلفا وسمعته يَقُول: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الفضل قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر السائح قَالَ: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: الجوع نور والشبع نار والشهوة تل الحطب يتولد منه الاحتراق ولا تطفأ ناره حَتَّى يحرق صاحبه.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: دَخَلَ يوما رجل من الصوفية عَلَى شيخ فقدم إِلَيْهِ طعاما ثُمَّ قَالَ لَهُ: مذ كم يوما لَمْ تأكل؟ فَقَالَ: مذ خمسة أَيَّام فَقَالَ: جوعك جوع بخيل عليك ثياب وأنت تجوع لَيْسَ هَذَا جوع فقر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الرازي يَقُول: سمعت الْعَبَّاس بْن حمزة يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي من أَن أقوم الليل إِلَى آخره.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا القاسم جَعْفَر بْن أَحْمَد الرازي يَقُول: اشتهى أَبُو الخير العسقلاني السمك سنين ثُمَّ ظهر لَهُ ذَلِكَ من موضع حلال فلما مد يده إِلَيْهِ ليأكل أخذت شوكة من عظامه أصبعه فَذَهَبَ فِي ذَلِكَ يده فَقَالَ: يا رب هَذَا لمن مد يده بشهوة إِلَى حلال فكيف بمن مد يده بشهوة إِلَى حرام؟ .
[ ١ / ٢٧٢ ]
سمعت الأستاذ أبا بَكْر بْن فورك يَقُول شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال فَمَا ظنك بقضية شهوة الحرام.
سمعت رستم الشيرازي الصوفي يَقُول: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف فِي دعوة فمد واحد من أَصْحَابه يده إِلَى الطعام قبل الشيخ لما كَانَ بِهِ من الفاقة فأراد بَعْض أَصْحَاب الشيخ أَن ينكر عَلَيْهِ لسوء أدبه حيث مد يده إِلَى الطعام قبل الشيخ فوضع شَيْئًا بَيْنَ يدي هَذَا الفقير فعلم الفقير أَنَّهُ أنكر عَلَيْهِ لسوء أدبه فاعتقد أَن لا يأكل خمسة عشرة يوما عقوبة لنفسه وتأديبا لَهَا وإظهارا لتوبته من سوء أدبه وَكَانَ قَدْ أصابته فاقة قبل ذَلِكَ.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفرج الورثاني قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحَارِث قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان قَالَ: سمعت مَالِك بْن دِينَار يَقُول: من غلب شهوات الدنيا فذلك الَّذِي يفرق الشَّيْطَان من ظله وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ الأصفهاني يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: إِذَا قَالَ الصوفي بَعْد خمسة أَيَّام أنا جائع فألزموه النار غلبت شهوتهم حميتهم فلذلك افتضحوا، وسمعته يَقُول: قيل لبعضهم ألا تشتهى؟ فَقَالَ: أشتهي أَن أشتهى وَهَذَا أتم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول أَخْبَرَنَا أخمد بْن مَنْصُور قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن مخلد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن الْحَسَن بْن عَمْرو بْن الجهم قَالَ: سمعت أبا نصر التمار يَقُول: أتاني بشر ليلة فَقُلْتُ الحمد لِلَّهِ الَّذِي جاء بك جاءنا قطن من خراسان فغزلته البنت وباعته واشترت لنا لحما فتفطر عندنا
[ ١ / ٢٧٣ ]
فَقَالَ لو أكلت عِنْدَ أحد أكلت عندكم، ثُمَّ قَالَ: إني لأشتهي الباذنجان منذ سنين وَلَمْ يتفق لي أكله قُلْت إِن فِيهَا الباذنجان من الحلال فَقَالَ: حَتَّى يصفو لي حب الباذنجان.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول: أمرني أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف أَن أقدم إِلَيْهِ كُل ليلة عشر حبات زبيب لإفطاره فليلة أشفقت عَلَيْهِ فحملت إِلَيْهِ خمس عشرة حبة فنظر إلي وَقَالَ: من أمرك بِهَذَا وأكل عشر حبات وترك الباقي.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عُبَيْد اللَّه يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن الفراغاني يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا ترك النخشبي يَقُول: مَا تمنت نفسي من الشهوات إلا مرة واحدة، تمنت خبزا وبيضا وأنا فِي سفر فعدلت إِلَى قرية فقام واحد وتعلق وَقَالَ: وَهَذَا كَانَ مَعَ اللصوص فضربوني سبعين درة ثُمَّ عرفني رجل مِنْهُم فَقَالَ: هَذَا أَبُو تراب النخشبي واعتذروا إلي فحملني رجل إِلَى منزله إكراما وشفقة عَلِي وقدم إِلَى خبزا وبيضا فَقُلْتُ لنفسي كلى بَعْد سبعين درة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
بَاب الخشوع والتواضع قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَي الْمُزَكِّيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ سُفْيَانُ بْنُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبَانَ بْنِ ثَعْلَبٍ، عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ مَنْ بَطَرَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مِسْهَرٍ، عَنْ مُسْلِم الأَعْوَرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيُشَيِّعُ الْجَنَائِزَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيُجِبْ دَعْوَةَ الْعَبْدِ، وَكَانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ.
الْخُشُوعُ: الانْقِيَادُ لِلْحَقِّ.
وَالتَّوَاضُعُ: هُوَ الاسْتِسْلامُ لِلْحَقِّ وَتَرْكُ الاعْتِرَاضِ عَلَى الْحُكْمِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَهُ مِنْ دِينِكُمُ الْخُشُوعَ.
وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْخُشُوعِ، فَقَالَ: الْخُشُوعُ قِيَامُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ بِهِمْ مَجْمُوعٌ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَمْ يَقْرَبْ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: مِنْ عَلامَاتِ الْخُشُوعِ لِلْعَبْدِ أَنَّهُ إِذَا أُغْضِبَ أَوْ خُولِفَ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ ذَلِكَ بِالْقُبُولِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خُشُوعُ الْقَلْبِ قَيْدُ الْعُيُونِ عَنِ النَّظَرِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: الْخَاشِعُ مَنْ خَمَدَتْ نِيرَانُ شَهْوَتِهِ وَسَكَنَ دُخَانَ صَدْرِهِ وَأَشْرَقَ نُورُ التَّعْظِيمِ فِي قَلْبِهِ فَمَاتَتْ شَهْوَتُهُ وَحَي قَلْبُهُ فَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخَوْفُ الدَّائِمُ اللازِمُ لِلْقَلْبِ، وَسُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنِ الْخُشُوعِ فَقَالَ: تَذَلُّلُ الْقُلُوبِ لِعَلامِ الْغُيُوبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] سَمِعْتُ الأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ ﵀ يَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: مُتَوَاضِعِينَ مُتَخَاشِعِينَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَحْسِنُونَ شِسْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا مَشَوْا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ مَحِلُّهُ الْقَلْبُ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلا مُنْقَبِضَ الظَّاهِرِ مُنْكَسِرَ الشَّاهِدِ قَدْ زَوَى مَنْكِبَيْهِ فَقَالَ: يا فُلانُ الْخُشُوعُ هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ لا هَهُنَا وَأَشَارَ إِلَى مَنْكِبَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلا يَعْبَثُ فِي صَلاتِهِ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ، وَقِيلَ: شَرْطُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ أَنْ لا يَعْرِفَ مَنْ عَلَى شِمَالِهِ.
قَالَ الأُسْتَاذُ الإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْخُشُوعُ إِطْرَاقُ السَّرِيرَةِ بِشَرْطِ الأَدَبِ بِمَشْهَدِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ.
وَيُقَالُ: الْخُشُوعُ ذُبُولٌ يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ عِنْدَ اطِّلاعِ الرَّبِّ، وَيُقَالُ: الْخُشُوعُ ذَوَبَانُ الْقَلْبِ وَانْخِنَاسِهِ عِنْدَ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ، وَيُقَالُ: الْخُشُوعُ مُقَدِّمَاتُ غَلَبَاتِ الْهَيْبَةِ، وَيُقَالُ: الْخُشُوعُ قَشْعَرِيرَةٌ تَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بَغْتَةً عِنْدَ مُفَاجَأَةِ كَشْفِ الْحَقِيقَةِ،
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُرَى عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْخُشُوعِ أَكْثَر مِمَّا فِي قَلْبِهِ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: لَوِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنْ يَضَعُونِي كَاتِّضَاعِي عِنْدَ نَفْسِي لَمَا قَدِرُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَتَّضِعْ عِنْدَ نَفْسِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لا يَسْجُدُ إِلا عَلَى التُّرَابِ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْفَرَائِضِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ الْمِصِّيصِيُّ عَنْ هَارُونَ بْنِ حَيَّانَ عَنْ حَصِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ "
وَقَالَ مجاهد: لما أغرق اللَّه تَعَالَى قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي فجعله اللَّه تَعَالَى قرارا لسفينة نوح ﵇، وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ يسرع فِي المشي وَيَقُول إنه أسرع للحاجة وأبعد من الزهو وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يكتب ليلة شَيْئًا وعنده ضعيف فكاد السراج ينطفئ فَقَالَ الضيف: أقوم إِلَى المصباح فأصلحه فَقَالَ: لا لَيْسَ من الكرم استخدام الضيف قَالَ: فأنبه الغلام قَالَ: لا هِيَ أول نومة نامها فقام إِلَى البطة وجعل الدهن فِي المصباح فَقَالَ الضيف: قمت بنفسك يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ فَقَالَ لَهُ عُمَر: ذهبت وأنا عُمَر ورجعت وأنا عُمَر.
وَرَوَى أَبُو سَعِيد الخدري أَنَّ النَّبِيَّ صلي اللَّه عَلَيْهِ وسلم كَانَ يعلف البعير ويقم
[ ١ / ٢٧٧ ]
الْبَيْت ويخصف النعل ويرقع الثوب ويحلب الشاة ويأكل مَعَ الخادم ويطحن مَعَهُ إِذَا أعيا وَكَانَ لا يمنعه الحياء أَن يحمل بضاعته من السوق إِلَى أهله وَكَانَ يصافح الغني والفقير ويسلم مبتديا ولا يحتقر ما دعي إِلَيْهِ ولو إِلَى حشف التمر وَكَانَ هين المؤنة لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه بساما من غَيْر ضحك محزونا من غَيْر عبوسة متواضعا من غَيْر مذلة جوادا من غَيْر سرف رقيق القلب رحيما بكل مُسْلِم لَمْ يتجشأ قط من شبع وَلَمْ يمد يده إِلَى طمع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصر الصائغ، يَقُول: سمعت مردويه الصائغ، يَقُول: سمعت الفضيل بْن عياض، يَقُول: قراء الرحمن أَصْحَاب خشوع وتواضع وقراء القضاة أَصْحَاب عجب وتكبر، وَقَالَ الفضيل بْن عياض: من رأى لنفسه قيمة فليس لَهُ فِي التواضع نصيب.
وسئل الفضيل عَنِ التواضع، فَقَالَ: تخضع للحق وتنقاد لَهُ تقلبه مِمَّن قاله وَقَالَ الفضيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى الجبال إني مكلم عَلَى واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال وتواضع طور سيناء فكلم اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ لتواضعه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول سئل الجنيد عَنِ التواضع، فَقَالَ: خفض الجناح للخلق ولين الجانب لَهُمْ وَقَالَ وهب مكتوب فِي بَعْض مَا أنزل اللَّه تَعَالَى من الكتب إني أخرجت الذرة من صلب آدم فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلب مُوسَى ﵇ فلذلك اصطفيته وكلمته
[ ١ / ٢٧٨ ]
وَقَالَ ابْن المبارك التكبر عَلَى الأغنياء والتواضع للفقراء من التواضع وقيل: لأبي يَزِيد مَتَى يَكُون الرجل متواضعا فَقَالَ: إِذَا لَمْ ير لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى أَن فِي الخلق من هُوَ شر منه وقيل: التواضع نعمة لا يحسد عَلَيْهَا والكبر محنة لا يرحم عَلَيْهَا والعز فِي التواضع فمن طلبه فِي الكبر لَمْ يجده.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ، يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: الشرف فِي التواضع والعز فِي التقوى والحرية فِي القناعة.
وسمعته يَقُول: سمعت الْحَسَن الساوي يَقُول: سمعت ابْن الأعرابي، يَقُول: بلغني أَن سُفْيَان الثَّوْرِي، قَالَ: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سنى وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: التواضع حسن فِي كُل أحد لكنه فِي الاغنياء أَحْسَن والتكبر سمج فِي كُل أحد لكنه فِي الفقراء أسمج، وَقَالَ ابْن عَطَاء: التواضع قبول الحق مِمَّن كَانَ وقيل: ركب زَيْد بْن ثابت فدنا ابْن عَبَّاس ليأخذ بركابه فَقَالَ: مه يا ابْن عم رَسُول اللَّهِ فَقَالَ: هكذا أمرنا أَن نفعل بعلمائنا فأخذ زَيْد بْن ثابت يد ابْن عَبَّاس فقبلها، وَقَالَ: هكذا أمرنا أَن نفعل بأهل بَيْت رَسُول اللَّهِ ﷺ.
وَقَالَ عروة بْن الزُّبَيْر رأيت عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ وعلى عاتقه قربة ماء فَقُلْتُ يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ لا ينبغي لَك هَذَا فَقَالَ: لما أتاني الوفد سامعين مطيعين دخلت فِي نفسي نخوة فأحببت أَن أكسرها ومضي بالقربة إِلَى حجرة امْرَأَة من الأنصار فأفرغها فِي إنائها.
[ ١ / ٢٧٩ ]
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: رؤى أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ أمِير الْمَدِينَة وعلى ظهره حزمة حطب وَهُوَ يَقُول طرقوا للأمير وَقَالَ عَبْد اللَّهِ الرازي: التواضع ترك التمييز فِي الخدمة سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن هَارُون يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس الدمشقي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني يَقُول: من رأى لنفسه قيمة لَمْ يذق حلاوة الخدمة وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ التكبر عَلَى من تكبر عليك بِمَا لَهُ تواضع وَقَالَ الشبلي: ذلي عطل ذل الْيَهُود وجاءه رجل فَقَالَ لَهُ الشبلي: مَا أَنْتَ فَقَالَ: يا سيدي النقطة الَّتِي تَحْتَ الباء فَقَالَ: أَنْتَ شاهدي مَا لَمْ تجعل لنفسك مقاما وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من التواضع أَن يشرب الرجل من سؤر أخيه وَقَالَ بشر: سلموا عَلَى أبناء الدنيا بترك السَّلام عَلَيْهِم وَقَالَ شُعَيْب بْن حرب: بينا أنا فِي الطواف إذ لكزني إِنْسَان بمرفقه فالتفت إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ الفضيل بْن عياض فَقَالَ: يا أبا صَالِح إِن كنت تظن أَنَّهُ شهد الموسم شر منى ومنك فبئسما ظننت وَقَالَ بَعْضهم رأيت فِي الطوف إِنْسَانا بَيْنَ يديه شاكريه يمنعون النَّاس لأجله عَنِ الطاف ثُمَّ رأيته بَعْد ذَلِكَ بمدة عَلَى جسر بغداد يسأل النَّاس شَيْئًا
[ ١ / ٢٨٠ ]
فتعجبت منه فَقَالَ لي: أنا تكبرت فِي موضع يتواضع النَّاس هناك فابتلاني اللَّه تَعَالَى بالتذلل فِي موضع يترفع فِيهِ النَّاس وبلغ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَن ابنا لَهُ اشترى فصا بألف درهم فكتب إِلَيْهِ عُمَر بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فَإِذَا أتاك كتابي هَذَا فبع الخاتم وأشبع ألف بطن وأتخذ خاتما من درهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عَلَيْهِ رحم اللَّه امرأ عرف قدر نَفْسه.
وقيل: عرض عَلَى بَعْض الأمراء ومملوك بألف درهم فلما أحضر الثمن استكثره فبدا لَهُ فِي شرائه فرد الثمن إِلَى الخزانة فَقَالَ العبد: يا مولاي اشترني فَإِن فِي بكل درهم من هذه الدراهم خصلة تساوى أَكْثَر من ألف درهم فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: أقلها وأدناها مَا لو اشتريتني وقدمتني عَلَى جَمِيع مماليكك لا أغلظ فِي نفسي وأعلم أنى عَبْد فاشتراه.
وحكى عَن رجاء بْن حيوة أَنَّهُ قَالَ: قومت ثياب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَهُوَ يخطب باثني عشر درهما وَكَانَ قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة، وقيل: مشى عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن واسع مشيا لا يحمد فَقَالَ لَهُ أبوه: وتدري بكم اشتريت أمك بثلاث مائة درهم وأبوك لا أَكْثَر اللَّه تَعَالَى فِي الْمُسْلِمِينَ مثله أبا وأنت تمشى هذه المشية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفراء يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: سمعت حمدون القصار يَقُول التواضع أَن لا ترى لأحد إِلَى نفسك حاجة لا فِي الدين ولا فِي الدنيا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم مَا سررت فِي إسلامي إلا ثَلاث مرات مرة كنت فِي سفينة وفيها رجل مضحاك كَانَ يَقُول كُنَّا نأخذ العلج فِي بلاد الترك هكذا وَكَانَ يأخذ بشعر رأسي ويهزني فيسرني ذَلِكَ لأنه لَمْ يكن فِي تلك السفينة أحد أحقر فِي عينه منى
[ ١ / ٢٨١ ]
والأخرى كنت عليلا فِي مَسْجِد فدخل المؤذن وَقَالَ أخرج فلم أطلق فأخذ برجلي وجرني إِلَى خارج الْمَسْجِد، والثالثة كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فِيهِ فلم أميز بَيْنَ شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذَلِكَ وَفِي حكاية أُخْرَى عَنْهُ قَالَ مَا سررت بشيء كسروري أني كنت يوما جالسا فجاء إِنْسَان وبال عَلِي.
وقيل: تشاجر أَبُو ذر وبلال ﵄ فعير أَبُو ذر بلالا بالسواد، فشكاه إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يا أبا ذر إنه بقي فِي قلبك من كبر الجاهلية شَيْء فألقى أَبُو ذر نَفْسه وحلف أَن لا يرفع رأسه حَتَّى يطأ بلال خده بقدمه فلم يرفع حَتَّى فعل بلال ذَلِكَ.
ومر الْحَسَن بْن عَلِيّ ﵄ بصبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل وأكل معهم ثُمَّ حملهم إِلَى منزله وأطعمهم وكساهم وَقَالَ اليد لَهُمْ، لأنهم لَمْ جدوا غَيْر مَا أطمعوني ونحن نجد أَكْثَر منه وقيل: قسم عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ الحلل بَيْنَ الصَّحَابَة من غنيمة فبعث إِلَيْهِ معاذ حلة يمانية فباعها واشترى ستة أعبد وأعتقهم فبلغ عُمَر ذَلِكَ فكان يقسم الحلل بعده فبعث إليه حلة دُونَ تلك فعاتبه معاذ فَقَالَ لَهُ عُمَر: لا معاتبة لأنك بعت الأولى، فَقَالَ معاذ: وَمَا عليك ادفع إلي نصيبي وَقَدْ حلفت لأضربن بِهَا رأسك فَقَالَ عُمَر: هَذَا رأسي بَيْنَ يديك وَقَدْ يرفق الشيخ بالشيخ.
[ ١ / ٢٨٢ ]
بَاب مخالفة النفس وذكر عيوبها قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا تَمْتَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَن مخالفة النفس رأس العبادة وَقَدْ سئل المشايخ عَنِ الإِسْلام؟ فَقَالُوا: ذبح النفس بسيوف المخالفة.
واعلم أَن من نجمت طوارق نَفْسه أفلت شوارق أنسه، وَقَالَ ذو النون المصري: مفاتح العبادة الفكرة وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ومخالفتها ترك شهواتهما، وَقَالَ ابْن عَطَاء: النفس مجبولة عَلَى سوء الأدب والعبد مأمور بملازمة الأدب فالنفس تجري بطبعها فِي ميدان المخالفة والعبد يردها بجهده عَن سوء المطالبة فمن أطلق عنانها فَهُوَ شركيها معها فِي فسادها
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجيند يَقُول النفس الأمارة بالسوء هِيَ الداعية إِلَى المهالك المعينة للأعداء المتبعة للهوى المتهمة بأصناف الأسواء وَقَالَ أَبُو حفص من لَمْ يتهم نَفْسه عَلَى دوام الأوقات وَلَمْ يخالفها فِي جَمِيع الأحوال وَلَمْ
[ ١ / ٢٨٣ ]
يجرها إِلَى مكروهها فِي سائر أيامه كَانَ مغرورا ومن نظر إِلَيْهَا باستحسان شَيْء منها فَقَدْ أهلكها وكيف يصح لعاقل الرضا عَن نَفْسه والكريم بْن الكريم بْن الكريم ابْن الكريم يُوسُف بْن يَعْقُوبَ بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الخليل يَقُول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] .
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن مقسم ببغداد يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: قَالَ الجنيد: أرقت ليلة فقمت إِلَى وردى فلم أجد مَا كنت أجده من الحلاوة فأردت أَن أنام فلم أقدر عَلَيْهِ فقعدت فلم أطق القعود ففتحت الباب وخرجت فَإِذَا رجل ملتف فِي عباءة مطروح عَلَى الطريق فلما أحس بي رفع رأسه وَقَالَ يا أبا القاسم إلي الساعة فَقُلْتُ يا سيدي من غَيْر موعد قَالَ: بلى قَدْ سألت محرك القلوب أَن يحرك إلي قلبك فَقُلْتُ فَقَدْ فعل فَمَا حاجتك فَقَالَ: مَتَى يصير داء النفس دواءها فَقُلْتُ إِذَا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها فأقبل عَلَى نَفْسه وَقَالَ اسمعي قَدْ أجبتك بِهَذَا الجواب سبع مرات فأبيت إلا أَن تسمعيه من الجنيد وَقَدْ سمعت، وانصرف عنى وَلَمْ أعرفه، وَلَمْ أقف عَلَيْهِ بَعْد.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الطمستاني: النعمة العظمي الخروج من النفس، لأن النفس أَعْظَم حجاب بينك وبين اللَّه ﷿ وَقَالَ سهل: مَا عَبْد اللَّهِ بشيء مثل مخالفة النفس والهوى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ، يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي، يَقُول: سمعت بْن عَطَاء وَقَدْ سئل عَن أقرب شَيْء إِلَى مقت اللَّه تَعَالَى، فَقَالَ:
[ ١ / ٢٨٤ ]
رؤية النفس وأحوالها وأشد من ذَلِكَ مطالعة الأغراض عَلَى أفعالها، وسمعته يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير، يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص، يَقُول: كنت فِي جبل اللكام فرأيت رومانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركت الرمان فرأيت رجلا مطروحا قَد اجتمع عَلَيْهِ الزنابير، فَقُلْتُ: السَّلام عليك، فَقَالَ: وعليك السَّلام يا إِبْرَاهِيم، فَقُلْتُ: كَيْفَ عرفتني؟ فَقَالَ: من عرف اللَّه تَعَالَى لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء، فَقُلْتُ: أرى لَك حالا مَعَ اللَّه تَعَالَى فلو سألته أَن يحميك ويقيك الأذى من هَذَا الزنابير، فَقَالَ: وأنا أرى لَك حالا مَعَ اللَّه تَعَالَى فلو سألته أَن يقيك شهوة الرمان فَإِن لدغ الرمان يجد ألمه الإِنْسَان فِي الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه فِي الدنيا.
فتركته ومضيت.
وحكى عَن إِبْرَاهِيم بْن شبان، أَنَّهُ قَالَ: مَا بت تَحْتَ سقف ولا فِي موضع عَلَيْهِ غلق أربعين سنة وكنت أشتهي فِي أوقات أَن أتناول شُعْبَة عدس فلم يتفق فكنت وقتا بالشام فحمل إِلَى غضارة لي فِيهَا عدس فتناولت منه وخرجت فرأيت قوارير معلقة فِيهَا شَيْء شبه نموذجات، فظننته خلا، فَقَالَ لي بَعْض النَّاس: إيش تنظر هذه نموذجات الخمر، وَهَذَهِ الدنان خمر، فَقُلْتُ فِي نفسي: لزمني فرض فدخلت حانوت الخمار، وَلَمْ أزل أصب تلك الدنان، وَهُوَ يتوهم أنى أصبها بأمر السلطان فلما علم حملني إِلَى ابْن طولون، فأمر بضربي مائتي خشبة وطرحني فِي السجن فبقيت فِيهِ مدة حَتَّى دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ المغربي أستاذي ذَلِكَ البلد فشفع لي، فلما وقع بصره عَلِي، قَالَ: إيش فعلت؟ فَقُلْتُ: شبعة عدس ومائتي خشبة فَقَالَ لي: نجوت مجانا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن نصير، يَقُول: سمعت الجنيد، يَقُول: سمعت السري، يَقُول
[ ١ / ٢٨٥ ]
وإن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أَوْ أربعين سنة أَن أغمس جزرة فِي دبس فَمَا أطعتها وسمعته، يَقُول: سمعت جدى، يَقُول: آفة العبد رضاه من نَفْسه بِمَا هُوَ فِيهِ.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن عَلِي القرمسيني، يَقُول: وجه عصام بْن يُوسُفَ البلخي شَيْئًا إِلَى حاتم الأصم فقبله منه، فقيل لَهُ: لَمْ قبله؟ فَقَالَ: وجدت فِي أخذه ذلي وعزه وَفِي رده عزي وذله فاخترت عزه عَلَى عزى، وذلي عَلَى ذله.
وقيل لبعضهم: إني أريد أَن أحج عَلَى التجريد، فَقَالَ لَهُ: جرد أولا قلبك عَنِ السهو، ونفسك عَنِ اللهو، ولسانك عَنِ اللغو ثُمَّ اسلك حيث شئت.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: من أَحْسَن فِي ليله كوفئ فِي نهاره، ومن أَحْسَن فِي نهاره كوفئ فِي ليله، ومن صدق فِي ترك شهوة كفي مؤنتها، والله أكرم من أَن يعذب قلبا ترك شهوة لأجله.
وأوحي اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: يا دَاوُد، حذر وأنذر أَصْحَابك أكل الشهوات، فَإِن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة.
ورؤي رجل جالسا فِي الهواء فقيل لَهُ بم نلت هَذَا فَقَالَ: تركت الهوى فسخر لي الهواء وقيل: لو عرض للمؤمن ألف شهوة لأخرجها بالخوف ولو عرض للفاجر شهوة واحدة لأخرجته من الخوف، وقيل: لا تضع زمامك فِي يد الهوى فَإِنَّهُ يقودك إِلَى الظلمة،
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَقَالَ يُوسُف بْن أسباط: لا يمحو الشهوات من القلب إلا خوف مزعج أَوْ شوق مقلق.
وَقَالَ الخواص: من ترك شهوة فلم يجد عوضها فِي قلبه فَهُوَ كاذب فِي تركها.
وَقَالَ جَعْفَر بْن نصير: دفع إلي الجنيد درهما وَقَالَ اشتر لي بِهِ التين الوزيري فاشتريته لَهُ فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها فِي فِيهِ ثُمَّ ألقاها وبكي وَقَالَ أحمله فَقُلْتُ لَهُ: فِي ذَلِكَ فَقَالَ: هتف فِي قلبي أما تستحي شهوة تركتها من أجلى ثُمَّ تعود إِلَيْهَا وأنشدوا:
نون الهوان من الهوى مسروقة وصريع هوى صريع هوان
واعلم أَن للنفس أخلاقا ذميمة فمن ذَلِكَ الحسد.
[ ١ / ٢٨٧ ]
بَاب الحسد قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١-٢]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] فختم السورة الَّتِي جعلها عوذة بذكر الحسد.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: ثَلاثٌ هُنَّ أَصْلُ كُلِّ خَطِيئَةٍ فَاتَّقُوهُنَّ وَاحْذَرُوهُنَّ، إِيَّاكُمْ وَالْكِبْرَ فَإِنَّ إِبْلِيسَ حَمَلَهُ الْكِبْرُ عَلَى أَنْ لا يَسْجُدَ لآدَمَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحِرْصَ فَإِنَّ آدَمَ حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَنْ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ ابْنَيْ آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَسَدًا "
وَقَالَ بَعْضهم: الحاسد جاحد لأنه لا يرضى بقضاء الْوَاحِد، وقيل: الحسود لا يسود وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] قيل مَا بطن الحسد وَفِي بَعْض الكتب الحاسد عدو نعمتي وقيل: أثر الحسد يتبين فيك قبل أَن يتبين فِي عدوك، وَقَالَ الأصمعي: رأيت أعرابيا أتي عَلَيْهِ مائة وعشرون سنة، قُلْت لَهُ: مَا أطول عمرك؟ فَقَالَ: تركت الحسد فبقيت، وَقَالَ ابْن المبارك: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يجعل فِي قلب أميري مَا جعل فِي قلب حاسدي
[ ١ / ٢٨٨ ]
وَفِي بَعْض الآثار: إِن فِي السماء الخامسة ملكا يمر بِهِ عمل عَبْد وَلَهُ ضوء كضوء الشَّمْس، فَيَقُول: قف فأنا ملك الحسد أضرب بِهِ وجه صاحبه فَإِنَّهُ حاسد وَقَالَ مُعَاوِيَة كُل إِنْسَان أقدر عَلَى أَن أرضيه إلا الحاسد فَإِنَّهُ لا يرضيه إلا زوال النعمة ويقال الحاسد ظَالِم غشوم لا يبقى ولا يذر، وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز: مَا رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد غم دائم ونفس متتابع وقيل: من علامات الحاسد أَن يتملق إِذَا شهدت ويغتاب إِذَا غاب ويشمت بالمصيبة إِذَا نزلت، وَقَالَ مُعَاوِيَة: ليست فِي خلال الشر خلة أعدل من الحسد تقتل الحاسد قبل المحسود وقيل: أوحى اللَّه ﷿ إِلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد ﵉ أوصيك بسبعة أشياء: لا تغتابن صَالِح عبادي، ولا تحسدن أحدا من عبادي، فَقَالَ سُلَيْمَان: يا رب حسبي وقيل: رأى مُوسَى ﵇ رجلا عِنْدَ العرش، فغبط، فَقَالَ: مَا صفته؟ فقيل: كَانَ لا يحسد النَّاس عَلَى مَا آتاهم اللَّه من فضله: وقيل: الحاسد إِذَا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عشرة شمت، وقيل: إِذَا أردت أَن تسلم من الحاسد فلبس عَلَيْهِ أمرك وقيل: الحاسد مغتاط عَلَى من لا ذنب لَهُ بخيل بِمَا لا يملكه وقيل: إياك أَن تتعنى فِي مودة من يحسدك، فَإِنَّهُ لا يقبل إحسانك
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقيل: إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يسلط عَلَى عَبْد عدوا لا يرحمه سلط عَلَيْهِ حاسدوه وأنشدوا:
وحسبك من حادث بامرئ ترى حاسديه لَهُ راحمينا
وأنشدوا:
كُل العداوة قَدْ ترجي إماتتها إلا عداوة من عداك من حسد
وَقَالَ ابْن المعتز:
قل للحسود إِذَا تنفس طعنة يا ظالما وكأنه مظلوم
وأنشدوا:
وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة طويت أتاح لَهَا لسان حسود
ومن الأخلاق المذمومة للنفس اعتياد الغيبة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
بَاب الغيبة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] الآية.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ بِنْتِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلا قَامَ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ جَالِسٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَا أَعْجَزَ فُلانًا.
فَقَالَ ﷺ: أَكَلْتُمْ أَخَاكُمْ وَاغْتَبْتُمُوهُ "
وأوحي اللَّه تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇: من مَات تائبا من الغيبة فَهُوَ آخر من يدخل الْجَنَّة، ومن مَات مصرا عَلَيْهَا، فَهُوَ أول من يدخل النار وَقَالَ عوف: دخلت عَلَى ابْن سيرين فتناولت الْحَجَّاج فَقَالَ ابْن سيرين: إِن اللَّه تَعَالَى حكم عدل فكما يأخذ من الْحَجَّاج يأخذ للحجاج وإنك إِذَا لقيت اللَّه ﷿ غدا كَانَ أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أَعْظَم ذنب أصابه الْحَجَّاج.
وقيل: دعي إِبْرَاهِيم بْن أدهم إِلَى دعوة فحضر فذكروا رجلا لَمْ يأتهم فَقَالُوا إنه ثقيل فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِنَّمَا فعل بي هَذَا نفسي حيث حضرت موضعا يغتاب فِيهِ النَّاس فخرج وَلَمْ يأكل ثلاثة أَيَّام.
وقيل: مثل الَّذِي يغتاب النَّاس كمثل من نصب منجنيقا يرمي بِهِ حسناته شرقا وغربا يغتاب واحدا خراسانيا وآخر حجازيا وآخر تركيا فيفرق حسناته ويقوم ولا شَيْء مَعَهُ،
[ ١ / ٢٩١ ]
وقيل: يؤتى العبد يَوْم الْقِيَامَة كتابه فلا يرى فِيهِ حسنة، فَيَقُول: أين صلاتي وصيامي وطاعاتي؟ فيقال: ذهب عملك كُلهُ باغتيابك لِلنَّاسِ، وقيل: من اغتيب بغيبة غفر اللَّه تَعَالَى لَهُ نصف ذنوبه، وَقَالَ سُفْيَان بْن الْحُسَيْن: كنت جالسا عِنْدَ إياس بْن مُعَاوِيَة فنلت من إِنْسَان فَقَالَ: هل غزوت العام الترك والروم؟ قُلْت: لا.
فَقَالَ: سلم منك الترك والروم، وَمَا سلم منك أخوك المسلم.
وقيل: يعطي الرجل كتابه فيرى فِيهِ حسنات لَمْ يعملها فيقال لَهُ: هَذَا بِمَا أغتابك النَّاس وأنت لَمْ تشعر، وسئل سُفْيَان الثَّوْرِي عَن قَوْله ﷺ إِن اللَّه يبغض أهل الْبَيْت اللحميين، فَقَالَ: هُم الَّذِينَ يغتابون النَّاس يأكلون لحومهم، وذكرت الغيبة عِنْدَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي، وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثَلاث خصال إِن لَمْ تنفعه فلا تضره، وإن لَمْ تسره فلا تغمه، وإن لَمْ تمدحه فلا تذمه، وقيل للحسن البصري: إِن فلانا أغتابك فبعث إِلَيْهِ طبق حلواء، وَقَالَ بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْقَطْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ فَلا غَيْبَةَ لَهُ
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ السَّهْمِيّ، يَقُول: سمعت أبا طاهر مُحَمَّد بْن أسيد الدقي، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير، يَقُول: قَالَ الجنيد: كنت جالسا فِي مَسْجِد الشونيزية انتظر جنازة أصلى عَلَيْهَا وأهل بغداد عَلَى
[ ١ / ٢٩٢ ]
طبقاتهم جلوس ينتظرون الجنازة فرأيت فقيرا عَلَيْهِ أثر النسك يسأل النَّاس فَقُلْتُ فِي نفسي: لو عمل هَذَا عملا يصون بِهِ نَفْسه كَانَ أجمل بِهِ فلما انصرفت إِلَى منزلي، وَكَانَ لي شَيْء من الورد بالليل حَتَّى البكاء والصلاة وغير ذَلِكَ فثقل عَلِي جَمِيع أورادي فسهرت وأنا قاعد فغلبتني عيناي فرأيت ذَلِكَ الفقير جاءوا بِهِ عَلَى خوان ممدود وَقَالُوا لي كُل لحمه فَقَدْ أغتبته وكشف لي عَنِ الحال فَقُلْتُ: مَا أغتبته إِنَّمَا قُلْت فِي نفسي شَيْئًا فقيل لي: مَا أَنْتَ مِمَّن يرضى منك بمثله اذهب فاستحله فاصبحت وَلَمْ أزل أتردد حَتَّى رأيته فِي موضع يلتقط من الماء عِنْدَ تزايد الماء أوراقا من البقل مِمَّا تساقط من غسل البقل فسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ: يا أبا القاسم تعود فَقُلْتُ لا فَقَالَ: غفر اللَّه تَعَالَى لنا ولك.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا طاهر الإِسْفِرَايِنِيّ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر البلخي يَقُول: كَانَ عندنا شاب من أهل بلخ وَكَانَ يجتهد ويتعبد إلا أَنَّهُ كَانَ أبدا يغتاب النَّاس يَقُول: فُلان كَذَا وفلان كَذَا فرأيته يوما عِنْدَ المخنثين الغسالين خرج من عندهم فَقُلْتُ: يا فُلان مَا حالك؟ فَقَالَ: تلك الوقيعة فِي النَّاس أوقعتني إِلَى هَذَا ابتليت بمخنث من هَؤُلاءِ وأنا هُوَ ذا أخدمهم من أجله وتلك الأحوال كلها قَدْ ذهبت فادع اللَّه أَن يرحمني.
[ ١ / ٢٩٣ ]
بَاب القناعة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قَالَ كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة فِي الدنيا القناعة.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْغِفَارِيُّ، عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لا يَفْنَي»
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْقَرَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحَبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ "
وقيل: الفقراء أموات إلا من أحياه اللَّه تَعَالَى بعز القناعة.
وَقَالَ بشر الحافي: القناعة ملك لا يسكن إلا فِي قلب مؤمن.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشعراني يَقُول: سمعت إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حسان الأنماطي، يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري، يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الداراني، يَقُول: القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، هَذَا أول الرضا وَهَذَا أول الزهد، وقيل: القناعة السكون عِنْدَ عدم المألوفات وَقَالَ أَبُو بَكْر المراغي: العاقل من دبر أمر الدنيا بالقناعة والتسويف، وأمر الآخرة بالحرص والتعديل، وأمر الدين بالعلم والاجتهاد.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: القناعة ترك التشوف إِلَى المفقود والاستغناء بالموجود.
وقيل: فِي معني قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] يَعْنِي القناعة، وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: القناعة رضا النفس بِمَا قسم لَهَا من الرزق، ويقال القناعة الاكتفاء بالموجود وزوال الطمع فيما لَيْسَ بحاصل، وَقَالَ وهب: إِن العز والغنى خرجا يجولان يطلبان رفيقا فلقيا القناعة فاستقرا، وقيل: من كانت قناعته سمينة طابت لَهُ كُل مرقة، ومن رجع إِلَى اللَّه تَعَالَى عَلَى كُل حالة رزقه اللَّه القناعة، وقيل: مر أَبُو حازم بقصاب ومعه لحم سمين، فَقَالَ: خذا يا أبا حازم فَإِنَّهُ سمين، فَقَالَ: لَيْسَ معي درهم، قَالَ: أنا أنظرك فَقَالَ: نفسي أَحْسَن نظرة لي منك، وقيل: من أقنع النَّاس؟ فقيل أكثرهم لِلنَّاسِ معونة وأقلهم عَلَيْهِم مؤنة، وَفِي الزبور: القانع غنى وإن كَانَ جائعا، وقيل: وضع اللَّه تَعَالَى خمسة أشياء فِي خمسة مواضع: العز فِي الطاعة، والذل فِي المعصية، والهيبة فِي قيام الليل والحكمة فِي البطن الخالي، والغنى فِي القناعة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت نصر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت سُلَيْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان يَقُول: سمعت أبا القاسم بْن أَبِي نزار يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم المارستاني، يَقُول: انتقم من حرصك بالقناعة كَمَا تنتقم من عدوك بالقصاص، وَقَالَ ذو النون المصري: من قنع استراح من أهل زمانه واستطال عَلَى أقرانه،
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقيل: من قنع استراح من الشغل واستطال عَلَى الكل، وَقَالَ الكتاني: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة.
وقيل: من تعبت عيناه مَا فِي أيدي النَّاس طال حزنه، وأنشدوا:
وأحسن بالفتى من يَوْم عار ينال بِهِ الغنى كرم وجوع
وقيل: رأى رجل حكيما يأكل مَا تساقط من البقل عَلَى رأس ماء فَقَالَ: لو خدمت السلطان لَمْ تحتج إِلَى أكل هَذَا فَقَالَ الحكيم: وأنت لو قنعت بِهَذَا لَمْ تحتج إِلَى خدمة السلطان، وقيل العقاب عزيز فِي مطاره لا يسموه إِلَيْهِ طرف صياد ولا طمعه فَإِذَا طمع فِي جيفة علقت عَلَى حبالة نزل من مطاره فتعلق فِي حباله، وقيل: لما نطق مُوسَى ﵇ بذكر الطمع فَقَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] قَالَ الحضر لَهُ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، وقيل: لما قَالَ ذَلِكَ مُوسَى ﵇ وقف بَيْنَ يدي مُوسَى والخضر ﵉ ظبي وكانا جائعين الجانب الَّذِي يلي مُوسَى ﵇ غَيْر مشوي والجانب الَّذِي يلي الخضر مشوي، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] هُوَ القناعة فِي الدنيا: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] هُوَ الحرص فِي الدنيا، وقيل: فِي قَوْله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] أي فكها من ذل الطمع، وقيل: فِي قَوْله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يعنى البخل والطمع: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] يعنى بالسخاء والإيثار،
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] أي مقاما فِي القناعة أنفرد بِهِ من أشكالي وأكون راضيا فِيهِ بقضائك، وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] يَعْنِي لأسلبنه القناعة ولأبتلينه بالطمع يَعْنِي اسأل اللَّه تَعَالَى أَن يفعل بِهِ ذَلِكَ، وقيل لأبي يَزِيد: بم وصلت إِلَى مَا وصلت فَقَالَ: جمعت أسباب الدنيا فربطتها بحبل القناعة ووضعتها فِي منجنيق الصدق ورميت بِهَا فِي بحر اليأس فاسترحت.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فرحان بسامرة يَقُول: سمعت خالي عَبْد الْوَهَّاب يَقُول: كنت جالسا عِنْدَ الجنيد أَيَّام الموسم وحوله جَمَاعَة كثيرون من العجم والموالدين فجاء إِنْسَان بخمس مائة دِينَار ووضعها بَيْنَ يديه وَقَالَ تفرقها عَلَى هَؤُلاءِ الفقراء فَقَالَ: ألك غيرها؟ قَالَ: نعم، لي دنانير كثيرة فَقَالَ: أتريد غَيْر مَا تملك؟ فَقَالَ: نعم.
فَقَالَ الجنيد: خذها فإنك أحوج إِلَيْهَا منا وَلَمْ يقبلها.
[ ١ / ٢٩٧ ]
بَاب التوكل قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وَقَالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وَقَالَ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَوْرَكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: أُرِيتُ الأُمَمَ بِالْمَوْسِمِ فَرَأَيْتُ أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتَهُمْ وَهَيْئَتَهُمْ، فَقِيلَ لِي: أَرَضِيتَ.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ لا يَكْتُوُونَ وَلا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، فَقَامَ آخَرٌ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَقَالَ ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر الوجيهي قَالَ: قَالَ أَبُو عَلَى الروذباري قُلْت لعمرو بْن سنان: احك لي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ حكاية فَقَالَ: إنه قَالَ: علامة المتوكل ثَلاث لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت أبا مُوسَى الدبيل يَقُول: قيل لأبي يَزِيد: مَا التوكل؟
[ ١ / ٢٩٨ ]
فَقَالَ لي: مَا تقول أَنْتَ؟ قَالَ قُلْت: إِن أَصْحَابنا يقولون لو أَن السباع والأفاعي عَن يمينك ويسارك مَا تحرك لِذَلِكَ سرك فَقَالَ أَبُو يَزِيد: نعم هَذَا قريب ولكن لو أَن أهل الْجَنَّة فِي الْجَنَّة يتنعمون وأهل النار فِي النار يعذبون ثُمَّ وقع لَك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أول مقام فِي التوكل أَن يَكُون العبد بَيْنَ يدي اللَّه ﷿ كالميت بَيْنَ يدي الغاسل يقلبه كَيْفَ شاء لا يَكُون لَهُ حركة ولا تدبير.
وَقَالَ حمدون: التوكل هُوَ الاعتصام بالله تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد البلخي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه يَقُول: قَالَ رجل لحاتم الأصم من أين تأكل؟ فَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .
وأعلم أَن التوكل محله القلب والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد أَن التقدير من قبل اللَّه تَعَالَى وإن تعسر شَيْء فبتقديره وإن اتفق شَيْء فبتيسيره.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجُحْدَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَحْيَي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْمُغِيرَةُ بْنِ أَبِي قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدَعَهَا وَأَتَوَكَّلُ، فَقَالَ: أَعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص من صح توكله فِي نَفْسه صح توكله فِي غيره وَقَالَ بشر الحافي يَقُول أحدهم توكلت عَلَى اللَّه تَعَالَى يكذب عَلَى اللَّه تَعَالَى لو توكل عَلَى اللَّه تَعَالَى لرضي بِمَا يفعل اللَّه تَعَالَى بِهِ.
وسئل يَحْيَي بْن معاذ: مَتَى يَكُون الرجل متوكلا فَقَالَ: إِذَا رَضِيَ بالله تَعَالَى وكيلا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الصامت يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم الخواص يَقُول:
[ ١ / ٢٩٩ ]
بينما أنا أسير فِي البادية وإذا بهاتف يهتف فالتفت إِلَيْهِ فَإِذَا أعرابي يسير فَقَالَ لي: يا إِبْرَاهِيم التوكل عندنا أقم عندنا حَتَّى يصح توكلك ألم تعلم أَن رجاءك لدخول بلد فِيهِ أطعمة يحملك أقطع رجاءك عَنِ البلدان وتوكل.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء وسئل عَن حقيقة التوكل فَقَالَ: أَن لا يظهر فيك انزعاج إِلَى الأسباب مَعَ شدة فاقتك إِلَيْهَا ولا تزول عَن حقيقة السكون إِلَى الحق مَعَ وقوفك عَلَيْهَا.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: شرط التوكل مَا قاله أَبُو تراب النخشبي وَهُوَ طرح البدن فِي العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إِلَى الكفاية فَإِن أعطي شكر وإن منع صبر وكما قَالَ ذو النون التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة وإنما يقوى العبد عَلَى التوكل إِذَا علم أَن اللَّه سبحانه يعلم ويرى مَا هُوَ فِيهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد القرمسيني يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر بْن الفرج يَقُول: رأيت رجلا يعرف بجمل عَائِشَة من الشطار يضرب بالسياط فَقُلْتُ لَهُ: أي وقت يَكُون ألم الضرب عليكم أسهل؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ من ضربنا لأجله يرانا.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد يَقُول: قَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور لإبراهيم الخواص ماذا صنعت فِي هذه الأسفار وقطع هذه المفاوزة قَالَ: بقيت فِي التوكل أصحح نفسي عَلَيْهِ فَقَالَ: الْحُسَيْن أفنيت عمرك فِي عمران باطنك فأين الفناء فِي التوحيد؟ سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: التوكل مَا قاله أَبُو بَكْر الدقاق وَهُوَ رد العيش إِلَى يَوْم واحد وإسقاط هُمْ غد، قَالَ: وَهُوَ كَمَا قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: التوكل الاسترسال مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يريد.
[ ١ / ٣٠٠ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أبا بَكْر البردعي يَقُول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يَقُول التوكل عَلَى اللَّه تَعَالَى بكمال الحقيقة مَا وقع لإبراهيم ﵇ فِي الوقت الَّذِي قَالَ لجبريل ﵇: أما إليك فلا لأنه غابت نَفْسه بالله تَعَالَى فلم ير مَعَ اللَّه غَيْر اللَّه ﷿.
وسمعته يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان الخياط يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي وسأله رجل فَقَالَ: مَا التوكل، فَقَالَ: خلع الأرباب وقطع الأسباب فَقَالَ السائل: زدني فَقَالَ: إلقاء النفس فِي العبودية وإخراجها من الربوية.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد المعلم يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ يَقُول: سمعت حمدون القصار وسئل عَنِ التوكل فَقَالَ: إِن كَانَ لَك عشرة آلاف درهم وعليك دانق دين لَمْ تأمن أَن تموت ويبقى ذَلِكَ فِي عنقك ولو كَانَ عليك عشرة آلاف درهم دين من غَيْر أَن تترك لَهَا وفاء لا تيأس من اللَّه تَعَالَى أَن يقضيه عَنْك.
وسئل أَبُو عَبْد اللَّهِ الْقُرَشِيّ عَنِ التوكل فَقَالَ: التعلق بالله تَعَالَى فِي كُل حال فَقَالَ السائل: زدني قَالَ: ترك كُل سبب يوصل إِلَى سبب حَتَّى يَكُون الحق هُوَ المتولى لِذَلِكَ وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ التوكل حال النَّبِي ﷺ والكسب سنته فمن بقى عَلَى حاله فلا يتركن سنته وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقيل: التوكل أَن يستوي عندك الإكثار والتقلل،
[ ١ / ٣٠١ ]
وَقَالَ ابْن مسروق: التوكل الاستسلام لجيران الْقَضَاء والأحكام سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الحيري يَقُول: التوكل الاكتفاء بالله تَعَالَى مَعَ الاعتماد عَلَيْهِ وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن غالب يحكي عَنِ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور قَالَ: المتوكل المحق لا يأكل وَفِي البلد من هُوَ أحق بِهِ منه وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت مَنْصُور أَحْمَد الحريري يَقُول: حكي لنا ابْن أَبِي شيخ قَالَ: سمعت عُمَر بْن سنان يَقُول: اجتاز بنا إِبْرَاهِيم الخواص، فقلنا لَهُ: حَدَّثَنَا بأعجب مَا رأيته فِي أسفارك فَقَالَ: لقيني الخضر ﵇ فسألني الصحبة فخشيت أَن يفسد عَلَى توكلي بسكوني إِلَيْهِ ففارقته.
وسئل سهل عَنِ التوكل فَقَالَ: قلب عاش مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا علاقة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: التوكل ثَلاث درجات التوكل ثُمَّ التسليم ثُمَّ التفويض فالمتوكل يسكن إِلَى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه.
وسمعته يَقُول التوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية.
وسئل الدقاق عَنِ التوكل فَقَالَ: الأكل بلا طمع وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: لبس الصوف حانوت والكل فِي الزهد حرفة وصحبة القوافل تعرض وَهَذَهِ كلها علاقات.
وجاء رجل إِلَى الشبلي يشكو إِلَيْهِ كثرة العيال فَقَالَ: ارجع إِلَى بيتك فمن لَيْسَ رزقه عَلَى اللَّه فاطرده عَنْك.
[ ١ / ٣٠٢ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: قرأت عَلَى مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن قَالَ: سهل بْن عَبْد اللَّهِ من طعن فِي الحركة فَقَدْ طعن فِي السنة ومن طعن فِي التوكل فَقَدْ طعن فِي الإيمان وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم الخواص: كنت فِي طريق مَكَّة فرأيت شخصا وحشيا فَقُلْتُ: جنى أَوْ إنسي فَقَالَ: جنى فَقُلْتُ: إِلَى أين فَقَالَ: إِلَى مَكَّة فَقُلْتُ: بلا زاد فَقَالَ: نعم فينا أَيْضًا من يسافر عَلَى التوكل فَقُلْتُ إيش التوكل؟ فَقَالَ: الأخذ من اللَّه تَعَالَى.
سمعته يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت الفرغاني يَقُول كَانَ إِبْرَاهِيم الخواص مجردا فِي التوكل يدقق فِيهِ وَكَانَ لا تفارقه إبرة وخيوط وركوة ومقراض فقيل لَهُ يا أبا إِسْحَاق لَمْ تحمل هَذَا وأنت تمتنع من كُل شَيْء فَقَالَ: مثل هذا لا ينقض التوكل، لأن لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا فرائض والفقير لا يَكُون عَلَيْهِ إلا ثوب واحد، فربما يتخرق ثوبه فَإِن لَمْ يكن مَعَهُ إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عَلَيْهِ صلاته وإذا لَمْ يكن مَعَهُ ركوة تفسد عَلَيْهِ طهارته فَإِذَا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه فِي صلاته.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول التوكل صفة الْمُؤْمِنيِنَ والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين فالتوكل صفة العوام والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خواص الخواص.
وسمعته يَقُول: التوكل صفة الأنبياء والتسليم صفة إِبْرَاهِيم ﵇ والتفويض صفة نبينا مُحَمَّد ﷺ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل فِي السوق آخذ كُل يَوْم أجرتي ولا أنتفع منها بشربة ماء ولا بدخلة حمام وكنت أجئ بِهَا إِلَى الفقراء فِي الشونيزية وأكون عَلَى حالي
[ ١ / ٣٠٣ ]
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: سمعت الْحَسَن أَخَا سنان يَقُول حجبت أربع عشرة حجة حافيا عَلَى التوكل فكان يدخل فِي رجلي الشوك فأذكر أني اعتقدت عَلَى نفسي التوكل فأحكها فِي الأَرْض وأمشي.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الواعظ يَقُول: سمعت خيرا النساج يَقُول: سمعت أبا حمزة يَقُول إني لأستحي من اللَّه تَعَالَى أَن أدخل البادية وأنا شبعان وَقَدِ اعتقدت التوكل لئلا يَكُون سعيي عَلَى الشبع زاد أتزوده.
وسئل حمدون عَنِ التوكل فَقَالَ: تلك درجة لَمْ أبلغها بَعْد وكيف يتكلم فِي التوكل من لَمْ يصح لَهُ حال الإيمان وقيل: المتوكل كالطفل لا يعرف شَيْئًا يأوي إِلَيْهِ إلا ثدي أمه كَذَلِكَ المتوكل لا يهتدي إلا إِلَى ربه تَعَالَى وعن بَعْضهم قَالَ: كنت فِي البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحدا فتسارعت حَتَّى أدركته فَإِذَا هِيَ امْرَأَة بيدها عكازة تمشي عَلَى التؤدة فظننت أَنَّهَا أعيت فأدخلت يدي فِي جيبي فأخرجت عشرين درهما فَقُلْتُ خذيها وامكثي حَتَّى تلحقك القافلة فتكتري بِهَا ثُمَّ ائتني الليلة حَتَّى أصلح أمرك فَقَالَتْ بيدها هكذا فِي الهواء فَإِذَا فِي كفها دنانير قَالَتْ: أَنْتَ أخذتا لدراهم من الجيب وأنا أخذت الدنانير من الغيب.
ورأى أَبُو سُلَيْمَان الداراني رجلا بمكة، شرفها اللَّه تَعَالَى، لا يتناول شَيْئًا إلا شربة من ماء زمزم فمضى عَلَيْهِ أَيَّام فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان يوما: أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب فقام وقبل رأسه وَقَالَ جزاك اللَّه تعالى خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أَيَّام ومضى.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص رأيت فِي طريق الشام شابا حدثا حسن المراعاة فَقَالَ لي: هل لَك فِي الصحبة فَقُلْتُ: إني أجوع فَقَالَ: إِن جعتَ جعتُ معك
[ ١ / ٣٠٤ ]
فبقينا أربعة أَيَّام ففتح عَلَيْنَا بشيء فَقُلْتُ: هلم فَقَالَ: أعتقدت أني لا آخذ بواسطة فَقُلْتُ: يا غلام دققت فَقَالَ: يا إِبْرَاهِيم لا تتبهرج فَإِن الناقد بصير مَالك والتوكل ثُمَّ قَالَ: أقل التوكل أَن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إِلَى من إِلَيْهِ الكفايات.
وقيل: التوكل نفى الشكوك والتفويض إِلَى ملك الملوك.
وقيل: دَخَلَ جَمَاعَة عَلَى الجنيد فَقَالُوا: أين نطلب الرزق فَقَالَ: إِن علمتم أي موضع هُوَ فاطلبوه قَالُوا: فنسأل اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ فَقَالَ: إِن علمتم أنه ينساكم فذكروه فَقَالُوا: ندخل الْبَيْت فتوكل فَقَالَ: التجربة شك قَالُوا فَمَا الحيلة فَقَالَ: ترك الحيلة.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني لأحمد بْن أَبِي الحواري: يا أَحْمَد إِن طرق الآخرة كثيرة وشيخك عارف بكثير منها إلا هَذَا التوكل المبارك فإني مَا شممت بمنه رائحة.
وقيل: التوكل الثقة بِمَا فِي يد اللَّه تعالى واليأس عما فِي أيدي النَّاس.
وقيل: التوكل فراغ السر عَنِ التفكر فِي التقاضي فِي طلب الرزق.
وسئل الْحَارِث المحاسبي عَنِ المتوكل هل يلحقه طمع فَقَالَ: يلحقه من طريق الطباع خطرات ولا يضره شَيْء ويقويه عَلَى إسقاط الطمع اليأس عما فِي أيدي النَّاس.
وقيل: جاع النوري فِي البادية فهتف بِهِ هاتف أيما أحب إليك سب أَوْ كفاية فَقَالَ: الكفاية فلبس فوقها نهاية فبقي سبعة عشر يوما لَمْ يأكل.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وَقَالَ أَبُو عَلَى الروذباري إِذَا قَالَ الفقير بَعْد خمسة أَيَّام أنا جائع فألزموه بالسوق ومروه بالعمل والكسب.
وقيل: نظر أَبُو تراب النخشبي إِلَى صوفي مد يده عَلَى قشر بطيخ ليأكله بَعْد ثلاثة أَيَّام فَقَالَ: لَهُ لا يصلح لَك التصوف الزم السوق وَقَالَ أَبُو يعقوب الأقطع البصرى: جعت مرة بالحرم عشرة أَيَّام فوجدت ضعفا فحدثني نفسي فخرجت إِلَى الوادي لعلى أجد شَيْئًا يسكن ضعفى فرأيت سلجمة مطروحة فأخذتها فوجدت فِي قلبي منها وحشة وكأن قائلا يَقُول لي جعت عشرة أَيَّام فآخره يَكُون حظك سلجمة متغيرة فرميت بِهَا ودخلت الْمَسْجِد فقعدت فَإِذَا أنا برجل أعجمي جلس بَيْنَ يدي ووضع قمطرة وَقَالَ هذه لَك فَقُلْتُ كَيْفَ خصصتني بِهَا فَقَالَ: اعلم أنا كُنَّا فِي البحر منذ عشرة أَيَّام وأشرفت السفينة عَلَى الغرق فنذر كُل واحد منا إِن خلصنا اللَّه تَعَالَى أَن يتصدق بشيء ونذرت أنا إِن خلصني اللَّه تَعَالَى أَن أتصدق بِهَذِهِ عَلَى أول من يقع بصرى عَلَيْهِ من المجاورين وأنت أول من لقيته فَقُلْتُ: افتحها ففتحه فَإِذَا فِيهَا كعك سميد مصري ولوز مقشور وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت: رد الباقي إِلَى صبيانك هُوَ هدية منى لكم وَقَدْ قبلتها ثُمَّ قُلْت فِي نفسي: رزقك يسير إليك من عشرة أَيَّام وأنت تطلبه من الوادي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: كنت عِنْدَ ممشاد الدينوري فجرى حَدِيث الدين فَقَالَ: كَانَ عَلَى دين فاشتغل قلبي فرأيت فِي النوم كأن قائلا يَقُول: يا بخيل أخذت عَلَيْنَا هَذَا المقدار خذ عليك الأخذ وَعَلَيْنَا العطاء فَمَا حاسبت بَعْد ذَلِكَ بقالا ولا قصابا ولا غيرهم.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ويحكى عَن بنان الحمال قَالَ: كنت فِي طريق مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى أجئ من مصر ومعي زاد فجاءتني امْرَأَة وَقَالَتْ لي: يا بنان أَنْتَ حمال تحمل عَلَى ظهرك الزاد وتتوهم أَنَّهُ لا يرزقك قَالَ: فرميت بزادي ثُمَّ أتى عَلَي ثلاثة لَمْ آكل فوجدت خلخالا فِي الطريق فَقُلْتُ: فِي نفسي أحمله حَتَّى يجئ صاحبه فربما يعطيني شَيْئًا فأرده عَلَيْهِ فَإِذَا أنا بتلك المرأة فَقَالَتْ لي: أَنْتَ تاجر تقول حَتَّى يجيء صاحبه فآخذ منه شَيْئًا من الدراهم وَقَالَتْ أنفقها فاكتفيت بِهَا إِلَى قريب من مَكَّة.
ويحكى أَن بنانا احتاج إِلَى جارية تخدمه فانبسط إِلَى إخوانه فجمعوا لَهُ ثمنها وَقَالُوا: هُوَ ذا يجيء النفر فنشتري مَا يوافق فلما ورد النفر اجتمع رأيهم عَلَى واحدة وَقَالُوا: إنها تصلح لَهُ فَقَالُوا لصاحبها: بكم هذه فَقَالَ: إنها ليست للبيع فألحوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إنها لبنان الحملة أهدتها إِلَيْهِ امْرَأَة من سمرقند فحملت إِلَى بنان وذكرت لَهُ القصة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المخزومي يَقُول: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن صَالِح قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عبدون قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن الخياط قَالَ كنت عِنْدَ بشر الحافي فجاء نفر فسلموا عَلَيْهِ فَقَالَ: من أين أنتم قَالُوا: نحن من الشام جئنا نسلم عليك ونريد الحج فَقَالَ: شكر اللَّه تَعَالَى لكم فَقَالُوا: تخرج معنا فَقَالَ: بثلاث شرائط لا نحمل معنا شَيْئًا ولا نسأل أحدا شَيْئًا وإن أعطانا أحد شَيْئًا لا نقبل قَالُوا: أما أَن لا نحمل فنعم وَأَمَّا أَن لا نسأل فنعم وَأَمَّا أَن لا نقبل إِن أعطينا فهذا لا نستطيعه فَقَالَ: خرجتم متوكلين عَلَى زاد الحجيج ثُمَّ قَالَ يا حسن الفقراء ثلاثة: فَقِير لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذاك من جملة الروحانيين، وفقير لا يسأل، وإن أعطي قَبِل فذاك توضع لَهُ موائد فِي حظائر القدس، وفقير يسأل وإن أُعطي قَبِل قدر الكفاية فكفارته صدقه.
وقيل: لحبيب العجمي لَمْ تركت التجارة؟ قال وجدت الكفيل ثقة.
وقيل: كَانَ فِي الزمن الأَوَّل رجل فِي سفر ومعه قرص فَقَالَ: إِن أكلته مت
[ ١ / ٣٠٧ ]
فوكل اللَّه تَعَالَى بِهِ ملكا وَقَالَ إِن أكله فارزقه وإن لَمْ يأكله فلا تعطه غيره فلم يزل القرص مَعَهُ حَتَّى مَات وَلَمْ يأكله وبقي عنده القرص.
وقيل: من وقع فِي ميدان التفويض يزف إِلَيْهِ المراد كَمَا تزف العروس إِلَى أهلها.
والفرق بَيْنَ التضييع والتفويض أَن التضييع فِي حق اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ مذموم والتفويض فِي حقك وَهُوَ محمود وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: من أخذ فلسا من حرام فليس بمتوكل.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت نصر بْن أَبِي نصر العطار يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد المصري يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: دخلت البادية مرة بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد فسررت بأني وصلت ثُمَّ فكرت فِي نفسي أني سكنت واتكلت عَلَى غيره فآليت أَن لا أدخل المرحلة إلا أَن أحمل إِلَيْهَا فحفرت لنفسي فِي الرمل حفرة وواريت جسدي فِيهَا إِلَى صدري فسمعوا صوتا فِي نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إِن لِلَّهِ تَعَالَى وليا حبس نَفْسه فِي هَذَا الرمل فالحقوه فجاءني جَمَاعَة فأخرجوني وحملوني إِلَى القرية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المخزومي يَقُول: سمعت ابْن المالكي يَقُول: قَالَ أَبُو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينما أنا أمشى فِي الطريق إذ وقعت فِي بئر فنزعتني نفسي أَن أستغيث فَقُلْتُ لا والله لا أستغيث فَمَا استتممت هَذَا الخاطر حَتَّى مر براس البئر رجلان فَقَالَ أحدهما للآخر: تعال حَتَّى نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فِيهَا أحد فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر فهممت أَن أصيح ثُمَّ قُلْت فِي نفسي: أصيح عَلَى من هُوَ أقرب منهما وسكنت فبينما أنا بَعْد ساعة إذ أنا بشيئ جاء وكشف عَن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يَقُول لي: تعلق بي فِي همهمة لَهُ كنت أعرف ذَلِكَ منه فتعلقت بِهِ
[ ١ / ٣٠٨ ]
فأخرجني فَإِذَا هُوَ سبع فمر وهتف بي هاتف: يا أبا حمزة أليس هَذَا أَحْسَن؟ نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول:
أهابك أَن أبدي إليك الَّذِي أخفي وسري يبدي مَا يَقُول لَهُ طرفي
نهاني حيائي منك أَن أكتم الهوى وأغنيتني بالفهم منك عَنِ الكشف
تلطفت فِي أمري فأبديت شاهدي إِلَى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب حَتَّى كأنما تبشرني بالغيب أنك فِي الكف
أراك وبي من هيبتي لَك وحشة فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبا أَنْتَ فِي الحب حتفه وذا عجب كون الحياة مَعَ الحتف
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا سعدان التاهرتي يَقُول: سمعت حذيفة المرعشي يَقُول: وَقَدْ خدم إِبْرَاهِيم بْن أدهم وصحبه فقيل لَهُ: مَا أعجب مَا رأيت منه فَقَالَ: بقينا فِي طريق مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى أياما لَمْ نجد طعاما
ثُمَّ دخلنا الكوفة فأوينا
إِلَى مَسْجِد خراب فنظر إِلَى إِبْرَاهِيم بْن أدهم وَقَالَ: يا حذيفة أرى بك أثر الجوع فَقُلْتُ هُوَ مَا رأى الشيخ فَقَالَ: عَلَى بدواة وقرطاس فجئت بِهِ فكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَنْتَ المقصود إِلَيْهِ بكل حال والمشار
إِلَيْهِ بكل معنى:
[ ١ / ٣٠٩ ]
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا نائع أنا عاري
هِيَ ستة وأنا الضمين لنصفها فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها فأَجِرْ عُبَيْدك من دخول النار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى أَن لا تكلفني دخول النار
ثُمَّ دفع إِلَى الرقعة وَقَالَ: اخرج ولا تعلق قلبك بغير اللَّه تَعَالَى وادفع الرقعة إِلَى أول من يلقاك قَالَ فخرجت فأول من لقيني رجل كَانَ عَلَى بغلة فدفعتها إِلَيْهِ فأخذها وبكى وَقَالَ: مَا فعل صاحب هذه الرقعة فَقُلْتُ: هُوَ فِي الْمَسْجِد الفلاني فدفع إِلَى صرة فِيهَا ست مائة دِينَار ثُمَّ لقيت رجلا آخر، فَقُلْتُ: من صاحب هذه البغلة فَقَالَ: نصراني فجئت إِلَى إِبْرَاهِيم بْن أدهم وأخبرته بالقصة فَقَالَ لا تمسها فَإِنَّهُ يجئ الساعة، فلما كَانَ بَعْد ساعة وافى النَّصْرَانِي وأكب عَلَى رأس إِبْرَاهِيم بْن أدهم وأسلم.
[ ١ / ٣١٠ ]