قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] قَالَ الأستاذ: أصل الفتوة أَن يَكُون العبد أبدا فِي أمر غيره قَالَ ﷺ: لا يزال اللَّه تَعَالَى فِي حاجة العبد مَا دام العبد فِي حاجة أخيه المسلم
أَخْبَرَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الأَسْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمَزَ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: لا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول هَذَا الخلق لا يَكُون كماله إلا لرسول اللَّه ﷺ فَإِن كُل أحد فِي الْقِيَامَة يَقُول: نفسي نفسي وَهُوَ ﷺ يَقُول: أمتي أمتي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الفتوة بالشأم واللسان بالعراق والصدق بخراسان.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن نصير بْن مَنْصُور الصائغ يَقُول: سمعت ابْن مردويه الصائغ يَقُول: سمعت الفضل يَقُول: الفتوة الصفح عَن عثرات الإخوان.
وقيل: الفتوة أَن لا ترى لنفسك فضلا عَلَى غيرك وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق الفتى من لا يَكُون خصما لأحد.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن تكون خصما لربك عَلَى نفسك ويقال: الفتى من لا خصم لَهُ
[ ٢ / ٣٨٠ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول سمي أَصْحَاب الكهف فتية، لأنهم آمنوا بالله تَعَالَى بلا واسطة وقيل: الفتى من كسر الصنم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] وصنم كُل إِنْسَان نَفْسه فمن خالف هواه فَهُوَ فتى عَلَى الحقيقة.
وَقَالَ الحرث المحاسبي: الفتوة أَن تنصف ولا تنتصف وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان المكي: الفتوة حسن الخلق.
وسئل الجنيد عَنِ الفتوة فَقَالَ: أَن لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا وَقَالَ النصرأباذي: المروءة شُعْبَة من الفتوة وَهُوَ الإعراض عَنِ الكونين والأنفة منهما وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن يستوي عندك المقيم والطارئ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت أبا سهل بْن زِيَاد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل يَقُول سئل أَبِي مَا الفتوة؟ فَقَالَ: ترك مَا تهوى لما تخشى وقيل لبعضهم: مَا الفتوة فَقَالَ: أَن لا يميز بَيْنَ أَن يأكل عنده ولى أَوْ كافر.
سمعت بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول: استضاف مجوسي إِبْرَاهِيم الخليل ﵇ فَقَالَ: بشرط أَن تسلم فمر المجوسي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: منذ خمسين سنة نطمعه عَلَى كفره فلو ناولته لقمة من غَيْر أَن تطالبه بتغيير دينه فمضى إِبْرَاهِيم ﵇ عَلَى أثره حَتَّى أدركه واعتذر إِلَيْهِ فسأله عَنِ السبب فذكر ذَلِكَ لَهُ فأسلم المجوسي.
وَقَالَ الجنيد: الفتوة كف الأذى وبذل الندى وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الفتوة اتباع السنة وقيل: الفتوة الوفاء والحفاظ وقيل: الفتوة فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فِيهَا وقيل: الفتوة أَن لا تهرب إِذَا أقبل السائل
[ ٢ / ٣٨١ ]
وقيل: أَن لا تحتجب من القاصدين وقيل: أَن لا تدخر ولا تعتذر وقيل: إظهار النعمة وإسرار المحنة.
وقيل أَن تدعو عشرة أنفس فلا تتغير إِن جاء تسعة أَوْ أحد عشر وقيل: الفتوة ترك التمييز.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: قَالَ أَحْمَد بْن خضرويه لأمرأته أم عَلَى أريد أَن أتخذ دعوة أدعو عيارا شاطرا كَانَ فِي بلدهم رأس الفتيان قَالَت امرأته: إنك لا تهتدي إِلَى دعوة الفتيان فَقَالَ: لابد فَقَالَتْ: إِن فعلت فاذبح الأغنام والبقر والحمر وألقها من بَاب دار الرجل إِلَى بَاب دارك فَقَالَ: أما الأغنام والبقر فأعلم فَمَا بال الحمر فَقَالَتْ تدعو فتى إِلَى دارك فلا أقل من أَن يَكُون لكلاب المحلة خير.
وقيل: اتخذ بَعْضهم دعوة وفيهم شيخ شيرازي فلما أكلوا وقع عَلَيْهِم النوم فِي حال السماع فَقَالَ الشيخ الشيرازي لصاحب الدعوة: إيش السبب فِي نومنا فَقَالَ: لا أدري اجتهدت فِي جَمِيع مَا أطعمتكم إلا الباذنجان فلم أسأل عَنْهُ فلما اصبحوا سألوا بياع الباذنجان فَقَالَ: لَمْ يكن لي شَيْء فسرقت الباذنجان من الموضع الفلاني وبعته فحملوه إِلَى صاحب الأَرْض ليجعله فِي حل فَقَالَ الرجل: تسألون مني ألف باذنجانة قَدْ وهبته تلك الأَرْض ووهبته ثورين وحمارا وآلة الحرث لئلا يعود إِلَى مثل مَا فعل.
وقيل: تزوج رجل بامرأة فقبل الدخول ظهر بالمرأة الجدري فَقَالَ: الرجل اشتكت عيني ثُمَّ قَالَ: عميت فزفت إِلَيْهِ المرأة ثُمَّ ماتت بَعْد عشرين سنة ففتح الرجل عينيه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أعم ولكن تعاميت حذرا أَن تحزن فقيل لَهُ سبقت الفتيان.
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي من أراد الظرف فَعَلَيْهِ بسقاة الماء ببغداد
[ ٢ / ٣٨٢ ]
فقيل لَهُ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ: لما حملت إِلَى الخليفة فيما نسب إِلَى من الزندقة رأيت سقاء عَلَيْهِ عمامة وَهُوَ مترد بمنديل مصري وبيده كيزان خزف رقاق فَقُلْتُ: هَذَا ساقى السلطان فَقَالُوا: لا هَذَا ساقي العامة فأخذت الكوز وشربت وقلت لمن معى أعطه دِينَار فلم يأخذ وَقَالَ: أَنْتَ أسير وليس من الفتوة أَن نأخذ منك شَيْئًا وقيل: لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك قاله بَعْض أصدقائنا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ فتى يسمى أَحْمَد بْن سهل التاجر وَقَد اشتريت منه خرقة بياض فأخذ الثمن رأس ماله فَقُلْتُ: ألا تأخذ ربحا فَقَالَ: أما الثمن فآخذه ولا أحملك منه لأنه لَيْسَ لَهُ من الخطر مَا أتخلق بِهِ معك ولكن لا آخذ الربح إذ لَيْسَ من الفتوة أَن تربح عَلَى صديقك.
وقيل: خرج إِنْسَان يدعى الفتوة من نيسابور إلى نسا فاستضافه رجل ومعه جَمَاعَة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء عَلَى أيديهم فانقبض النَّيْسَابُورِيّ عَن غسل اليد وَقَالَ: لَيْسَ من الفتوة أَن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال.
فَقَالَ واحد مِنْهُم: أنا منذ سنين أدخل هذه الدار لَمْ أعلم أَن امْرَأَة تصب الماء عَلَى أيدينا أم رجلا.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: أراد واحد أَن يمتحن نوحا العيار النَّيْسَابُورِيّ فباع منه جارية فِي زي غلام وشرط أَنَّهُ غلام وكانت وضيئة الوجه فاشتراها نوح عَلَى أَنَّهَا غلام ولبثت عنده شهورا كثيرة، فقيل للجارية هل علم أنك جارية؟ فَقَالَتْ: لا إنه مَا مسني ويتوهم أني غلام وقيل: إِن بَعْض الشطار طلب منه تسليم غلام كَانَ يخدمه إِلَى السلطان فأبي فضرب ألف سوط فلم يسلم فاتفق أَنَّهُ احتلم تلك الليلة وَكَانَ بردا شديدا فلما أصبح اغتسل بالماء البارد فقيل لَهُ خاطرت بروحك فَقَالَ: استحييت من اللَّه تَعَالَى أَن أصبر عَلَى ضرب ألف سوط لأجل مخلوق ولا أصبر عَلَى مقاساة برد الاغتسال لأجله.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وقيل: قدم جَمَاعَة من الفتيان لزيارة وحد يدعى الفتوة فَقَالَ الرجل: يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فَقَالَ الرجل: ثانيا وثالثا فنظر بَعْضهم إِلَى بَعْض وَقَالُوا: لَيْسَ من الفتوة أَن يستخدم الرجل من يتعاصى عَلَيْهِ فِي تقديم السفرة كُل هَذَا فَقَالَ الرجل: لَمْ أبطأت بالسفرة فَقَالَ الغلام: كَانَ عَلَيْهَا نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إِلَى الفتيان مَعَ النمل وَلَمْ يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة فلبثت حَتَّى دب النمل فَقَالُوا: دققت يا غلام مثلك من يخدم الفتيان.
وقيل: إِن رجلا نام بالمدينة من الحاج فتوهم أَن هميانه سرق فخرج فرأى جعفرا الصادق فتعلق بِهِ وَقَالَ: أخذت همياني فَقَالَ: إيش كَانَ فِيهِ؟ فَقَالَ: ألف دِينَار فأدخله داره ووزن لَهُ ألف دِينَار فرجع الرجل إِلَى منزله ودخل بيته فرأى هميانه فِي بيته وَقَدْ كَانَ توهم أَنَّهُ سرق فخرج إِلَى جَعْفَر معتذر ورد عَلَيْهِ الدنانير فأبي أَن يقبلها وَقَالَ شَيْء أخرجته من يدي لا أسترده فَقَالَ الرجل: من هَذَا؟ فقيل جَعْفَر الصادق.
وقيل: سأل شقيق البلخي جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنِ الفتوة فَقَالَ: مَا تقول أَنْتَ؟ فَقَالَ شقيق: إِن أعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا قَالَ جَعْفَر الكلاب عندنا بالمدينة كَذَلِكَ نفعل فَقَالَ شقيق: يا ابْن بنت رَسُول اللَّهِ مَا الفتوة عندكم؟ فَقَالَ: إِن أعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول دعانا أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق ليلة إِلَى بيته فاستقبلنا صديق لنا فقلنا ارجع معنا فنحن فِي ضيافة الشيخ فَقَالَ: إنه لَمْ يدعني فقلنا نحن نستثني كَمَا استثنى رَسُول اللَّهِ ﷺ لعائشة ﵂
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فرددناه فلما بلغ بَاب الشيخ أخبرناه بِمَا قَالَ وقلنا فَقَالَ: جعلت موضعي من قلبك أَن تجئ إِلَى منزلي من غَيْر دعوة عَلَى كَذَا وكذا إِن مشيت إِلَى الموضع الَّذِي تقعد فِيهِ إلا عَلَى خدي وألح عَلَيْهِ ووضع خده عَلَى الأَرْض وحمل الرجل، فوضع قدمه عَلَى خده من غَيْر أَن يوجعه وسحب الشيخ وجهه عَلَى الأَرْض إِلَى أَن بلغ موضع جلوسه.
قَالَ الأستاذ: واعلم أَن من الفتوة الستر عَلَى عيوب الأصدقاء لا سيما إِذَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ شماتة الأعداء.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: كَانَ يقال للنصرأباذي كثيرا: إِن عليا القوال يشرب بالليل ويحضر مجلسك بالنهار وَكَانَ لا يسمع فِيهِ مَا يقال فاتفق أَنَّهُ كَانَ يمشى يوما ومعه واحد مِمَّن يذكر عليا بِذَلِكَ فوجد عليا مطروحا فِي موضع وَقَدْ ظهر عَلَيْهِ أثر السكر وصار بحيث يغسل فمه فَقَالَ: الرجل إِلَى كم نقول للشيخ ولا يسمع؟ هَذَا عَلَى الوصف الَّذِي نقول فنظر إِلَيْهِ النصر أباذي وَقَالَ للعذول: احمله عَلَى رقبتك وانقله إِلَى منزله فلم يجد بدا من طاعته فِيهِ، وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الفارسي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: دخلنا مَعَ أَبِي حفص عَلَى مريض نعوده ونحن جَمَاعَة فَقَالَ للمريض: أتحب أَن تبرأ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لأَصْحَابه تحملوا عَنْهُ فقام العليل وخرج معنا وأصبحنا كلنا أَصْحَاب فراش نعاد.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
بَاب الفراسة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] قيل: للمتفرسين.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الأستاذ: الفراسة خاطر يهجم عَلَى القلب فينفى مَا يضاده وَلَهُ عَلَى القلب حكم اشتقاقا من فريسة السبع وليس فِي مقابلة الفراسة مجوزات للنفس وَهِيَ عَلَى حسب قوة الإيمان فَكُل من كَانَ أقوى إيمانا كن أحد فراسة
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: من نظر بنور الفراسة نظر بنور الحق وتكون مواد علمه من الحق بلا سهو.
ولا غفلة بَل حكم حق جرى عَلَى لسان عَبْد.
وقوله: نظر بنور الحق يعنى بنور خصه بِهِ الحق سبحانه.
وَقَالَ الواسطي: إِن الفراسة سواطع أنوار لمعت فِي القلوب وتمكين معرفة حملت السرائر فِي الغيوب من غيب إِلَى غيب حَتَّى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق سبحانه إياها فيتكلم عَلَى ضمير الخلق.
ويحكى عن أَبِي الْحَسَن الديلمي أَنَّهُ قَالَ: دخلت أنطاكية لأجل أسود قيل لي إنه يتكلم عَلَى الأسرار فأقمت فِيهَا إِلَى أَن أخرج من جبل لكام ومعه شَيْء من المباح يبيعه وكنت جائعا منذ يومين لَمْ آكل شَيْئًا فَقُلْتُ لَهُ: بكم هَذَا وأوهمت أني أشتري مَا بَيْنَ يديه فَقَالَ: اقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك
[ ٢ / ٣٨٦ ]
مَا تشتري بِهِ شَيْئًا فتركه وسرت إِلَى غيره أوهمه أني أساومه ثُمَّ رجعت إِلَيْهِ وقلت لَهُ إِن كنت تبيع هَذَا فقل لي بكم؟ فَقَالَ: إِنَّمَا جعت يومين أقعد ثُمَّ حَتَّى إِذَا بعناه نعطيك مَا تشترى بِهِ شَيْئًا فقعدت فلما باعه أعطاني شَيْئًا ومشى فتبعته فالتفت إِلَى وَقَالَ إِذَا عرض لَك حاجة فأنزلها بالله تَعَالَى إلا أَن يَكُون لنفسه بها حظ فتحجب عَنِ اللَّه تَعَالَى.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول الفراسة مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وَهِيَ من مقامات الإيمان.
وقيل: كَانَ الشَّافِعِي ومحمد بْن الْحَسَن رحمهما اللَّه تَعَالَى فِي الْمَسْجِد الحرام فدخل رجل فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن: أتفرس أَنَّهُ نجار، وَقَالَ الشَّافِعِي: أتفرس أَنَّهُ حداد فسألاه فَقَالَ: كنت قبل هَذَا حدادا والساعة أنجر وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: المستنبط من يلاحظ الغيب أبدا ولا يغيب عَنْهُ ولا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَهُوَ الَّذِي دل عَلَيْهِ قَوْل تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] والمتوسم هُوَ الَّذِي يعرف الوسم وَهُوَ العارف بِمَا فِي سويداء القلوب بالاستدلال والعلامات قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] أي للعارفين بالعلامات الَّتِي يبديها عَلَى الفريقين من أوليائه وأعدائه والمتفرس ينظر بنور اللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ سواطع أنوار لمعت فِي قلبه فأدرك بِهَا المعاني وَهُوَ من خواص الإيمان وَالَّذِينَ هُمْ أَكْثَر من حظا الربانيون قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] يعنى: علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا وخلقا وَهُمْ فارغون عَنِ الإخبار عَنِ الخلق والنظر إليهم والاشتغال بِهِمْ وقيل: كَانَ أَبُو القاسم المنادي مريضا وَكَانَ كبير الشأن من مشايخ نيسابور فعاده
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي، والحسن الحداد، واشتريا بنصف درهم تفاحا فِي الطريق نسيئة وحملاه إِلَيْهِ فلما قعدا قَالَ أَبُو القاسم: مَا هذه الظلمة فخرجا وَقَالا: إيش فعلنا؟ وتفكرا فقالا: لعلنا لَمْ نؤد ثمن التفاح فأعطيا الثمن وعادا إِلَيْهِ فلما وقع بصره عليهما قَالَ: يمكن الإِنْسَان أَن يخرج من الظلمة بِهَذِهِ السرعة أخبراني عَن شأنكما فذكرا لَهُ القصة فَقَالَ: نعم كَانَ يعتمد كُل واحد منكما عَلَى صاحبه فِي إعطاء الثمن والرجل يستحي منكما فِي التقاضي فكان يتقي التبعة وأنا السبب إِنَّمَا رأيت ذَلِكَ فيكما وَكَانَ أَبُو القاسم المنادي هَذَا يدخل السوق كُل يَوْم ينادى فَإِذَا وقع بيده مَا فِيهِ كفايته من دانق إِلَى نصف درهم خرج وعاد إِلَى رأس وقته ومراعاة قلبه، وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور
الحق إِذَا استولى عَلَى سر ملكه الأسرار فيعاينها ويخبر عَنْهَا، وسئل بَعْضهم عَنِ الفراسة فَقَالَ: أرواح تتقلب فِي الملكوت فتشرف عَلَى معاني الغيوب فتنطق عَن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق ظن وحسبان، وقيل: كَانَ بَيْنَ زَكَرِيَّا الشختني وبين امْرَأَة سبب قبل توبته فكان يوما واقفا عَلَى رأس أَبِي عُثْمَان الحيري بَعْد مَا صار من خواص تلامذته فتفكر فِي شأنها فرفع أَبُو عُثْمَان رأسه إِلَيْهِ وَقَالَ: أما تستحيي.
قَالَ الأستاذ الإِمَام ﵀ كنت فِي ابتداء وصلتي بالأستاذ أَبِي عَلِي ﵁ عقد لي المجلس فِي مَسْجِد المطرز فاستأذنته وقتا للخروج إِلَى نسا فأذن لي فكنت أمشى مَعَهُ يوما فِي طريق مجلسه فخطر ببالي ليته يتوب عنى فِي مجالسي أَيَّام غيبتي فالتفت إِلي وَقَالَ أنوب عَنْك أَيَّام غيبتك فِي عقد المجالس فمشيت قليلا فخطر ببالي أَنَّهُ عليل يشق عَلَيْهِ أَن ينوب عنى فِي الأسبوع يومين فليته يقتصر عَلَى يَوْم واحد فِي الأسبوع فالتفت إلي وَقَالَ: إِن لَمْ يمكني فِي الأسبوع يومان أنوب عَنْك فِي الأسبوع مرة واحدة فمشيت مَعَهُ قليلا، فخطر ببالي شَيْء ثالث فالتفت إلي وصرح بالإخبار عَنْهُ عَلَى القطع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كَانَ شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطئ وَيَقُول: من غض بصره عَنِ المحارم
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأمسك نَفْسه عَنِ الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الحلال لَمْ تخطئ فراسته، وسئل أَبُو الْحَسَنِ النوري من أين تولدت فراسة المتفرسين فَقَالَ: من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فمن كَانَ حظه من ذَلِكَ النور أتم كانت مشاهدته أحكم وحكمه بالفراسة أصدق ألا ترى كَيْفَ أوجب نفخ الروح فِيهِ السجود لَهُ بقوله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] قَالَ الأستاذ: وَهَذَا الْكَلام من أَبِي الْحَسَن النوري فِيهِ أدنى غموض وإبهام بذكر نفخ الروح لا لتصويب من يَقُول بقدم الأرواح ولا كَمَا يلوح لقلوب المستضعفين فَإِن الَّذِي يصح عَلَيْهِ النفخ والاتصال والانفصال فَهُوَ قابل للتأثير والتغيير وَذَلِكَ من سمات الحدوث وإن اللَّه ﷾ خص الْمُؤْمِنيِنَ ببصائر وأنوار بِهَا يتفرسون وَهِيَ فِي الحقيقة معارف وعليه يحمل قَوْله ﷺ فَإِنَّهُ ينظر بنور اللَّه أي: بعلم وبصيرة يخصه اللَّه تَعَالَى بِهِ ويفرده بِهِ من دُونَ أشكاله، وتسمية العلوم والبصائر أنوار غَيْر مستبدع ولا يبعد وصف ذَلِكَ بالنفخ والمراد منه الخلق.
وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: المتفرس هُوَ المصيب بأول مرماه إِلَى مقصده ولا يعرج عَلَى تأويل وظن وحسبان وقيل: فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا وفراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي: إِذَا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون فِي قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحسون.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الخلدي يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول: الفراسة أول خاطر بلا معارض فَإِن عارض معارض من جنسه فَهُوَ خاطر وحَدِيث نفس.
ويحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ الرازي نزيل نيسابور قَالَ كساني ابْن الأنباري صوفا ورأيت عَلَى رأس الشبلي قلنسوة ظريفة تليق بِذَلِكَ الصوف فتمنيت فِي نفسي أَن يكونا جميعا لي فلما قام الشبلي من مجلسه التفت إِلَى فتبعته وَكَانَ عادته إِذَا أراد أَن أتبعه يلتفت إِلَى فلما دَخَلَ داره دخلت فَقَالَ: انزع الصوف فنزعنه فلفه وطرح القلنسوة عَلَيْهِ ودعا بنار فأحرقهما.
وَقَالَ أَبُو حفص النَّيْسَابُورِيّ: لَيْسَ لأحد أَن يدعى الفراسة ولكن يتقى الفراسة من الغير، لأن النَّبِي ﷺ قَالَ: اتقوا فراسة المؤمن وَلَمْ يقل تفرسوا وكيف يصح دعوى الفراسة لمن هُوَ فِي محل اتقاء الفراسة وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن مسروق: دخلت عَلَى شيخ من أَصْحَابنا أدعوه فوجدته عَلَى حال رثة فَقُلْتُ فِي نفسي: من أين يرتزق هَذَا الشيخ فَقَالَ: يا أبا الْعَبَّاس دع عَنْك هذه الخواطر الدنيئة فَإِن لِلَّهِ ألطافا خفية.
ويحكى عَنِ الزبيدي قَالَ: كنت فِي مَسْجِد ببغداد مَعَ جَمَاعَة من الفقراء فلم يفتح عَلَيْنَا بشيء أياما فأتيت الخواص لأسأله شَيْئًا فلما وقع بصره عَلَى قَالَ: الحاجة الَّتِي جئت لأجلها يعلمها اللَّه تَعَالَى أم لا فَقُلْتُ: بلى فَقَالَ: اسكت ولا تبدها لمخلوق فرجعت وَلَمْ ألبث إلا قليلا حَتَّى فتح عَلَيْنَا بِمَا فَوْقَ الكفاية وقيل: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ يوما فِي الجامع فوقع حمام فِي الْمَسْجِد من شدة مَا لحقه من الحر والمشقة فَقَالَ سهل: إِن شاه الكرماني مَات الساعة إِن شاء اللَّه تَعَالَى فكتبوا ذَلِكَ فكان كَمَا قَالَ.
وقيل: خرج أَبُو عَبْد اللَّهِ التروغندي وَكَانَ كبير الوقت إِلَى طوس فلما بلغ خر وَقَالَ لصاحبه اشتر الخبز فاشترى مَا يكفيهما فَقَالَ: اشتر أَكْثَر فاشترى صاحبه مَا يكفى عشرة أنفس تعمدا فكأنه لَمْ يجعل لقول ذَلِكَ الشيخ تحقيقا قَالَ فلما صعدنا إِلَى الجبل إِذَا بجماعة قيدتهم اللصوص لَمْ يأكلوا منذ مدة فسألونا الطعام فَقَالَ: قدم إليهم السفرة
[ ٢ / ٣٩٠ ]
قَالَ الأستاذ الإِمَام ﵁ كنت بَيْنَ يدي الأستاذ أَبِي عَلِيّ ﵀ يوما فجرى حَدِيث الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ وأنه يقوم فِي السماع موافقة للفقراء فَقَالَ الأستاذ أَبُو عَلَى مثله فِي حاله لعل السكون أولى بِهِ ثُمَّ قَالَ فِي ذَلِكَ المجلس أمض إِلَيْهِ فتجده وَهُوَ قاعد فِي بَيْت كتبه وعلى وجه الكتب مجلدة حمراء مربعة صغيرة فِيهَا أشعار الْحُسَيْن بْن مَنْصُور فاحمل تلك المجلدة ولا تقل لَهُ شَيْئًا وجئني بِهَا وَكَانَ وقت هاجر فدخلت عَلَيْهِ وإذا هُوَ فِي بَيْت كتبه والمجلدة موضوعة بحيث ذكر فلما قعدت أخذ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ فِي الْحَدِيث وَقَالَ كَانَ بَعْض النَّاس ينكر عَلَى أحد من الْعُلَمَاء حركته فِي السماع فرأى ذَلِكَ الإِنْسَان يوما خاليا فِي بَيْت وَهُوَ يدور كالمتواجد فسئل عَن حاله فَقَالَ: كانت مسألة مشكلة عَلَى فتبين لي معناها فلم أتمالك من السرور حَتَّى قمت أدور فقيل لَهُ مثل هَذَا يَكُون حالهم فلما رأيت مَا أمرني بِهِ الأستاذ أَبُو عَلِي وَمَا وصف لي عَلَى الوجه الَّذِي قَالَ وجرى عَلَى لسان الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ مَا كَانَ قَدْ ذكره بِهِ تحيرت وقلت: كَيْفَ أفعل بينهما ثُمَّ فكرت فِي نفسي وقلت: لا وجه إلا الصدق فَقُلْتُ: إِن الأستاذ أبا عَلِي وصف لي هذه المجلدة وَقَالَ لي احملها إلي من غَيْر أَن تستأذن الشيخ وأنا هُوَ ذا أخافك وليس يمكنني مخالفته فأي شَيْء تأمر فأخرج مسدسا من كَلام الْحُسَيْن وفيه تصنيف لَهُ سماه كتاب الصيهور فِي نقض الدهور وَقَالَ: احمل هَذَا إِلَيْهِ وقل لَهُ: إني أطالع تلك المجلدة وأنقل منها أبياتا إِلَى مصنفاتي فخرجت.
ويحكى عَنِ الْحَسَن الحداد أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ أَبِي القاسم المنادي وعنده جَمَاعَة من الفقراء فَقَالَ لي: اخرج وائتهم بشيء فسررت حيث أذن لي فِي التكلف للفقراء وأن آتيهم بشيء بَعْد مَا علم فقري قَالَ: فأخذت مكتلا وخرجت فلما أتيت سكة سيار رأيت شيخا بهيا، فسلمت عَلَيْهِ وقلت: جَمَاعَة من الفقراء فِي موضع فهل لَك أَن تتخلق معهم بشيء فأمر حَتَّى إِذَا أخرج إلي شَيْئًا من الخبز واللحم والعنب فلما بلغت الباب ناداني أَبُو القاسم المنادي من وراء
[ ٢ / ٣٩١ ]
الباب: رده إِلَى الموضع الَّذِي أخذته منه فرجعت واعتذرت إِلَى الشيخ وقلت: لَمْ أجدهم وعرضت بأنهم تفرقوا فرددت السبب عَلَيْهِ ثُمَّ جئت إِلَى السوق ففتح عَلَى بشيء فحملته فَقَالَ: ادخل فقصصت عَلَيْهِ القصة فَقَالَ: نعم ذاك ابْن سيار رجل سلطاني إِذَا جئت للفقراء بشيء فأتهم بمثل هَذَا لا بمثل ذاك.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن القرافي: زرت أبا الخير التيناتي فلما ودعته خرج معى إِلَى بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ: يا أبا الْحُسَيْن أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما ولكن احمل هاتين التفاحتين فأخذتهما ووضعتهما فِي جيبي وسرت فلم يفتح لي بشيء ثلاثة أَيَّام فأخرجت واحدة منهما وأكلتها ثُمَّ أردت أَن أخرج الثَّانِيَة فَإِذَا هما جميعا فِي جيبي فكنت آكل منهما ويعودان إِلَى بَاب الموصل فَقُلْتُ فِي نفسي: إنهما يفسدان عَلِي حال توكلي إِذَا صارتا معلوما لي فأخرجتهما من جيبي بمرة فنظرت فَإِذَا فَقِير ملفوف فِي عباءة يَقُول: أشتهى تفاحة فناولتهما إياه فلما عبرت وقع لي أَن الشيخ إِنَّمَا بعثهما إِلَيْهِ وكنت فِي رفقة فِي الطريق فانصرفت إِلَى الفقير فلم أجده.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أبا عُمَر بْن علوان يَقُول: كَانَ شاب يصحب الجنيد وَكَانَ يتكلم عَلَى خواطر النَّاس فذكر للجنيد فَقَالَ لَهُ الجنيد: إيش هَذَا الَّذِي ذكر عَنْك؟ فَقَالَ للجنيد: أعتقد شَيْئًا فَقَالَ: اعتقدت فَقَالَ الشاب: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ الجنيد: لا فَقَالَ: اعتقد ثانيا ففعل فَقَالَ: اعتقدت كَذَا وكذا فَقَالَ: لا فَقَالَ: ثالثا فَقَالَ: مثله فَقَالَ الشاب: هَذَا عجب أَنْتَ صدوق وأنا أعرف قلبي فَقَالَ الجنيد: صدقت فِي الأَوَّل وَالثَّانِي والثالث ولكني أردت أَن أمتحنك هل يتغير قلبك.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول اعتل ابْن الرقي فحمل إِلَيْهِ دواء فِي قدح فأخذه ثُمَّ قَالَ: وقع اليوم فِي المملكة حدث لا آكل ولا أشرب حَتَّى أعلم مَا هُوَ فورد الْخَبَر بعده بأيام أَن القرمطي دَخَلَ مَكَّة فِي ذَلِكَ اليوم وقتل بِهَا تلك المقتلة العظيمة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت أبا عثمان المغربي يَقُول: ذكر لابن الكاتب هذه الحكاية فَقَالَ: هَذَا عجب لَهُ فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا بعجب فَقَالَ لي أَبُو عَلِي بْن الكاتب: إيش خبر مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى اليوم فَقُلْتُ: ذا تحارب الطلحيون وبنو الْحَسَن ومقدم الطلحيين أسود عَلَيْهِ عمامة حمراء وعلى مَكَّة اليوم غيم عَلَى مقدار الحرم فكتب أَبُو عَلَى إِلَى مَكَّة فكان كَمَا ذكرت.
ويروى عَن أَنَس بْن مَالِك ﵁ قَالَ: دخلت عَلَى عُثْمَان ﵁ وكنت رأيت فِي الطريق امْرَأَة تأملت محاسنها فَقَالَ عُثْمَان ﵁: يدخل عَلَى أحدكم وآثار الزنا ظاهرة عَلَى عينه فَقُلْتُ: أوحي بَعْد رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لا ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد الخراز: دخلت الْمَسْجِد الحرام فرأيت فقيرا عَلَيْهِ خرقتان يسأل شَيْئًا فَقُلْتُ فِي نفسي: مثل هَذَا كُل عَلَى النَّاس فنظر إلي وَقَالَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] قَالَ: فاستغفرت فِي سرى فناداني وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] .
وحكي عَن إِبْرَاهِيم الخواص أَنَّهُ قَالَ: كنت ببغداد فِي جامع الْمَدِينَة وهناك جَمَاعَة من الفقراء فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة حسن الحرمة حسن الوجه فَقُلْتُ لأَصْحَابنا: يقع لي أَنَّهُ يهودي فكلهم كرهوا ذَلِكَ فخرجت وخرج الشاب ثُمَّ رجع إليهم وَقَالَ: إيش قَالَ الشيخ فِي؟
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فاحتشموه فألح عَلَيْهِم فَقَالُوا: قَالَ: إنك يهودي.
قَالَ: فجاءني وأكب عَلَى يدي وأسلم؟ فقيل لَهُ: مَا السبب؟ قَالَ: نجد فِي كتبنا أَن الصديق لا تخطئ فراسته فَقُلْتُ: أمتحن الْمُسْلِمِينَ فتأملتهم فَقُلْتُ: إِن كَانَ فيهم صديق ففي هذه الطائفة، لأنهم يقولون حَدِيثه سبحانه فلبست عليكم فلما اطلع هَذَا الشيخ عَلِي وتفرس فِي علمت أَنَّهُ صديق وصار الشاب من كبار الصوفية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم بْن العلاء يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد يَقُول: كُنَّا عِنْدَ الجريري ﵀ فَقَالَ: هل فيكم من إِذَا أراد الحق سبحانه أَن يحدث فِي المملكة حدثا أعلمه قبل أَن يبديه قُلْنَا: لا فَقَالَ: ابكوا عَلَى قلوب لَمْ تجد من اللَّه تَعَالَى شَيْئًا وَقَالَ أَبُو مُوسَى الديلمي: سألت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَحْيَي عَنِ التوكل فَقَالَ: لو أدخلت يدك فِي فم التنين حَتَّى تبلغ الرسغ لا تخف مَعَ اللَّه تَعَالَى شَيْئًا غيره قَالَ: فخرجت إِلَى أَبِي يَزِيد لاسأله عَنِ التوكل فدققت الباب فَقَالَ: أليس لَك فِي قَوْل عَبْد الرَّحْمَنِ كفاية فَقُلْتُ: افتح الباب فَقَالَ: مَا زرتني أتاك الجواب من وراء الباب وَلَمْ يفتح لي الباب قَالَ فمضيت ولبثت سنة ثُمَّ قصدته فَقَالَ: مرحبا جئتني زائرا فكنت عنده شهرا فكان لا يخطر بقلبي شَيْء إلا حَدَّثَنِي عَنْهُ فعند وداعه قُلْت: أفدني فائدة فَقَالَ: حَدَّثَنِي أخي أَنَّهَا كانت حاملا بي، فكانت إِذَا قدم لَهَا طَعَام من حلال امتدت يدها إِلَيْهِ، وإذا كَانَ فِيهِ شبهة انقبضت يدها عَنْهُ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص دخلت البادية فأصابتني شدة فلما بلغت مَكَّة داخلني شَيْء من الإعجاب فنادتني عجوز يا إِبْرَاهِيم كنت معك فِي البادية، فلم أكلمك لأني لَمْ أرد أَن أشغل سرك أخرج عَنْك هَذَا الوسواس.
وحكى أَن الفرغاني كَانَ يخرج كُل سنة إِلَى الحج ويمر بنيسابور ولا يدخل عَلَى أَبِي عُثْمَان الحيري قَالَ: فدخلت عَلَيْهِ مرة وسلمت فلم يرد عَلِي السَّلام فَقُلْتُ فِي نفسي:
[ ٢ / ٣٩٤ ]
مُسْلِم يدخل عَلَيْهِ ويسلم فلا يرد سلامه فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: مثل هَذَا يحج ويدع أمه لا يبرها قَالَ: فرجعت إِلَى فرغانة ولزمتها حَتَّى ماتت ثُمَّ قصدت أبا عُثْمَان، فلما دخلت استقبلني وأجلسني، ثُمَّ إِن الفرغاني لازمه وسأله سياسة دابته فولاه ذَلِكَ حَتَّى مَات أَبُو عُثْمَان وَقَالَ خير النساج: كنت جالسا فِي بَيْتِي فوقع لي أَن الجنيد بالباب فنفيت عَن قلبي فوقع ثانيا وثالثا فخرجت فَإِذَا بالجنيد فَقَالَ: لِمَ لَمْ تخرج مَعَ الخاطر الأَوَّل وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البسطامي دخلت عَلَى أَبِي عُثْمَان المغربي فَقُلْتُ: فِي نفسي لعله يتشهى عَلَى شَيْئًا فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا يكفى النَّاس أَن آخذ مِنْهُم حَتَّى يريدوا مسألتي إياهم وَقَالَ بَعْض الفقراء: كنت ببغداد فوقع لي أَن المرتعش يأتيني بخمسة عشر درهما لأشتري بِهَا الركوة والحبل والنعل وأدخل البادية قَالَ فدق عَلَى البادية ففتحت فَإِذَا أنا بالمرتعش مَعَهُ خريقة فَقَالَ: خذها فَقُلْتُ: يا سيدي لا أريدها قَالَ فلم تؤذينا كم أردت فَقُلْتُ: خمسة عشر درهما فَقَالَ: هِيَ خمسة عشر درهما وَقَالَ بَعْضهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: ميت الذهن فأحياه اللَّه تَعَالَى بنور الفراسة وجعل لَهُ نور التجلي والمشاهدة لا يَكُون كمن يمشى بَيْنَ أهل الغفلة غافلا، وقيل: إِذَا صحت الفراسة ارتقى صاحبها إِلَى المشاهدة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البغدادي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن مسروق يَقُول:
[ ٢ / ٣٩٥ ]
قدم عَلَيْهَا شيخ فكان يتكلم عَلَيْنَا فِي هَذَا الشأن بكلام حسن وَكَانَ عذب اللسان جيد الخاطر فَقَالَ لنا فِي بَعْض كلامه: كُل مَا وقع لكم فِي خاطركم فقولوه لي فوقع فِي قلبي أَنَّهُ يهودي وَكَانَ الخاطر يقوى ولا يزول فذكرت ذَلِكَ للجريري فكبر عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لابد أَن أخبر الرجل بِذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: تقول لنا مَا وقع لكم فِي خاطركم فقولوه لي إنه يقع لي أنك يهودي فأطرق ساعة ثُمَّ رفع رأسه فَقَالَ: صدقت أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه وأشهد أَن محمدا رَسُول اللَّهِ وَقَالَ: قَدْ مارست جَمِيع المذاهب وكنت أقول إِن كَانَ مَعَ قوم مِنْهُم شَيْء فمع هَؤُلاءِ فداخلتكم لأختبركم فأنتم عَلَى الحق وحسن إسلامه.
ويحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ كَانَ يَقُول لَهُ السري تكلم عَلَى النَّاس فَقَالَ الجنيد: وَكَانَ فِي قلبي حشمة من الْكَلام عَلَى النَّاس فإني كنت أتهم نفسي فِي استحقاق ذَلِكَ فرأيت ليلة النَّبِي ﷺ فِي المنام وكانت ليلة جمعة فَقَالَ لي: تكلم عَلَى النَّاس فانتبهت وأتيت بَاب السري قبل أَن أصبح فدققت عَلَيْهِ الباب فَقَالَ: لَمْ ليلة جمعة فَقَالَ لي: فَقَالَ: لَمْ تصدقنا حَتَّى قيل لَك فقعد لِلنَّاسِ فِي الجامع بالغد فانتشر فِي النَّاس أَن الجنيد قعد يتكلم عَلَى النَّاس فوقف عَلَيْهِ غلام نصراني متنكرا وَقَالَ لَهُ: أيها الشيخ ما معنى قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ اتقوا فراسة المؤمن فَإِن المؤمن ينظر بنور اللَّه تَعَالَى فأطرق الجنيد ثُمَّ رفع رأسه وَقَالَ أسلم فَقَدْ حان وقت إسلامك فأسلم الغلام.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
بَاب الخلق قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَهْدِي قَالَ: حَدَّثَنَا بَشَّارُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النُّمَيْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا.
قَالَ الأستاذ الخلق الْحَسَن أفضل مناقب العبد وَبِهِ يظهر جواهر الرجال والإِنْسَان مستور بخلقه مشهود بخلقه
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: إِن اللَّه تَعَالَى خص نبيه ﷺ بِمَا خصه بِهِ ثُمَّ لَمْ يثن عَلَيْهِ بشيء من خصاله بمثل مَا أثنى عَلَيْهِ بخلقه فَقَالَ عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَقَالَ الواصفي: وصفه بالخلق العظيم لأنه جاد بالكونين واكتفى بالله تَعَالَى، وَقَالَ الواسطي أَيْضًا: الخلق العظيم أَن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تَعَالَى وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: معناه لَمْ يؤثر فيك جفاء الخلق بَعْد مطالعتك الحق.
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز لَمْ يكن لَك همة غَيْر اللَّه تَعَالَى، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: التصوف خلق من زاد عليك بالخلق فَقَدْ زاد عليك فِي التصوف،
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ويروى عَنِ ابْن عُمَر ﵄ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سمعتموني أقول لمملوك أخزاه اللَّه تَعَالَى فاشهدوا أَنَّهُ حر.
وَقَالَ الفضيل: لو أَن العبد أَحْسَن الإحسان كُلهُ وكانت لَهُ دجاجة فأساء إِلَيْهَا لَمْ يكن من المحسنين وقيل: كَانَ ابْن عُمَر ﵄ إِذَا رأى واحدا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه فعرفوا ذَلِكَ من خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة وَكَانَ يعتقهم، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: من خدعنا فِي اللَّه انخدعنا لَهُ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد بْن الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت الحرث المحاسبي يَقُول: فقدنا ثلاثة أشياء حسن الوجه مَعَ الصيانة وحسن القول مَعَ الأمانة وحسن الإخاء مَعَ الوفاء.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: الخلق استصغار مَا منك واستعظام مَا منه إليك.
وقيل للأحنف: مِمَّن تعلمت الخلق فَقَالَ: من قَيْس بْن عَاصِم المنقري، قيل: وَمَا بلغ من خلقه؟ فَقَالَ: بينا هُوَ جالس فِي داره إذ جاءت خادم لَهُ بسفود عَلَيْهِ شواء فسقط من يدها فوقع عَلَى ابْن لَهُ فمات فدهشت الجارية فَقَالَ: لا روعة عليك أَنْتَ حرة لوجه اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف الأذي واحتمال المؤن، وَقَالَ النَّبِي ﷺ إنكم لَنْ تسعوا النَّاس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق.
وقيل لذي النون الْمِصْرِي: من أَكْثَر النَّاس هما؟ قَالَ: أسوأهم خلقا.
وَقَالَ وهب: مَا تخلق عَبْد بخلق أربعين صباحا إلا جعل اللَّه ذَلِكَ طبيعة فِيهِ.
وَقَالَ الْحَسَن البصري فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: وخلقك فحسن،
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وقيل: كَانَ لبعض النساك شاة فرآها عَلَى ثَلاث قوائم فَقَالَ: من فعل هَذَا بِهَا؟ فَقَالَ غلام لَهُ: أنا فَقَالَ: لَمْ؟ قَالَ لأغمك بِهَا، فَقَالَ: لا بَل لأغمن من أمرك بِذَلِكَ اذهب فأنت حر، وقيل لإبراهيم بْن أدهم: هل فرحت فِي الدنيا قط؟ فَقَالَ: نعم مرتين إحداهما: كنت قاعد ذَات يَوْم فجاء إِنْسَان وبال عَلِي، وَالثَّانِيَة: كنت قاعدا فجاء إِنْسَان وصفعني.
وقيل: كَانَ أويس القرني إِذَا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة، فَيَقُول: إِن كَانَ لابد فارموني بالصغار كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عَنِ الصلاة.
وشتم رجل الأحنف بْن قَيْس وَكَانَ يتبعه فلما قرب من الحي وقف وَقَالَ: يا فتي إِن بقي فِي قلبك شَيْء فقله كيلا يسمعك بَعْض سفهاء الحي فيجيبوك، وقيل لحاتم الأصم: أيحتمل الرجل من كُل أحد، فَقَالَ: نعم إلا من نَفْسه، وروي أَن أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ دعا غلاما لَهُ فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إِلَيْهِ فرآه مضطجعا فَقَالَ: أما تسمع يا غلام؟ فَقَالَ: نعم، قَالَ: فَمَا حملك عَلَى ترك جوابي؟ فَقَالَ: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فَقَالَ: امض فأنت حر لوجه اللَّه تَعَالَى، وقيل: نزل معروف الكرخي الدجلة ليتوضأ ووضع مصحفه وملحفته فجاءت امْرَأَة وحملتهما فتبعها معروف وَقَالَ: يا أختي أنا معروف ولا بأس عليك ألك ابْن يقرأ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: فزوج؟ قَالَتْ: لا قَالَ، فهاتي المصحف وخذي الثوب.
ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي بالمكابرة وحملوا مَا وجدوا فسمعت بَعْض أَصْحَابنا يَقُول: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: اجتزت بالسوق فوجدت جبتي عَلَى من يَزِيد فأعرضت وَلَمْ ألتفت إِلَيْهِ.
سمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول:
[ ٢ / ٣٩٩ ]
سمعت الوجيهي يَقُول: قَالَ الجريري: قدمت من مَكَّة حرسها اللَّه تَعَالَى فبدأت بالجنيد لكيلا يتعنى إلي فسلمت عَلَيْهِ ثُمَّ مضيت إِلَى المنزل فلما صليت الصبح فِي الْمَسْجِد إِذَا أنا بِهِ خلفي فِي الصف فَقُلْتُ: إِنَّمَا جئتك أمس لئلا تتعنى فَقَالَ: ذاك فضلك وَهَذَا حقك.
وسئل أَبُو حفص عَنِ الخلق فَقَالَ: مَا اختار اللَّه ﷿ لنبيه ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية.
وقيل: الخلق أَن تكون من النَّاس قريبا وَفَيْمَا بينهم غريبا، وقيل: الخلق قبول مَا يرد عليك من جفاء الخلق وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق، وقيل: كَانَ أَبُو ذر عَلَى حوض يسقى إبلا لَهُ فأسرع بَعْض النَّاس إِلَيْهِ فانكسر الحوض فجلس ثُمَّ اضطجع، فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِن رَسُول اللَّهِ ﷺ أمرنا إِذَا غضب الرجل أَن يجلس فَإِذَا ذهب عَنْهُ وإلا فليضطجع، وقيل: مكتوب فِي الإنجيل: عبدى اذكرني حِينَ تغضب أذكرك حِينَ أغضب، وَقَالَت امْرَأَة لمالك بْن دِينَار: يا مرائي فَقَالَ: يا هذه وجدت اسمي الَّذِي أضله أهل البصرة، وَقَالَ لقمان لابنه: لا تعرف ثلاثة إلا عِنْدَ ثلاثة الحليم عِنْدَ الغضب والشجاع عِنْدَ الحرب والأخ عِنْدَ الحاجة إِلَيْهِ.
وَقَالَ مُوسَى ﵇: إلهي لا أسألك أَن لا يقال لي مَا لَيْسَ فِي فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ مَا فعلت ذَلِكَ لنفسي فكيف أفعله لَك.
وقيل: ليحيى بْن زِيَاد الحارثي وَكَانَ لَهُ غلام سوء: لَمْ تمسك هَذَا الغلام؟ فَقَالَ: لأتعلم عَلَيْهِ الحلم.
وقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] الظاهرة: تسوية الخلق، والباطنة: تصفية الخلق.
وَقَالَ الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أَن يصحبني عابد سيئ الخلق.
وقيل: الخلق الْحَسَن احتمال المكروه بحسن المداراة.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وحكى أَن إِبْرَاهِيم بْن أدهم خرج إِلَى بَعْض البراري فاستقبله جندي فَقَالَ: أين العمران؟ فأشار إِلَى المقبرة فضرب رأسه وأوضحه فلما جاوزه قيل لَهُ: إنه إِبْرَاهِيم بْن أدهم زاهد خراسان فجاء يعتذر إِلَيْهِ فَقَالَ: إنك لما ضربتني سألت اللَّه تَعَالَى لَك الْجَنَّة فَقَالَ: لَمْ؟ فَقَالَ: علمت أني أؤجر عَلَيْهِ فلم أرد أَن يَكُون نصيبي منك الخير ونصيبك منى الشر.
وحكى أَن أبا عُثْمَان الحيري دعاه إِنْسَان إِلَى ضيافة فلما وافى بَاب داره قَالَ: يا أستاذ لَيْسَ الآن وقت دخولك وَقَدْ ندمت فانصرف فرجع أَبُو عُثْمَان فلما وافي منزله عاد إِلَيْهِ الرجل وَقَالَ: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وَقَالَ: احضر الساعة فقام أَبُو عُثْمَان ومضى، فلما وافى بَاب داره قَالَ مثل مَا قَالَ فِي الأَوَّل ثُمَّ كَذَلِكَ فعل فِي الثالثة والرابعة وأبو عُثْمَان ينصرف ويحضر فلما كَانَ بَعْد مرات قَالَ: يا أستاذ، أردت اختباره وأخذ يعتذر ويمدحه فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا تمدحني عَلَى خلق تجد مثله مَعَ الكلاب، الكلب إِذَا دعى حضر وإذا زجر انزجر.
وقيل: إِن أبا عُثْمَان اجتاز بسكة وقت الهاجرة فألقى عَلَيْهِ من سطح طست رماد فتغير أَصْحَابه وبسطوا ألسنتهم فِي الملقى فَقَالَ أَبُو عُثْمَان: لا تقولوا شَيْئًا من استحق أَن يصب عَلَيْهِ النار فصولح عَلَى الرماد لَمْ يجز لَهُ أَن يغضب.
وقيل: نزل بَعْض الفقراء عَلَى جَعْفَر بْن حنظلة فكان جَعْفَر يخدمه جدا والفقير يَقُول: نعم الرجل أَنْتَ لو لَمْ تكن يهوديا فَقَالَ جَعْفَر: عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إِلَيْهِ من الخدمة فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية.
قيل: كَانَ لعبد اللَّه الخياط حريف مجوسي يخيط لَهُ ثيابا ويدفع إِلَيْهِ دراهم زيوفا وَكَانَ عَبْد اللَّهِ يأخذها، فاتفق أَنَّهُ قام من حانوته يوما لشغل فجاء المجوسي بالدراهم الزيوف فدفعها إِلَى تلميذه: فلم يقبلها فدفع إِلَيْهِ الصحاح فلما رجع عَبْد اللَّهِ قَالَ لتلميذه: أين قميص المجوسي؟ فذكر لَهُ القصة فَقَالَ: بئسما عملت إنه مذ مدة يعاملني بمثلها وأنا أصبر عَلَيْهِ وألقيها فِي بئر لئلا يغر بِهَا غيرى.
[ ٢ / ٤٠١ ]
وقيل: الخلق السيئ يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فِيهِ غَيْر مراده كالمكان الضيق لا يسع فِيهِ غَيْر صاحبه.
وقيل: حسن الخلق أَن لا تتغير مِمَّن يقف فِي الصف بجنبك.
وقيل: من سوء خلقك وقوع بصرك عَلَى سوء خلق غيرك.
وسئل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشؤم فَقَالَ: سوء الخلق.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ.
فَقَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا
[ ٢ / ٤٠٢ ]
بَاب الجود والسخاء قَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَابِدِ الْبَخِيلِ.
قَالَ الأستاذ: ولا فرق عَلَى لسان العلم بَيْنَ الجود والسخاء ولا يوصف الحق سبحانه بالسخاء والسماحة لعدم التوقيف، وحقيقة الجود أَن لا يصعب عَلَيْهِ البذل
وعند الْقَوْم السخاء هُوَ الرتبة الأولى ثُمَّ الجود بعده ثُمَّ الإيثار فمن أعطى البعض وأبقى البعض فَهُوَ صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شَيْئًا فَهُوَ صاحب جود، والذي قاسي الضرر وآثر غيره بالبلغة فَهُوَ صاحب إيثار.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵁ يَقُول: قَالَ أسماء بْن خارجة: مَا أحب أَن أرد أحدا عَن حاجة طلبها لأنه إِن كَانَ كريما أصون عرضه، وإن كَانَ لئيما أصون عَنْهُ عرضي.
وقيل: كَانَ مورق الْعِجْلِي يتلطف فِي إدخال الرفق عَلَى إخوانه يضع عندهم ألف درهم فَيَقُول: أمسكوها عندكم حَتَّى أعود إليكم ثُمَّ يرسل إليهم أنتم منها فِي حل.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل الْمَدِينَة فَقَالَ: من الرجل؟ فَقَالَ: من أهل الْمَدِينَة فَقَالَ: لَقَدْ آتانا منكم رجل يقال لَهُ: الحكم بْن المطلب فأغنانا فَقَالَ المدني: فكيف وَمَا أتاكم إلا فِي جبة صوف؟ فَقَالَ: مَا أغنانا بمال ولكنه علمنا الكرم فعاد بعضنا عَلَى بَعْض حَتَّى استغنينا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما سعي غلام الخليل بالصوفية إِلَى الخليفة أمر بضرب أعناقهم فأما الجنيد فَإِنَّهُ تستر بالفقه وَكَانَ يفتى عَلَى مذهب أَبِي ثورة وَأَمَّا الشحام والرقام والنوري وجماعة فقبض عَلَيْهِم فبسط النطع لضرب أعناقهم فتقدم النوري فَقَالَ السياف: تدري إِلَى ماذا تبادر؟ فَقَالَ: نعم، فَقَالَ: وَمَا يعجلك؟: فَقَالَ: أوثر عَلَى أَصْحَابي محياة ساعة، فتحير السياف وأنهى الْخَبَر إِلَى الخليفة فردهم إِلَى الْقَاضِي ليتعرف حالهم، فألقى الْقَاضِي عَلَى أَبِي الْحُسَيْن النوري مسائل فقهية فأجابه عَنِ الكل ثُمَّ أخذ يَقُول: وبعد فَإِن لِلَّهِ تَعَالَى عباد إِذَا قاموا قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله وسرد ألفاظا أبكى الْقَاضِي، فأرسل الْقَاضِي إِلَى الخليفة وَقَالَ: إِن كَانَ هَؤُلاءِ زنادقة فَمَا عَلَى وجه الأَرْض مُسْلِم.
وقيل: كَانَ عَلِي بْن الفضيل يشتري من باعة المحلة فقيل لَهُ: لو دخلت السوق فاسترخصت، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.
وقيل: بعث رجل إِلَى جبلة بجارية وَكَانَ بَيْنَ أَصْحَابه فَقَالَ: قبيح أَن أتخذها لنفسي وأنتم حضور وأكره أَن أخص بِهَا واحدا وكلكم لَهُ حق وحرمة، وَهَذَهِ لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين، فأمر لكل واحد بجارية أَوْ وصيف.
وقيل: عطش عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي بكرة يوما فِي طريقة فاستسقى من منزل امْرَأَة فأخرجت كوزا وقامت خلف الباب وَقَالَتْ: تنحوا عَنِ الباب وليأخذه بَعْض غلمانكم فإني امْرَأَة من العرب مَات خادمي منذ أَيَّام فشرب عُبَيْد اللَّه الماء وَقَالَ لغلامه: أحمل إِلَيْهَا عشرة آلاف درهم فَقَالَتْ: سبحان اللَّه تسخر بي فَقَالَ: أحمل إِلَيْهَا عشرين ألف
[ ٢ / ٤٠٤ ]
درهم فَقَالَتْ: اسأل اللَّه تَعَالَى العافية فَقَالَ: يا غلام احمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فردت الباب وَقَالَتْ: أف لَك فحمل إِلَيْهَا ثلاثين ألف درهم فأخذتها فَمَا أمست حَتَّى كثر خطابها.
وقيل: الجود إجابة الخاطر الأَوَّل.
سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي الْحَسَن البوشنجي ﵀ يَقُول: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ البوشنجي فِي الخلاء فدعا تلميذا لَهُ وَقَالَ لَهُ: انزع عنى هَذَا القميص وادفعه إِلَى فُلان فقيل لَهُ: هلا صبرت حَتَّى تخرج من الخلاء؟ فَقَالَ: لَمْ آمن عَلَى نفسي أَن يتغير عَلِي مَا وقع لي من التخلف منه بِذَلِكَ القميص.
وقيل لقيس بْن سَعْد بْن عُبَادَة: هل رأيت أسخى منك؟ فَقَالَ: نعم، نزلنا بالبادية عَلَى امْرَأَة فحضر زوجها فَقَالَتْ: إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا، فلما كَانَ بالغد جاء بأخرى ونحرها وَقَالَ: شأنكم بِهَا فقلنا: مَا أكلنا من الَّتِي نحرت البارحة إلا اليسير فَقَالَ: إني لا أطعم أضيافي الغاب فبقينا عنده يومين أَوْ ثلاثة والسماء تمطر وَهُوَ يفعل كَذَلِكَ، فلما أردنا الرحيل وضعنا لَهُ مائة دِينَار فِي بيته وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إِلَيْهِ ومضينا فلما متع النهار إِذَا نحن برجل يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ثُمَّ إنه لحقنا وَقَالَ: لتأخذنه وإلا طعنتكم برمحي فأخذناه وانصرف فأنشأ يَقُول: وإذا أخذت ثواب مَا أعطيته فكفى بذاك لنائل تكديرا سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري دار بَعْض أَصْحَابه فوجده غائبا وباب بَيْت لَهُ مقفل فَقَالَ: صوفي وَلَهُ بَاب بَيْت مقفل اكسروا القفل، فكسروا القفل وأمر بجميع مَا وجد فِي الدار والبيت وأنفذه إِلَى السوق وباعوه وأصلحوا وقتا من الثمن وقعدوا فِي الدار فدخل صاحب المنزل وَلَمْ يمكنه أَن يَقُول شَيْئًا،
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بياتا ورمت بالكساء وَقَالَتْ: يا أَصْحَابنا هَذَا أَيْضًا من جملة المتاع فبيعوه فَقَالَ الزوج لَهَا: لَمْ تكلفت هَذَا باختيارك فَقَالَتْ: اسكت مثل هَذَا الشيخ يباسطنا ويحكم عَلَيْنَا ويبقى لنا شَيْء ندخره عَنْهُ قَالَ بشر بْن الحرث: النظر إِلَى البخيل يقسى القلب.
وقيل: مرض قَيْس بْن سَعْد بْن عُبَادَة فاستبطأ إخوانه فسأل عَنْهُم فقيل: إنهم يستحيون مِمَّا لَك عَلَيْهِم من الدين فَقَالَ: أخزى اللَّه تَعَالَى مالا يمنع الإخوان من الزيارة، ثُمَّ أمر من ينادي من كَانَ لقيس عَلَيْهِ دين فَهُوَ منه فِي حل فكسرت عتبته بالعشى لكثرة من عاده، وقيل لعبد اللَّه بْن جَعْفَر: إنك تبذل الكثير إِذَا سئلت وتضن فِي القليل إِذَا نوجزت فَقَالَ: إني أبذل مالي وأضن بعقلي.
وقيل: خرج عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر إِلَى ضيعة لَهُ فنزل عَلَى تحيل قوم وفيها غلام أسود يعمل فِيهَا إذ أتي الغلام بقوته فدخل كلب الحائط ودنا من الغلام فرمى إِلَيْهِ الغلام بقرص فأكله ثُمَّ رمى إِلَيْهِ بالثاني والثالث فأكله وعبد اللَّه ينظر فَقَالَ: يا غلام كم قومك كُل يَوْم؟ قَالَ: مَا رأيت قَالَ: فلم آثرت هَذَا الكلب؟ قَالَ: مَا هِيَ بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت رده قَالَ: فَمَا أَنْتَ صانع اليوم؟ قَالَ: أطوى يومي هَذَا فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر: إلام عَلَى السخاء إِن هَذَا لأسخى منى فاشترى الحائط والغلام وَمَا فِيهَا من الآلات فأعتق الغلام ووهبها لَهُ.
وقيل: أتى رجل صديقا لَهُ ودق عَلَيْهِ الباب فلما خرج إِلَيْهِ قَالَ: لماذا جئتني؟ قَالَ: لأربع مائة درهم دين ركبتي فدخل الدار ووزن لَهُ أربع مائة درهم وأخرجها إِلَيْهِ ودخل الدار باكيا فَقَالَتْ لَهُ أمرأته: هلا تعللت حِينَ شق عليك الإجابة، فَقَالَ: إِنَّمَا أبكي لأني لَمْ أتفقد حاله حَتَّى أحتاج إِلَى مفاتحتي بِهِ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وَقَالَ مطرف بْن الشخير: إِذَا أراد أحدكم منى حاجة فليرفعها فِي رقعة فإني أكره أَن أري فِي وجهه ذل الحاجة، قيل: أراد رجل أَن يضاد عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس فأتى وجوه البلد وَقَالَ لَهُمْ: يَقُول لكم ابْن الْعَبَّاس: تغدوا عندي اليوم فأتوه فملأوا الدار فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فأخبر الْخَبَر فأمر بشراء الفواكه فِي الوقت وأمر بالخبز والطبيخ وأصلح أمرا فلما فرغوا قَالَ لوكلائه: أموجود لنا كُل يَوْم هَذَا؟ فَقَالُوا: نعم فَقَالَ: فليتغد هَؤُلاءِ كلهم عندنا كُل يَوْم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: كَانَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما فِي صحن داره فدخل إِلَيْهِ إِنْسَان وسأله شَيْئًا من الدنيا وَلَمْ يحضره شَيْء فَقَالَ: اصبر حَتَّى أفرغ فصبر فلما فرغ قَالَ: خذ القمقمة واخرج، فأخذها وخرج ثُمَّ صبر حَتَّى علم أَنَّهُ بَعْد فصاح وَقَالَ: دَخَلَ إِنْسَان وأخذ القمقمة فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذَلِكَ لأن أهل المنزل كَانُوا يلومونه عَلَى كثرة البذل.
وسمعته يَقُول: وهب الأستاذ أَبُو سهل جبته من إِنْسَان من الشتاء وَكَانَ يلبس جبة النِّسَاء حِينَ يخرج إِلَى التدريس إذ لَمْ يكن لَهُ جبة أُخْرَى، فقدم الوفد المعروفون من فارس فيهم من كُل نوع إمام من الْفُقَهَاء والمتكلمين والنحويين فأرسل إِلَيْهِ صاحب الجيش أَبُو الْحَسَنِ وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس دراعه فَوْقَ تلك الجبة الَّتِي للنساء وركب فَقَالَ: صاحب الجيش إنه يستخف بي إمام البلد يركب فِي جبة النِّسَاء ثُمَّ إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه عَلَى كَلام جميعهم فِي كُل فن.
وسمعته يَقُول: لَمْ يناول الأستاذ أَبُو سهل أحدا شَيْئًا بيده وَكَانَ يطرحه عَلَى الأَرْض ليأخذه الآخذ من الأَرْض:، وَكَانَ يَقُول: الدنيا أقل خطرا من أَن أرى لأجلها يدي فَوْقَ يد أحد، وَقَالَ ﷺ: اليد العليا خير من اليد السفلى وقيل: كَانَ أَبُو مرثد عَلِي ﵀ أحد الكرام فمدحه بَعْض الشعراء فَقَالَ: مَا عندي مَا أعطيك ولكن قدمني إلي الْقَاضِي وادع عَلَى عشرة آلاف درهم حَتَّى أقر لَك بِهَا ثُمَّ
[ ٢ / ٤٠٧ ]
احبسني فَإِن أهلي لا يتركوني مسجونا ففعل ذَلِكَ، فلم يمس حَتَّى دفع إِلَيْهِ عشرة آلاف درهم وخرج من السجن.
وقيل: سأل رجل الْحَسَن بْن عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ شَيْئًا فأعطاه خمسين ألف درهم وخمس مائة دِينَار وَقَالَ: ائت بحمال يحمله لَك، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وَقَالَ: يَكُون كراء الحمال من قبلي.
وسألت امْرَأَة اللَّيْث بْن سَعْد سكرجة عسل فأمر لَهَا بزق من عسل فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنها سألت عَلَى قدر حاجتها ونحن نعطيها عَلَى قدر نعمنا وَقَالَ بَعْضهم: صليت فِي مَسْجِد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريما لي فلما سلمت وضع بَيْنَ يدي كُل واحد حلة ونعلين وَكَذَلِكَ وضع بَيْنَ يدي فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: إِن الأشعث قدم من مَكَّة فأمر بِهَذَا لأهل جَمَاعَة مسجده فَقُلْتُ: إِنَّمَا جئت أطلب غريما لي ولست من جماعته فَقَالُوا: هُوَ لكل من حضر وقيل: لما قربت وفاة الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: مروا فلانا يغسلني وَكَانَ الرجل غائبا فلما قدم أخبر بِذَلِكَ فدعا بتذكرته فوجد عَلَيْهِ سبعين ألف درهم دينا فقضاها وَقَالَ: هَذَا غسلي إياه قيل: لما قدم الشَّافِعِي من صنعاء إِلَى مَكَّة كَانَ مَعَهُ عشرة آلاف دِينَار فقيل لَهُ: تشتري بِهَا قنية فضرب خيمته خارج مَكَّة وصب الدنانير فَكُل من دَخَلَ عَلَيْهِ كَانَ يعطيه قبضة قبضة فلما جاء وقت الظهر قام ونفض الثوب وَلَمْ يبق شَيْء.
وقيل: خرج السري يَوْم عيد فاستقبله رجل كبير الشأن فسلم السرى عَلَيْهِ سلاما ناقصا فقيل لَهُ: هَذَا رجل كبير الشأن فَقَالَ: قَدْ عرفته ولكن رُوِيَ مسند أَنَّهُ إِذَا التقى المسلمان قسمت بينهما مائة رحمة تسعون لأبشهما فأردت أَن يَكُون مَعَهُ الأكثر وقيل: بكى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ يوما فقيل لَهُ مَا يبكيك فَقَالَ: لَمْ يأتني ضيف منذ سبعة أَيَّام وأخاف أَن يَكُون اللَّه تَعَالَى قَدْ أهانني
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وروي عَن أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ: زكاة الدار أَن يتخذ فِيهَا بَيْت للضيافة وقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] قيل قيامه عَلَيْهِم بنفسه وقيل:، لأن ضيف الكريم كريم وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن الجنيد: كَانَ يقال أربعة: لا ينبغي للشريف أَن يأنف منهن وإن كَانَ أميرا قيامه من مجلسه لأبيه وخدمته لضيفه وخدمته لعالم يتعلم منه والسؤال عما لَمْ يعلم.
وَقَالَ ابْن الْعَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] إنهم كَانُوا يتحرجون أَن يأكل أحدهم وحده فرخص لَهُمْ فِي ذَلِكَ وقيل: أضاف عَبْد اللَّهِ بْن عامر بْن كريز رجلا فأحسن قراه فلما أراد الرجل أَن يرتحل عَنْهُ لَمْ يعنه غلمانه فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا أنشد عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي قَالَ أنشدني المتنبي فِي معناه:
إِذَا ترحلت عَن قوم وَقَدْ قدروا أَن لا تفارقهم فالراحلون هُمْ
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ سخاء النفس عما فِي أيدي النَّاس أفضل من سخاء النفس بالبذل وَقَالَ بَعْضهم دخلت عَلَى بشر بْن الحرث فِي يَوْم شديد البرد وَقَدْ تعرى من الثياب وَهُوَ ينفض فَقُلْتُ: يا أبا نصر النَّاس يريدون فِي الثياب فِي مثل هَذَا اليوم وأنت قَدْ نقصت فَقَالَ: ذكرت الفقراء وَمَا هُمْ فِيهِ وَلَمْ يكن لي مَا أواسيهم بِهِ فأردت أَن أوافقهم بنفسي فِي مقاساة البرد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الدقاق يَقُول: لَيْسَ السخاء أَن يعطي الواجد المعدم إِنَّمَا السخاء أَن يعطي المعدم الواجد.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
بَاب الغيرة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّازُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُرَاتِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ غِيرَتِهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بُنَانْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ أَبِي كثير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
قَالَ الأستاذ: الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغير فمعناه أَنَّهُ لا يرضى بمشاركة الغيرة مَعَهُ فيما هُوَ حق لَهُ من طاعة عبده
حكى عَنِ السرى أَنَّهُ قرئ بَيْنَ يديه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] فَقَالَ السري لأَصْحَابه: أتدرون مَا هَذَا الحجاب؟ هَذَا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من اللَّه تَعَالَى ومعنى قَوْله هَذَا حجاب الغيرة، يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين.
[ ٢ / ٤١٠ ]
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: إِن أَصْحَاب الكسل عَن عبادته هُم الَّذِينَ ربط الحق بأقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لَهُم البعد عَنْهُ وأخرهم عَن محل القرب ولذلك تأخروا وَفِي معناه أنشدوا: أناصب لمن هويت ولكن مَا احتيالي بسوء رأي الموالي وَفِي معناه أَيْضًا قَالُوا:
سقيم لَيْسَ يعاد ومريد لا يراد
سمعت الأستاذ أبا عَلِي ﵀ يَقُول: سمعت الْعَبَّاس الزوزني يَقُول: كَانَ لي بداية حسنة وكنت أعرف كم بقى بيني وبين الوصول إِلَى مقصودي من الظفر بمرادي، فرأيت ليلة من الليالي فِي المنام كأنني أتدهده من حالق جبل فأردت الوصول إِلَى ذروته قَالَ: فحزنت فأخذني اليوم فرأيت قائلا يَقُول: يا عَبَّاس الحق لَمْ يرد منك أَن تصل إِلَى مَا كنت تطلب ولكنه فتح عَلَى لسانك الحكمة، قَالَ: فأصبحت وَقَدْ ألهمت كلمات الحكمة.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: كَانَ شيخ من الشيوخ لَهُ حال ووقت مَعَ اللَّه فخفي مدة لَمْ ير بَيْنَ الفقراء، ثُمَّ إنه ظهر بَعْد ذَلِكَ لا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الوقت فسئل عَنْهُ فَقَالَ: آه وقع حجاب.
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا وقع شَيْء فِي خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يَقُول: هَذَا من غيرة الحق سبحانه يريد أَن لا يجري من صفاء هَذَا الوقت وأنشدوا فِي معناه:
همت بإتياننا حَتَّى إِذَا نظرت إِلَى المرأة نهاها وجهها الْحَسَن
وقيل لبعضهم: تريد أَن تراه؟ فَقَالَ: لا، فقيل: لَمْ؟ فَقَالَ: أنزه ذَلِكَ الجمال عَن نظر مثلى، وفى معناه أنشدوا:
إني لأحسد ناظري عليكا حَتَّى أغض إِذَا نظرت إليكا
وأراك تخطر فِي شمائلك الَّتِي هِيَ فتنتي أغار منك عليكا
[ ٢ / ٤١١ ]
وسئل الشبلي مَتَى تستريح فَقَالَ: إِذَا لَمْ أر لَهُ ذاكرا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فِي قَوْل النَّبِي ﷺ فِي مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فَقَالَ الأعرابي: عمرك اللَّه تَعَالَى مِمَّن أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: امرؤ من قريش، فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه من الحاضرين للأعرابي: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك، فكان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: إِنَّمَا قَالَ امرؤ من قريش غيرة وإلا كَانَ واجبا عَلَيْهِ التعرف إِلَى كُل أحد أَنَّهُ من هُوَ ثُمَّ إِن اللَّه سبحانه أجرى عَلَى لسان ذَلِكَ الصحابي التعريف للأعرابي بقوله: كفاك جفاء أَن لا تعرف نبيك.
ومن النَّاس من قَالَ: إِن الغيرة من صفات أهل البداية، وإن الموحد لا يشهد الغيرة ولا يتصف بالاختيار، وليس لَهُ فيما يجري فِي المملكة تحكم، بَل الحق سبحانه أولى بالأشياء فيما يقضى عَلَى مَا يقضي: سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ ﵀ يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: الغيرة عمل المريدين فأما أهل الحقائق فلا.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: الغيرة غيرتان: غيرة البشرية عَلَى النفوس، وغيرة الإلهية عَلَى القلوب.
وَقَالَ الشبلي أَيْضًا: غيرة الإلهية عَلَى الأنفاس أَن تضيع فيما سِوَى اللَّه تَعَالَى، والواجب أَن يقال: الغيرة غيرتان: غيرة الحق سبحانه عَلَى العبد وَهُوَ أَن لا يجعله للخلق فيضن بِهِ عَلَيْهِم، وغيرة العبد للحق وَهُوَ أَن لا يجعل شَيْئًا من أحواله وأنفاسه لغير الحق تَعَالَى، فلا يقال أنا أغار عَلَى اللَّه تَعَالَى ولكن يقال: أنا أغار لِلَّهِ تَعَالَى، فإذن الغيرة عَلَى اللَّه جهل، وربما تؤدي إِلَى ترك الدين، والغيرة لِلَّهِ تَعَالَى توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال لَهُ.
واعلموا أَن من سنة الحق تَعَالَى مَعَ أوليائه أنهم إِذَا ساكنوا غَيْر أَوْ لاحظوا شَيْئًا أَوْ ضاجعوا بقلوبهم شَيْئًا شوش عَلَيْهِم ذَلِكَ فيغار عَلَى قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه أَوْ ضاجعوه، كآدم ﵇ لما وطن نَفْسه عَلَى الخلود فِي الْجَنَّة أَخْرَجَهُ منها،
[ ٢ / ٤١٢ ]
وإبراهيم ﵇ لما أعجبه إِسْمَاعِيل ﵇ أمره بذبحه حَتَّى أَخْرَجَهُ من قلبه ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] وصفا سره منه أمره بالفداء عَنْهُ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا زَيْد الفقيه المروزي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حسان يَقُول: بينا أنا أدور ففي جبل لبنان إذ خرج عَلَيْنَا رجل شاب قَدْ أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلي ولى هاربا فتبعته وقلت: تعظني بكلمة فَقَالَ: احذر فَإِنَّهُ غيور لا يحب أَن يرى فِي قلب عبده سواه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: قَالَ النصرأباذي: الحق تَعَالَى غيور ومن غيرته، أَنَّهُ لَمْ يجعل إِلَيْهِ طريقا سواه.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض أنبيائه إِن لفلان إلي حاجة ولي أَيْضًا إِلَيْهِ حاجة، فَإِن قضى حاجتي قضيت حاجته، فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِي ﷺ فِي مناجاته: إلهي كَيْفَ يَكُون لَك حاجة؟ فَقَالَ: إنه ساكن بقلبه غيرى، فليفرغ قلبه عَنْهُ أقض حاجته.
وقيل: إِن أبا يَزِيد البسطامي رأى جَمَاعَة من الحور العين فِي منامه فنظر إليهن فسلب وقته أياما ثُمَّ إنه رأى فِي منامه جَمَاعَة منهن فلم يلتف إليهن وَقَالَ: إنكن شواغل، وقيل: مرضت رابعة العدوية فقيل لَهَا: مَا سبب علتك؟ فَقَالَتْ: نظرت بقلبي إِلَى الْجَنَّة فأدبني فله العتبى لا أعود ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: كنت أطلب رجلا صديقا لي مدة من الأوقات، فمررت فِي بَعْض الجبال فَإِذَا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى فسألت عَن حالهم فَقَالُوا: ههنا رجل يخرج من السنة مرة يدعو لَهُمْ فيجدون الشفاء، فصبرت حَتَّى خرج ودعا لَهُمْ فوجدوا الشفاء فقفوت أثره وتعلقت بِهِ وقلت لَهُ: بي علة باطنة فَمَا دواؤها؟ فَقَالَ: يا سري خل عنى فَإِنَّهُ غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.
قَالَ الأستاذ: وَمِنْهُم من غيرته حِينَ يرى النَّاس يذكرونه تَعَالَى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذَلِكَ ويشق عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٤١٣ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: لما دَخَلَ الأعرابي مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ وبال فِيهِ وتبادر إِلَيْهِ الصَّحَابَة لإخراجه قَالَ ﵀ إِنَّمَا أساء الأعرابي الأدب ولكن الخجل وقع عَلَى الصَّحَابَة والمشقة حصلت لَهُمْ حِينَ رأوا من وضع حشمته كَذَلِكَ العبد إِذَا عرف جلال قدره سبحانه شق عَلَيْهِ سماع ذكره من يذكره بالغفلة وطاعة من لا يعبده بالحرمة.
حكى أَن الشبلي مَات لَهُ ابْن كَانَ اسمه أبا الْحَسَن فجزعت أمه عَلَيْهِ وقطعت شعر رأسها فدخل الشبلي الحمام وتنور بلحيته فَكُل من أتاه معزيا قَالَ: إيش هَذَا يا أبا بَكْر فكان يَقُول: موافقة لأهلي، فَقَالَ لَهُ بَعْضهم: أخبرني يا أبا بَكْر لَمْ فعلت هَذَا؟ فَقَالَ: علمت أنهم يعزونني عَلَى الغفلة ويقولون آجرك اللَّه تَعَالَى ففديت ذكرهم لِلَّهِ تَعَالَى بالغفلة بلحيتي، وسمع النوري رجلا يؤذن فَقَالَ: طعنة وسم الْمَوْت، وسمع كلبا ينبح فَقَالَ: لبيك وسعديك فقيل لَهُ إِن هَذَا ترك للدين فَإِنَّهُ يَقُول للمؤمن فِي تشهده طعنة وسم الْمَوْت ويلبي عِنْدَ نباح الكلب، فسئل عَن ذَلِكَ فَقَالَ: أما ذَلِكَ فكان ذكره لِلَّهِ عَلَى رأس الغفلة، وَأَمَّا الكلب فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وأذن الشبلي مرة فلما انتهى إِلَى الشهادتين قَالَ: لولا أنك أمرتني مَا ذكرت معك غيرك وسمع رجلا يَقُول:. . اللَّه فَقَالَ لَهُ: أحب أَن تجله عَن هَذَا.
[ ٢ / ٤١٤ ]
سمعت بَعْض الفقراء يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الخزفاني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول لا اللَّه إلا اللَّه من داخل القلب مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ من القرط ومن نظر إِلَى ظاهر هَذَا اللفظ توهم أَنَّهُ استصغر الشرع ولا كَمَا يخطر بالبال إذ الأخطار للأغيار بالإضافة إِلَى قدر الحق سبحانه متصاغرة فِي التحقيق.
[ ٢ / ٤١٥ ]
بَاب الولاية قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَرُونَ الْمُقْرِي قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْخَيَّاطُ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مَيْمُونٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ الْعَبْدُ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رَوْحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: الولي لَهُ معنيان: إحداهما: فعيل بمعنى مفعول وَهُوَ من يتولى اللَّه سبحانه أمره اللَّه تَعَالَى: وَهُوَ يتولى الصلحين فلا يكله إِلَى نَفْسه لحظة بَل يتولى الحق سبحانه رعايته.
وَالثَّانِي: فعيل مبالغة من الفاعل وَهُوَ الَّذِي يتولى عُبَادَة اللَّه تَعَالَى وطاعته فعبادته تجرى عَلَى التوالي من غَيْر أَن يتخلاها عصيان، وكلا الوصفين واجب حَتَّى يَكُون الولي وليا بحب قيامه بحقوق اللَّه تَعَالَى عَلَى الاستقصاء والاستيفاء ودوام حفظ اللَّه تَعَالَى إياه فِي السراء والضراء، ومن شرط الولي أَن يَكُون محفوظا كَمَا أَن من شرط النَّبِي أَن يَكُون معصوما فَكُل من كَانَ للشراع عَلَيْهِ اعتراض فَهُوَ مغرور مخدع.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: قصد أَبُو يَزِيد البسطامي بَعْض من
[ ٢ / ٤١٦ ]
وصف بالولاية، فلما وافي مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل وتنخم فِي الْمَسْجِد فانصرف أَبُو يَزِيد وَلَمْ يسلم عَلَيْهِ وَقَالَ هَذَا رجل غَيْر مأمون عَلَى أدب من آداب الشريعة، فكيف يَكُون أمينا عَلَى أسرار الحق واختلفوا فِي أَن الولي هل يَجُوز أَن يعلم أَنَّهُ ولي أم لا.
فمنهم من قَالَ لا يَجُوز ذَلِكَ وَقَالَ إِن الولي يلاحظ نَفْسه بعين التصغير، وإن ظهر عَلَيْهِ شَيْء من الكرامات خاف أَن يَكُون مكرا وَهُوَ يستشعر الخوف دائما أبدا، وإنما يخاف سقوطه عما هُوَ فِيهِ، وأن تكون عاقبته بخلاف حاله، وَهَؤُلاءِ يجعلون من شرط الولاية وفاء المآل.
وَقَدْ ورد فِي هَذَا الباب حكايات كثيرة عَنِ الشيوخ وإليه ذهب من شيوخ هذه الطائفة جَمَاعَة لا يحصون ولو اشتغلنا بذكر مَا قَالُوا لخرجنا عَن حد الاختصار، وإلى هَذَا كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك، وَمِنْهُم من قَالَ يَجُوز أَن يعلم الولي أَنَّهُ ولي وليس من شرط تحقيق الولاية فِي الحال الوفاء فِي المآل، ثُمَّ إِن كَانَ ذَلِكَ من شرطه أَيْضًا فيجوز أَن يَكُون هَذَا الولي خص بكرامة هِيَ تعريف الحق إياه أَنَّهُ مأمون العاقبة إذ القول بجوز كرامات الأولياء واجب وَهُوَ وإن فارقه خوف العاقبة فَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الهيبة والتعظيم والإجلال فِي الحال أتم وأشد فَإِن اليسير من التعظيم والهيبة أهدى للقلوب من كثير من الخوف ولما قَالَ ﷺ عشرة فِي الْجَنَّة من أَصْحَابه فالعشرة لا محالة صدقوا الرسول ﷺ وعروفوا سلامة عاقبتهم ثُمَّ لَمْ يقدح ذَلِكَ فِي حالهم ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف عَلَى حد المعجزة ويدخل فِي جملته العلم بحقيقة الكرامات فَإِذَا رأى الكرامات ظاهرة عَلَيْهِ لا يمكنه أَن لا يميز بينها وبين غيرها فَإِذَا رأى شَيْئًا من ذَلِكَ علم أَنَّهُ فِي الحال عَلَى الحق ثُمَّ يَجُوز أَن يعرف أَنَّهُ فِي المآل يبقى عَلَى هذه الحالة ويكون هَذَا التعريف كرامة لَهُ، والقول بكرامات الأولياء صحيح،
[ ٢ / ٤١٧ ]
وكثير من حكايات الْقَوْم تَدُل عَلَى ذَلِكَ كَمَا نذكر طرفا من ذَلِكَ فِي بَاب كرامات الأولياء إِن شاء اللَّه تَعَالَى وإلى هَذَا القول كَانَ يذهب من شيوخنا الَّذِينَ لقيناهم الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وقيل: إِن إِبْرَاهِيم بْن أدهم قَالَ لرجل أتحب أَن تكون لِلَّهِ وليا؟ فَقَالَ: نعم فَقَالَ: لا ترغب فِي شَيْء من الدنيا والآخرة وفرغ نفسك لِلَّهِ تَعَالَى وأقبل بوجهك عَلَيْهِ ليقبل عليك ويواليك وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ فِي صفة الأولياء: هُمْ عباد تسربلوا بالأنس بَعْد المكابدة واعتنقوا الروح بَعْد المجاهدة بوصولهم إِلَى مقام الولاية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت عمي البسطامي يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: سمعت أبا يَزِيد يَقُول: أولياء اللَّه عرائس اللَّه تَعَالَى ولا يرى العرائس إلا المحرمون فَهُمْ مخدرون عنده فِي حجاب الأنس لا يراهم أحد فِي الدنيا ولا فِي الآخرة.
سمعت أبا بَكْر الصيدلاني وَكَانَ رجلا صالحا قَالَ: كنت أصلح اللوح فِي قبر أَبِي بَكْر الطمستاني أنقر فِيهِ اسمه فِي مقبرة الحيرة كثيرا وَكَانَ يقام ذَلِكَ اللوح ويسرق وَلَمْ يقلع من غيره من القبور فكنت أتعجب منه فسألت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يوما عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إِن ذَلِكَ الشيخ آثر الخفاء فِي الدنيا وأنت تريد أَن تشهر قبره باللوح الَّذِي تصلحه فِيهِ وإن الحق سبحانه يأبي إلا إخفاء قبره كَمَا آثر هُوَ ستر نَفْسه وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: الولي قَدْ يَكُون مشهورا ولكن لا يَكُون مفتونا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصراباذي يَقُول: لَيْسَ للأولياء سؤال إِنَّمَا هُوَ الذبول والخمول قَالَ: وسمعته يَقُول: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الوالي الَّذِي توالت أفعاله عَلَى الموافقة
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي لا يرائي ولا ينافق وَمَا أقل صديق من كَانَ هَذَا خلقه وَقَالَ أَبُو عَلَى الجوزجاني: الولي هُوَ الفاني فِي حاله الباقي فِي مشاهدة الحق سبحانه تولى اللَّه سياسته فتوالت عَلَيْهِ أنوار التولي لَمْ يكن لَهُ عَن نَفْسه إخبار ولا مَعَ غَيْر اللَّه قرار وَقَالَ أَبُو يَزِيد: حظوظ الأولياء مَعَ تباينها من أربعة أسماء وقيام كُل فريق مِنْهُم باسم منها وَهُوَ الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن فَمَتَى فنى عَنْهَا بَعْد ملابستها فَهُوَ الكامل التام فمن كَانَ حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كَانَ حظه من اسمه الباطن لا حظ مَا جرى فِي السرائر من أنواره ومن كَانَ حظه من اسمه الأَوَّل كَانَ شغله بِمَا سبق ومن كَانَ حظه من اسمه الآخر كَانَ مرتبطا بِمَا يستقبله وكل كوشف عَلَى قدر طاقته إلا من تولاه الحق سبحانه ببره وقام عَنْهُ بنفسه وَهَذَا الَّذِي قاله أَبُو يَزِيد يشير إِلَى أَن الخواص من عباده ارتقوا عَن هذه الأقسام فلا العواقب هُمْ فِي ذكرها ولا السوابق هُمْ فِي فكرها ولا الطوارق هُمْ فِي أسرها وكذا أَصْحَاب الحقائق يكونون محوا عَن نعوت الخلائق قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨] وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: الولي ريحان اللَّه تَعَالَى فِي الأَرْض يشمه الصديقون فتصل رائحته إِلَى قلوبهم فيشتاقون بِهِ إِلَى مولاهم ويزدادون عُبَادَة عَلَى تفاوت أخلاقهم.
وسئل الواسطي كَيْفَ يغذي الولي فِي ولايته فَقَالَ: فِي بدايته بعبادته وَفِي كهولته بستره بلطافته ثُمَّ يجذبه إِلَى مَا سبق لَهُ من نعوته وصفاته ثُمَّ يذيقه طعم قيامه بِهِ فِي أوقاته، وقيل: علامة الولي ثلاثة: شغله بالله تَعَالَى وفراره إِلَى اللَّه تَعَالَى وهمه إِلَى اللَّه ﷿ قَالَ الخراز: إِذَا أراد اللَّه تَعَالَى أَن يوالي عبدا من عبيده فتح عَلَيْهِ بَاب ذكره فَإِذَا استلذ الذكر فتح عَلَيْهِ بَاب القرب ثُمَّ رفعه إِلَى مجلس الأنس بِهِ ثُمَّ أجلسه عَلَى كرسي التوحيد ثُمَّ رفع عَنْهُ الحجب وأدخله دار الفردانية وكشف لَهُ عَنِ الجلال والعظمة فَإِذَا وقع بصره عَلَى الجلال والعظمة بقى بلا هوى فحينئذ صار العبد زمنا فانيا فوقع فِي حفظه سبحانه وبرئ من دعاوي نَفْسه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت
[ ٢ / ٤١٩ ]
أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: قَالَ أَبُو تراب النخشبي: إِذَا ألف القلب الإعراض عَنِ اللَّه تَعَالَى صحبته الوقيعة فِي أولياء اللَّه تَعَالَى ويقال: صفة الولي أَن لا يَكُون لَهُ خوف، لأن الخوف ترقب مكروه يحل فِي المستقبل أَوِ انتظار محبوب يفوت فِي المستأنف والولي ابْن وقته لَيْسَ لَهُ مستقبل فيخاف شَيْء وكما لا خوف لَهُ لا رجاء لَهُ، لأن الرجاء انتظار محبوب يحصل أَوْ مكروه يكشف وَذَلِكَ فِي الثَّانِي من الوقت وَكَذَلِكَ لا حزن لَهُ، لأن الحزن من حزونه الوقت ومن كَانَ فِي ضياء الرضا وبرد الموافقة فأنى يَكُون لَهُ حزن قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
بَاب الدعاء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَوْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا كَامِلٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ.
قَالَ الأستاذ: والدعاء مفتاح الحاجة وَهُوَ مستروح أَصْحَاب الفاقات وملجأ المضطرين ومتنفس ذوي المآرب وَقَدْ ذم اللَّه تَعَالَى قوما تركوا الدعاء فَقَالَ: ويقبضون أيديهم قيل لا يمدونها إلينا فِي السؤال
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: خلق اللَّه تَعَالَى الخلق وَقَالَ ناجوني فَإِن لَمْ تفعلوا فانظروا إِلَى فَإِن لَمْ تفعلوا فاسمعوا منى فَإِن لَمْ تفعلوا فكونوا ببابي فَإِن لَمْ تفعلوا فأنزلوا حاجاتكم بي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أقرب الدعاء إِلَى الإجابة دعاء الحال ودعاء الحال أَن يَكُون صاحبه مضطر لابد لَهُ مِمَّا يدعو لأجله، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيّ قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ المكانسي يَقُول: كنت عِنْدَ الجنيد فأتت امْرَأَة إِلَيْهِ وَقَالَتْ: ادع اللَّه تَعَالَى لي فَإِن ابنا لي ضاع فَقَالَ: اذهبي واصبري فمضت ثُمَّ عادت فَقَالَتْ: مثل ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا الجنيد: اذهبي واصبري فمضت ثُمَّ عادت ففعلت مثل ذَلِكَ مرات والجنيد يَقُول لَهَا: اصبري فَقَالَتْ: عيل
[ ٢ / ٤٢١ ]
صبري وَلَمْ يبق لي طاقة فادع لي فَقَالَ الجنيد: إِن كَانَ كَمَا قُلْت فاذهبي فَقَدْ رجع ابنك فمضت ثُمَّ عادت تشكر لَهُ فقيل للجنيد: لَمْ عرفت ذَلِكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] واختلف النَّاس فِي أَن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا فمنهم من قَالَ الدعاء فِي نَفْسه عُبَادَة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الدعاء مخ العبادة فالإتيان بِمَا هُوَ عُبَادَة أولى من تركه ثُمَّ هُوَ حق الحق ﷾ فَإِن لَمْ يستجب للعبد وَلَمْ يصل إِلَى حظ نَفْسه فلقد قام بحق ربه، لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية ولقد قَالَ أَبُو حازم الأعرج، لأن أحرام الدعاء أشد عَلَى من أَن أحرم الإجابة وطائفة قَالُوا: السكوت والخمول تَحْتَ جريان الحكم أتم والرضا بِمَا سبق من اختيار الحق أولى ولهذا قَالَ الواسطي: اختيار مَا جرى لَك فِي الأزل خير لَك من معارضة الوقت وَقَدْ قَالَ ﷺ خبرا عَنِ اللَّه تَعَالَى: من شغله ذكرى عَن مسألتي أعطيته أفضل مَا أعطى السائلين وَقَالَ قوم: يجب أَن يَكُون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا والأولى أَن يقال: إِن الأوقات مختلفة ففي بَعْض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت وَهُوَ الأدب وَفِي بَعْض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وَهُوَ الأدب وإنما يعرف ذَلِكَ فِي الوقت، لأن علم الوقت إِنَّمَا يحصل فِي الوقت
فَإِذَا وجد بقلبه إشارة إِلَى الدعاء فالدعاء لَهُ أولى وإذا وجد إشارة إِلَى السكوت فالسكوت لَهُ أتم ويصح أَن يقال ينبغي للعبد أَن لا يَكُون ساهيا عَن شهود ربه تَعَالَى فِي حال دعائه ثُمَّ يجب عَلَيْهِ أَن يراعي حاله فَإِن وجد من الدعاء زيادة بسط فِي وقته فالدعاء لَهُ أولي وإن عاد إِلَى قلبه فِي وقت الدعاء شبه زجر ومثل قبض فالأولى لَهُ ترك الدعاء فِي هَذَا الوقت وإن لَمْ يجد فِي قلبه زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه ههنا سيان فَإِن كَانَ الغالب عَلَيْهِ فِي هَذَا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عُبَادَة وإن كَانَ الغالب عَلَيْهِ فِي هَذَا الوقت المعرفة والحال والسكوت فالسكوت أولى ويصح أَن يقال مَا كَانَ للمسلمين فِيهِ نصيب
[ ٢ / ٤٢٢ ]
أَوْ للحق سبحانه فِيهِ حق فالدعاء أولى وَمَا كَانَ لنفسك فِيهِ حظ فالسكوت أتم، وَفِي الْخَبَر المروي إِن العبد يدعو اللَّه تَعَالَى وَهُوَ يحبه فَيَقُول يا جبريل ﵇ أخر حاجة عبدى فإني أحب أَن أسمع صوته وإن العبد ليدعو اللَّه وَهُوَ يبغضه فَيَقُول: يا جبريل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أَن أسمع صوته.
ويحكى أَن يَحْيَي بْن سَعِيد الْقَطَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رأى الحق سبحانه فِي منامه فَقَالَ: إلهي كم أدعوك ولا تجيبني فَقَالَ: يا يَحْيَي لأني أحب أَن أسمع صوتك.
وَقَالَ ﷺ: والذي نفسي بيده إِن العبد ليدعو اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غضبان فيعرض عَنْهُ ثُمَّ يدعوه فيعرض عَنْهُ ثُمَّ يدعوه فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لملائكته أَبِي عبدي أَن يدعو غيرى فَقَد استجبت لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السِّمَاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتْجَرُ مِنْ بِلادِ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلادِ الشَّامِ وَلا يَصْحَبُ الْقَوَافِلَ تَوَكُّلا مِنْهُ عَلَى اللَّهِ ﷿، قَالَ: بَيْنَا هُوَ جَاءَ مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ إِذْ عَرَضَ لَهُ لِصٌّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَاحَ بِالتَّاجِرِ قِفْ فَوَقَفَ لَهُ التَّاجِرُ وَقَالَ لَهُ شَأْنُكَ بِمَالِي وَخَلِّ سَبِيلِي، فَقَالَ لَهُ اللِّصُّ: الْمَالُ مَالِي وَإِنَّمَا أُرِيدُ نَفْسَكَ.
فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: مَا تَرْجُو بِنَفْسِي شَأْنُكَ وَالْمَالُ وَخَلِّ سَبِيلِي.
قَالَ فَرَدَّ عَلَيْهِ اللِّصُّ مِثْلَ الْمَقَالَةِ الأُولَى، فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَتَوَضَّأَ وَأُصَلِّي وَأَدْعُوَ رَبِّي ﷿، قَالَ: افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ.
قَالَ: فَقَامَ التَّاجِرُ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ أَنْ قَالَ: يَا وَدُودُ، يَا وَدُودُ، يَا ذَا الْعَرْشِ الْمَجِيدِ، يَا مُبْدِئُ، يَا مُعِيدُ، يَا فَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي مَلأَ أَرْكَانَ عَرْشِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ الَّتِي قَدَرْتَ بِهَا عَلْى خَلْقِكَ وَبِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ يَا مُغِيثُ أَغِثْنِي ثَلاثَ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
مَرَّاتٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ إِذَا بِفَارِسٍ عَلَى فَرَسٍ أَشْهَبَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ مِنْ نُورٍ، فَلَمَّا نَظَرَ اللِّصُّ إِلَى الْفَارِسِ تَرَكَ التَّاجِرُ وَمَرَّ نَحْوَ الْفَارِسِ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ شَدَّ الْفَارِسُ عَلَى اللِّصِّ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً أَذْرَاهُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّاجِرِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ فَاقْتُلْهُ فَقَالَ لَهُ التَّاجِرُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَمَا قَتَلْتُ أَحَدًا قَطُّ وَلا تَطِيبُ نَفْسِي لِقَتْلِهِ، قَالَ فَرَجَعَ الْفَارِسُ إِلَى اللِّصِّ فَقَتَلَهُ ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّاجِرِ وَقَالَ اعْلَمْ أَنِّي مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ حِينَ دَعَوْتَ الأُولَى سَمِعْنَا لأَبْوَابِ السَّمَاءِ قَعْقَعَةً فَقُلْنَا أَمْرٌ حَدَثَ ثُمَّ دَعَوْتَ الثَّانِيَةَ فَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَهَا شَرَرٌ كَشَرَرِ النَّارِ ثُمَّ دَعَوْتَ الثَّالِثَةَ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِ السَّمَاءِ وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ لِهَذَا الْمَكْرُوبِ فَدَعَوْتُ رَبِّي ﷿ أَنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ.
وَاعْلَمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّهُ مَنْ دَعَا بِدُعَائِكَ هَذَا فِي كُلِّ كُرْبَةٍ وَكُلِّ شِدَّةٍ وُكُلِّ نَازِلَةٍ فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَعَانَهُ قَالَ وَجَاءَ التَّاجِرُ سَالِمًا غَانِمًا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ وَأَخْبَرَهُ بِالدُّعَاءِ فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ لَقَّنَكَ اللَّهُ ﷿ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى الَّتِي إِذَا دُعِيَ بِهَا أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهَا أَعْطَى
ومن آداب الدعاء: حضور القلب وأن لا يَكُون ساهيا فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى لا يستجيب دعاء عَبْد من قلب لاه.
ومن شرائطه: أَن يَكُون مطعمه حلالا فلقد قَالَ ﷺ لسعد: وأطب كسبك تستجب دعوتك وَقَدْ قيل الدعاء مفتاح الحاجة وأسنانها لقم الحلال.
وَكَانَ يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: إلهي كَيْفَ أدعوك وأنا عاص وكيف لا أدعوك وأنت كريم، وقيل: مر مُوسَى ﵇ برجل يدعو ويتضرع فَقَالَ مُوسَى ﵇ إلهي لو كانت حاجته بيدي قضيتها فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أنا أرحم بِهِ منك ولكنه يدعوني وَلَهُ غنم وقلبه عِنْدَ غنمه وإني لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عِنْدَ غيري فذكر مُوسَى ﵇ للرجل ذَلِكَ فانقطع إِلَى اللَّه تَعَالَى بقلبه فقضيت حاجته وقيل لجعفر الصادق ﵇: مَا بالنا ندعو فلا يستجاب لنا
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فَقَالَ: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول ظهر بيعقوب بْن اللَّيْث علة أعيت الأطباء فَقَالُوا لَهُ: فِي ولايتك رجل صَالِح يسمى سهل بْن عَبْد اللَّهِ لو دعا لَك لعل اللَّه تَعَالَى يستجيب لَهُ فاستحضر سهلا وَقَالَ: ادع اللَّه ﷿ لي فَقَالَ سهل: كَيْفَ يستجاب دعائي فيك وَفِي مجلسك مظلومون فأطلق كُل من فِي حبسه فَقَالَ سهل: اللَّهُمَّ كَمَا أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرج عَنْهُ فعوفي فعرض مالا عَلَى سهل فأبي أَن يقبل فقيل لَهُ: لو قبلته ودفعته إِلَى الفقراء فنظر إِلَى الحصباء فِي الصحراء فَإِذَا هِيَ جواهر فَقَالَ لأَصْحَابه: من يعطى مثل هَذَا يحتاج إِلَى مال يعقوب بْن اللَّيْث وقيل: كَانَ صَالِح المرى يَقُول كثيرا من أدمن قرع بَاب يوشك أَن يفتح لَهُ فَقَالَتْ لَهُ رابعة: إِلَى مَتَى تقول هَذَا مَتَى أغلق هَذَا الباب حَتَّى يستفتح فَقَالَ صَالِح: شيخ جهل وامرأة علمت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحربي يَقُول: سمعت السري يَقُول حضرت مجلس معروف الكرخي فقام إِلَيْهِ رجل فَقَالَ: يا أبا محفوظ ادع اللَّه تَعَالَى أَن يرد عَلَي كيسي فَإِنَّهُ سرق وفيه ألف دِينَار فسكت فأعاد ثُمَّ سكت فأعاد فَقَالَ معروف: ماذا أقول؟ أقول مَا زويته عَن أنبيائك وأصفيائك فرده عَلَيْهِ فَقَالَ: الرجل فادع اللَّه تَعَالَى لي فَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لَهُ.
وحكي عَنِ اللَّيْث أَنَّهُ قَالَ: رأيت ابْن نَافِع ضريرا ثُمَّ رأيته بصيرا فَقُلْتُ لَهُ: بم رد عليك بصرك فَقَالَ: أتيت فِي منامي فقيل قل يا قريب يا مجيب، يا سميع الدعاء يا لطيفا لما يشاء رد عَلَي بصرى فقلتها فرد اللَّه ﷿ عَلَى بصرى.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: كَانَ بي وجع العين ابتداء مَا رجعت إِلَى نيسابور من مرو وكنت مدة أَيَّام لَمْ أجد النوم فتناعست صباحا فسمعت قائلا
[ ٢ / ٤٢٥ ]
يَقُول لي: أليس اللَّه بكاف عبده فانتبهت وَقَدْ فارقني الرمد وزال فِي الوقت الوجع وَلَمْ يصبني بَعْد ذَلِكَ وجع العين.
وحكى عَن مُحَمَّد بْن خزيمة أَنَّهُ قَالَ: لما مَات أَحْمَد بْن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كنت بالإسكندرية فاغتممت فرأيت فِي المنام أَحْمَد بْن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ يتبختر فَقُلْتُ: يا أبا عَبْد اللَّهِ أي مشية هذه فَقَالَ: مشية الخدام فِي دار السَّلام فَقُلْتُ: مَا فعل اللَّه ﷿ بك فَقَالَ: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب وَقَالَ: يا أَحْمَد هَذَا بقولك الْقُرْآن كلامي ثُمَّ قَالَ: ادعني يا أَحْمَد بتلك الدعوات الَّتِي بلغتك عَن سُفْيَان الثَّوْرِي فكنت تدعو بِهَا فِي دار الدنيا فَقُلْتُ: يا رب كُل شَيْء بقدرتك عَلَى كُل شَيْء اغفر لي كُل شَيْء ولا تسألني عَن شَيْء فَقَالَ: يا أَحْمَد هذه الْجَنَّة فادخلها فدخلتها.
وقيل: تعلق شاب بأستار الْكَعْبَة وَقَالَ إلهي لا شريك لَك فيؤتى ولا وزير لَك فيرشي إِن أطعتك فبفضلك ولك الحمد وإن عصيتك فبجهلي فلك الحجة عَلَى فبإثبات حجتك عَلَى انقطاع حجتي لديك إلا غفرت لي فسمع هاتفا يَقُول: الفتى عتيق من النار وقيل: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بَيْنَ يديه وإلا فالرب ﷿ يفعل مَا يشاء وقيل: دعاء العامة بالأقوال ودعاء الزهاد بالأفعال ودعاء العارفين بالأحوال وقيل: خير الدعاء مَا هيجته الأحزان وَقَالَ بَعْضهم إِذَا سألت اللَّه تَعَالَى حاجة فتسهلت فسل اللَّه ﷿ الْجَنَّة فلعل ذَلِكَ يَوْم إجابتك وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء وألسنة المتحققين خرست عَن ذَلِكَ.
وسئل الواسطي أَن يدعو فَقَالَ: أخشى إِن دعوت أَن يقال لي: إِن سألتنا مَالِك عندنا فَقَد اتهمتنا وإن سألتنا مَا لَيْسَ لَك عندنا فَقَدْ أسأت الثناء عَلَيْنَا وإن رضيت أجرينا لَك من الأمور مَا قضينا لَك فِي الدهور.
وروي عَن عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: مَا دعوت منذ خمسين سنة ولا أريد أَن يدعو لي أحد
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وقيل: الدعاء المراسلة وَمَا دامت المراسلة باقية فالأمر جميل بَعْد وقيل: لسان المذنبين دعاؤهم.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: إِذَا بكى المذنب فَقَدْ راسل اللَّه ﷿ وَفِي معناه أنشدوا:
دموع الفتى عما يجن تترجم وأنفاسه يبدين مَا القلب يكتم
وَقَالَ بَعْضهم: الدعاء ترك الذنوب وقيل: الدعاء لسان الاشتياق إِلَى الحبيب وقيل: الإذن فِي الدعاء خير من العطاء.
وَقَالَ الكتاني: لَمْ يفتح اللَّه لسان المؤمن بالمعذرة إلا لفتح بَاب المغفرة وقيل: الدعاء يوجب الحضور والعطاء يوجب الصرف والمقام عَلَى الباب أتم من الانصراف بالمثاب وقيل: الدعاء مواجهة الحق بلسان الحياء وقيل: شرط الدعاء الوقوف مَعَ الْقَضَاء بوصف الرضا وقيل: كَيْفَ تنتظر إجابة الدعوة وَقَدْ سددت طريقها بالهفوة وقيل لبعضهم: ادع لي فَقَالَ: كفاك من الأجنبية أَن تجعل بينك وبينه واسطة.
سمعت حمزة يُوسُف بْن السَّهْمِيّ يَقُول: سمعت أبا الفتح نصر بْن أَحْمَد بْن عَبْد الْمَلِك يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: جاءت امْرَأَة إِلَى تقى بْن مخلد فَقَالَتْ: إِن ابني قَدْ أسره الروم ولا أقدر عَلَى مال أَكْثَر من دويرة ولا أقدر عَلَى بيعها فلو أشرت إِلَى من يفديه بشيء فَإِنَّهُ لَيْسَ لي ليل ولا نهار ولا نوم ولا قرار فَقَالَ: نعم انصرفي حَتَّى أنظر فِي أمره إِن شاء اللَّه تَعَالَى قَالَ وأطرق الشيخ وحرك شفتيه قَالَ: فلبثنا مدة فجاءت المرأة ومعها ابنها فأخذت
[ ٢ / ٤٢٧ ]
تدعو لَهُ وتقول: رجع سالما وَلَهُ حَدِيث يحدثك بِهِ فَقَالَ الشاب: كنت فِي يدي بَعْض ملوك الروم مَعَ جَمَاعَة من الأسارى وَكَانَ لَهُ إِنْسَان يستخدمنا كُل يَوْم يخرجنا إِلَى الصحراء للخدمة ثُمَّ يردنا وَعَلَيْنَا قيودنا فبينا نحن نجئ من العمل بَعْد المغرب مَعَ صاحبه الَّذِي كَانَ يحفظنا انفتح القيد من رجلي ووقع عَلَى الأَرْض ووصف اليوم والساعة فوافق الوقت الَّذِي جاءت فِيهِ المرأة ودعا الشيخ قَالَ فنهض إِلَى الَّذِي كَانَ يحفظني وصاح عَلَى كسرت القيد قُلْت: لا إنه سقط من رجالي قَالَ فتحير وأخبر صاحبه واحضروا الحداد وقيدوني فلما مشيت خطوات سقط القيد من رجلي فتحيروا فِي أمرى فدعوا رهبانهم فَقَالُوا لي ألك والدة؟ قُلْت: نعم فَقَالُوا وافق دعاؤها الإجابة وَقَدْ أطلقت اللَّه ﷿ فلا يمكننا تقييدك فزودوني وأصحبوني بمن أوصلني إِلَى ناحية الْمُسْلِمِينَ.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
بَاب الفقر قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] الآية.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْبَزَّارُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ نِصْفِ يَوْمٍ
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْحِيرِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّارُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ إِبْرَاهِيمِ الْهَجَرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيْسَ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالَ: فَقِيلَ: مَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لا يَجِدُ مَا يُغْنِيهِ وَيَسْتَحِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ.
قَالَ الأستاذ: معنى قَوْله يستحى أَن يسأل النَّاس أي: يستحى من اللَّه تَعَالَى أَن يسأل النَّاس لا أَنَّهُ يستحى من النَّاس
[ ٢ / ٤٢٩ ]
والفقر شعار الأولياء، وحلية الأصفياء، واختيار الحق سبحانه لخواصه من الأتقياء والأنبياء والفقراء صفوة اللَّه ﷿ من عباده ومواضع أسراره بَيْنَ خلقه بِهِمْ يصون الخلق وببركاتهم يبسط عَلَيْهِم الرزق
والفقراء الصبر جلساء اللَّه تَعَالَى يَوْم القيامة بِذَلِكَ ورد الْخَبَر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي، قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بْنُ خَشِيشٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ وَمِفْتَاحُ الْجَنَّةِ حُبُّ الْمَسَاكِينِ، وَالْفُقَرَاءُ الصَّبْرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وقيل: إِن رجلا أتي إِبْرَاهِيم بْن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبي أَن يقبلها وَقَالَ: تريد أَن تمحوا اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل وَقَالَ معاذ النسفي: مَا أهلك اللَّه تَعَالَى قوما وإن عملوا مَا عملوا حَتَّى أهانوا الفقراء وأزلوهم وقيل: لو لَمْ يكن للفقير غَيْر إرادته سعة الْمُسْلِمِينَ ورخص أسعارهم لكفاه ذَلِكَ لأنه يحتاج إِلَى شرائها والغنى يحتاج إِلَى بيعها هَذَا لعوام الفقراء فكيف حال خواصهم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن سمعان يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن مَسْعُود يَقُول: سئل يَحْيَي بْن معاذ عَنِ الفقر فَقَالَ: حقيقته أَن لا يستغنى إلا بالله ورسمه عدم الأسباب كلها.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم القصار يَقُول الفقر
[ ٢ / ٤٣٠ ]
لباس يورث الرضا إِذَا تحقق العبد فِيهِ.
وقدم عَلِي الأستاذ أَبِي عَلي الدقاق فَقِير فِي سنة خمس أَوْ أربع وتسعين وثلاث مائة من زوزن وعليه مسح وقلنسوة مسح فَقَالَ لَهُ بَعْض أَصْحَابنا: بكم اشتريت هَذَا المسح عَلَى وجه المطايبة فَقَالَ: اشتريته بالدنيا وطلب منى بالآخرة فلم أبعه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: قام فَقِير فِي مجلس يطلب شَيْئًا فَقَالَ: إني جائع منذ ثَلاث وَكَانَ هناك بَعْض المشايخ فصاح عَلَيْهِ وَقَالَ كذبت إِن الفقر سر اللَّه وَهُوَ لا يضع سره عِنْدَ من يحمله إِلَى من يريد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفراء يَقُول: سمعت زَكَرِيَّا النخشبي يَقُول: سمعت حمدون القصار يَقُول: إِذَا اجتمع إبليس وجنوده لَمْ يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أشياء: رجل مؤمن قتل مؤمنا ورجل يموت عَلَى الكفر وقلب فِيهِ خوف الفقر.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَطَاء يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول يا معشر الفقراء إنكم تعرفون بالله تَعَالَى وتكرمون لِلَّهِ تَعَالَى فانظروا كَيْفَ تكونون مَعَ اللَّه تَعَالَى إِذَا خلوتم بِهِ.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سئل عَنِ الافتقار إِلَى اللَّه ﷾ أهو أتم أم الاستغناء بالله تَعَالَى فَقَالَ: إِذَا صح الافتقار إِلَى اللَّه ﷿ فَقَدْ صح الاستغناء بالله تَعَالَى وإذا صح الاستغناء بالله تَعَالَى كمل الغنى بِهِ فلا يقال أيهما أتم الافتقار أم الغنى لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت رويما يَقُول وَقَدْ سئل عَن نعت الفقير فَقَالَ:
[ ٢ / ٤٣١ ]
إرسال النفس فِي أحكام اللَّه تَعَالَى وقيل: نعت الفقير ثلاثة أشياء حفظ سره وأداء فرضه وصيانة فقره وقيل: لأبي سَعِيد الخراز لَمْ تأخر عَنِ الفقراء رفق الأغنياء قَالَ لثلاث خصال، لأن مَا فِي أيديهم غَيْر طيب ولأنهم غَيْر موفقين ولأن الفقراء مرادون بالبلاء وقيل: أوحى اللَّه ﷿ إِلَى مُوسَى ﵇: إِذَا رأيت الفقراء فسائلهم كَمَا تسائل الأغنياء فَإِن لَمْ تفعل فاجعل كُل شَيْء علمتك تَحْتَ التراب.
وروي عَن أَبِي الدرداء أَنَّهُ قَالَ: لأن أقع من فَوْقَ قصر فأنحطم أحب إِلَى من مجالسه الغني لأني سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول إياكم ومجالسة الموتى قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ ومن الموتي؟ قَالَ: الأغنياء وقيل للربيع بْن خيثم: قَدْ غلا السعر قَالَ: نحن أهون عَلَى اللَّه من أَن يجيعنا إِنَّمَا يجيع أولياءه وَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم: طلبنا الفقر فاستقبلنا الغنى وطلب النَّاس الغنى فاستقبلهم الفقر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن علوية يَقُول: قيل ليحي بْن معاذ: مَا الفقر؟ قَالَ: خوف الفقر قيل: فَمَا الغنى؟ قَالَ: الأمن بالله تَعَالَى وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت ابْن الكريني يَقُول: إِن الفقير الصادق ليحترز من الغنى حذرا أَن يدخله الغنى فيفسد عَلَيْهِ فقره كَمَا أَن الغنى يحترز من الفقر حذرا أَن يدخل عَلَيْهِ فيفسد عَلَيْهِ غناه.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وسئل أَبُو حفص بماذا يقدم الفقير عَلَى ربه ﷿ فَقَالَ: وَمَا للفقير أَن يقدم بِهِ عَلَى ربه تَعَالَى سِوَى فقره وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى لي مُوسَى ﵇: أتريد أَن يَكُون لَك يَوْم الْقِيَامَة مثل حسنات النَّاس أجمع قَالَ نعم قَالَ عد المريض وكن لثياب الفقراء فاليا فجعل مُوسَى ﵇ عَلَى نَفْسه فِي كُل شَهْر سبعة أَيَّام يطوف عَلَى الفقراء يفلي ثيابهم ويعود المرضى وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ خمسة أشياء من جوهر النفس فَقِير يظهر الغنى وجائع يظهر الشبع ومحزون يظهر الفرح ورجل بينه وبين رجل عداوة يظهر لَهُ المحبة ورجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يظهر ضعفا وَقَالَ بشر بْن الحرث: أفضل المقامات اعتقاد الصبر عَلَى الفقر إِلَى القبر وَقَالَ ذو النون: علامة سخط اللَّه عَلَى العبد خوفه من الفقر.
وَقَالَ الشبلي: أدنى علامات الفقر أَن لو كانت الدنيا بأسرها لأحد فأنفقها فِي يَوْم ثُمَّ خطر بباله أَن لو أمسك منها قوت يَوْم مَا صدق فِي فقره.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول تكلم النَّاس فِي الفقر والغنى أيهما أفضل وعندي أَن الأفضل أَن يعطى الرجل كفايته ثُمَّ يصان فِيهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد بْن ياسين يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول وَقَدْ سألته عَنِ الفقر فسكت حَتَّى خلا ثُمَّ ذهب ورجع عَن قريب ثُمَّ قَالَ كَانَ عندي أربعة دوانيق فاستحييت من اللَّه ﷿ أَن أتكلم فِي الفقر فذهبت وأخرجتها ثُمَّ قعد وتكلم فِي الفقر.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول سألت ابْن الجلاء
[ ٢ / ٤٣٣ ]
مَتَى يستحق الفقير اسم الفقر فَقَالَ: إِذَا لَمْ يبق عَلَيْهِ بقية منه فَقُلْتُ: كَيْفَ ذاك فَقَالَ: إِذَا كَانَ لَهُ فليس لَهُ وإذا لَمْ يكن لَهُ فَهُوَ لَهُ وقيل: صحة الفقر أَن لا يستغني الفقير فِي فقره بشيء إلا بمن إِلَيْهِ فقره، وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ إظهار الغنى فِي الفقر أَحْسَن من الفقر.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت هلال بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت النقاش يَقُول: سمعت بنانا الْمِصْرِي يَقُول: كنت بمكة قاعدا وشاب بَيْنَ يدي فجاءه إِنْسَان وحمل إِلَيْهِ كيسا فِيهِ دراهم ووضعه بَيْنَ يديه، فَقَالَ: لا حاجة لي فِيهِ، فَقَالَ: فرقة عَلَى المساكين، فلما كَانَ العشاء رأيته فِي الوادي يطلب شَيْئًا لنفسه، فَقُلْتُ: لو تركت لنفسك مِمَّا كَانَ معك شَيْئًا؟ قَالَ لَمْ أعلم أني أعيش إِلَى هَذَا الوقت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَلِي بْن بندر الصيرفي يَقُول: سمعت محفوظا يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: أَحْسَن مَا يتوسل بِهِ العبد إِلَى مولاه دوام الفقر إِلَيْهِ عَلَى جَمِيع الأحوال، وملازمة السنة فِي جَمِيع الأفعال، وطلب القوت من وجه حلال.
وسمعته يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: ينبغي للفقير أَن لا تسبق همته خطوته.
وسمعته يَقُول سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت فاطمة أخت أَبِي عَلِيّ الروذباري تقول سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: كَانَ أربعة فِي زمانهم واحد كَانَ لا يقبل من الإخوان ولا من السلطان شَيْئًا وَهُوَ يُوسُف بْن أسباط ورث من أَبِيهِ سبعين ألف درهم وَلَمْ يأخذ منها شَيْئًا وَكَانَ يعمل الخوص بيده.
وآخر كَانَ يقبل من الأخوان والسلطان جميعا وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق الفزاري، فكان مَا أخذه من الإخوان ينفقه فِي المستورين الَّذِينَ لا يتحركون، والذي كَانَ يأخذه من السلطان كَانَ يخرجه إِلَى أهل طرسوس.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
والثالث: كَانَ يأخذ من الإخوان ولا يأخذ من السلطان وَهُوَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ يأخذ من الأخوان ويكافئ عَلَيْهِ.
الرابع: كاني يأخذ من السلطان ولا يأخذ من الأخوان وَهُوَ مجلد بْن الْحُسَيْن كَانَ يَقُول السلطان لا يمن والإخوان يمنون.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي الْخَبَر من تواضع لغنى لأجل غناه ذهب ثلثا دينه: إِنَّمَا ذَلِكَ، لأن المرء بقلبه ولسانه ونفسه، فَإِذَا تواضع لغنى بنفسه ولسانه ذهب ثلثا دينه فلو اعتقد فضله بقلبه كَمَا تواضع لَهُ بلسانه ونفسه ذهب دينه كُلهُ، وقيل: أقل مَا يلزم الفقير فِي فقره أربعة أشياء: علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه، وقيل: من أراد الفقر لشرفه مَات فقيرا، ومن أراد الفقر لئلا يشتغل عَنِ اللَّه تَعَالَى مَات غينا، وَقَالَ المزين: كانت الطرق إِلَى اللَّه أَكْثَر من نجوم السماء فَمَا بقى منها طريق إلا طريق الفقر وَهُوَ أصح الطرق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يُوسُفَ القزويني يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النوري يَقُول: نعت الفقير السكون عِنْدَ العدم، والإيثار عِنْدَ الوجود.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول سئل الشبلي عَن حقيقة الفقر فَقَالَ: أَن لا يستغني بشيء دُونَ اللَّه ﷿.
وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن خلف المغربي يَقُول: قَالَ لي أَبُو سهل الخشاب الكبير الفقر فقر وذل، فَقُلْتُ: لا بَل فقر وعز، فَقَالَ: فقر وثرى، فَقُلْتُ: لا بَل فقر وعرش.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: سئلت عَن معني قَوْله ﷺ كاد الفقر أَن يَكُون كفرا
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قَالَ: فَقُلْتُ: آفة الشيء وضده عَلَى حسب فضيلته وقدره فكلما كَانَ فِي نَفْسه أفضل فضده وآفته أنقص كالإيمان لما كَانَ أشرف الخصال كَانَ ضده الكفر، فلما كَانَ الخطر عَلَى الفقر الكفر دل عَلَى أَنَّهُ أشرف الأوصاف.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا نصر الهروي يَقُول: سمعت المرتعش.
يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: إِذَا لقيت الفقير فالقه بالرفق ولا تلقه بالعلم فَإِن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه فَقُلْتُ: يا أبا القاسم وهل يَكُون فَقِير يوحشه العلم؟ فَقَالَ: نعم الفقير إِذَا كَانَ صادقا فِي فقره فطرحت عَلَيْهِ علمك ذاب كَمَا يذوب الرصاص فِي النار.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مظفرا القرمسيني يَقُول: الفقير هُوَ الَّذِي لا يَكُون لَهُ إِلَى اللَّه حاجة قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: وَهَذَا اللفظ فِيهِ أدنى غموض لمن سمعه عَلَى وصف الغفلة عَن مرمى الْقَوْم وإنما أشار قائله إِلَى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بِمَا بجريه الحق سبحانه وَقَالَ ابْن خفيف: الفقر عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات وَقَالَ أَبُو حفص: لا يصح لأحد الفقر حَتَّى يَكُون العطاء أحب إِلَيْهِ من الأخذ وليس السخاء أَن يعطى الواجد المعد إِنَّمَا السخاء أَن يعطى المعدم الواجد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: لولا شرف التواضع لكان حكم الفقير إِذَا مشى أَن يتبختر وَقَالَ يُوسُف بْن أسباط: منذ أربعين سنة مَا ملكت قميصين
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وقيل: أدخلوا مَالِك بْن دِينَار ومحمد بْن واسع الْجَنَّة فنظرت أيهما يتقدم فتقدم مُحَمَّد بْن واسع سألت عَن سبب تقدمه فقيل لي إنه كَانَ لَهُ قيمص واحد ولمالك قميصان وَقَالَ مُحَمَّد المسوحي: الفقير الَّذِي لا يرى لنفسه حاجة إِلَى شَيْء من الأسباب.
وسئل سهل بْن عَبْد اللَّهِ مَتَى يستريح الفقير فَقَالَ: إِذَا لَمْ ير لنفسه غَيْر الوقت الَّذِي هُوَ فِيهِ وتذكروا عِنْدَ يَحْيَي بْن معاذ الفقر والغنى فَقَالَ: لا يوزن غدا لا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر فيقال يشكر ويصبر وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض الأنبياء ﵈ إِن أردت أَن تعرف رضاي عَنْك فانظر كَيْفَ رضا الفقراء عَنْك وَقَالَ الزقاق من لَمْ يصحبه التقى فِي فقره أكل الحرام المحض.
وقيل: كَانَ الفقراء فِي مجلس سُفْيَان الثوري كأنهم الأمراء.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الفراء يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن طاهر يَقُول: من حكم الفقير أَن لا يَكُون لَهُ رغبة فَإِن كَانَ ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وأنشدنا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: أنشدني عَبْد اللَّهِ بْن إِبْرَاهِيم بْن العلاء قَالَ أنشدني أَحْمَد بْن عَطَاء لبعضهم:
قَالُوا غدا العيد ماذا أَنْتَ لابسه فَقُلْتُ خلعة ساق حبه جرعا
فقر وصبر هما ثوباي تحتهما قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أَن تلقى الحبيب بِهِ يَوْم التزاور فِي الثوب الَّذِي خلعا
الدهر لي مأتم إِن غبت يا أملي والعيد مَا كانت لي مرأى ومستمعا
وقيل إِن هذه الأبيات لأبي عَلِي الروذباري
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وَقَالَ أَبُو بَكْر الْمِصْرِي وَقَدْ سئل عَنِ الفقير الصادق فَقَالَ: الَّذِي لا يملك ولا يميل وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: ودوام الفقر إِلَى اللَّه تَعَالَى مَعَ التخليط أحب إِلَى من دوام الصفاء مَعَ العجب.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أبا بَكْر الجوال يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: مكث أَبُو جَعْفَر الحداد عشرين سنة يعمل كُل يَوْم بدينا وينفقه عَلَى الفقراء ويصوم ويخرج بَيْنَ العشاءين فيتصدق عَلَيْهِ من الأبواب.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الْحُسَيْن بْن يُوسُفَ القزويني يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن المولد يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النوري يَقُول نعت الفقير السكون عِنْدَ العدم والبذل والإيثار عِنْدَ الوجود وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِيّ الكتاني يَقُول: كَانَ عندنا بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى فتى عَلَيْهِ أطمار رثة وَكَانَ لا يداخلنا ولا يجالسنا فوقعت محبته فِي قلبي ففتح لي بمائتي درهم من وجه حلال فحملتها إِلَيْهِ ووضعتها عَلَى طرف سجادته وقلت لَهُ إنه فتح لي ذَلِكَ من وجه حلال تصرفه فِي بَعْض أمورك فنظر إِلَى شزرا ثُمَّ كشف عما هُوَ مستور عنى وَقَالَ اشتريت هذه الجلسة مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الفراغ بسبعين ألف دِينَار غَيْر الضياع والمستغلات تريد أَن تخدعني عَنْهَا بِهَذِهِ وقام وبددها وقعدت ألتقط فَمَا رأيت كعزه حِينَ مر ولا كذلي حِينَ كنت ألتقطها وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: مَا وجبت عَلَى زكاة الفطر أربعين سنة ولى قبول عظيم بَيْنَ الخاص والعام.
سمعت الشيخ أبا عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول ذَلِكَ وسمعته يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول
[ ٢ / ٤٣٨ ]
سألت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف عَن فَقِير يجوع ثلاثة أَيَّام وبعد ثلاثة يخرج ويسأل مقدار كفايته إيش يقال فِيهِ فَقَالَ: يقال فِيهِ مكد كلوا واسكتوا فلو دَخَلَ فَقِير من هَذَا الباب لفضحكم كلكم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الصوفي يَقُول: سمعت الدقي يَقُول وَقَدْ سئل عَن سوء أدب الفقراء مَعَ اللَّه تَعَالَى فِي أحوالهم فَقَالَ: انحطاطهم من الحقيقة إِلَى العلم.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الطبري يَقُول: سمعت خيرا النساج يَقُول دخلت بَعْض المساجد وإذا فِيهِ فَقِير فلما رآني تعلق بي وَقَالَ: أيها الشيخ تعطف عَلَى فَإِن محنتي عظيمة فَقُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: فقدت البلاء وقويت بالعافية فنظرت فَإِذَا قَدْ فتح عَلَيْهِ بشيء من الدنيا.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أبا بَكْر الوراق يَقُول طوبي للفقير فِي الدنيا والآخرة فسألوه عَنْهُ فَقَالَ: لا يطلب السلطان منه فِي الدنيا الخراج ولا الجبار فِي الآخرة الحساب.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
بَاب التصوف قَالَ الأستاذ: الصفاء محمود بكل لسان وضده الكدورة وَهِيَ مذمومة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَي الطَّلْحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَوْفَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، فَقَالَ: ذَهَبَ صَفْوُ الدُّنْيَا وَبَقِيَ الْكَدَرُ فَالْمَوْتُ الْيَوْمَ تُحْفَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
قَالَ الأستاذ: هذه التمسية غلبت عَلَى هذه الطائفة فيقال: رجل صوفي وللجماعة صوفية ومن يتوصل إِلَى ذَلِكَ يقال لَهُ: متصوف وللجماعة المتصوفة وليس يشهد لِهَذَا الاسم من حيث العربية قياس والاشتقاق والأظهر فِيهِ أَنَّهُ كاللقب فأما قَوْل من قَالَ إنه من الصوف وتصوف إِذَا لبس الصوف، كَمَا يقال: تقمص إِذَا لبس القميص فذلك وجه لكن الْقَوْم لَمْ يختصوا بلبس الصفو ومن قَالَ إنهم منسوبون إِلَى صفة مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ فالنسبة إِلَى الصفة لا تجيء عَلَى نَحْو الصوفي
ومن قَالَ: إنه من الصفاء فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد فِي مقتضى اللغة وقول من قَالَ: إنه مشتق من الصف فكأنهم فِي الصف الأَوَّل بقلوبهم من حيث المحاضرة من اللَّه تَعَالَى فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضى هذه النسبة إِلَى الصف ثُمَّ إِن هذه الطائفة أشهر من أَن يحتاج فِي تعيينهم إِلَى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق وتكلم النَّاس فِي التصوف مَا معناه وَفِي الصوفي من هُوَ فَكُل عبر بِمَا وقع لَهُ واستقصاء جميعه يخرجنا عَنِ المقصود من الإيجاز وسنذكر بَعْض مقالاتهم فِيهِ عَلَى حد التلويح إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن يَحْيَي الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ التميمي يَقُول: سئل أَبُو مُحَمَّد الجريري عَنِ التصوف فَقَالَ: الدخول فِي كُل خلق سنى والخروج من كُل خلق دنى.
سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عمار الهمداني يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد المرعشي يَقُول سئل شيخي عَنِ التصوف فَقَالَ: سمعت الجنيدي وَقَدْ سئل عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ أَن يميتك الحق عَنْك ويحييك بِهِ.
سمعت أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن مُحَمَّد الفارسي يَقُول: سمعت أبا الفاتك يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن مَنْصُور وَقَدْ سئل عَنِ الصوفي فَقَالَ: وحداني الذات لا يقبله أحد ولا يقبل احدا.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت أبا عَلِي الوراق يَقُول: سمعت أبا حمزة البغدادي يَقُول: علامة الصوفي الصادق أَن يفتقر بَعْد الغنى ويذل بَعْد العز ويخفى بَعْد الشهرة، وعلامة الصوفي الكاذب أَن يستغنى بَعْد الفقر ويعز بَعْد الذل ويشتهر بَعْد الخفاء.
وسئل عَمْرو بْن عُثْمَان المكي عَنِ التصوف فَقَالَ: أَن يَكُون العبد فِي كُل وقت بِمَا هُوَ أولى بِهِ فِي الوقت.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ القصاب: التصوف أخلاق كريمة ظهرت فِي زمان كريم من رجل كريم مَعَ قوم كرام.
وسئل سمنون عَنِ التصوف فَقَالَ: أَن تملك شَيْئًا ولا يملك شَيْء.
وسئل رويم عَنِ التصوف فَقَالَ: استرسال النفس مَعَ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يريد.
وسئل الجنيد عَنِ التصوف فَقَالَ: هُوَ أَن تكون مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا علاقة.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: أخبرني مُحَمَّد بْن الفضل قَالَ: سمعت عَلِي بْن عَبْد الرحيم الواسطي يَقُول: سمعت رويم بْن أَحْمَد البغدادي يَقُول: التصوف مبني عَلَى ثَلاث خصال: التمسك الفقر والافتقار، والتحقق بالبذل والإيثار، وترك التعرض والاختيار.
وَقَالَ معروف الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مِمَّا فِي أيدي الخلائق.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَقَالَ حمدون القصار: اصحب الصوفية فَإِن للقبيح عندهم وجوها من المعاذير وليس للحسن عندهم كبير موقع يعظمونك بِهِ.
وسئل الخراز عَن أهل التصوف فَقَالَ: أقوام اعطوا حَتَّى بسطوا ومنعوا حَتَّى فقدوا ثُمَّ نودوا من أسرار قريبة ألا فابكوا عَلَيْنَا وَقَالَ الجنيد: التصوف عنوة لا صلح فِيهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: هُمْ أهل بَيْت واحد لا يدخل فيهم غيرهم.
وَقَالَ أَيْضًا: التصوف ذكر مَعَ اجتماع ووجد مَعَ استماع وعمل مَعَ اتباع.
وَقَالَ أَيْضًا: الصوفي كالأرض يطرح عَلَيْهَا كُل قبيح ولا يخرج منها إلا كُل مليح.
وَقَالَ أَيْضًا: إنه كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كُل شَيْء وكالقطر يسقى كُل شَيْء.
وَقَالَ إِذَا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أَن باطنه خراب.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: الصوفي من يرى دمه هدرا وملكه مباحا.
وَقَالَ النوري: نعت الصوفي الكون عِنْدَ العدم والإيثار عِنْدَ الوجود.
وَقَالَ الكتاني: التصوف خلق فمن زاد عليك فِي الخلق فَقَدْ زاد عليك فِي الصفاء.
وَقَالَ أَبُو عَلِي الروذباري: التصوف الإناخة عَلَى بَاب الحبيب وإن طرد عَنْهُ.
وَقَالَ أَيْضًا: صفوة القرب بَعْد كدورة البعد.
وقيل: أقبح من كُل قبيح صوفي شحيح.
وقيل: التصوف كف فارغ وقلب طيب.
وَقَالَ الشبلي: التصوف الجلوس مَعَ اللَّه بلا هُمْ.
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور: الصوفي المشير عَنِ اللَّه ﷿ فَإِن الخلق أشاروا إِلَى اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ الشلبي: الصوفي منقطع عَنِ الخلق متصل بالحق كقوله تَعَالَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] قطعه عَن كُل غَيْر ثُمَّ قَالَ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وَقَالَ أَيْضًا: الصوفية أطفال فِي حجر الحق.
وَقَالَ أَيْضًا: التصوف برقة محرقة.
وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ العصمة عَن رؤية الكون وَقَالَ رويم: مَا تزال الصوفية بخير مَا تنافروا فَإِذَا اصطلحوا فلا خير فَهُمْ وَقَالَ الجريري: التصوف مراقبة الأحوال ولزوم الأدب.
وَقَالَ المزين: التصوف الانقياد للحق.
وَقَالَ أَبُو تراب النشخبي: الصوفي لا يكدره شَيْء ويصفو بِهِ كُل شَيْء.
وقيل: الصوفي لا يتبعه طلب ولا يزعجه سبب.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سئل ذو النون عَنِ التصوف فَقَالَ: هُمْ قَوْل آثروا اللَّه ﷿ عَلَى كُل شَيْء فأثرهم اللَّه ﷿ عَلَى كُل شَيْء.
وَقَالَ الواسطي: كَانَ للقوم إشارات ثُمَّ صارت حركات ثُمَّ لَمْ يبق إلا حسرات.
وسئل النووي عَنِ الصفوي فَقَالَ: من سمع السماع وآثر الأسباب.
سمعت أبا خاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول قُلْت: للحصري من الصوفي عندك؟ فَقَالَ: الَّذِي لا تقله الأَرْض ولا تظله السماء قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: إِنَّمَا أشار إِلَى حال المحو، وقيل: الصوفي من إِذَا استقبله حالان أَوْ خلقان كلاهما حسن كَانَ مَعَ الأحسن، وسئل الشبلي لَمْ سموا بِهَذِهِ التسمية؟ فَقَالَ: لبقية بقيت عَلَيْهِم من نفوسهم ولولا ذَلِكَ لما تعلقت بِهِمْ تسمية.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سئل ابْن الجلاء
[ ٢ / ٤٤٣ ]
مَا معنى صوفي فَقَالَ: لَيْسَ نعرفه فِي شرط العلم ولكن نعرف فقيرا مجردا من الأسباب كَانَ مَعَ اللَّه تَعَالَى بلا مكان ولا يمنعه الحق سبحانه من علم كُل مكان فسمى صوفيا وَقَالَ بَعْضهم: التصوف إسقاط الجاه وسواد الوجه فِي الدنيا والآخرة وَقَالَ أَبُو يعقوب المزايلي: التصوف حال تضمحل فِيهَا معالم الإِنْسَانية وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السيرواني: الصوفي يَكُون مَعَ الواردات لا مَعَ الأوراد.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: أَحْسَن مَا قيل فِي هَذَا الباب قَوْل من قَالَ هَذَا طريق لا يصلح إلا لأقوام قَدْ كنس اللَّه بأرواحهم المزابل وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يوما: لَمْ يكن للفقير إلا روح فعرضها عَلَى كلاب هَذَا الباب فلم ينظر كلب إِلَيْهَا وَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التصوف الإعراض عَنِ الاعتراض وَقَالَ الحصري: الصوفي لا يوجد بَعْد عدمه ولا يعدم بَعْد وجوده قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم القشيري: وَهَذَا فِيهِ إشكال، ومعنى قَوْله لا يوجد بَعْد عدمه أي إِذَا فنيت آفاته لا تعود تلك الآفات، وقوله: ولا يعدم بَعْد وجوده يعنى إِذَا اشتغل بالحق لَمْ يسقط بسقوط الخلق فالحادثات لا تؤثر فِيهِ ويقال: الصوفي المصطلم عَنْهُ بِمَا لاح لَهُ من الحق ويقال: الصوفي مقهور بتصريف الربوبية مستور بتصرف العبودية ويقال: الصوفي لا يتغير فَإِن تغير لا يتكدر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الْمِصْرِي يَقُول: سمعت الخراز يَقُول: كنت فِي جامع قيروان يَوْم جمعة فرأيت رجلا يدور فِي الصف وَيَقُول تصدقوا عَلَى فَقَدْ كنت صوفيا فضعفت فرفقته بشيء فَقَالَ لي: مر ويلك لَيْسَ من ذَلِكَ وَلَمْ يقبل الرفق.
[ ٢ / ٤٤٤ ]