قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] جاء فِي التفسير وَمَا عرفوا اللَّه حق معرفته.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَتَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَشْرَسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى الشَّجَرِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: إِنَّ دِعَامَةَ الْبَيْتِ أَسَاسُهُ، وَدِعَامَةَ الدِّينِ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْيَقِينُ وَالْعَقْلُ الْقَامِعُ.
فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا الْعَقْلُ الْقَامِعُ؟ قَالَ: الْكَفُّ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالْحِرْصُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ﷿
قَالَ الأستاذ: المعرفة عَلَى لسان الْعُلَمَاء هُوَ العلم، فَكُل علم معرفة وكل معرفة علم، وكل عالم بالله عارف، وكل عارف عالم وعند هَؤُلاءِ الْقَوْم المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ثُمَّ صدق اللَّه تَعَالَى فِي معاملاته ثُمَّ تنقى عَن أخلاقه الرديئة وآفاته ثُمَّ طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه فحظي من اللَّه تَعَالَى بجميل إقباله وصدق اللَّه تَعَالَى فِي جَمِيع أحواله وانقطع عَنْهُ هواجس نَفْسه وَلَمْ يصغ بقلبه إِلَى خاطر يدعوه إِلَى غيره فَإِذَا صار من الخلق أجنبيا ومن آفات نَفْسه بريا ومن المساكنات والملاحظات نقيا ودام فِي السر مَعَ اللَّه تَعَالَى مناجاته وحق فِي كُل لحظة إِلَيْهِ رجوعه، وصار محدثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عِنْدَ ذَلِكَ عارفا وتسمى حالته معرفة بالجملة فبمقدار أجنبيته عَن نَفْسه تحصل معرفته بربه ﷿ وَقَدْ تكلم المشايخ فِي المعرفة فَكُل نطق بِمَا وقع لَهُ وأشار إِلَى مَا وجده فِي وقته.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة من اللَّه تَعَالَى فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وسمعته يَقُول: المعرفة توجب السكينة فِي القلب كَمَا أَن العلم يوجب السكون فمن ازداد معرفته ازدادت سكينته.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن زَيْد يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول لَيْسَ لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار ولا لأحد من اللَّه ﷿ فرار، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: وَقَدْ سئل عَنِ المعرفة؟ فَقَالَ: أولها اللَّه تَعَالَى وآخرها مالا نهاية لَهُ.
وسمعته يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الدينوري يَقُول: قَالَ أَبُو حفص: مذ عرفت اللَّه تَعَالَى مَا دَخَلَ قلبي حق ولا باطل.
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: وَهَذَا الَّذِي أطلقه أَبُو حفص فِيهِ طرف من الإشكال وأجل مَا يحتمله أَن عِنْدَ الْقَوْم المعرفة توجب غيبة العبد عَن نَفْسه لاستيلاء ذكر الحق سبحانه عَلَيْهِ فلا يشهد غَيْر اللَّه ﷿ ولا يرجع إِلَى غيره فكما أَن العاقل يرجع إِلَى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح لَهُ من أمر أَوْ يستقبله من حال فالعارف رجوعه إِلَى ربه فَإِذَا لَمْ يكن مشتغلا إلا بربه تَعَالَى لَمْ يكن راجعا إِلَى قلبه وكيف يدخل المعنى قلب من لا قلب لَهُ، وفرق بَيْنَ من عاش بقلبه وبين من عاش بربه ﷿.
وسئل أَبُو يَزِيد عَنِ المعرفة فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] قَالَ الأستاذ: هَذَا معنى مَا أشار إِلَيْهِ أَبُو حفص.
وَقَالَ أَبُو يَزِيد: للخلق أحوال ولا حال للعارف لأنه محيت رسومه وفنيت هويته بهوية غيره وغيبت آثاره بآثار غيره.
وَقَالَ الواسطي: لا تصح المعرفة وَفِي العبد استغناء بالله وافتقار إِلَيْهِ قَالَ الأستاذ: أراد الواسطي بِهَذَا أَن الافتقار والاستغناء من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه لأنهما من صفاته، والعارف محو فِي معروفه فكيف يصح لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ لاستهلاكه
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فِي وجوده أَوْ لاستغراقه فِي شهوده إِن لَمْ يبلغ الوجود مختطف عَن إحساسه بكل وصف هُوَ لَهُ، ولهذا قَالَ الواسطي أَيْضًا: من عرف اللَّه تَعَالَى انقطع بَل خرس وانقمع.
قَالَ ﷺ لا أحصى ثناء عليك.
هذه صفات الَّذِينَ بَعْد مرماهم، فأما من نزلوا عَن هَذَا الحد فَقَدْ تكلموا فِي المعرفة وأكثروا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد الرازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن حمزة قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري قَالَ: سمعت أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي يَقُول: من كَانَ بالله أعرف كَانَ لَهُ أخوف وَقَالَ بَعْضهم من عرف اللَّه تَعَالَى تبرم بالبقاء وضاقت عَلَيْهِ الدنيا بسعتها.
وقيل: من عرف اللَّه تَعَالَى صفا لَهُ العيش وطابت لَهُ الحياة وهابه كُل شَيْء وذهب عَنْهُ خوف المخلوقين وأنس بالله تَعَالَى.
وقيل: من عرف اللَّه تَعَالَى ذهب عَنْهُ رغبة الأشياء وَكَانَ بلا فصل ولا وصل وقيل: المعرفة توجب الحياء والتعظيم كَمَا أَن التوحيد يوجب الرضا والتسليم وَقَالَ رويم: المعرفة للعارف مرآة إِذَا نظر فِيهَا تجلى لَهُ مولاه وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: ركضت أرواح الأنبياء فِي ميدان المعرفة فسبقت روح نبينا ﷺ أرواح الأنبياء ﵈ إِلَى روضة الوصال وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي: معاشرة العارف كمعاشرة اللَّه تَعَالَى يحتملك ويحلم عَنْك تخلقا بأخلاق اللَّه ﷿ وسئل بْن يزدانيار مَتَى يشهد العارف الحق سبحانه فَقَالَ: إِذَا بدا الشاهد وفني الشواهد وذهب الحواس واضمحل الإخلاص وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور: إِذَا بلغ العبد إِلَى مقام المعرفة أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ بخواطره وحرس سره أَن يسنح فِيهِ غَيْر خاطر الحق
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وَقَالَ: علامة العارف أَن يَكُون فارغا من الدنيا والآخرة.
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: المعرفة غايتها شيئان: الدهشة والحيرة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سهل يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: أعرف النَّاس بالله تَعَالَى أشدهم تحيرا فِيهِ.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنطاكي يَقُول: قَالَ رجل للجنيد من أهل المعرفة أقوام يقولون: إِن ترك الحركات من بَاب البر والتقوى فَقَالَ الجنيد: إِن هَذَا قَوْل قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وَهُوَ عندي عظيم والذي يسرق ويزني أَحْسَن حالا من الَّذِي قَوْل هَذَا فَإِن العارفين بالله أخذوا الأعمال عَنِ اللَّه تَعَالَى وإلى اللَّه تَعَالَى رجعوا فِيهَا ولو بقيت ألف عام لَمْ أنقص من أعمال البر ذرة وقيل لأبي يَزِيد بماذا وجدت هذه المعرفة فَقَالَ: ببطن جائع وبدن عار، وَقَالَ أَبُو يعقوب النهرجوري قُلْت لأبي يعقوب السوسي: هل يتأسف العارف عَلَى شَيْء غَيْر اللَّه ﷿ فَقَالَ: وهل يرى غيره فيتأسف عَلَيْهِ قُلْت: فبأي عين ينظر إِلَى الأشياء فَقَالَ: بعين الفناء والزوال وَقَالَ أَبُو يَزِيد: العارف طيار والزاهد سيار، وقيل: العارف تبكى عينه ويضحك قلبه وَقَالَ الجنيد لا يَكُون العارف عارفا حَتَّى يَكُون كالأرض يطؤه البر والفاجر وكالسحاب يظل كُل شَيْء وكالمطر يسقى مَا يحب وَمَا لا يحب وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: يخرج العارف من الدنيا ولا يقضى وطره من شيئين بكاؤه عَلَى نَفْسه وثناؤه عَلَى ربه ﷿ وَقَالَ أَبُو زَيْد: إِنَّمَا نالوا المعرفة بتضييع مَا لَهُمْ والوقوف مَعَ ماله.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن عَلِي يَقُول لا يَكُون العارف عارفا حقا حَتَّى لو أعطى مثل ملك سُلَيْمَان ﵇ لَمْ يشغله عَنِ اللَّه ﷿ طرفة عين.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت
[ ٢ / ٤٨٠ ]
ابْن عَطَاء يَقُول: المعرفة عَلَى ثلاثة أركان الهيبة والحياء والأنس.
وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول قيل لذي النون الْمِصْرِي بم عرفت ربك قَالَ: عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي، وقيل: العالم يقتدي بِهِ والعارف يهتدى بِهِ وَقَالَ الشبلي العارف لا يَكُون لغيره لاحظا ولا بكلام غيره لافظا ولا يرى لنفسه غَيْر اللَّه تَعَالَى حافظا وقيل: العارف أَنَس بذكر اللَّه تَعَالَى فأوحشه من خلقه وافتقر إِلَى اللَّه تَعَالَى فأغناه عَن خلقه وذل لِلَّهِ تَعَالَى فأعزه فِي خلقه، وَقَالَ أَبُو الطيب السامري: المعرفة طلوع الحق عَلَى الأسرار بمواصلة الأنوار وقيل: العارف فَوْقَ مَا يَقُول والعالم دُونَ مَا يَقُول وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: إِن اللَّه تَعَالَى يفتح للعارف وَهُوَ عَلَى فراشه مَا لا يفتح لغيره وَهُوَ قائم يصلي وَقَالَ الجنيد: العارف من نطق الحق عَن سره وَهُوَ ساكت وَقَالَ ذو النون: لكل شَيْء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عَن ذكر اللَّه تَعَالَى.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: سمعت رويما يَقُول رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الوراق: سكوت العارف أنفع وكلامه أشهى وأطيب وَقَالَ ذو النون: الزهاد ملوك الآخرة وَهُمْ فقراء العارفين.
وسئل الجنيد عَنِ العارف فَقَالَ: لون الماء لو إنائه يَعْنِي: أَنَّهُ بحكم وقته.
وسئل أَبُو يَزِيد عَنِ العارف فَقَالَ: لا يرى فِي نومه غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا فِي يقظته غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا يوافق غَيْر اللَّه تَعَالَى ولا يطالع غَيْر اللَّه تَعَالَى.
[ ٢ / ٤٨١ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الدمشقي يَقُول: سئل بَعْض المشايخ: بم عرفت اللَّه تَعَالَى؟ فَقَالَ: بلمعة لمعت بلسان مأخوذ عَنِ التمييز المعهود ولفظة جرت عَلَى لسان هالك مفقود يشير إِلَى وجد ظاهر ويخبر عَن سر ساتر هُوَ هُوَ أظهره وغيره بِمَا أشكله ثُمَّ أنشد:
نطقت بلا نطق هُوَ النطق إنه لَك النطق لفظا أَوْ يبين عَنِ النطق
تراءيت كي أخفى وَقَدْ كنت خافيا وألمعت لي برقا فأنطقت بالبرق
وسمعته يَقُول: سمعت عَلِي بْن بندار الصيرفي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سئل أَبُو تراب عَن صفة العارف فَقَالَ: الَّذِي لا يكدره شَيْء ويصفو بِهِ كُل شَيْء.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: العارف تضيء لَهُ أنوار العلم فيبصر بِهِ عجائب الغيب.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: العارف مستهلك فِي بحار التحقيق كَمَا قَالَ قائلهم: المعرفة أمواج تغط ترفع وتحط.
وسئل يَحْيَي بْن معاذ عَنِ العارف فَقَالَ: رجل كَانَ بائن ومرة قَالَ: كائن فبان.
وَقَالَ ذو النون: علامة العارف ثلاثة لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عَلَيْهِ ظاهرا من الحكم ولا تحمله كثرة نعم اللَّه ﷿ عَلَيْهِ عَلَى هتك أستار محارم اللَّه تَعَالَى وقيل: لَيْسَ بعارف من وصف المعرفة عِنْدَ أبناء الآخرة فكيف عِنْدَ أبناء الدنيا؟ وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: المعرفة تأتي من عين الجود وبذل المجهود.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سئل الجنيد عَن قَوْل لذي النون الْمِصْرِي فِي صفة العارف كَانَ ههنا فَذَهَبَ فَقَالَ: الجنيد العارف لا يحصره حال عَن حال ولا يحجبه منزل عَنِ التنقل فِي المنازل، فَهُوَ مَعَ أهل كُل مكان بمثل الَّذِي هُوَ فِيهِ يجد مثل الَّذِي يجدون، وينطق فِيهَا بمعالمها لينتفعوا بِهَا.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: المعرفة حياة القلب مَعَ اللَّه تَعَالَى.
وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: سئل أَبُو سَعِيد الخراز هل يصير العارف إِلَى حال يجفو عَلَيْهِ البكاء؟ فَقَالَ: نعم، إِنَّمَا البكاء فِي أوقات سيرهم إِلَى اللَّه تَعَالَى فَإِذَا نزلوا إِلَى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عَنْهُم ذَلِكَ قَالَ: وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: المعرفة حياة القلب مَعَ اللَّه ﵎.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
بَاب المحبة قَالَ اللَّه ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا السُّلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ لِقَاءَ اللَّهِ لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ تَعَالَى لِقَاءَهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبِيدٍ الصَّفَّارُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَي، عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ هِشَامَ الْكِتَّانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، عَن جِبْرِيلَ ﵇، عَنْ رَبِّهِ ﷾، قَالَ: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ، وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ كَتَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مُنَسَأَتِهِ، وَلا بَدَلُهُ مِنْهُ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمَعًا، وَبَصَرًا، وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ:
[ ٢ / ٤٨٤ ]
إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ ﷿ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبَّهُ جِبْرِيلُ ﵇، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ ﷿ الْعَبْدَ.
قَالَ مَالِك: لا أحسبه إلا قَالَ فِي البغض مثل ذَلِكَ
قَالَ الأستاذ: المحبة حالة شريفة، شهد الحق سبحانه بِهَا للعبد، وأخبر عَن محبته لعبد فالحق سبحانه يوصف بأنه يحب العبد، والعبد يوصف بأنه يحب الحق سبحانه، والمحبة عَلَى لسان الْعُلَمَاء هِيَ الإرادة، وليس مراد الْقَوْم بالمحبة الإرادة، فَإِن الإرادة لا تتعلق بالقديم، اللَّهُمَّ إلا أَن تحمل عَلَى إرادة التقرب إِلَيْهِ، والتعظيم لَهُ.
نحن نذكر من تحقيق هذه المسألة طرفا إِن شاء اللَّه تَعَالَى: فمحبة الحق سبحانه للعبد إرادته لإنعام مخصوص عَلَيْهِ، كَمَا أَن رحمته لَهُ إرادة الإنعام، فالرحمة خاص من الإرادة، والمحبة أخص من الرحمة، فإرادة اللَّه تَعَالَى لأن يوصل إِلَى العبد الثواب والإنعام تسمى رحمة وإرادته، لأن يخصه بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة، فإرادته سبحانه صفة واحدة، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فَإِذَا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا، وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة.
وقوم قَالُوا: محبة الحق سبحانه للعبد مدحه لَهُ، وثناؤه عَلَيْهِ بالجميل، فيعود معنى محبته لَهُ عَلَى هَذَا القول إِلَى كلامه، وكلامه قديم.
وَقَالَ قوم: محبته للعبد من صفات فعله، فَهُوَ إحسان مخصوص يلقى اللَّه العبد بِهِ، وحالة مخصوصة يرقيه إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ بَعْضهم: إِن رحمته بالعبد نعمته مَعَهُ.
وقوم من السلف قَالُوا: محبته من الصفات الخبرية، فأطلقوا اللفظ، وتوقفوا عَنِ التفسير، فأما مَا عدا هذه الجملة مِمَّا هُوَ فِي المعقول من صفات محبة الخلق، كالميل إِلَى الشيء، والاستئناس بالشيء، وكحالة يجدها المحب مَعَ محبوبه من المخلوقين، فالقديم سبحانه يتعالى عَن ذَلِكَ.
وَأَمَّا محبة العبد لِلَّهِ تَعَالَى، فحالة يجدها من قلبه تلطف عَنِ العبارة،
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وَقَدْ تحمله تلك الحالة عَلَى التعظيم لَهُ، وإيثار رضاه، وقلة الصبر عَنْهُ، والاهتياج إِلَيْهِ، وعدم القرار من دونه، ووجود الاستئناس بدوام ذكره لَهُ بقلبه، وليست محبة العبد لَهُ سبحانه متضمنة ميلا، ولا اختطاطا، كَيْفَ وحقيقة الصمدية مقدسة عَنِ اللحوق، والدرك والإحاطة.
والمحب بوصف الاستهلاك فِي المحبوب أولى منه بأن يوصف بالاختطاط، ولا توصف المحبة بوصف، ولا تحد بحد أوضح، ولا أقرب إِلَى الفهم من المحبة والاستقصاء فِي المقال عِنْدَ حصول الإشكال، فَإِذَا زال الاستعجام والاستبهام سقطت الحاجة إِلَى الاستغراق فِي شرح الْكَلام وعبارات النَّاس عَنِ المحبة كثيرة، وتكلموا فِي أصلها فِي اللغة، فبعضهم قَالَ: الحب اسم لصفاء المودة، لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان وقيل: الحباب: مَا يعلو الماء عِنْدَ المطر الشديد فعلى هَذَا المحبة غليان القلب وتوارنه عِنْدَ العطش والاهتياج إِلَى لقاء المحبوب وقيل: إنه مشتق من حباب الماء بفتح الحاء وَهُوَ معظمه فسمى بِذَلِكَ، لأن المحبة غاية معظم مَا فِي القلب من المهمات وقيل: اشتقاقه من اللزوم والثبات يقال: أحب البعير وَهُوَ أَن يبرك فلا يقوم فكأن المحب لا يبرح بقلبه عَن ذكر محبوبه وقيل: الحب مأخوذ من الحب وَهُوَ القرط قَالَ الشاعر:
تبينت الحية النضناض منه مكان الحب تستمع السرارا
وسمى القرط حبا، إِمَّا للزومه للأذن، أَوْ لقلقه، وكلا المعنيين صحيح فِي الحب، وقيل: هُوَ مأخوذ من الحب، والحب جمع حبة، وحبة القلب: مَا بِهِ قوامه، فسمى الحب حبا باسم محله،
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وقيل: الحب والحب: كالعمر والعمر، وقيل: هُوَ مأخوذ من الحبة بكسر الحاء، وَهِيَ بزور الصحراء، فسمى الحب حبا، لأنه لباب الحياة، كَمَا أَن الحب لباب النبات، وقيل: الحب هِيَ الخشبات الأربع الَّتِي توضع عَلَيْهَا الجرة فسميت المحبة حبا لأنه يتحمل عَن محبوبه كُل عز وذل وقيل: هُوَ من الحب الَّذِي فِيهِ الماء لأنه يمسك مَا فِيهِ فلا يسع فِيهِ غَيْر مَا امتلأ بِهِ كَذَلِكَ إِذَا امتلأ القلب بالحب فلا مساغ فِيهِ لغير محبوبه، وَأَمَّا أقاويل الشيوخ فِيهِ فَقَالَ بَعْضهم: المحبة الميل الدائم بالقلب الهائم.
وقيل: المحبة إيثار المحبوب عَلَى جَمِيع المصحوب.
وقيل: موافقة الحبيب فِي المشهد والمغيب.
وقيل: محو المحب بصفاته وإثبات المحبوب بذاته وقيل: مواطأة القلب لمرادات الرب وقيل: خوف ترك الحرمة مَعَ إقام الخدمة.
وَقَالَ أَبُو يَزِيد البسطامي: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك.
وَقَالَ سهل: الحب معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وسئل الجنيد عَنِ المحبة فَقَالَ: دخول صفات المحبوب عَلَى البدل من صفات المحب أشار بِهَذَا إِلَى استيلاء ذكر المحبوب حَتَّى لا يَكُون الغالب عَلَى قلب المحب إلا ذكر صفات المحبوب والتغافل بالكلية عَن صفات نَفْسه والإحساس بِهَا.
وَقَالَ أَبُو عَلِي الروذباري: المحبة: الموافقة، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ القرشي: حقيقة المحبة أَن تهب كَذَلِكَ لمن أحببت فلا يبقى لَك منك شَيْء، وَقَالَ الشبلي: سميت المحبة محبة لأنها تمحو من القلب مَا سِوَى المحبوب، وَقَالَ ابْن عَطَاء: المحبة إقامة العتاب عَلَى الدوام
[ ٢ / ٤٨٧ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: المحبة لذة ومواضع الحقيقة دهش، وسمعته يَقُول: العشق مجاوزة الحد فِي المحبة، والحق سبحانه لا يوصف بأنه يجاوز الحد، فلا يوصف بالعشق، ولو جمع محاب الخلق كلهم لشخص واحد لَمْ يبلغ ذَلِكَ استحقاق قدر الحق سبحانه فلا يقال: إِن عبدا جاوز الحد فِي محبة اللَّه تَعَالَى فلا يوصف الحق سبحانه بأنه يعشق ولا العبد فِي صفته سبحانه بأنه يعشق فنفى العشق ولا سبيل لَهُ إِلَى وصف الحق سبحانه لا من الحق للعبد ولا من العبد للحق سبحانه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: المحبة أَن تغار عَلَى المحبوب أَن يحبه مثلك، وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول وَقَدْ سئل عَنِ المحبة فَقَالَ: أغصان تغرس فِي القلب فتثمر عَلَى قدر العقول، وسمعته يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: محبة توجب حقن الدماء، ومحبة توجب سفك الدماء، وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي العلوي يَقُول: سمعت جَعْفَر يَقُول: سمعت سمنونا يَقُول: ذهب المحبون لِلَّهِ تعالي بشرف الدنيا والآخرة، لأن النَّبِي ﷺ قَالَ: المرء مَعَ من أحب فَهُمْ مَعَ اللَّه تَعَالَى.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: حقيقة المحبة مالا ينقص بالجفاء، وَقَالَ يَزِيد بالبر، وَقَالَ لَيْسَ بصادق من ادعى محبته وَلَمْ يحفظ حدوده.
وَقَالَ الجنيد: إِذَا صحت المحبة سقطت شروط الأدب، وَفِي معناه سمعت الأستاذ أبا عَلِي ينشد:
إِذَا صفت المودة بَيْنَ قوم ودام وداهم سمج الثناء
وَكَانَ يَقُول: لا ترى أبا شفيقا يبجل ابنه فِي الْخَطَّاب والناس يتكلمون فِي مخاطبته والأب يَقُول: يا فُلان، وَقَالَ الكتاني: المحبة الإيثار للمحبوب.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الأرجاني يَقُول: سمعت بندار بْن الْحُسَيْن
[ ٢ / ٤٨٨ ]
يَقُول: رؤي مجنون بَنِي عامر فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك؟ فَقَالَ: غفر لي وجعلني حجة عَلَى المحبين، وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي: حقيقة المحبة أَن ينسى العبد حظه من اللَّه ﷿ وينسى حوائجه إِلَيْهِ، وَقَالَ الْحُسَيْن بْن مَنْصُور حقيقة المحبة قيامك مَعَ محبوبك بخلع أوصافك.
سمع الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: قيل للنصرأباذي: لَيْسَ لَك من الحبة شَيْء؟ .
فَقَالَ: صدقوا ولكن لي حسراتهم فَهُوَ ذا أحترق فِيهِ، وسمعته يَقُول: قَالَ النصرأباذي المحبة مجانية السلو عَلَى كُل حال، ثُمَّ أنشد:
ومن كَانَ فِي طول الهوى ذاق سلوة فإني من ليلى لَهَا غَيْر ذائق
وأكثر شَيْء نلته من وصالها أماني لَمْ تصدق كلمحة بارق
وَقَالَ مُحَمَّد بْن الفضل المحبة سقوط كُل محبة من القلب إلا محبة الحبيب، وَقَالَ الجنيد: المحبة إفراط الميل بلا نيل، ويقال: المحبة تشويش فِي القلوب يقع من المحبوب، ويقال: المحبة فتنة تقع فِي الفؤاد من المراد، وأنشد ابْن عَطَاء:
غرست لأهل الحب غصنا من الهوى وَلَمْ يك يدري مَا الهوى أحد قبلي
فأورق أغصانا وأينع صبوة وأعقب لي مرا من الثمر المحلي
وكل جَمِيع العاشقين هواهم إذ نسبوه كَانَ من ذَلِكَ الأصل
وقيل الحب أوله ختل وآخره قتل سمعت الأستاذ أبا عَلِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول فِي معنى قَوْله ﷺ حبك للشيء يعمى ويصم.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
فَقَالَ: يعمى عَنِ الغير غيرة وعن المحبوب هيبة ثُمَّ أنشد:
إِذَا مَا بدا لي تعاظمته فأصدر فِي حال من لَمْ يرد
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت الْحَارِث المحاسبي يَقُول المحبة ميلك إِلَى الشيء بكليتك ثُمَّ إيثارك لَهُ عَلَى نفسك وروحك وَمَالِك ثُمَّ موافقتك لَهُ سرا وجهرا ثُمَّ علمك بتقصيرك فِي حبه.
وسمعته يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت عَبَّاس بْن عصام يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السرى يَقُول لا تصلح المحبة بَيْنَ اثنين حَتَّى يَقُول الْوَاحِد للآخر: يا أنا.
وَقَالَ الشبلي: المحب إِذَا سكت هلك والعارف إِن لَمْ يسكت هلك وقيل: المحبة نار فِي القلب تحرق مَا سِوَى مراد المحبوب وقيل: المحبة بذل المجهود والحبيب يفعل مَا يشاء.
وَقَالَ النوري: المحبة هتك الأستار وكشف الأسرار.
وَقَالَ أَبُو يعقوب السوسي: لا تصح المحبة إلا بالخروج عَن رؤية المحبة إِلَى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة.
وَقَالَ جَعْفَر.
قَالَ الجنيد: دفع السرى إِلَى رقعة.
وَقَالَ هذه لَك خير من سبع مائة قصة أَوْ حَدِيث يعلو فَإِذَا فِيهَا: ولما ادعيت الحب قَالَتْ كذبتني فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا فَمَا الحب حَتَّى يلصق القلب بالحشا وتذبل حَتَّى لا تجيب المناديا وتنحل حَتَّى لا يبقي لَك الهوى سِوَى مقلة تبكى بِهَا وتناجيا
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وَقَالَ ابْن مسروق: رأيت سمنونا يتكلم فِي المحبة، فتكسرت قناديل الْمَسْجِد كلها.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فاتك يَقُول: سمعت سمنونا وَهُوَ جالس فِي الْمَسْجِد يتكلم فِي المحبة إذ جاء طير صَغِير فقرب منه، ثُمَّ قرب فلم يزل يدنو حَتَّى جلس عَلَى يده، ثُمَّ ضرب بمنقاره الأَرْض حَتَّى سال منه الدم، ثُمَّ مَات.
وَقَالَ الجنيد: كُل محبة كانت لغرض إِذَا زال الغرض زالت تلك المحبة وقيل: حبس الشبلي فِي المارستان، فدخل عَلَيْهِ جَمَاعَة.
فَقَالَ: من أنتم؟ قَالُوا: إنا محبوك يا أبا بَكْر فأقبل يرميهم بالحجارة ففروا.
فَقَالَ: إِن ادعيتم محبتي فاصبروا عَلَى بلائي وأنشد الشبلي:
يا أيها السيد الكريم حبك بَيْنَ الحشا مقيم
يا رافع النوم عَن جفوني أَنْتَ بِمَا مر بي عليم
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُبَيْد يَقُول: كتب يَحْيَي بْن معاذ إِلَى أَبِي يَزِيد سكرت من كثرة مَا شربت من كأس محبته فكتب إِلَيْهِ أَبُو يَزِيد غيرك شرب بحور السموات وَالأَرْض وَمَا رَوَى بَعْد ولسانه خارج وَيَقُول: هل من مزيد؟ وأنشدوا:
عجبت لمن يَقُول ذكرت إلفي وهل أنسى فأذكر مَا نسيت
أموت إِذَا ذكرتك ثُمَّ أحيا ولولا حسن ظني مَا حييت
فأحيا بالمنى وأموت شوقا فكم أحيا عليك وكم أموت
شربت الحب كأسا بَعْد كأس فَمَا نفذ الشراب وَمَا رويت
وقيل أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى عيسى ﵇: إني إِذَا اطلعت عَلَى قلب عَبْد فلم أجد فِيهِ حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي ورأيت بخط الأستاذ أَبِي عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْض الكتب المنزلة: عبدي أنا وحقك لَك محب فبحقي كن لي محبا.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: من أعطى شَيْئًا من المحبة وَلَمْ يعط مثله من الخشية فَهُوَ مخدوع.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وقيل: المحبة مَا يمحو أثرك.
وقيل: المحبة سكر لا يصحو كصاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثُمَّ السكر الَّذِي يحصل عِنْدَ الشهود لا يوصف، وأنشدوا:
فأسكر الْقَوْم دور كأس وَكَانَ سكري من المدير
وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ينشد كثيرا:
لي سكرتان وللندمان واحدة شَيْء خصصت بِهِ من بينهم وحدي
وَقَالَ ابْن عَطَاء: المحبة إقامة العتاب عَلَى الدوام.
وَكَانَ للأستاذ أَبِي عَلِي جارية تسمى فيروز وَكَانَ يحبها إذ كانت قَدْ خدمته كثيرا، فسمعته يَقُول كانت فيروز تؤذيني يوما وتستطيل عَلِي بلسانها.
فَقَالَ: لَهَا أَبُو الْحَسَنِ القارئ لَمْ تؤذين هَذَا الشيخ؟ فَقَالَتْ: لأني أحبه.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إِلَى من عُبَادَة سبعين سنة بلا حب: وقيل: إِن شابا أشرف عَلَى النَّاس فِي يَوْم عيد.
وَقَالَ: من مَات عشقا فليمت هكذا لا خير فِي عشق بلا موت وألقى نَفْسه من سطح عال فوقع ميتا.
وحكي أَن بَعْض أهل الهند عشق جارية فرحلت الجارية فخرج الرجل فِي وداعها فدمعت إحدى عينيه دُونَ الأخرى فغمض الَّتِي لَمْ تدمع أربعا وثمانين سنة وَلَمْ يفتحها عقوبة لَهَا لأنها لَمْ تبك عَلَى فراق حبيبته، وَفِي معناه أنشدوا:
بكت عيني غداة البين دمعا وَأُخْرَى بالبكا بخلت عَلَيْنَا
فعاقبت الَّتِي بخلت بدمع بأن غمضتها يَوْم التقينا
وَقَالَ بَعْضهم: كُنَّا عِنْدَ ذي النون الْمِصْرِي فتذاكرنا المحبة.
فَقَالَ ذو النون: كفوا عَن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها ثُمَّ أنشأ يَقُول: الخوف أولى بالمسيء إِذَا تأله والحزن والحب يجمل بالتقى وبالنقي من الدرن
[ ٢ / ٤٩٢ ]
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: من نشر المحبة عِنْدَ غَيْر أهلها فَهُوَ فِي دعواه دعى.
وقيل ادعى رجل الاستهلاك فِي محبة شخص.
فَقَالَ لَهُ الشاب: كَيْفَ هَذَا وَهَذَا أَخِي أَحْسَن مني وجها وأتم جمالا؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت وكانا عَلَى سطح فألقاه من السطح.
وَقَالَ هَذَا أجر من يدعي هوانا وينظر إِلَى سوانا.
وَكَانَ سمنون يقدم المحبة عَلَى المعرفة والأكثرون يقدمون المعرفة عَلَى المحبة وعند المحققين المحبة استهلاك فِي لذة والمعرفة شهود فِي حيرة وفناء فِي هيبة.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الكتاني: جرت مسألة فِي المحبة بمكة أَيَّام الموسم فتكلم الشيوخ فِيهَا وَكَانَ الجنيد أصغرهم سنا فَقَالُوا لَهُ: هات مَا عندك يا عرقي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه، ثُمَّ قَالَ: عَبْد ذاهب عَن نَفْسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إِلَيْهِ بقلبه، أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده، وانكشف لَهُ الجبار من أستار غيبه، فَإِن تكلم فبالله، وإن نطق فعن اللَّه، وإن تحرك فبأمر اللَّه، وإن سكن فمع اللَّه فَهُوَ بالله وَلِلَّهِ ومع لِلَّهِ، فبكى الشيوخ وَقَالُوا: مَا عَلَى هَذَا مزيد جبرك اللَّه تَعَالَى يا تاج العارفين.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: يا دَاوُد، إني حرمت عَلَى القلوب أَن يدخلها حبي وحب غيري فِيهَا.
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا هميم بْن همام قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْحَارِث قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَفَّان قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاس خادم الفضيل بْن عياض قَالَ: احتبس بول الفضيل فرفع يديه وَقَالَ: اللَّهُمَّ بحبي لَك إلا أطلقته عني.
قَالَ: فَمَا برحنا حَتَّى شفى.
وقيل: المحبة الإيثار كامرأة الْعَزِيز لما تناهت فِي أمرها قَالَتْ: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] وَفِي الابتداء ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] فوركت الذنب فِي الابتداء عَلَيْهِ وَفِي الانتهاء نادت عَلَى نفسها بالخيانة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي، يَقُول ذَلِكَ.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وحكى عَنْ أَبِي سَعِيد الخراز أَنَّهُ قَالَ: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعذرني فَإِن محبة اللَّه تَعَالَى شغلتني عَن محبتك.
فَقَالَ: يا مبارك من أحب اللَّه تَعَالَى فَقَدْ أحبني، وقيل: قَالَتْ رابعة فِي مناجاتها: إلهي أتحرق بالنار قلبا يحبك فهتف بِهَا هاتف مَا كُنَّا نفعل هكذا فلا تظني بنا ظن السوء.
وقيل: الحب حرفان حاء وباء فالإشارة فِيهِ أَن من أحب فليخرج عَن روحه وبدونه وكالإجماع من إطلاقات الْقَوْم أَن المحبة هِيَ الموافقة وأشد الموافقات الموافقة بالقلب والمحبة توجب انتفاء المباينة، فَإِن المحب أبدا مَعَ محبوبه وبذلك ورد الْخَبَر:
حَدَّثَنَا الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ حرزَاذَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبَّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ.
فَقَالُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان الحيري يَقُول: سمعت أبا حفص يَقُول: أَكْثَر فساد الأحوال من ثلاثة فسق العارفين وخيانة المحبين وكذب المريدين.
قَالَ أَبُو عُثْمَان: فسق العارفين إطلاق الطرف واللسان والسمع إِلَى أسباب الدنيا ومنَافِعها وخيانة المحبين اختيار هواهم عَلَى رضا اللَّه ﷿ فيما يستقبلهم وكذب المريدين أَن يَكُون ذكر الخلق ورؤيتهم تغلب عَلَيْهِم عَلَى ذكر اللَّه ﷿، ورؤيته، وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا القاسم الجوهري يَقُول: سمعت أبا عَلِي ممشاد بْن سَعِيد العكبري، يَقُول:
[ ٢ / ٤٩٤ ]
راود خطاف خطافة فِي قبة سُلَيْمَان ﵇ فامتنعت عَلَيْهِ.
فَقَالَ لَهَا: لَمْ تمتنعين عَلِي وإن شئت قلبت القبة عَلَى سُلَيْمَان فدعاه سُلَيْمَان ﵇.
وَقَالَ لَهُ: مَا حملك عَلَى مَا قُلْت.
فَقَالَ يا نبي اللَّه إِن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم.
فَقَالَ: صدقت.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
بَاب الشوق قَالَ اللَّه ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي قماشٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا فَقُلْتُ: خَفَّفْتَ أَبَا الْيَقْظَانِ.
فَقَالَ: وَمَا عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَقَدْ دَعَوْتُ اللَّهَ بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَسَأَلَهُ عَنِ الدَّعَوَاتِ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبُ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَبِيدُ، وَقَرَّةَ عَيْنٌ لا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَشَوْقًا إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ، وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيْنًا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.
قَالَ الأستاذ: الشوق اهتياج القلوب إِلَى لقاء المحبوب وعلى قدر المحبة يَكُون الشوق
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يفرق بَيْنَ الشوق والاشتياق وَيَقُول الشوق يسكن باللقاء والرؤية والاشتياق لا يزول باللقاء وَفِي معناه أنشدوا:
[ ٢ / ٤٩٦ ]
مَا يرجع الطرف عَنْهُ رؤيته حَتَّى يعود إِلَيْهِ الطرف مشتاقا
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: للخلق كلهم مقام الشوق وليس لَهُمْ مقام الاشتياق ومن دَخَلَ فِي حال الاشتياق هام فِيهِ حَتَّى لا يرى لَهُ أثر ولا قرار وقيل: جاء أَحْمَد بْن حامد الأسود إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ.
فَقَالَ: رأيت فِي المنام أنك تموت إِلَى سنة فلو استعددت للخروج.
فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ: لَقَدْ أجلتنا إِلَى أمد بعيد أعيش أنا إِلَى سنة لَقَدْ كَانَ لي أَنَس بِهَذَا الْبَيْت الَّذِي سمعته من هَذَا الثقفي يَعْنِي: أبا عَلِي: يا من شكا شوقه من طول فرقته اصبر لعلك تلقى من تحب غدا وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: علامة الشوق حب الْمَوْت مَعَ الراحة.
وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عَنِ الشهوات سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقق يَقُول: خرج دَاوُد ﵇ يوما إِلَى بَعْض الصحارى منفردا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: مالي أراك يا دَاوُد وحدانيا؟ .
فَقَالَ: يا إلهي استأثر الشوق إِلَى لقائك عَلَى قلبي فحال بيني وبين صحبة الخلق، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: ارجع إليهم فإنك إِن أتيتني بعبد آبق أثبتك فِي اللوح المحفوظ جهبذا.
وقيل: كانت عجوز قدم بَعْض أقاربها من السفر فأظهر قومها السرور والعجوز تبكي، فقيل لَهَا: مَا يبكيك؟ فَقَالَتْ: ذكرني قدوم هَذَا الفتى يَوْم القدوم عَلَى اللَّه تَعَالَى، وسئل ابْن عَطَاء عَنِ الشوق.
فَقَالَ: احتراق الأحشاء وتلهب القلوب وتقطع الأكباد.
وسئل أَيْضًا عَنِ الشوق فقيل لَهُ: الشوق أعلى أم المحبة؟ .
فَقَالَ: المحبة، لأن الشوق منها يتولد.
وَقَالَ بَعْضهم: الشوق لهيب ينشأ بَيْنَ أثناء الحشا يسنح عَنِ الفرقة فَإِذَا وقع اللقاء طفئ وإذا كَانَ الغالب عَلَى الأسرار مشاهد المحبوب لَمْ يطرقها الشوق وقيل لبعضهم: هل تشتاق؟ .
فَقَالَ: لا إِنَّمَا الشوق إِلَى غائب وَهُوَ حاضر.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي قَوْله ﷿: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] قَالَ: معناه: شوقا إليك فستره بلفظ الرضا وسمعته رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من علامات الشوق تمنى الْمَوْت عَلَى بساط العوافي كيوسف ﵇ لما ألقى فِي الجب لَمْ يقل: توفني ولما أدخل السجن لَمْ يقل توفني ولما دَخَلَ عَلَيْهِ أبواه وخر الأخوة لَهُ سجدا، وتم لَهُ الْمَلِك والنعم قَالَ توفني مسلما وَفِي معناه أنشدوا:
نحن فِي أكمل السرور ولكن لَيْسَ إلا بكم يتم السرور
عيب مَا نحن فِيهِ يا أهل ودي أنكم غيب ونحن حضور
وَفِي معناه أنشدوا:
من سره العيد الجديد فَقَدْ عدمت بِهِ السرور
كَانَ السرور يتم لي لو كَانَ أحبابي حضورا
وَقَالَ ابْن خفيف: الشوق ارتياح القلوب بالوجد ومحبة اللقاء والقرب.
وَقَالَ أَبُو يَزِيد: إِن لِلَّهِ عبادا لو حجبهم فِي الْجَنَّة عَن رؤية لاستغاثوا من الْجَنَّة كَمَا يستغيث أهل النار من النار.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ الصوفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس الهاشمي بالبيضاء، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الخزاعي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الأَنْصَارِي، قَالَ: سمعت الْحُسَيْن الأَنْصَارِي يَقُول: رأيت فِي النوم كأن الْقِيَامَة قَدْ قامت وشخص قام تَحْتَ العرش فَيَقُول الحق سبحانه: يا ملائكتي من هَذَا فَقَالُوا: اللَّه أعلم.
فَقَالَ: هَذَا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي، وَفِي بَعْض الحكايات فِي مثل هَذَا المنام أَنَّهُ قيل: هَذَا معروف الكرخي خرج من الدنيا مشتاقا إِلَى اللَّه فأباح اللَّه ﷿ لَهُ النظر إِلَيْهِ.
وَقَالَ فارس: قلوب المشتاقين منورة بنور اللَّه تَعَالَى فَإِذَا تحرك اشتياقهم أضاء النور مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض فيعرضهم اللَّه تَعَالَى عَلَى الملائكة فَيَقُول: هَؤُلاءِ المشتاقون إِلَى أشهدكم أنى إليهم أشوق
[ ٢ / ٤٩٨ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي قَوْله ﷺ أسألك الشوق إِلَى لقائك.
قَالَ كَانَ الشوق مائة جزء تسعة وتسعون لَهُ وجزء متفرق فِي النَّاس فأراد أَن يَكُون ذَلِكَ الجزء لَهُ أَيْضًا فغار أَن يَكُون شظية من الشوق لغيره، وقيل: شوق أهل القرب أتم من شوق المحجوبين ولهذا قيل: وأبرح مَا يَكُون الشوق يوما إِذَا دنت الخيام من الخيام وقيل إِن المشتاقين يتحسسون حلاوة الْمَوْت عِنْدَ وروده لما قَدْ كشف لَهُمْ من روح الوصول أحلى من الشهد سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت السرى يَقُول: الشوق أجل مقام للعارف إِذَا تحقق فِيهِ وإذا تحقق فِي الشوق لَهَا عَن كُل شَيْء يشغله عمن يشتاق إلهي.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري فِي قَوْله ﷿: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] هَذَا تعزية للمشتاقين معناه: أني أعلم أَن اشتياقكم إِلَى غالب وأنا أجلت للقائكم أجلا وعن قريب يَكُون صولكم إِلَى من تشتاقون إِلَيْهِ.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇: قل لشبان بَنِي إسرائيل لَمْ تشغلون أنفسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم مَا هَذَا الجفاء.
وقيل: أوحى اللَّه ﷿ إِلَى دَاوُد ﵇ لو يعلم المدبرون عني كَيْفَ انتظاري لَهُمْ ورفقي بِهِمْ وشوقي إِلَى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إِلَى، وانقطعت أوصالهم من محبتي، يا دَاوُد هذه إرادتي فِي المدبرين عني فكيف إرادتي فِي المقبلين إِلَى وقيل: مكتوب فِي التوراة: شوقناكم فلم تشتاقوا وخوفناكم فلم تخافوا ونحنا لكم فلم تنوحوا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول بكى شُعَيْب حَتَّى عمي فرد اللَّه ﷿ بصره عَلَيْهِ، ثُمَّ بكى حتى عمي، فرد اللَّه ﷿ بصره عَلَيْهِ، ثُمَّ بكى حَتَّى عمى، فأوحى اللَّه
[ ٢ / ٤٩٩ ]
تَعَالَى إِلَيْهِ: إِن كَانَ هَذَا البكاء لأجل الْجَنَّة فَقَدْ أبحتها لَك وإن كَانَ لأجل النار فَقَدْ أجرتك منها.
فَقَالَ: لا بَل شوقا إليك فأوحى اللَّه ﷿ إِلَيْهِ لأجل ذَلِكَ أخدمتك نبيي وكليمي عشر سنين، وقيل: من اشتاق إِلَى اللَّه اشتاق إِلَيْهِ كُل شَيْء وَفِي الْخَبَر اشتاقت الْجَنَّة إِلَى ثلاثة عَلِي وعمار وسلمان.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: قَالَ بَعْض المشايخ أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إلي وأنا عَن جميعها حر، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر الرملي، يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر الإِمَام.
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدَّثَنَا مرحوم.
قَالَ: سمعت مَالِك بْن دِينَار يَقُول: قرأت فِي التوراة: شوقنا كم فلم تشتاقوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فرحان يَقُول: سمعت الجنيد وَقَدْ سئل من أي شَيْء يَكُون بكاء المحب إِذَا لقى المحبوب؟ .
فَقَالَ: إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ سرورا بِهِ ووجدا من شدة الشوق إِلَيْهِ ولقد أَن أخوين تعانقا.
فَقَالَ: أحدهما واشوقاه.
وَقَالَ الآخرة واوجداه.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
بَاب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عَلَيْهِم قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي قصة مُوسَى مَعَ الخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] .
قَالَ الإِمَام: لما أراد صحبة الخضر حفظ شرط الأدب فاستأذن أولا فِي الصحبة ثُمَّ شرط عيه الخضر أَن لا يعارضه فِي شَيْء ولا يعترض عَلَيْهِ فِي حكم ثُمَّ لما خالفه مُوسَى ﵇ تجاوز عَنْهُ المرة الأولى وَالثَّانِيَة، فلما صار إِلَى الثالثة والثلاث آخر حد القلة وأول حد الكثرة سامه الفرقة.
فَقَالَ: هَذَا فراق بيني وبينك.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن الأَهْوَازِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَالِمٍ الْقَزَّازُ.
قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرِّجَالِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: بدء كُل فرقة المخالفة يَعْنِي بِهِ: أَن من خالف شيخه لَمْ يبق عَلَى طريقته وانقطعت العلقة بينهما وإن جمعتهما البقعة فمن صحب شيخا من الشيوخ ثُمَّ اعترض عَلَيْهِ بقلبه فَقَدْ نقض عهد الصحبة ووجبت عَلَيْهِ التوبة عَلَى أَن الشيوخ قَالُوا: حقوق الأستاذين لا توبة عَنْهَا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: خرجت إِلَى مرو فِي حياة شيخي الأستاذ أَبِي سهل الصعلوكي وَكَانَ لَهُ قبل خروجي أَيَّام الجمعة بالغدوات مجلس دور الْقُرْآن والختم فوجدته عِنْدَ رجوعي قَدْ رفع ذَلِكَ المجلس وعقد لأبي الغفاني فِي ذَلِكَ الوقت مجلس
[ ٢ / ٥٠١ ]
القول فداخلني من ذَلِكَ شَيْء فكنت أقول فِي نفسي قَد استبدل مجلس الختم بمجلس القول.
فَقَالَ لي يوما: يا أبا عَبْد الرَّحْمَنِ مَا يَقُول النَّاس فِي فَقُلْتُ: يقولون: رفع مجلس الْقُرْآن ووضع مجلس القول.
فَقَالَ: من قَالَ لأستاذه لَمْ لا يفلح أبدا ومن المعروف أَن الجنيد.
قَالَ دخلت عَلَى السرى يوما فأمرني شَيْئًا فقضيت حاجته سريعا فلما رجعت إِلَيْهِ ناولني رقعة.
وَقَالَ هَذَا لمكان قضائك لحاجتي سريعا فقرأت الرقعة فَإِذَا فِيهَا مكتوب سمعت حاديا يحدو فِي البادية: أبكي وهل يدريك مَا يبكيني ابكي حذارا أَن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني ويحكى عَن أَبِي الْحَسَن الهمداني العلوي.
قَالَ كنت ليلة عِنْدَ جَعْفَر الخلدي وكنت أمرت فِي بَيْتِي أَن يعلق طير فِي التنور وَكَانَ قلبي مَعَهُ.
فَقَالَ لي جَعْفَر: أقم عندنا الليلة فتعللت بشيء ورجعت إِلَى منزلي فأخرج الطير من التنور ووضع بَيْنَ يدي فدخل كلب من الباب وحمل الطير عِنْدَ تغافل الحاضرين فأتى بالجوزاب الَّذِي تحته فتعلق بِهِ ذيل الخادمة فانصب فلما أصبحت دَخَلَ عَلَى جَعْفَر فحين وقع بصره عَلِي.
قَالَ: من لَمْ يحفظ قلوب المشايخ سلط عَلَيْهِ كلب يؤذيه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الدينوري يَقُول: سمعت الْحَسَن الدامغاني يَقُول: سمعت عمي البسطامي يحكي عَن أَبِيهِ: أَن شقيقا البلخي، وأبا تراب النخشبي قدما عَلَى أَبِي يَزِيد فقدمت السفرة وشاب يخدم أبا يَزِيد فقالا لَهُ: كُل معنا يا فتى.
فَقَالَ: أنا صائم.
فَقَالَ أَبُو تراب: كُل ولك أجر صوم شَهْر فأبى.
فَقَالَ: شقيق كُل ولك أجر صوم سنة فأبي.
فَقَالَ أَبُو يَزِيد دعوا من سقط من عين اللَّه تَعَالَى فأخذ ذَلِكَ الشاب فِي السرقة بَعْد سنة فقطعت يده.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: وصف سهل بْن عَبْد اللَّهِ رجلا بالولاية خبازا
[ ٢ / ٥٠٢ ]
بالبصرة فسمع رجل من أَصْحَاب سهل بْن عَبْد اللَّهِ ذَلِكَ فاشتاق إِلَيْهِ فخرج إِلَى البصرة فأتى حانوت الخباز فرآه يخبز وَقَدْ تنقب لمحاسنه عَلَى عادة الخبازين.
فَقَالَ فِي نَفْسه: لو كَانَ هَذَا وليا لَمْ يحترق شعره بغير نقاب ثُمَّ إنه سلم عَلَيْهِ وسأله شَيْئًا.
فَقَالَ الرجل: إنك استصغرتني فلا تنتفع بكلامي وأبي أَن يكلمه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمع عَبْد الرَّحْمَنِ الرازي أبا عُثْمَان الحيرى يصف مُحَمَّد بْن الفضل البلخي ويمدحه فاشتاق إِلَيْهِ فخرج إِلَى زيارته فلم يقع بقلبه من مُحَمَّد بْن الفضل مَا اعتقد فرجع إِلَى أَبِي عُثْمَان وسأله.
فَقَالَ: كَيْفَ وجدته.
فَقَالَ: لَمْ أجده كَمَا ظننت.
فَقَالَ: لأنك استصغرته وَمَا استصغر أحد أحدا إلا حرم فائدته ارجع إِلَيْهِ بالحرمة فرجع إِلَيْهِ عَبْد اللَّهِ فانتفع بزياراته.
ومن المشهور أَن عُمَر بْن عُثْمَان الْمَكِّي رأى الْحُسَيْن بْن مَنْصُور يكتب شَيْئًا.
فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هُوَ ذا أعارض الْقُرْآن فدعا عَلَيْهِ وهجره.
قَالَ الشيوخ: إِن مَا حل بِهِ بَعْد طول المدة كَانَ لدعاء ذَلِكَ الشيخ عَلَيْهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول لما نفى أهل بلخ مُحَمَّد بْن الفضل من البلد دعا عَلَيْهِم.
وَقَالَ اللَّهُمَّ امنعهم الصدق فلم يخرج من بلخ بعده صديق.
سمعت أَحْمَد بْن يَحْيَي الأبيوردي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: من رضى عَنْهُ شيخه لا يكافأ فِي حال حياته لئلا يزول عَن قلبه تعظيم ذَلِكَ الشيخ فَإِذَا مَات الشيخ أظهر اللَّه ﷿ عَلَيْهِ مَا هُوَ جزاء رضاه ومن تغير عَلَيْهِ قلب شيخه لا يكافأ فِي حال حياة ذَلِكَ الشيخ لئلا يرق لَهُ فإنهم مجبولون عَلَى الكرم فَإِذَا مَات ذَلِكَ الشيخ فحينئذ يجد المكافأة بعده.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
بَاب فِي السماع قَالَ اللَّه ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] اللام للام فِي قَوْله: ﴿الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] تقتضي التعميم والاستغراق والدليل عَلَيْهِ أَنَّهُ مدحهم باتباع الأحسن.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] جاء فِي التفسير أَنَّهُ السماع.
واعلم أَن سماع الأشعار بالألحان الطيبة، والنغم المستلذة، إِذَا لَمْ يعتقد المستمع محظورا وَلَمْ يسمع عَلَى مذموم فِي الشرع وَلَمْ ينجر فِي زمام هواه وَلَمْ ينخرط فِي سلك لهوه مباح فِي الجملة ولا خلاف أَن الأشعار أنشدت بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ وأنه سمعها وَلَمْ ينكر عَلَيْهِم فِي إنشادها فَإِذَا جاز استماعها بغير الألحان الطيبة فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان هَذَا ظاهر من الأمر ثُمَّ مَا يوجب للمستمع توفر الرغبة عَلَى الطاعات وتذكر مَا أعد اللَّه تَعَالَى لعباده المتقين من الدرجات ويحمله عَلَى التحرز من الزلات ويؤدي إِلَى قلبه فِي الحال صفاء الواردات مستحب فِي الدين ومختار فِي الشرع وَقَدْ جرى عَلَى لفظ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا هُوَ قريب من الشعر وإن لَمْ يقصد أَن يَكُون شعرا.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَحْفُرُونَ الْخَنْدَقَ فَجَعَلُوا، يَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلا عَيْشَ الآخِرَةِ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ.
لَيْسَ هَذَا اللفظ منه ﷺ عَلَى وزن شعر لكنه قريب منه وَقَدْ سمع السف والأكابر الأبيات بالألحان فممن قَالَ بإباحته من السلف مَالِك بْن أَنَس وأهل الحجاز كلهم يبيحون الغناء وَأَمَّا الحداء فإجماع مِنْهُم على إجازته وَقَدْ وردت الأخبار واستفاضت الآثار فِي ذَلِكَ
وَرَوَى عَنِ ابْن جريج أَنَّهُ كَانَ يرخص فِي السماع فقيل لَهُ: إِذَا أتى بك يَوْم الْقِيَامَة ويؤتى بحسناتك وسيئاتك ففي أي الجانبين سماعك.
فَقَالَ: لا فِي الحسنات ولا فِي السيئات يَعْنِي أَنَّهُ من المباحات.
وَأَمَّا الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ لا يحرمه ويجعله فِي العوام مكروها حَتَّى لو احترف بالغناء أَوِ اتصف عَلَى الدوام بسماعه عَلَى وجه التلهي ترد بِهِ الشهادة ويجعله مِمَّا يسقط المروءة ولا يلحقه بالمحرمات وليس كلامنا فِي هَذَا النوع من السماع فَإِن هذه الطائفة جلت رتبتهم عَن أَن يستمعوا بلهو أَوْ يقعدوا للسماع بسهو أَوْ يكونوا بقلوبهم مفكرين فِي مضمون لغو، أَوْ يستمعون عَلَى صفة غَيْر كفء، وَقَدْ رَوَى عَنِ ابْن عُمَر آثار فِي إباحة السماع، وَكَذَلِكَ عَن عَبْد اللَّهِ ابْن جَعْفَر بْن أَبِي طَالِب وَكَذَلِكَ عَن عُمَر ﵃ أجمعين وَكَذَلِكَ فِي الحداء وغيره وأنشد بَيْنَ يدي النَّبِي ﷺ الأشعار فلم ينه عَنْهَا وَرَوَى أَنَّهُ ﷺ استنشد الأشعار ومن المشهور الظاهر أَنَّهُ دَخَلَ بَيْت عَائِشَة ﵂ وفيه جاريتان حَدَّثَنَا تغنيان، فلم ينههما.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُبَابُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْمُرْسَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاذَفَتْ بِهِ
[ ٢ / ٥٠٥ ]
الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ مَرَّتَيْنِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَعِيدُنَا هَذَا الْيَوْمَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَجْلَحِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا أَنْكَحَتْ ذَاتَ قَرَابَتِهَا مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ.
فَقَالَ: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ.
قَالَ: فَأَرْسَلْتِ مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الأَنْصَارَ فِيهِمْ غَزَلٌ فَلَوْ أَرْسَلْتُمْ مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا وَحَيَّاكُمْ
أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ فَوْرَكٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ خَرْزَاذَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَدَقَةَ بِنْتِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَتْ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُؤَيِّدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا.
دل هَذَا الْخَبَر عَلَى فضيلة الصوت الْحَسَن
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِكُلِّ شَيْءٍ حِيلَةٌ وَحِيلَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكَرِيمِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَبُو عَاصِمٍ.
قَالَ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
[ ٢ / ٥٠٦ ]
صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ: صَوْتُ وَيْلٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وَصَوْتُ مِزْمَارٍ عِنْدَ نَغَمَةٍ
مفهوم الْخَطَّاب يقتضي إباحة غَيْر هَذَا فِي غَيْر هذه الأحوال وإلا بطل التخصيص والأخبار فِي هَذَا الباب تكثر والزيادة عَلَى هَذَا القدر من ذكر الروايات تخرجنا عَنِ المقصود من الاختصار، وَقَدْ رَوَى أَن رجلا أنشد بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ.
أقبلت فلاح لَهَا عارضان كالسيج
أدبرت فَقُلْتُ لَهَا والفؤاد فِي وهج
هل عَلَى ويحكما إِن عشقت من حرج
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لا وإن حسن الصوت مِمَّا أنعم اللَّه تَعَالَى بِهِ عَلَى صاحبه من النَّاس، قَالَ اللَّه ﷿: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] قيل فِي التفسير: من ذَلِكَ الصوت الْحَسَن وذم اللَّه سبحانه الصوت الفظيع.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] واستلذاذ القلوب واشتياقها إِلَى الأصوات الطيبة واسترواحها إِلَيْهَا مِمَّا لا يمكن جحوده، فَإِن الطَّفْل يسكن إِلَى الصوت الطيب، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عَلَيْهِ بالحداء.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وحكى إِسْمَاعِيل بْن علية.
قَالَ: كنت أمشي مَعَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقت الهاجرة فجزنا بموضع يَقُول فِيهِ أحد شَيْئًا، فَقَالَ: مل بنا إِلَيْهِ، ثُمَّ.
قَالَ: أيطربك هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَالَ: مَالِك حسن، وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أذن اللَّه تَعَالَى لشيء كإذنه لبني يتغنى بالقرآن
[ ٢ / ٥٠٧ ]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن مَلْحَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعَالَى لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» .
وقيل: إِن دَاوُد ﵇ كَانَ يستمع لقراءته الجن والإنس والطير والوحش إِذَا قرأ الزبور، وَكَانَ يحمل من مجلسه أربع مائة جنازة مِمَّن قَدْ مَات مِمَّن سمعوا قراءته.
وَقَالَ: ﷺ لأبي مُوسَى الأشعري: لَقَدْ أعطي مزمارا من مزامير آل دَاوُد.
وَقَالَ معاذ لرسول اللَّه ﷺ: لو علمت أنك تسمع لحبرته لَك تحبيرا
أَخْبَرَنَا أَبُو حاتم السجستاني.
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن عَلِي البراج.
قَالَ: حكى أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري الرقى.
قَالَ: كنت فِي البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب وأضافني رجل مِنْهُم فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك ورأيت جمالا قَدْ ماتت بفناء الْبَيْت.
فَقَالَ لي الغلام: أَنْتَ الليلة ضيف وأنت عَلَى مولاي كريم فتشفع لي فَإِنَّهُ لا يردك، فَقُلْتُ: لصاحب الْبَيْت: لا آكل طعامك حَتَّى تحل هَذَا العبد.
فَقَالَ هَذَا الغلام: قَدْ أفقرني وأتلف مالي، فَقُلْتُ: فَمَا فعل؟ فَقَالَ لَهُ صوت طيب وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال فحملها أحمالا ثقيلة وحدا لَهَا حَتَّى قطعت مسيرة ثلاثة أَيَّام فِي يَوْم واحد، فلما حط عَنْهَا ماتت كلها ولكن قَدْ وهبته لَك وحل عَنْهُ القيد، فلما أصبحنا أحببت أَن أسمع صوته فسألته ذَلِكَ فأمر الغلام أَن يحدو
[ ٢ / ٥٠٨ ]
عَلَى جمل كَانَ عَلَى بئر هناك يستقى عَلَيْهِ، فحد الغلام فهام الجمل عَلَى وجه وقطع حباله وَلَمْ أظن أني سمعت صوتا أطيب منه، فوقعت لوجهي حَتَّى أشار إِلَيْهِ بالسكوت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وَقَدْ سئل: مَا بال الإِنْسَان يَكُون هادئا فَإِذَا سمع السماع اضطرب؟ فَقَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى لما خاطب الذر فِي الميثاق الأَوَّل بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] استفرغت عذوبة سماع الْكَلام الأرواح، فلما سمعوا السماع حركهم ذكر ذَلِكَ.
سمعت الأستاذ ابا الدقاق، يَقُول: السماع حرام عَلَى العوام لبقاء نفوسهم مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأَصْحَابنا لحياة قلوبهم.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر الصوفي يَقُول: سمعت الوجيهي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: كَانَ الْحَارِث بْن أسد المحاسبي يَقُول: ثَلاث إِذَا وجدن متع بهن وَقَدْ فقدناها: حسن الوجه مَعَ الصيانة، وحسن الصوت مَعَ الديانة، وحسن الإخاء مَعَ الوفاء.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَنِ الصوت الْحَسَن.
فَقَالَ: مخاطبات وإشارات أودعها اللَّه تَعَالَى كُل طيب وطيبة.
وسئل مرة أُخْرَى عَنِ السماع.
فَقَالَ: وارد حَتَّى يزعج القلوب إِلَى الحق، فمن أصغى إِلَيْهِ بحق تحقق، ومن أصغى إِلَيْهِ بنفس تزندق.
وحكى جَعْفَر بْن نصير عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: تنزل الرحمة عَلَى الفقراء فِي ثلاثة مواطن: عِنْدَ السماع، فإنهم لا يَسْمَعُونَ إلا عَن حق ولا يقولون إلا عَن وجد، وعند أكل الطعام، فإنهم لا يأكلون إلا عَن فاقة، وعند مجاراة العلم، فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن ممشاد الدينوري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: السماع فتنة لمن طلبه ترويح لمن صادفه.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: السماع يحتاج إِلَى ثلاثة أشياء: الزَّمَان والمكان والإخوان.
وسئل الشبلي عَنِ السماع.
فَقَالَ: ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فن عرف الإشارة حل لَهُ استماع العبرة، وإلا فَقَد استدعى الْفِتْنَة وتعرض للبلية.
وقيل: لا يصلح السماع إلا لمن كانت لَهُ نفس ميتة وقلب حي فنفسه ذبحت بسيوف المجاهدة وقلبه حي بنور الموافقة.
وسئل أَبُو يعقوب النهرجوري عَنِ السماع فَقَالَ: حال يبدي الرجوع إِلَى الأسرار من حيث الاختراق.
وقيل: السماع لطف عِنْدَ الأرواح لأهل المعرفة سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: السماع طبع إلا عَن شرع وخرق إلا عَن حق وفتنة إلا عَن عبرة، ويقال: السماع عَلَى قسمين: سماع بشرط العلم والصحو فمن شرط صاحبه معرفة الأسامي والصفات وإلا وقع فِي الكفر المحض، وسماع بشرط الحال فمن شرط صاحبه الفناء عَن أحوال البشرية والتنقي من آثار الحظوظ بظهور أحكام الحقيقة، وحكى عَن أَحْمَد بْن أَبِي الحوري أَنَّهُ قَالَ: سألت أبا سُلَيْمَان عَنِ السماع.
فَقَالَ: من اثنين أحب إلي من الْوَاحِد، وسئل أَبُو الْحَسَنِ النوري عَنِ الصوفي فَقَالَ: من سمع السماع وآثر الأسباب.
وسئل أَبُو عَلِي الروذباري عَنِ السماع يوما.
فَقَالَ: ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: سمعت من ادعى السماع وَلَمْ يسمع صوت الطيور وصرير الباب وتصفيق الرياح فَهُوَ فَقِير مدع.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يَقُول: سمعت أبا الطيب أَحْمَد بْن مقاتل العكي يَقُول: قَالَ جَعْفَر: كَانَ ابْن زيري من أَصْحَاب الجنيد شيخا فاضلا فربما كَانَ يحضر موضع سماع فَإِن استطابه فرش إزاره وجلس، وَقَالَ الصوفي: مَعَ قلبه وإن لَمْ يستطبه، قَالَ، السماع لأرباب القلوب ومر وأخذ نعله.
[ ٢ / ٥١٠ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد المجيد الصوفي يَقُول: سئل رويم عَن وجود الصوفية عِنْدَ السماع.
فَقَالَ: يشهدون المعاني الَّتِي تعزب عَن غيرهم فتشير إليهم إِلَى إلي فيتنعمون بِذَلِكَ من الفرح ثُمَّ يقطع الحجاب فيعود ذَلِكَ الفرح بكاء فمنهم من يخرق ثيابه وَمِنْهُم من يصيح وَمِنْهُم من يبكي كُل إِنْسَان عَلَى قدره سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت الحصري يَقُول فِي بَعْض كلامه: إيش أعمل بسماع ينقطع إِذَا انقطع من يسمع منه ينبغي أَن يَكُون سماعك متصلا غَيْر منقطع قَالَ: وَقَالَ الحصري: ينبغي أَن يَكُون ظمأ دائم وشرب دائم فكلما ازداد شربه ازداد ظمؤه.
وجاء عَن مجاهد فِي تفسير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أَنَّهُ السماع من الحور العين بأصوات شهية نحن الخالدات فلا نموت أبدا، نحن الناعمات فلا نبؤس أبدا.
وقيل: السماع نداء والوجد قصد سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان المغربي يَقُول: قلوب أهل الحق قلوب حاضرة وأسماعهم أسماع مفتوحة.
وسمعته يَقُول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يَقُول: المستمع بَيْنَ استتار وتجل، فالاستتار يوجب التلهيب والتجلي يورث الترويح، والاستتار يتولد منه حركات المريدين، وَهُوَ محل الضعف والعجز والتجلي يتولد منه سكون الواصلين وَهُوَ محل الاستقامة والتمكين، وَذَلِكَ صفة الحضرة وليس فِيهَا إلا الذبول تَحْتَ موارد الهيبة.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
[ ٢ / ٥١١ ]
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الحيري: السماع عَلَى ثلاثة أوجه: فوجه منها للمريدين، والمبتدئين يستدعون بِذَلِكَ الأحوال الشريفة وتخشى عَلَيْهِم فِي ذَلِكَ الْفِتْنَة والمرآت، وَالثَّانِي للصادقين يطلبون الزيادة فِي أحوالهم ويستمعون من ذَلِكَ مَا يوافق أوقاتهم، والثالث لأهل الاستقامة من العارفين فهؤلاء لا يختارون عَلَى اللَّه تَعَالَى فيما يرد عَلَى قلوبهم من الحركة والسكون.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: سمعت أبا الفرج الشيرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: من ادعى أَنَّهُ مغلوب عِنْدَ الفهم يعنى فِي السماع وأن الحركات مالكة فعلامته تحسين المجلس الَّذِي هُوَ فِيهِ بوجده، قَالَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: فذكرت هذه الحكاية لأبي عُثْمَان المغربي فَقَالَ: أدناه وعلامته الصحيحة أَن لا يبقى فِي المجلس محقق إلا أَنَس بِهِ ولا يبقى فِيهِ مبطل إلا استوحش منه، وَقَالَ بندار بْن الْحُسَيْن: السماع عَلَى ثلاثة أوجه: مِنْهُم من يسمع بالطبع، وَمِنْهُم من يسمع بالحال، وَمِنْهُم من يسمع بالحق، فالذي يسمع بالطبع يشترك فِيهِ الخاص والعام، فَإِن جبلة البشرية استلذاذ الصوت الطيب، والذي يسمع بالحال فَهُوَ يتأمل مَا يرد عَلَيْهِ من ذكر عتاب أَوْ خطاب، أَوْ وصل، أَوْ هجر، أَوْ قرب، أَوْ بَعْد، أَوْ تأسف عَلَى فائت، أَن تعطش إِلَى آت، أَوْ وفاء بعهد، أَوْ تصديق لوعد، أَوْ نقض لعهد، أَوْ ذكر قلق، أَوِ اشتياق، أَوْ خوف فراق، أَوْ فرح وصال، أَوْ حذر انفصال، أَوْ مَا جرى مجراه.
وَأَمَّا من يسمع بحق فيسمع بالله تَعَالَى، وَلِلَّهِ ولا يتصف بِهَذِهِ الأحوال الَّتِي هِيَ ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبقاة مَعَ العلل، فيسمعون من حيث صفاء التوحيد بحق لا بحظ.
وقيل: أهل السماع عَلَى ثَلاث طبقات: أبناء الحقائق يَرْجِعُونَ فِي سماعهم إِلَى مخاطبة الحق سبحانه لَهُمْ، وضرب يخاطبون اللَّه تَعَالَى بقلوبهم بمعاني مَا يَسْمَعُونَ، فَهُمْ مطالبون بالصدق
[ ٢ / ٥١٢ ]
فيما يشيرون بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى، وثالث هُوَ فَقِير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات يَسْمَعُونَ بطيبة قلوبهم وَهَؤُلاءِ أقربهم إِلَى السلامة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: وَقَدْ سئل عَنِ السماع.
فَقَالَ: مكاشفة الأسرار إِلَى مشاهدة المحبوب، وَقَالَ الخواص: وَقَدْ سئل مَا بال الإِنْسَان يتحرك عِنْدَ سماع غَيْر الْقُرْآن ولا يجد ذَلِكَ فِي سماع الْقُرْآن؟ .
فَقَالَ: لأن سماع الْقُرْآن صدمة لا يمكن لأحد أَن يتحرك فِيهِ لشدة غلبته وسماع القول ترويح فيتحرك فِيهِ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الرازي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: إذ رأيت المريد يحب السماع فاعلم أَن فِيهِ بقية من البطالة.
وسمعته يَقُول: سمعت عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ البغدادي يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الرملي يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: السماع علم استأثر اللَّه تَعَالَى بِهِ لا يعلمه إلا هُوَ.
وحكى أَحْمَد بْن مقاتل العكي.
قَالَ: لما دَخَلَ ذو النون الْمِصْرِي بغداد اجتمع إِلَيْهِ الصوفية ومعهم قوال فاستأذنوه أَن يَقُول بَيْنَ يديه شَيْئًا فأذن فابتداء يَقُول: صغير هواك عذبني فكيف بِهِ إِذَا احتنكا وأنت جمعت من قلبي هوى قَدْ كَانَ مشتركا أما ترثي لمكتئب إِذَا ضحك الخلى بكى قَالَ: فقام ذو النون وسقط عَلَى وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط عَلَى الأَرْض، ثُمَّ قام رجل من الْقَوْم يتواجد.
فَقَالَ لَهُ ذو النون: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] فجلس الرجل.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول فِي هذه الحكاية: كَانَ ذو النون صاحب إشراف عَلَى ذَلِكَ الرجل حيث نهبه أَن ذَلِكَ لَيْسَ مقامه وَكَانَ ذَلِكَ الرجل صاحب إنصاف حيث قبل ذَلِكَ منه فرجع وقعد.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الصوفي يَقُول: سعت الرقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: كَانَ بالمغرب شيخان لهما أصحاب وتلامذة يقال لأحدهما: جبلة وللثاني: رزيق فزار رزيق يوما جبلة فِي أَصْحَابه فقرأ رجل من أَصْحَاب رزيق شَيْئًا، فصاح واحد من أَصْحَاب جبلة وَمَاتَ، فلما أصبحوا.
قَالَ جبلة لرزيق:
[ ٢ / ٥١٣ ]
أين الَّذِي قرأ بالأمس؟ فليقرأ، فقرأ آية فصاح جبلة صيحة فمات القارئ.
فَقَالَ جبلة: واحد بواحد والبادي أظلم.
وسئل إِبْرَاهِيم المارستاني عَنِ الحركة عِنْدَ السماع؟ فَقَالَ: بلغني أَن مُوسَى ﵇ قص فِي بَنِي إسرائيل فمزق واحد مِنْهُم قميصه فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ قل لَهُ: مزق لي قلبك ولا تمزق ثيابك.
وسأل أَبُو عَلِي المغازلي الشبلي.
فَقَالَ: رُبَّمَا يطرق سمعي آية من كتاب اللَّه ﷿ فتجدوني عَلَى ترك الأشياء والإعراض عَنِ الدنيا، ثُمَّ أرجع إِلَى أحوالي وإلى النَّاس، فَقَالَ الشبلي: مَا اجتذبك إِلَيْهِ فَهُوَ عطف منه عليك ولطف، وَمَا رددت إِلَى نفسك فَهُوَ شفقة منه عليك، لأنه لَمْ يصح لَك التبري من الحول والقوة فِي التوجه إِلَيْهِ.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مقاتل العكي يَقُول: كنت مَعَ الشبلي فِي مَسْجِد ليلة من شَهْر رمضان وَهُوَ يصلي خلف إمام لَهُ وأنا بجنبه فقرأ الإِمَام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] فزعق زعقة قُلْت: طارت روحه وَهُوَ يرتعد وَيَقُول: بمثل هَذَا يخاطب الأحباب يردد ذَلِكَ كثيرا.
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَى السرى يوما فرأيته عنده رجلا مغشيا عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ فَقَالَ: سمع آية من كتاب اللَّه تَعَالَى، فَقُلْتُ: تقرأ عَلَيْهِ ثانيا فقرأ فأفاق، فَقَالَ لي: من أين علمت هَذَا؟ فَقُلْتُ: إِن قميص يُوسُف ذهب بسببه عين يعقوب ﵉ ثُمَّ بِهِ عاد بصره فاستحسن مني ذَلِكَ.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن علوان يَقُول: كَانَ شاب يصحب الجنيد فكان إِذَا سمع شَيْئًا من الذكر يزعق، فَقَالَ: لَهُ الجنيد يوما: إِن فعلت ذاك مرة أُخْرَى لَمْ تصحبني فكان إِذَا سمع شَيْئًا يتغير ويضبط نَفْسه حَتَّى كَانَ يقطر كُل شعرة من بدنه بقطرة، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت نَفْسه.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: حكى لي بَعْض إخواني عَن أَبِي الْحُسَيْن الدراج.
قَالَ: قصدت يُوسُف بْن الْحُسَيْن الرازي من بغداد فلما دخلت
[ ٢ / ٥١٤ ]
الري سألت عَن منزله فَكُل من أسأل منه يَقُول لي: إيش تفعل بِذَلِكَ الزنديق؟ فضيقوا صدري حَتَّى عزمت عَلَى الانصراف فبت تلك الليلة فِي مسجد ثُمَّ قُلْت جئت هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عَنْهُ حَتَّى دفعت إِلَى مسجده وَهُوَ قاعد فِي المحراب وبين يديه رجل وعليه مصحف فِيهِ يقرأ وإذا هُوَ شيخ بهي حسن الوجه واللحية، فدنوت منه وسلمت عَلَيْهِ فرد السَّلام، وَقَالَ: من أين؟ فَقُلْتُ: من بغداد قصدت زيارة الشيخ.
فَقَالَ: لو أَن فِي بَعْض البلدان.
قَالَ: لَك إِنْسَان أقم عندي حَتَّى أشتري لَك دارا أَوْ جارية أكان يمنعك عَن زيارتي؟ فَقُلْتُ: يا سيدي مَا امتحنني اللَّه تَعَالَى بشيء من ذَلِكَ ولو كَانَ لا أدري كَيْفَ كنت أكون، فَقَالَ: تحسن أَن تقول شَيْئًا فَقُلْتُ: نعم وقلت:
رأيتك تبني دائبا فِي قطيعتي ولو كنت ذا حزم لهدمت مَا تبني
فأطبق المصحف وَلَمْ يزل يبكي حَتَّى ابتلت لحيته وثوبه حَتَّى رحمته من كثرة بكائه ثُمَّ قَالَ لي: يا بَنِي لا تلم أهل الري عَلَى قولهم يُوسُف بْن الْحُسَيْن زنديق ومن وقت الصلاة هُوَ ذا أقرأ الْقُرْآن فلم تقطر من عيني قطرة وَقَدْ قامت عَلَى الْقِيَامَة بِهَذَا الْبَيْت.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الطوسي يَقُول: سمعت الرقي يَقُول: سمعت الدراج يَقُول: كنت أنا وابن القوطي مارين عَلَى الدجلة بَيْنَ البصرة والأبلة وإذا نحن بقصر حسن لَهُ منظر وعليه رجل وبين يديه جارية تغني وتقول: فِي سبيل اللَّه ود كَانَ مني لَك يبذل كُل يَوْم تتلون غَيْر هَذَا بك أجمل وإذا شاب تَحْتَ المنظرة بيده ركوة وعليه مرقعة بسمع.
فَقَالَ: يا جارية بحياة مولاك أعيدي: كُل يَوْم تتلون غَيْر هَذَا بك أجمل فَقَالَ الشاب: قولي فأعادت، فَقَالَ: الفقير هَذَا والله تلوني مَعَ الحق وشهق شهقة خرجت روحه.
فَقَالَ صاحب القصر للجارية: أَنْتَ حرة لوجه اللَّه تَعَالَى، وخرج أهل البصرة وفرغوا من دفنه والصلاة عَلَيْهِ فقام صاحب القصر.
وَقَالَ: أليس تعرفوني؟ أشهدكم أَن كُل شَيْء لي فِي سبيل اللَّه وكل مماليكي أحرار ثُمَّ أتزر بإزار وارتدى برداء وتصدق بالقصر ومر فلم يرد لَهُ بَعْد ذَلِكَ وجه ولا سمع لَهُ أثر.
[ ٢ / ٥١٥ ]
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن الرضا العلوي.
قَالَ: سمع أَبُو سلمان الدمشقي طوافا ينادي: يا سعتر برى فسقط مغشيا عَلَيْهِ فلما أفاق سئل.
فَقَالَ: حسبته يَقُول: اسع تر برى: وسمع عتبة الغلام رجلا يَقُول: سبحان رب السماء إِن المحب لفي عناء، فَقَالَ عتبة: صدقت.
وسمع رجل آخر ذَلِكَ القول.
فَقَالَ: كذبت فَكُل واحد سمع من حيث هُوَ.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن عَلِي بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت رويما وَقَدْ سئل عَنِ المشايخ الَّذِينَ لقيهم فِي السماع.
فَقَالَ: كالقطيع إِذَا وقع فِيهِ الذئب.
وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز قَالَ: رأيت عَلِي بْن الموفق فِي السماع يَقُول: أقيموني فأقاموه فقام وتواجد ثُمَّ قَالَ: أنا الشيخ الزفان، وقيل: قام الرقي ليلة إِلَى الصباح يقوم ويسقط عَلَى هَذَا الْبَيْت والناس قيام يبكون والبيت:
بالله فاردد فؤاد مكتئب لَيْسَ لَهُ من حبيبه خلف
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الصوفي يَقُول: سمعت عَلِي بْن الْحُسَيْن بْن حمد بْن أَحْمَد بالبصرة يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: خدمت سهل بْن عَبْد اللَّهِ سنين كثيرة فَمَا رأيته تغير عِنْدَ سماع شَيْء كَانَ يسمعه من الذكر وَالْقُرْآن وغيره، فلما كَانَ فِي آخر عمره قرئ ببين يديه ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] رأيته تغير وارتعد وكاد يسقط، فلما رجع إِلَى حال صحوه سألته عَن ذَلِكَ.
فَقَالَ: يا حبيبي ضعفنا.
وحكى ابْن سالم.
قَالَ: رأيته مرة أُخْرَى قرئ بَيْنَ يدينه ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]
[ ٢ / ٥١٦ ]
فتغير وكاد يسقط، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ.
:
ضعفت وَهَذَهِ صفة الأكابر لا يرد عَلَيْهِ وارد وإن كَانَ قويا إلا وَهُوَ أقوى منه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: دخلت عَلَى أَبِي عُثْمَان المغربي وواحد يستقى الماء من البئر عَلَى بكرة، فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَنِ أتدري إيش تقول البكرة؟ فَقُلْتُ: لا، فَقَالَ: تقول: اللَّه اللَّه.
سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ طَاهِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رُوَيْمًا يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ نَاقُوسٍ.
فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذَا؟» قَالُوا: لا، قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ حَقًّا حَقًّا إِنَّ الْمَوْلَى حَمْدٌ يَبْقَى
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي الكرخي الوجيهي يَقُول: كَانَ جَمَاعَة من الصوفية مستجمعين فِي بَيْت الْحَسَن القزاز ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون فأشرف عَلَيْهِم ممشاد الدينوري فسكتوا.
فَقَالَ: ارجعوا إِلَى مَا كنتم فِيهِ فلو جمع ملاهي الدنيا فِي أذني مَا شغل همي ولا شفي بَعْض مَا بي، وبهذا الإسناد عَنِ الوجيهي.
قَالَ: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: بلغنا فِي هَذَا الأمر إِلَى مكان مثل حد السَيْف إِن ملنا كَذَا ففي النار.
وَقَالَ خير النساج: قص مُوسَى بْن عمران صلوات اللَّه عَلَيْهِ عَلَى قوم قصة فزعق واحد مِنْهُم فانتهره مُوسَى فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: يا مُوسَى بطيبي فاحوا وبحبي باحوا وبوجدي صاحوا فلم تنكر عَلَى عبادي؟ وقيل: سمع الشبلي قائلا يَقُول: الخيار عشرة بدانق، فصاح.
وَقَالَ: إِذَا كَانَ الخيار عشرة بدانق فكيف الشرار وقيل: إِذَا تغنت الحوار العين فِي الْجَنَّة ترددت الأشجار.
وقيل: كَانَ عون بْن عَبْد اللَّهِ يأمر جارية لَهُ حسنة الصوت فتغني بصوت حزين حَتَّى تبكي الْقَوْم.
وسئل أَبُو سُلَيْمَان الداراني عَنِ السماع.
فَقَالَ: كُل قلب يريد الصوت الْحَسَن فَهُوَ ضعيف
[ ٢ / ٥١٧ ]
يداوى كَمَا يداوى الصَّبِي إِذَا أريد أَن ينام، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: إِن الصوت الْحَسَن لا يدخل فِي القلب شَيْئًا إِنَّمَا يحرك من القلب مَا فِيهِ.
قَالَ ابْن أَبِي الحواري: صدق اللَّه وأبوه سُلَيْمَان: وَقَالَ الجريري: كونوا ربانيين أي سماعين من اللَّه قائلين بالله تَعَالَى.
وسئل بَعْضهم عَنِ السماع.
فَقَالَ: بروق تلمع ثُمَّ تخفى، وأنوار تبدو ثُمَّ تخفي مَا أحلاها لو بقيت مَعَ صاحبها طرفة عين ثُمَّ أنشأ يَقُول: خطرة فِي السر منه خطرت خطرة البرق ابتدي ثُمَّ اضمحل أي زور لَك لو قصدا سرى ومسلم بك لو حقا فعل وقيل السماع فِيهِ نصيب لكل عضو فَمَا يقع إِلَى العين تبكي وَمَا يقع إِلَى اللسان يصيح، وَمَا يقع عَلَى اليد تمزق الثياب وتلطم، وَمَا يقع إِلَى الرجل ترقص.
وقيل: مَات بَعْض ملوك العجم وخلف ابنا صغيرا فأردوا أَن يبايعوه فَقَالُوا: كَيْفَ نصل إِلَى عقله وذكائه ثُمَّ توافقوا عَلَى أَن يأتوا بقوال يَقُول شَيْئًا فَإِن أَحْسَن الإصغاء علموا كياسته فأتوا بقوال، فلما قَالَ القوال شَيْئًا ضحك الرضيع فقبلوا الأَرْض بَيْنَ يديه وبايعوه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: اجتمع أَبُو عَمْرو بْن نجيد والنصراباذي والطبقة فِي موضع، فَقَالَ النصراباذي: أنا أقول: إِذَا اجتمع الْقَوْم فواحد يَقُول شَيْئًا ويسكت الباقون خير من أَن يغتابوا أحدا.
فَقَالَ أَبُو عَمْرو: لأن تغتاب ثلاثين سنة أنجى لَك من أَن تظهر فِي السماع مَا لست بِهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُول: النَّاس فِي السماع ثلاثة: متسمع ومستمع وسامع، فالمتسمع يسمع بوقت، والمستمع يسمع بحال، والسامع يسمع بالحق.
وسألت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى غَيْر مرة شبه طلب رخصة فِي السماع وَكَانَ يحيلني عَلَى مَا يوجب الإمساك عَنْهُ ثُمَّ بَعْد طول المعاودة.
قَالَ: إِن المشايخ قَالُوا مَا جمع قلبك إِلَى اللَّه ﷾ فلا بأس بِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الأَهْوَازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ:
[ ٢ / ٥١٨ ]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَعْلَى الرَّازِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ بَدْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَرُونُ أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ الْعَذَافِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ أَوْحَى اللَّهُ ﷾ إِلَى مُوسَى ﵇: إِنِّي جَعَلْتُ فِيكَ عَشَرَةَ آلافِ سَمْعٍ حَتَّى سَمِعْتَ كَلامِي، وَعَشَرَةَ آلافِ لِسَانٍ حَتَّى أَجَبْتَنِي، وَأَحَبُّ مَا تَكُونُ إِلَيَّ وَأَقْرَبَهُ إِذَا أَكْثَرْتَ الصَّلاةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ
وقيل: رأى بَعْضهم النَّبِي ﷺ فِي المنام.
فَقَالَ: الغلط فِي هَذَا أَكْثَر، يَعْنِي: بِهِ السماع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت أبا بَكْر النهاوندي يَقُول: سمعت عليا السائح يَقُول: سمعت أبا الْحَارِث الأولاسي يَقُول: رأيت إبليس لعنه اللَّه فِي المنام عَلَى بَعْض سطوح أولاس وأنا عَلَى سطح وعلى يمينه جَمَاعَة وعلى يساره جَمَاعَة وعليهم ثياب نظاف، فَقَالَ لطائفة مِنْهُم: قولوا فَقَالُوا: وغنوا فاستفزعني طيبة حَتَّى هممت أَن أطرح نفسي من السطح ثُمَّ قَالَ: ارقصوا فرقصوا أطيب مَا يَكُون ثُمَّ قَالَ لي: يا أبا الحاث مَا أصبت شَيْئًا أدخل بِهِ عليكم إلا هَذَا.
سمع مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: اجتمعت ليلة مَعَ الشبلي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَقَالَ: القوال شَيْئًا فصاح الشبلي وتواجد قاعدا، فقيل لَهُ: يا أبا بَكْر مَالِك من بَيْنَ الْجَمَاعَة قاعدا فقام وتواجد.
وَقَالَ: لي سكرتان وللندمان واحدة شَيْء خصصت بِهِ من بينهم وحدي وسمعته يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: جزت بقصر فرأيت شابا حسن الوجه مطروحا وحوله ناس، فسألت عَنْهُ فَقَالُوا: إنه جاز بِهَذَا القصر وفيه جارية تغني: كبرت همة عَبْد طمعت فِي أَن تراكا أَوْ مَا حسب لعين أَن ترى من قَدْ رآكا فشهق شهقة وَمَاتَ.
[ ٢ / ٥١٩ ]
بَاب كرامات الأولياء قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: ظهور الكرامات عَلَى الأولياء جائز والدليل عَلَى جوازه أَنَّهُ أمر موهوم حدوثه فِي العقل لا يؤدي حصوله إِلَى رفع أصل من الأصول فواجب وصفه سبحانه بالقدرة عَلَى إيجاده وإذا وجب كونه مقدورا لِلَّهِ سبحانه فلا شَيْء يمنع جواز حصوله وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عَلَيْهِ فِي أحواله، فمن لَمْ يكن صادقا فظهور مثلها عَلَيْهِ لا يَجُوز، والذي يدل عَلَيْهِ أَن تعريف القديم سبحانه إبانا حَتَّى تفرق بَيْنَ من كَانَ صادقا فِي أحواله وبين من هُوَ مبطل من طريق الاستدلال أمر موهوم، ولا يَكُون ذَلِكَ إلا باختصاص الولي بِمَا لا يوجد مَعَ المفتري فِي دعواه، وَذَلِكَ الأمر هُوَ الكرامة الَّتِي أشرنا إِلَيْهَا ولا بد أَن تكون هذه الكرامة فعلا ناقضا للعادة فِي أَيَّام التكليف ظاهرا عَلَى موصوف بالولاية فِي معنى تصديقه فِي حاله وتكلم النَّاس فِي الفرق بَيْنَ الكرامات وبين المعجزات من أهل الحق فكان الإِمَام أَبُو إسحاق الإسفرايِيني ﵀ يَقُول: المعجزات دلالات صدق الأنبياء ودليل النبوة لا يوجد مَعَ غَيْر النَّبِي ﷺ، كَمَا أَن العقل المحكم لما كَانَ دليلا للعالم فِي كونه عالما لَمْ يوجد إلا مِمَّن يَكُون عالما وَكَانَ يَقُول: الأولياء لَهُمْ كرامات شبه إجابة الدعاء فأما جنس مَا هُوَ معجزة للأنبياء فلا، وَأَمَّا الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك ﵀ فكان يَقُول: المعجزات دلالات الصدق ثُمَّ إِن ادعى صاحبها النبوة فالمعجزات تَدُل عَلَى صدقه فِي مقالته، وإن أشار صاحبها إِلَى الولاية المعجزة عَلَى صدقه فِي حاله، فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة، وإن كانت من جنس المعجزات دلت للفرق
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وَكَانَ ﵀ يَقُول: من الفرق بَيْنَ المعجزات والكرامات أَن الأنبياء ﵈ مأمورون بإظهارها والولي يجب عَلَيْهِ سترها وإخفاؤها والنبي ﷺ يدعي ذَلِكَ ويقطع القول بِهِ والولي لا يدعيها ولا يقطع بكرامته لجواز أَن يَكُون ذَلِكَ مكرا.
وَقَالَ: أوحد فنه فِي وقته الْقَاضِي أَبُو بَكْر الأشعري ﵁: إِن المعجزات تختص بالأنبياء، والكرامات تكون للأولياء كَمَا تكون للأنبياء، ولا تكون للأولياء معجزة، لأن من شرط المعجزة اقتران دعوى النبوة بِهَا والمعجزة لَمْ تكن معجزة لعينها وإنما كانت معجزة لحصولها عَلَى أوصاف كثيرة، فَمَتَى اختل شرط من تلك الشرائط لا تكون معجزة، وأحد تلك الشرائط دعوى النبوة، والولي لا يدعي النبوة، والذي يظهر عَلَيْهِ لا يَكُون معجزة، وَهَذَا القول الَّذِي نعتمده ونقول بِهِ، بَل ندين بِهِ فشرائط المعجزات كلها أَوْ أكثرها توجد فِي الكرامة إلا هَذَا الشرط الْوَاحِد والكرامة فعل لا محالة محدث، لأن مَا كَانَ قديما لَمْ يكن لَهُ اختصاص بأحد وَهُوَ ناقض للعادة وتحصل فِي زمان التكليف وتظهر عَلَى عَبْد تخصيصا لَهُ وتفضيلا وَقَدْ تحصل باختياره ودعائه وَقَدْ لا تحصل، وَقَدْ تكون بغير اختياره فِي بَعْض الأوقات، وَلَمْ يأمر الولي بدعاء الخلق إِلَى نَفْسه ولو أظهر شَيْئًا من ذَلِكَ عَلَى من يَكُون أهلا لَهُ لجاز.
واختلف أهل الحق فِي الولي هل يَجُوز أَن يعلم أَنَّهُ ولى أم لا، فكان الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك ﵀ يَقُول: لا يَجُوز ذَلِكَ لأنه يسلبه الخوف ويوجب لَهُ الأمن وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول بجوازه وَهُوَ الَّذِي نؤثره ونقول بِهِ وليس ذَلِكَ بواجب فِي جَمِيع الأولياء حَتَّى يَكُون كُل ولي يعلم أَنَّهُ ولي واجبا ولكن يَجُوز أَن يعلم بَعْضهم كَمَا يَجُوز أَن لا يعلم بَعْضهم فَإِذَا علم بَعْضهم أَنَّهُ ولي كانت معرفته تلك كرامة لَهُ انفرد بِهَا
[ ٢ / ٥٢١ ]
وليس كُل كرامة لولي يجب أَن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء، بَل لو لَمْ يكن للولي كرامة ظاهرة عَلَيْهِ فِي الدنيا لَمْ يقدح عدمها فِي كونه وليا بخلاف الأنبياء فَإِنَّهُ يجب أَن تكون لَهُمْ معجزات، لأن النَّبِي مبعوث إِلَى الخلق فبالناس حاجة إِلَى معرفة صدقة ولا يعرف إلا بالمعجزة وبعكس ذَلِكَ حال الولي لأنه لَيْسَ بواجب عَلَى الخلق ولا عَلَى الولي أَيْضًا العلم بأنه ولى والشعرة من الصَّحَابَة صدقوا الرسول ﷺ فيما أخبرهم بِهِ أنهم من أهل الْجَنَّة.
وقول من قَالَ لا يَجُوز ذَلِكَ لأنه يخرجهم من الخوف فلا بأس أَن يخافوا تغيير العاقبة والذي يجدونه فِي قلوبهم من الهيبة لا يَجُوز ذَلِكَ لأنه يخرجهم من الخوف فلا بأس أَن يخافوا تغيير العاقبة والذي يجدونه فِي قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه يَزِيد ويربو عَلَى كثير من الخوف.
واعلم أَنَّهُ لَيْسَ للولي مساكنة إِلَى الكرامة الَّتِي تظهر عَلَيْهِ ولا لَهُ ملاحظة فربما يَكُون لَهُمْ فِي ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم أَن ذَلِكَ فعل اللَّه فيستدلون بِهَا عَلَى صحة مَا هُمْ عَلَيْهِ من العقائد وبالجملة فالقول بجواز ظهورها عَلَى الأولياء واجب وعليه جمهور أهل المعرفة، ولكثرة مَا تواتر بأجناسها الأخبار والحكايات صار العلم بكونها وظهورها عَلَى الأولياء فِي الجملة علما قويا انتفى عَنْهُ الشكوك، ومن توسط هذه الطائفة وتواتر عَلَيْهِ حكاياتهم وأخبارهم لَمْ تبق لَهُ شبهة فِي ذَلِكَ عَلَى الجملة.
ومن دلائل هذه الجملة نص الْقُرْآن فِي قصة سُلَيْمَان ﵇ حيث قَالَ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] وَلَمْ يكن نبيا والأثر عَن أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ صحيح أَنَّهُ.
قَالَ: يا سارية الجبل فِي حال خطبته يَوْم الجمعة وتبليغ صوت عُمَر إِلَى سارية فِي ذَلِكَ الوقت حَتَّى تحرزوا من مكامن العدو من الجبل فِي تلك الساعة.
فَإِن قيل: كَيْفَ يَجُوز إظهار هذه الكرامات الزائدة فِي المعاني عَلَى معجزات الرسل، وهل يَجُوز تفضيل الأولياء عَلَى الأنبياء ﵈.
قيل: هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا ﷺ، لأن كُل من لَيْسَ بصادق فِي الإِسْلام
[ ٢ / ٥٢٢ ]
لا تظهر عَلَيْهِ الكرامة، وكل نبي ظهرت كرامته عَلَى واحد من أمته فَهِيَ معدومة من جملة معجزاته، إذ لو لَمْ يكن ذَلِكَ الرسول صادقا لَمْ تظهر عَلَى يد من قَالَ: تابعه الكرامة، فأما رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء ﵈ للإجماع المنعقد عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا أَبُو يَزِيد البسطامي سئل عَن هذه المسألة.
فَقَالَ: مثل مَا حصل للأنبياء ﵈ كمثل زق فِيهِ عسل ترشح منه قطرة فتلك القطرة مثل مَا لجميع الأولياء وَمَا فِي الظرف مثل لنبينا ﷺ.
فصل ثُمَّ هذه الكرامات قَدْ تكون إجابة دعوة وَقَدْ تكون إظهار طَعَام فِي أوان فاقة من غَيْر سبب ظاهر أَوْ حصول ماء فِي زمان عطش، أَوْ تسهيل قطع مسافة فِي مدة قريبة، أَوْ تخليص من عدم، أَوْ سماع خطاب من هاتف أَوْ غَيْر ذَلِكَ من فنون الأفعال الناقضة للعادة.
واعلم أَن كثيرا من المقدورات يعلم اليوم قطعا أَنَّهُ لا يَجُوز أَن يظهر كرامة للأولياء وبضرورة أَوْ شبه ضرورة يعلم ذَلِكَ، فمنها حصول إِنْسَان لا من أبوين وقلب جماد بهيمة أَوْ حيوان وأمثال هَذَا كثير.
فصل فَإِن قيل: فَمَا معنى الولي؟ قيل: يحتمل أمرين أحدهما: أَن يَكُون فعيلا مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير وغيره، ويكون معناه من توالت طاعته من غَيْر تخلل معصية، ويجوز أَن يَكُون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح، وَهُوَ الَّذِي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته عَلَى الإدامة والتوالي فلا يخلق لَهُ الخذلان الَّذِي هُوَ قدر العصيان وإنما يديم توفيقه الَّذِي هُوَ قدرة الطاعة.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
فصل فَإِن قيل: فهل يَكُون الولي معصوما؟ قيل: إِمَّا وجوبا كَمَا يقال فِي الأنبياء فلا، وإما أَن يَكُون محفوظا حَتَّى لا يصر عَلَى الذنوب إِن حصلت هنات أَوْ آفات أَوْ زلات فلا يمتنع ذَلِكَ فِي وصفهم، ولقد قيل للجنيد: العارف يزنى يا أبا القاسم فأطرق مليا ثُمَّ رفع رأسه وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] .
فصل فَإِن قيل: فهل يسقط الخوف عَنِ الأولياء؟ قيل: أما الغالب عَلَى الأكابر فكان الخوف وَذَلِكَ الَّذِي قُلْنَا فيما تقدم عَلَى جهة الندرة غَيْر ممتنع، وَهَذَا السري السقطي يَقُول: لو أَن واحدا دَخَلَ بستانا فِيهِ أشجار كثيرة وعلى كُل شجرة طير يَقُول لَهُ بلسان فصيح: السَّلام عليك يا ولي اللَّه فلو لَمْ يخف أَنَّهُ مكر لكان ممكورا وأمثال هذه من حكاياتهم كثيرة.
فصل فَإِن قيل: فهل تجوز رؤية اللَّه بالأبصار اليوم فِي الدنيا عَلَى جهة الكرامة.
فالجواب عَنْهُ أَن الأقوى فِيهِ أَنَّهُ لا يَجُوز لحصول الإجماع عَلَيْهِ ولقد سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك ﵁ يحكي عَن أَبِي الْحَسَن الأشعري أَنَّهُ قَالَ: فِي ذَلِكَ قولين فِي كتاب الرؤية الكبير.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
فصل فَإِن قيل: فهل يَجُوز أَن يَكُون وليا فِي الحال ثُمَّ تتغير عاقبته.
قيل: من جعل من شرط الولاية حسن الموافاة لا يَجُوز ذَلِكَ، ومن قَالَ: إنه فِي الحال مؤمن عَلَى الحقيقة وإن جاز أَن يتغير حاله بَعْد لا يبعد أَن يَكُون وليا فِي الحال صديقا ثُمَّ يتغير وَهَذَا الَّذِي نختاره نحن، ويجوز أَن يَكُون من جملة كرامات ولي أَن يعلم أَنَّهُ مأمون العاقبة، وأنه لا نتغير عاقبته فلتلتحق هذه المسألة بِمَا ذَكَرْنَا أَن المولى يَجُوز أَن يعلم أَنَّهُ ولى.
فصل فَإِن قيل: فهل يزايل الولي خوف المكر قيل: إِن كَانَ مصطلما عَن شاهده مختطفا عَن إحساسه بحاله فَهُوَ مستهلك عَن فيما استولى عَلَيْهِ، والخوف من صفات الحاضرين بِهِمْ.
فصل فَإِن قيل: فَمَا الغالب عَلَى الولي فِي حال صحوه؟ قيل صدقه فِي أداء حقوقه سبحانه ثُمَّ رفقه وشفقته عَلَى الخلق فِي جَمِيع أحواله، ثُمَّ انبساط رحمته لكافة الخلق، ثُمَّ دوام تحمله عَنْهُم بجميل الخلق وابتدائه لطلب الإحسان من اللَّه ﷿ إليهم من غَيْر التماس مِنْهُم وتعليق الهمة بنجاة الخلق وترك الانتقام مِنْهُم والتوقي عَنِ استشعار حقد عَلَيْهِم مَعَ قصر اليد عَن أموالهم وترك الطمع بكل وجه، وقبض اللسان عَن بسطه بالسوء فيهم، والتصاون عَن شهود مساويهم ولا يَكُون خصما لأحد فِي الدنيا ولا فِي الآخرة.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
واعلم أَن، أجل الكرامات الَّتِي تكون للأولياء: دوام التوفيق للطاعات، والعصمة عَنِ المعاصي والمخالفات، ومما يشهد من الْقُرْآن عَلَى إظهار الكرامات عَلَى الأولياء قَوْله سبحانه فِي صفة مريم ﵍ وَلَمْ تكن نبيا ولا رسولا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وَكَانَ يَقُول: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] فتقول مريم: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧] وقوله سبحانه: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] وَكَانَ فِي غَيْر أوان الرطب، وَكَذَلِكَ قصة أَصْحَاب الكهف والأعاجيب الَّتِي ظهرت عَلَيْهِم من كَلام الكلب معهم وغير ذَلِكَ، ومن ذَلِكَ قصة ذي القرنين وتمكينه سبحانه لَهُ مِمَّا لَمْ يمكن لغيره، ومن ذَلِكَ: مَا أظهر عَلَى يد الخضر ﵇ من إقامة الجدار وغيره من الأعاجيب وَمَا كَانَ يعرفه مِمَّا خفى عَلَى مُوسَى ﵇ كُل ذَلِكَ أمور ناقضة للعادة اختص الخضر ﵇ بِهَا وَلَمْ يكن نبيا، وإنما كَانَ وليا.
ومما روي من الأخبار فِي هَذَا الباب حَدِيث جريج الراهب.
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفِرَايِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ وَحَدَّثَنِي الصَّغَانِيُّ وَأَبُو أُمَيَّةَ قَالا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَذِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَبِيٌّ فِي زَمَنِ جُرَيْجٍ، وَصَبِيٌّ آخَرٌ، فَأَمَّا عَنْ عِيسَى فَقَدْ عَرَفْتُمُوهُ، وَأَمَّا جُرَيْجٌ فَكَانَ رَجُلا عَابِدًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتْ لَهُ أُمٌّ فَكَانَ يَوْمًا يُصَلِّي إِذِ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ.
فَقَالَ: يَا رَبِّ الصَّلاةُ خَيْرٌ أَمْ آتِيهَا؟ ثُمَّ صَلَّى فَدَعَتْهُ.
فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى فَاشْتَدَّ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ، وَكَانَتْ زَانِيَةٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنَا أَفْتِنُ جُرَيْجًا حَتَّى يَزْنِيَ.
فَأَتَتْهُ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ، وَكَانَ رَاعٍ يَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى أَصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمَّا أَعْيَاهَا رَاوَدَتِ الرَّاعِيَ عَلَى نَفْسِهَا فَأَتَاهَا فَوَلَدَتْ ثُمَّ قَالَتْ: وَلَدِي هَذَا مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَاهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَشَتَمُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى وَدَعَا ثُمَّ نَخَسَ الْغُلامَ.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ بِيَدِهِ: يَا غُلامُ مَنْ أَبُوكَ؟ .
فَقَالَ: الرَّاعِي، فَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ.
وَقَالَ: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ قَالَ: مِنْ فِضَّةٍ.
فَأَبِيَ عَلَيْهِمْ وَبَنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنَّ امْرَأَةً كَانَ مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا تُرْضِعُهُ إِذْ مَرَّ بِهَا شَابٌّ جَمِيلُ الْوَجْهِ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا.
فَقَالَ الصَّبِيُّ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ.
قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ كَانَ يَحْكِي الْغُلامُ وَهُوَ يَرْضَعُ، ثُمَّ مَرَّ بِهَا أَيْضًا امْرَأَةٌ ذَكَرُوا أَنَّهَا سَرَقَتْ وَزَنَتْ وَعُوقِبَتْ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: إِنَّ الشَّابَّ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ قِيلَ إِنَّهَا زَنَتْ، وَلَمْ تَزْنِ، وَقِيلَ: سَرَقَتْ وَلَمْ تَسْرِقْ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ.
وَهَذَا الْخَبَر رُوِيَ فِي الصحيح
ومن ذَلِكَ حَدِيث الغار وَهُوَ مشهور ومذكور فِي الصحاح.
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفِرَايِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الدِّمَشْقِيُّ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْقَاسِمِ الدَّيْرَعَاقُولِيُّ، وَأَبُو الْخَصِيبِ بْنُ الْمُسْتَنِيرِ الْمِصِّيصِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ.
قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " انْطَلَقَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَآوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ وَاللَّهِ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لا أَغْبُقُ قَبْلَهُمَا أَهْلا وَلا مَالا فَعَاقَنِي طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْمًا، فَلَمْ أَرُحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَجَلَسْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَجِئْتُهُمَا بِهِ فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فَتَحَرَّجْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا وَكَرِهْتُ أَنْ
[ ٢ / ٥٢٧ ]
أَغْبُقَ قَبْلَهُمَا أَهْلا وَلا مَالا، فَقُمْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِي أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ انْفِرَاجًا لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ.
فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ وَكَانَتْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةِ دِينَارٍ أُعْلِيَ أَنْ تُخَلِّي بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلْتُ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِضَّ الْخَاتَمَ إِلا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ مُغْلِقَ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثُمَّ قَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أُجُورَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَرَتْ أَجْرُهُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أُجْرَتِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أُجْرَتِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالرَّقِيقِ.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لا اسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرِجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا مِنَ الْغَارِ يَمْشُونَ.
وَهَذَا حَدِيث صحيح متفق عَلَيْهِ
ومن ذَلِكَ الْحَدِيث الَّذِي قَالَ ﷺ فِيهِ: إِن البقرة كلمتهم
أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الإِسْفِرَايِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شَهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْتَفَتَتِ الْبَقَرَةُ وَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ.
فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ.
فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: آمَنْتُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
ومن ذَلِكَ حَدِيث أويس القرني وَمَا شهد عُمَر بْن الْخَطَّاب ﵁ من حاله وقصته ثُمَّ التقاؤه مَعَ هرم بْن حيان وتسليم أحدهما عَلَى صاحبه من غَيْر معرفة تقدمت بينهما، وكل ذَلِكَ أحوال ناقضة للعادة، وتركنا حَدِيث أويس لشهرته
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وَقَدْ ظهر عَلَى السلف من الصَّحَابَة والتابعين ثُمَّ عَلَى من بعدهم من الكرامات مَا بلغ حد الاستفاضة، وَقَدْ صنف فِي ذَلِكَ كتب كثيرة سنشير إِلَى طرف منها عَلَى وجه الإيجاز إِن شاء اللَّه ﷿.
فمن ذَلِكَ: أَن ابْن عُمَر كَانَ فِي بَعْض الأسفار فلقي جَمَاعَة وقفوا عَلَى الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يسلط عَلَى ابْن آدم مَا يخافه ولو أَنَّهُ لَمْ يخف غَيْر اللَّه لما سلط عَلَيْهِ شَيْء، وَهَذَا خبر معروف.
وروي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعث العلاء بْن الحضرمي فِي غزاة فحال بينه وبين الموضع قطعة من البحر فدعا اللَّه باسمه الأعظم ومشوا عَلَى الماء.
وروي أَن عتاب بْن بشير وأسيد بْن حضير خرجا من عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فأضاء لهما رأس عصا أحدهما كالسراج.
وروي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ يدي سلمان وأبي الدرداء قصعة فسبحت حَتَّى سمعا التسبيح.
وروي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه لَهُ لو أقسم عَلَى اللَّه لأبره وَلَمْ يفرق بَيْنَ شَيْء وشيء فيما يقسم بِهِ عَلَى اللَّه سبحانه، وَهَذَهِ الأخبار لشهرتها أضربنا عَن ذكر أسانيدها.
وحكى عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ.
قَالَ: من زهد فِي الدنيا أربعين يوما صادقا من قلبه مخلصا فِي ذَلِكَ ظهرت لَهُ الكرامات، ومن لَمْ تظهر لَهُ فلعدم الصدق فِي زهده، فقيل لسهل: كَيْفَ تظهر لَهُ الكرامة؟ .
فَقَالَ: يأخذ مَا يشاء كَمَا يشاء من حَدِيث يشاء.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجَشُونُ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ ذَكَرَ كَلِمَةً
[ ٢ / ٥٢٩ ]
إِذْ سَمِعَ رَعْدًا فِي السَّحَابِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي السَّحَابِ أَنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَجَاءَ ذَلِكَ السَّحَابُ إِلَى سَرْحَةٍ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِيهَا فَاتَّبَعَ السَّحَابَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي حَدِيقَةٍ.
فَقَالَ: مَا اسْمُكَ؟ .
فَقَالَ: فُلانُ ابْنُ فُلانٍ بِاسْمِهِ.
قَالَ: فَمَا تَصْنَعُ بِحَدِيقَتِكَ هَذِهِ إِذْ صَرَمْتَهَا؟ .
فَقَالَ: وَلِمَ تَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ؟ .
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ أَنِ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ.
قَالَ: أَمَا إِذَا قُلْتَ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا أَثْلاثًا فَأَجْعَلُ لِنَفْسِي وَأَهْلِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ عَلَيْهَا ثُلُثًا وَأَجْعَلُ لِلْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلَ ثُلُثًا
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: دخلنا تستر فرأينا فِي قصر سهل بْن عَبْد اللَّهِ بيتا كَانَ النَّاس يسمونه بَيْت السباع فسألنا النَّاس عَن ذَلِكَ، فَقَالُوا: كَانَ السباع تجيء إِلَى سهل وَكَانَ يدخلهم هَذَا الْبَيْت ويضيفهم ويطمعهم اللحم ثُمَّ يخليهم.
قَالَ أَبُو نصر: ورأيت أهل تستر كلهم متفقين عَلَى هَذَا لا ينكرونه وَهُم الجمع الكثير.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الصوفي يَقُول: سمعت حمزة بْن عَبْد اللَّهِ العلوي يَقُول: دخلت عَلَى أَبِي الخير التيناتي وكنت أعتقدت فِي نفسي أَن أسلم عَلَيْهِ وأخرج ولا آكل عنده طعاما، فلما خرجت من عنده ومشيت قدرا فَإِذَا بِهِ خلفي وَقَدْ حمل طبقا عَلَيْهِ طَعَام.
فَقَالَ: يا فتى كُل هَذَا فَقَدْ خرجت الساعة من اعتقادك.
وأبو الخير التيناتي مشهور بالكرامات.
حكى عَن إِبْرَاهِيم الرقي أَنَّهُ قَالَ: قصدته مسلما عَلَيْهِ فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستويا فَقُلْتُ: فِي نفسي: ضاعت سفرتي فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع، فعدت إِلَيْهِ وقلت: إِن الأسد قصدني فخرج وصاح عَلَى الأسد.
وَقَالَ: ألم أقل لَك لا تتعرض لضيافتي؟ وتنحى وتطهرت فلما رجعت.
قَالَ: اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الأسد.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وقيل: كَانَ لجعفر الخلدي فص فوقع يوما فِي دجلة وَكَانَ عنده دعاء مجرب للضالة ترد فدعا بِهِ فوجد الفص فِي وسط أوراق كَانَ يتصفحها.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: إِن ذَلِكَ الدعاء يا جامع النَّاس ليوم لا ريب فِيهِ أجمع عَلِي ضالتي.
قَالَ أَبُو نصر السراج: أراني أَبُو الطيب العكي جزءا ذكر فِيهِ من ذكر هَذَا الدعاء عَلَى ضالة وجدها وَكَانَ الجزء أوراقا كثيرة.
سألت أَحْمَد الطابراني السرخسي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْتُ لَهُ: هل ظهر لَك شَيْء من الكرامات؟ .
فَقَالَ: فِي وقت إرادتي وابتداء أمري رُبَّمَا كنت أطلب حجرا استنجى بِهِ فلم أجد فتناولت شَيْئًا من الهواء فكان جوهرا فاستنجيت بِهِ وطرحته ثُمَّ قَالَ: وأي خطر للكرامات؟ إِنَّمَا المقصود منه زيادة اليقين فِي التوحيد فمن لا يشهد غيره موجودا فِي الكون فسواء أبصر فعلا معتاد أَوْ ناقصا للعادة.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الصوفي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن البصري يَقُول: كَانَ بعبادان رجل أسود فَقِير يأوى إِلَى الخرابات فحملت معي شَيْئًا وطلبته فلما وقعت عينه عَلِي تبسم وأشار بيده إِلَى الأَرْض، فرأيت الأَرْض كلها ذهبا تلمع ثُمَّ قَالَ: هات مَا معك فناولته وهالني أمره وهربت.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري يَقُول: كَانَ لي استقصاء فِي أمر الطهارة فضاق صدري ليلة لكثرة مَا صببت من الماء وَلَمْ يسكن قلبي فَقُلْتُ: يا رب عفوك فسمعت هاتفا يَقُول: العفو فِي العلم فزال عني ذَلِكَ.
سمعت مَنْصُور المغربي يَقُول: فرأيته يوما قعد عَلَى الأَرْض فِي الصحراء وَكَانَ عَلَيْهَا آثار الغنم بلا سجادة فَقُلْتُ: أيها الشيخ هذ آثار الغنم.
فَقَالَ: اختلف الْفُقَهَاء فِيهِ.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الرازي يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الخواص يَقُول: كنت راكبا حمارا يوما وَكَانَ الذباب
[ ٢ / ٥٣١ ]
يؤذيه فيطأطئ رأسه فكنت أضرب رأسه بخشبة فِي يدي فرفع الحمار رأسه وَقَالَ: اضرب فإنك عَلَى رأسك هُوَ ذا تضرب.
قَالَ الْحُسَيْن: فَقُلْتُ: لأبي سُلَيْمَان: لَك وقع هَذَا؟ فَقَالَ: نعم كَمَا تسمعني.
وذكر عَنِ ابْن عَطَاء أَنَّهُ قَالَ: سمعت أبا الْحَسَن النوري يَقُول: كَانَ فِي نفسي شَيْء من هذه الكرامات فأخذت قصبة من الصبيان وقعت بَيْنَ زورقين ثُمَّ قُلْت: وعزتك لئن لَمْ يخرج لي سمكة فِيهَا ثلاثة أرطال لأغرقن نفسي.
قَالَ: فخرج لي سمكة فِيهَا ثلاثة أرطال فبلغ ذَلِكَ الجنيد، فَقَالَ: كَانَ حكمه أَن تخرج لَهُ أفعى تلدغه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى، يَقُول: سمعت أبا الفتح يُوسُف بْن عُمَر الزاهد القواس بِبَغْدَادَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عطية.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الكبير بْن أَحْمَد قَالَ: سمعت أبا بَكْر الصائغ.
قَالَ: سمعت أبا جَعْفَر الحداد أستاذ الجنيد.
قَالَ: كنت بمكة فطال شعري وَلَمْ يكن معي قطعة من الحديد آخذ بِهَا شعري فتقدمت إِلَى مزين توسمت فِيهِ الخير وقلت: تأخذ شعري لِلَّهِ تَعَالَى؟ .
فَقَالَ: نعم وكرامة.
وَكَانَ بَيْنَ يديه رجل من أبناء الدنيا فصرفه وأجلسني وحلق شعري ثُمَّ دفع إلي قرطاسا فِيهِ دراهم.
وَقَالَ: استعن بِهَا عَلَى بَعْض حوائجك، فأخذتها واعتقدت أَن أدفع إِلَيْهِ أول شَيْء يفتح عَلِي بِهِ.
قَالَ: فدخلت الْمَسْجِد فاستقبلني بَعْض إخواني.
وَقَالَ لي: جاء بَعْض إخوانك بصرة من البصرة من بَعْض خوانك فِيهَا ثلاث مائة دِينَار.
قَالَ: فأخذت الصرة وحملتها إِلَى المزين وقلت: هذه ثلاث مائة دِينَار وتصرفها فِي بَعْض أمورك.
لي: ألا تستحي يا شيخ؟ تقول لي: احلق شعري لِلَّهِ ثُمَّ آخذ عَلَيْهِ شَيْئًا، انصرف عافاك اللَّه.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: سمعت ابْن سالم يَقُول لما مَات إِسْحَاق بْن أَحْمَد دَخَلَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ صومعته فوجد فِيهَا سفطا فِيهِ قارورتان فِي واحدة منهما شَيْء أحمر وَفِي الأخرى شَيْء أبيض، ووجد شوشقة ذهب وشوشقة فضة.
قَالَ: فرمى بالشوشقتين فِي الدجلة وخلط مَا فِي القارورتين
[ ٢ / ٥٣٢ ]
بالتراب، وَكَانَ عَلَى إِسْحَاق دين.
قَالَ ابْن سالم: قُلْت لسهل: إيش كَانَ فِي القارورتين؟ .
قَالَ: أحدهما لو طرح منها وزن درهم عَلَى مثاقيل من النحاس صار ذهبا والأخرى لو طرح منها مثقال عَلَى مثاقيل من الرصاص صار فضة، فَقُلْتُ: إيش عَلَيْهِ لو قضى منه دينه فَقَالَ: أي دوست خاف عَلَى إيمانه.
وحكى عَنِ النوري أَنَّهُ خرج ليلة إِلَى شط دجلة فوجدها وَقَد التزق الشَّيْطَان فانصرف.
وَقَالَ: وعزتك لا أجوزها إلا فِي زورق.
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: أملي عَلَيْنَا الوجيهي حكاية عَن مُحَمَّد بْن يُوسُفَ البناء.
قَالَ: كَانَ أَبُو تراب النخشبي صاحب كرامات فسافرت مَعَهُ سنة وَكَانَ مَعَهُ أربعون نفسا ثُمَّ أصابتنا مرة فاقة، فعدل أَبُو تراب عَنِ الطريق وجاء بعذق موز فتناولنا وفينا شاب فلم يأكل.
فَقَالَ لَهُ أَبُو تراب: كُل.
فَقَالَ: الحال الَّذِي اعتقدته ترك المعلومات وصرت أَنْتَ معلومي فلا أصحبك بَعْد هَذَا فَقَالَ لَهُ أَبُو تراب: كن مَعَ مَا وقع لَك.
وحكى أَبُو نصر السراج عَن أَبِي يَزِيد.
قَالَ: دَخَلَ عَلِي أَبُو عَلِي السدي وَكَانَ أستاذه وبيده جراب فصبها فَإِذَا هِيَ جواهر فَقُلْتُ: من أين لَك هَذَا؟ فَقَالَ: وافيت واديا ههنا فَإِذَا هُوَ يضيء كالسراج، فحملت هَذَا فَقُلْتُ: فكيف كَانَ وقتك الَّذِي وردت فِيهِ الوادي.
فَقَالَ: وقت فترة عَنِ الحال الَّتِي كنت فِيهَا وقيل لأبي يَزِيد: فُلان يمشي فِي ليلة إِلَى مَكَّة.
فَقَالَ: الشَّيْطَان يمشي فِي ساعة من المشرق إِلَى المغرب فِي لعنة اللَّه.
وقيل لَهُ: فُلان يمشي عَلَى الماء ويطير فِي الهواء فَقَالَ الطير: يطير فِي الهواء والسمك يمر عَلَى الماء.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وَقَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: أكبر الكرامات أَن تبدل خلقا مذموما من أخلاقك.
سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الصوفي يَقُول: سمعت ابْن سالم يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: كَانَ رجل يقال لَهُ عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَد يصحب سهل بْن عَبْد اللَّهِ.
فَقَالَ لَهُ يوما: رُبَّمَا أتوضأ للصلاة فيسيل الماء بَيْنَ يدي قضبان ذهب وفضة، فَقَالَ سهل: أما علمت أَن الصبيان إِذَا بكوا يعطون خشخاشة ليشتغلوا بِهَا؟ .
سمعت أبا حاتم السجستاني يَقُول: سمعت أبا نصر السراج يَقُول: أخبرني جَعْفَر بْن مُحَمَّد.
قَالَ: حَدَّثَنِي الجنيد.
قَالَ: دخلت عَلَى السرى يوما.
فَقَالَ: لي عصفور كَانَ يجيء فِي كُل يَوْم فأفت لَهُ الخبز فيأكل من يدي فنزل وقتا من الأوقات فلم يسقط عَلَى يدي، فتذكرة فِي نفسي إيش السبب، فذكرت أني أكلت ملحا بأبزار، فَقُلْتُ فِي نفسي: لا آكل بعدها وأنا تائب منه فسقط عَلَى يدي وأكل.
وحكى أَبُو عَمْرو الأنماطي.
قَالَ: كنت مَعَ أستاذي فِي البادية فأخذنا المطرد فدخلنا مسجدا نستكن فِيهِ وَكَانَ السقف يكف، فصعدنا السطح ومعنا خشبة تزيد إصلاح السقف فقصر الخشب عَنِ الجدار، فَقَالَ: أستاذي: مده فمددتها فركبت الحائط من ههنا ومن ههنا.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت الرقي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الدقاق يَقُول: كنت مارا فِي تيه بَنِي إسرائيل فخطر ببالي أَن علم الحقيقة مباين للشريعة فهتف بي هاتف من تَحْتَ شجرة كُل حقيقة لا تتبعها الشريعة فَهِيَ كفر وَقَالَ بَعْضهم: كنت عِنْدَ خير النساج فجاءه رجل.
وَقَالَ: أيها الشيخ رأيتك أمس وَقَدْ بعت الغزل بدرهمين فجئت خلفك فحللتهما من طرف إزارك وَقَدْ صارت يدي منقبضة عَلَى كفي.
قَالَ: فضحك خير وأومأ بيده إِلَى يدي ففتحها ثُمَّ قَالَ: امض واشتر
[ ٢ / ٥٣٤ ]
بهما لعيالك شَيْئًا ولا تعد لمثله.
وحكى عَن أَحْمَد بْن مُحَمَّد السلمي.
قَالَ دخلت عَلَى ذي النون الْمِصْرِي يوما فرأيت بَيْنَ يديه طستا من ذهب وحوله الند والعنبر يسجر.
فَقَالَ لي: أَنْتَ مِمَّن يدخل عَلَى الملوك فِي حال بسطهم ثُمَّ أعطاني درهما فأنفقت منه إِلَى بلخ.
وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز.
قَالَ: كنت فِي بَعْض أسفاري وَكَانَ يظهر لي كُل ثلاثة أَيَّام شَيْء فكنت آكله وأستقل بِهِ، فمضى ثلاثة أَيَّام وقتا من الأوقات وَلَمْ يظهر شَيْء فضعفت وجلست فهتف بي هاتف أيما أحب إليك سبب أَوْ قوة فَقُلْتُ: القوة فقمت من وقتي ومشيت اثنى عشر يوما لَمْ أذق شَيْئًا وَلَمْ أضعف.
وعن المرتعش.
قَالَ: سمعت الخواص يَقُول: تهت فِي البادية أياما فجاءني شخص وسلم عَلِي.
وَقَالَ لي: تهت؟ فَقُلْتُ: نعم، فَقَالَ: ألا أدلك عَلَى الطريق؟ ومشى بَيْنَ يدي خطوات ثُمَّ غاب عَن عيني وإذا أنا عَلَى الجاد فبعد ذَلِكَ مَا تهت ولا أصابني فِي سفر جوع ولا عطش.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت عُمَر بْن يَحْيَي الأردبيلي يَقُول: سمعت الرقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: لما مَات أَبِي ضحك عَلِي المغتسل فلم يجسر أحد يغسله وَقَالُوا: إنه حي حَتَّى جاء واحد من أقرانه وغسله.
وسمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد التميمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت طَلْحَة القصائري يَقُول: سمعت المفتاحي صاحب سهل بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: كَانَ سهل يصبر عَنِ الطعام سبعين يوما، وَكَانَ إِذَا أكل ضعف وإذا جاع قوى.
وَكَانَ أَبُو عُبَيْد البسري إِذَا كَانَ أول شَهْر رمضان يدخل بيتا وَيَقُول لامرأته: طيني عَلَى الباب وألقي إلي كُل ليلة من الكوة رغيفا فَإِذَا كَانَ يَوْم العيد فتح الباب ودخلت امرأته الْبَيْت فَإِذَا بثلاثين رغيفا فِي زاوية الْبَيْت فلا أكل ولا شرب ولا نام ولا فاتته ركعة من الصلاة.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وَقَالَ أَبُو الْحَارِث الأولاسي مكثت ثلاثين سنة مَا يسمع لساني إلا من سرى ثُمَّ تغيرت الحال، فمكثت ثلاثين سنة لا يسمع سرى إلا من ربي.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ غلام شعوانة.
قَالَ: سمعت عَلِي بْن سالم يَقُول: كَانَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ أصابته زمانة فِي آخر عمره فكان إِذَا حضر وقت الصلاة انتشرت يداه ورجلاه فَإِذَا فرغ من الفرض عاد إِلَى حال الزمانة.
وحكى عَنْ أَبِي عمران الواسطي.
قَالَ: وبقيت أنا وامرأتي عَلَى لوح وَقَدْ ولدت فِي تلك الحالة صبية فصاحت بي وَقَالَتْ لي: يقتلني العطش، فَقُلْتُ: هُوَ ذا يرى حالنا، فرفعت رأسي فَإِذَا رجل فِي الهواء جالس وَفِي يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوت أحمر.
وَقَالَ: هاك اشربا.
قَالَ: فأخذت الكوز وشربنا منه أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا بكران بْن أَحْمَد الجيلي.
قَالَ: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول: رأيت شابا عِنْدَ الْكَعْبَة يكثر الركوع والسجود فدنوت منه وقلت: إنك تكثر الصلاة! .
فَقَالَ: أنتظر الإذن من ربي فِي الانصراف.
قَالَ: فرأيت رقعة سقطت عَلَيْهِ مكتوب فِيهَا من الْعَزِيز الغفور إِلَى عبدي الصادق انصرف مغفورا لَك مَا تقدم من ذنبك وَمَا تأخر.
وَقَالَ بَعْضهم: كنت بمدينة الرسول ﷺ فِي مسجده مَعَ جَمَاعَة نتجارى الآيات ورجل ضرير بالقرب منا يسمع فتقدم إلينا وَقَالَ: أنست بكلامكم، اعلموا أَنَّهُ كَانَ لي صبية وعيال وكنت أخرج إِلَى البقيع أحتطب، فخرجت يوما فرأيت شابا عَلَيْهِ قميص كتان ونعله فِي أصبعه، فتوهمت أَنَّهُ تائه، فقصدته أسلب ثوبه، فَقُلْتُ لَهُ: انزع مَا عليك، فَقَالَ: سر فِي حفظ اللَّه فَقُلْتُ: الثَّانِيَة والثالثة.
فَقَالَ: لابد فَقُلْتُ: لابد فأشار بأصبعيه من بعيد إِلَى عيني فسقطتا فَقُلْتُ: بالله عليك من أَنْتَ، فَقَالَ: إِبْرَاهِيم الخواص.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وَقَالَ ذو النون الْمِصْرِي كنت وقتا فِي السفينة.
فسرقت قطيفة فاتهموا بِهَا رجلا فَقُلْتُ: دعوه حَتَّى أرفق بِهِ وإذا الشاب نائم فِي عباءة فأخرج رأسه من العباءة.
فَقَالَ لَهُ ذو النون: فِي ذَلِكَ المعنى، فَقَالَ لي: تقول ذَلِكَ؟ أقسمت عليك يارب أَن لا تدع واحدا من الحيتان إلا جاء بجوهرة.
قَالَ: فرأينا وجه الماء حيتانا فِي أفواههم الجوهر، ثُمَّ ألقى الفتى نَفْسه فِي البحر ومر إِلَى الساحل: وحكى عَن إِبْرَاهِيم الخواص.
قَالَ: دخلت البادية مرة فرأيت نصرانيا عَلَى وسطه زنار فسألني الصحبة فمشينا سبعة أَيَّام.
فَقَالَ لي: يا راهب الحنفية هات مَا عندك من الانبساط، فَقَدْ جعلنا فَقُلْتُ: إلهي لا تفضحني من هَذَا الكافر فرأيت طبقا عَلَيْهِ خبز وشواء ورطب وكوز ماء فأكلنا وشربنا ومشينا سبعة أَيَّام ثُمَّ بأدرت، وقلت: يا راهب النصارى هات مَا عندك فَقَد انتهت النوبة إليك، فاتكأ عَلَى عصاه ودعا فَإِذَا بطبقين عليهما أضعاف مَا كَانَ عَلَى طبقي، قَالَ: فتحيرت وتغيرت وأبيت أَن آكل، فألح عَلِي فلم أجبه، فَقَالَ: كُل فإني أبشرك ببشارتين أحدهما: أنى أشهد أَن لا اللَّه إلا اللَّه وأشهد أَن محمدا رَسُول اللَّهِ وحل الزنار والأخرى: أني قُلْت: اللَّهُمَّ إِن كَانَ لِهَذَا العبد خطر عندك فافتح عَلِي بِهَذَا، ففتح، قَالَ: فأكلنا ومشينا وحج وأقمنا بمكة سنة ثُمَّ إنه مَات ودفن بالبطحاء.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمُبَارَكِ الصوري: كنت مَعَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم فِي طريق بَيْت المقدس فنزلنا وقت القيلولة تَحْتَ شجرة رمان فلصينا ركعات، فسمعت صوتا من أصل الرمان يا أبا إِسْحَاق أكرمنا بأن تأكل منا شَيْئًا فطأطأ إِبْرَاهِيم رأسه.
فَقَالَ: ثَلاث مرات ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّد كن شفيعا إِلَيْهِ ليتناول منا شَيْئًا، فَقُلْتُ: يا أبا سحق لَقَدْ سمعت، فقام وأخذ رمانتين فأكل واحدة وناولني الأخر فأكلتها وَهِيَ حامضة وكانت شجرة قصيرة، فلما رجعنا مررنا بِهِ فَإِذَا هِيَ شجرة عالية ورمانها حلو وَهِيَ تثمر فِي كُل عام مرتين وسموها رمان العابدين ويأوي إِلَى ظلها العابدون.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفرحان يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الخصاف يَقُول: حَدَّثَنِي جَابِر الرحبي.
قَالَ أَكْثَر أهل الرحبة عَلِي الإنكار فِي بَاب الكرامات فركبت السبع يوما ودخلت الرحبة وقلت أين الَّذِينَ يكذبون أولياء اللَّه؟ .
قَالَ: فكفوا بَعْد ذَلِكَ عني.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: رأى بَعْضهم الخضر ﵇.
فَقَالَ لَهُ: هل رأيت فوقك أحدا؟ .
فَقَالَ: نعم كَانَ عَبْد الرازق بْن همام يَرْوِي الأحاديث بالمدينة والناس حوله يستمعون فرأيت شابا بالبعد مِنْهُم رأسه عَلَى ركبته فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا عَبْد الرازق يَرْوِي أحاديث رَسُول اللَّهِ ﷺ، فلم لا تسمع منه؟ .
فَقَالَ: إنه يروى عَن ميت وأنا لست بغائب عَنِ اللَّه ﷿ فَقُلْتُ لَهُ: إِن كنت كَمَا تقول فمن أنا؟ فرفع رأسه.
وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي أَبُو الْعَبَّاس الخضر، فعلمت أَن لِلَّهِ عبادا لَمْ أعرفهم وقيل: كَانَ لإبراهيم بْن أدهم صاحب يقال لَهُ يَحْيَي يتعبد فِي غرفة لَيْسَ إِلَيْهَا سلم ولا درج، فكان إِذَا أراد أَن يتطهر يجئ إِلَى بَاب الغرفة وَيَقُول لا حول ولا قوة إلا بالله ويمر فِي لهواء كَأَنَّهُ طير ثُمَّ يتطهر فَإِذَا فرغ يَقُول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويعود إِلَى غرفته.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: سمعت عُمَر بْن مُحَمَّد بْن أحد الشيرازي بالبصرة.
قَالَ: سمعت أبا مُحَمَّد جَعْفَر الحذاء بشيراز.
قَالَ: كن أتأدب بأبي عُمَر الإصطخري فكان إِذَا خطر لي خاطر خرج إِلَى إصطخر فربما أجابني عما أحتاج إِلَيْهِ من غَيْر أَن أسأله، وربما سألت فأجاني ثُمَّ شغلت عَنِ الذهاب فكان إِذَا خطر عَلَى سرى مسألة أدبني من إصطخر فيخاطبني بِمَا يرد عَلَى وحكى بَعْضهم قَالَ: مَات فَقِير فِي بَيْت مظلم فلما أردنا غسله تكلفنا طلب سراج فوقع فِي كوة ضوء فأضاء الْبَيْت فغسلناه، فلما فرغنا ذهب الضوء كَأَنَّهُ لَمْ يكن.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وعن آدم بْن أَبِي إياس.
قَالَ: كُنَّا بعسقلان وشاب يغشانا ويجالسنا ويتحدث معنا فَإِذَا فرغنا قام إِلَى الصلاة يصلي.
قَالَ: فودعني يوما.
وَقَالَ: أريد الإسكندرية فخرجت مَعَهُ وناولته دريهمات فأبي أَن يأخذها فألححت عَلَيْهِ، فألقى كفا من الرمل فِي ركوته واستقى من ماء البحر.
وَقَالَ: كُلهُ، فنظرت فَإِذَا هُوَ سويق بسكر كثير.
فَقَالَ لَك من كَانَ حاله مَعَهُ مثل هَذَا يحتاج إِلَى دراهم: ثُمَّ أنشأ يَقُول: بحق الهوى يا أهل ودي تفهموا لسان وجود بالوجود غريب حرام عَلَى قلب تعرض للهوى يَكُون لغير الحق فِيهِ نصيب ولغيره: لَيْسَ فِي القلب والفؤاد جميعا موضع فارغ يراه الحبيب هُوَ سؤلي ومنيتي وحبيبي وَبِهِ مَا حييت عيشي يطيب وإذا مَا السقام حل بقلبي لَمْ أجد غيره لسقمي طبيب وحكى عَن إِبْرَاهِيم الآجري.
قَالَ: جاءني يهودي يتقاضى عَلِي فِي دين كَانَ لَهُ عَلِي وأنا قاعد عِنْدَ الأتون أوقد تَحْتَ الآجر، فَقَالَ لي اليهودي: يا إِبْرَاهِيم أرني آية أسلم عَلَيْهَا، فَقُلْتُ لَهُ: تفعل؟ .
قَالَ: نعم، فَقُلْتُ: انزع ثوبك فنزع فلففته ولففت عَلَى ثوبه ثوبي وطرحته فِي النار ثُمَّ دخلت الأتون وأخرجت الثوب من وسط النار وخرجت من الباب الآخر فَإِذَا ثيابي بحالها لَمْ يصبها شَيْء وثيابه فِي وسطها حراقة فأسلم اليهودي، وقيل: كَانَ حبيب العجمي يرى بالبصرة يَوْم التروية ويوم عرفة بعرفات.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: تزوج عَبَّاس بْن المهتدي امْرَأَة، فلما كانت ليلة الدخول وقع عَلَيْهِ ندامة، فلما أراد الدنو منها زجر عَنْهَا فامتنع من وطئها وخرج، وبعد ثلاثة أَيَّام ظهر لَهَا زوج.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
قَالَ الأستاذ: هَذَا هُوَ الكرامة عَلِي الحقيقة حيث حفظ عَلَيْهِ العلم، وقيل: كَانَ الفضيل عَلَى جبل من جبال منى.
فَقَالَ: لو أَن وليا من أولياء اللَّه تَعَالَى أمر هَذَا الجبل أَن يميد لماد، قَالَ: فتحرك الجبل.
فَقَالَ: اسكن لَمْ أردك بِهَذَا، فسكن الجبل، وَقَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد لأبي عَاصِم البصري: كَيْفَ صنعت حِينَ طلبك الْحَجَّاج؟ .
قَالَ: كنت فِي غرفتي فدقوا عَلِي الباب فدخلوا فدفعت بي دفعة فَإِذَا أنا عَلَى أَبِي قبيس بمكة، فَقَالَ لي عَبْد الْوَاحِد: من أين كنت تأكل؟ .
قَالَ: كانت تصعد إلي عجوز كُل وقت إفطاري بالرغيفين اللذين كنت آكلهما بالبصرة.
فَقَالَ: عَبْد الْوَاحِد: تلك الدنيا أمرها اللَّه تَعَالَى أَن تخدم أبا عَاصِم، وقيل: كَانَ عامر بْن عَبْد قَيْس يأخذ عطاءه ولا يستقبله أحد إلا أعطاه شَيْئًا، وَكَانَ إِذَا أتى منزله رمى إِلَيْهِ بالدراهم فيكون بمقدار مَا أخذه لَمْ ينقص شَيْئًا.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الكبير يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: سمعت أبا عُمَر الزجاجي يَقُول: دخلت على الجنيد وكنت لا أريد أَن أخرج إِلَى الجد فأعطاني درهما صحيحا فشددته عَلَى مئزري فلم دَخَلَ منزلا إلا وجدت رفقاء وَلَمْ أحتج إلى الدرهم، فلما حجبت ورجعت إِلَى بغداد دخلت عَلَى الجنيد فمد يده.
وَقَالَ: هات فناولته الدرهم.
فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ، فَقُلْتُ: كَانَ الحتم نافذا.
وحكى عَن أَبِي جَعْفَر الأعور.
قَالَ: كنت عِنْدَ ذي النون الْمِصْرِي فتذاكرنا حَدِيث طاعة الأشياء للأولياء.
وَقَالَ ذو النون: من الطاعة أَن أقول لِهَذَا السرير يدور فِي أربع زوايا الْبَيْت، ثُمَّ يرجع إِلَى مكانه فيفعل قَالَ: فدار السرير فِي أربع زوايا الْبَيْت وعاد إِلَى مكانه.
وكانت هناك شاب فأخذ يبكي حَتَّى مَات فِي الوقت،
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وقيل: إِن واصلا الأحدب قرأ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] .
فَقَالَ: رزقي فِي السماء وأنا أطلبه فِي الأَرْض، والله لا طلبته أبدا، فدخل خربة ومكث يومين فلم يظهر عَلَيْهِ شَيْء فاشتد عَلَيْهِ، فلما كَانَ اليوم الثالث إِذَا بدوخلة من رطب وَكَانَ لَهُ أخ أَحْسَن منه نية فصار مَعَهُ فأذن قَدْ صارتا دوخلتين، فلم يزل ذَلِكَ حمالهما حَتَّى فرق بينهما الْمَوْت.
وَقَالَ بَعْضهم: أشرفت عَلَى إِبْرَاهِيم بْن أدهم وَهُوَ فِي بستان يحفظه وَقَدْ أخذه النوم، وإذا حية فِي فِيهَا طاقة نرجس تروحه بِهَا، وقيل: كَانَ جَمَاعَة مَعَ أيوب السجستاني فِي السفر فأعياهم طلب الماء.
فَقَالَ أيوب: أتسترون عَلِي مَا عشت؟ فَقَالُوا: نعم، فدور دائرة فنبع الماء فشربنا.
قَالَ: فلما قدموا البصرة أخبر بِهِ حماد بْن زَيْد.
فَقَالَ: عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد شهدت مَعَهُ ذَلِكَ اليوم.
وَقَالَ بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ كُنَّا مَعَ ذي النون الْمِصْرِي فِي البادية فنزلنا تَحْتَ شجرة أم غَيْلان فقلنا: مَا أطيب هَذَا الموضع لو كَانَ فِيهِ رطب، فتبسم ذو النون.
وَقَالَ: أتشتهون الرطب، وحرك الشجرة.
وَقَالَ: أقسمت عليك بالذي ابتدأك وخلقك شجرة إلا نثرت عَلَيْنَا رطبا جنيا ثُمَّ حركها فنثرت رطبا جنيا، فأكلنا وشبعنا ثُمَّ نمنا فانتبهنا وحركنا الشجرة فنثرت عَلَيْنَا شوكا.
وحكى عَن أَبِي القاسم بْن مَرْوَان النهاوندي.
قَالَ: كنت أنا وأبو بَكْر الوراق مَعَ أَبِي سَعِيد نمشي عَلَى ساحل البحر نَحْو صيدا فرأى شخصا من بعيد.
فَقَالَ: اجلسوا لا يخلوا هَذَا الشخص أَن يَكُون وليا من أولياء اللَّه.
قَالَ: فَمَا لبثنا أَن جاء شاب حسن الوجه وبيده ركوة ومعه محبرة وعليه مرقعة فالتفت أَبُو سَعِيد إِلَيْهِ منكرا عَلَيْهِ لحمله المحبرة مَعَ الركوة، فَقَالَ لَهُ: يا فتى كَيْفَ الطريق إِلَى اللَّه تَعَالَى؟ .
فَقَالَ: يا أبا سَعِيد أعرف إِلَى اللَّه طريقين طريقا خاصا وطريقا عاما، فأما الطريق العام: فالذي أَنْتَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الطريق الخاص: فلهم، ثُمَّ مشى عَلَى الماء حَتَّى غاب عَن أعيننا، فبقى أَبُو سَعِيد حيران مِمَّا رأى.
[ ٢ / ٥٤١ ]
وَقَالَ الجنيد: جئت مَسْجِد الشونيزية فرأيت فِيهِ جَمَاعَة من الفقراء يتكلمون فِي الآيات، فَقَالَ فَقِير مِنْهُم: أعرف رجلا لو قَالَ لهذه الأسطوانة كوني ذهبا نصفك ونصفك فضة كانت.
قَالَ الجنيد: فنظرت فَإِذَا الأسطوانة نصفها ذهب ونصفها فضة.
وقيل: حج سُفْيَان الثَّوْرِي مَعَ شيبان الراعي فعرض لَهُمْ سبع.
فَقَالَ: سُفْيَان لشيبان: أما ترى هَذَا السبع؟ فَقَالَ: لا تخف، فأخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه.
فَقَالَ: سُفْيَان مَا هذه الشهرة؟ فَقَالَ: لولا مخافة الشهرة لما وضعت زادي إلا عَلَى ظهره حَتَّى آتى مَكَّة.
وحكى أَن السرى لما ترك التجارة كانت أخته تنفق عَلَيْهِ من ثمن غزلها فأبطأت يوما.
فَقَالَ لَهُ السري: لَمْ أبطأت؟ فَقَالَتْ: لأن غزلي لَمْ يشتر وذكروا أَنَّهُ مخلط، فامتنع السرى عَن طعامها، ثُمَّ إِن أخته دخلت عيه يوما فرأت عجوزا تكنس بيته وتحمل كُل يَوْم إِلَيْهِ رغيفين، فحزنت أخته وشكت إِلَى أَحْمَد بْن حنبل.
فَقَالَ: أَحْمَد بْن حنبل للسري فِيهِ.
فَقَالَ: لما امتنعت من أكل طعامها قيض اللَّه لي الدنيا لتنفق عَلِي وتخدمني.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِي بْن هرون.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَد التميمي.
قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن القاسم الخواص.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور الطوسي.
قَالَ كنت عِنْدَ أَبِي محفوظ معروف الكرخي فدعا لي ورجعت إِلَيْهِ من الغد وَفِي وجهه أثر.
فَقَالَ لَهُ إِنْسَان: يا أبا محفوظ كُنَّا عندك بالأمس وَلَمْ يكن بوجهك هَذَا الأثر، فَمَا هَذَا؟ فَقَالَ: سل عما يعنيك.
فَقَالَ الرجل: بمعبودك أَن تقول فَقَالَ: صليت البارحة ههنا واشتهيت أَن أطوف بالبيت فمضيت إِلَى مَكَّة وطفت ثُمَّ ملت عَلَى زمزم لأشرب من مائها فزلقت عَلَى الباب فأصاب وجهي مَا تراه، وقيل: كَانَ عتبة الغلام يقعد فَيَقُول يا ورشان إِن كنت أطوع لِلَّهِ ﷿ منى فتعال واقعد عَلَى كفى، فيجيء الورشان ويقعد عَلَى كفه.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وحكى عَنْ أَبِي عَلِي الرازي أَنَّهُ قَالَ: مررت يوما عَلَى الفرات فعرضت لنفسي شهوة السمك الطري فَإِذَا الماء قَدْ قذف سمكة نحوي وإذا رجل يعدو وَيَقُول: أشويها لَك؟ فَقُلْتُ: نعم فشواها فقعدت وأكلتها.
وقيل: كَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم فِي رقعة فعرض لَهُم السبع فَقَالُوا: يا أبا إِسْحَاق قَدْ عرض لنا السبع فجاء إِبْرَاهِيم.
وَقَالَ: يا أسد إِن كنت أمرت فينا بشيء فامض وإلا فارجع، فرجع الأسد ومضوا.
وَقَالَ حامد الأسود.
:
كنت مَعَ الخواص فِي البرية فبتنا عِنْدَ شجرة وجاء السبع فصعدت الشجرة إِلَى الصباح لا يأخذني النوم ونال إِبْرَاهِيم الخواص والسبع يشم من رأسه عَلَى قدمه، ثُمَّ مضى، فلما كانت الليلة الثَّانِيَة بتنا فِي مَسْجِد فِي قرية فوقعت بقة عَلَى وجهه فضربته فأن أَنَّهُ فَقُلْتُ: هذه عجب البارحة لَمْ تجزع من الأسد والليلة تصيح من البق.
فَقَالَ: أما البارحة فتلك حالة كنت فِيهَا بالله ﷿ وَأَمَّا الليلة فَهَذِهِ حالة أنا فِيهَا بنفسي.
وحكي عَن عَطَاء الأزرق أَنَّهُ دفعت إِلَيْهِ امرأته درهمين من ثمن غزلها ليشتري الدقيق لَهُمْ، فخرج من بيته فلقي جارية تبكي.
فَقَالَ لَهَا: مَا بالك فَقَالَتْ: دفع إلي مولاي درهمين أشتري لَهُمْ شَيْئًا فسقطا مني فأخاف أَن يضربني، فدفع عَطَاء الدرهمين إِلَيْهَا ومر وقعد عَلِي حانوت صديق لَهُ مِمَّن يشق الساج وذكر لَهُ الحال وَمَا يخاف من سوء خلق امرأته، فَقَالَ لَهُ صاحبه: خذ من هذه النشارة فِي هَذَا الجراب لعلكم تنتفعون بِهَا فِي سجر التنور، إذ لَيْسَ يساعدني الإمكان فِي شَيْء آخر، فحمل النشارة وفتح بَاب داره ورمى بالجراب ورد الباب ودخل الْمَسْجِد إِلَى مَا بَعْد العتمة ليكون النوم أخذهم ولا تستطيل عَلَيْهِ المرأة، فلما فتح الباب وجدهم يخبزون الخبز، فَقَالَ: من أين لكم هَذَا الخبز؟ فَقَالُوا: من الدقيق الَّذِي كَانَ فِي الجراب لا تشتر غَيْر هَذَا الدقيق، قَالَ: أفعل إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر بْن بركات يَقُول: كنت أجالس الفقراء ففتح عَلِي بدينار فأردت أَن أدفعه إليهم ثُمَّ قُلْت فِي نفسي: لعلي أحتاج إِلَيْهِ فهاج بي وجع الضرس فقلعت سنا فوجعت الأخرى حَتَّى قلعتها، فهتف بي هاتف إِن لَمْ تدفع إليهم الدينار فلا يبقى فِي فمك سن واحدة. . قَالَ الأستاذ: وَهَذَا فِي بَاب الكرامة أتم من أَن كَانَ يفتح عَلَيْهِ دنانير كثيرة بنقض العادة.
وحكى أَبُو سُلَيْمَان الداراني.
قَالَ: خرج عامر بْن عَبْد قَيْس إِلَى الشام ومعه شكوة إِذَا شاء صب منها ماء يتوضأ للصلاة وإذا شاء صب منها لبنا يشربه.
وَرَوَى عُثْمَان بْن أَبِي العاتكة قَالَ: كُنَّا فِي غزاة فِي أرض الروم فبعث الوالي سرية إِلَى موضع وجعل الميعاد يَوْم كَذَا، قَالَ: فجاء الميعاد وَلَمْ تقدم السرية فبينا أَبُو مُسْلِم يصلى إِلَى رمحه الَّذِي ركزه فِي الأَرْض جاء طير إِلَى رأس السنان.
وَقَالَ: إِن السرية قَدْ سلمت وغنمت وسيردون عليكم يَوْم كَذَا فِي وقت كَذَا، فَقَالَ: أَبُو مُسْلِم للطير: من أَنْتَ رحمك اللَّه تَعَالَى؟ فَقَالَ: أنا مذهب الحزن عَن قلوب الْمُؤْمِنيِنَ، فجاء أَبُو مُسْلِم إِلَى الوالي وأخبره، فلما كَانَ اليوم الَّذِي قَالَ، أتت السرية عَلَى الوجه الَّذِي قَالَ وعن بَعْضهم.
قَالَ: كُنَّا فِي مركب فمات رجل كَانَ معنا عليل فأخذنا فِي جهازه وأوردنا أَن نلقيه فِي البحر فصار البحر جافا ونزلت السفينة فخرجنا وحفرنا لَهُ قبرا ودفناه، فلما فرغنا استوى الماء وارتفع المركب وسرنا.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وقيل: إِن النَّاس أصابتهم مجاعة بالبصرة فاشترى حبيب العجمي طعاما بالنسيئة وفرقه على المساكين وأخذ كيسه فجعله تَحْتَ رأسه فلما جاءوا يتقاضونه أخذه وإذا هُوَ مملوء دراهم فقضى منها ديونهم.
وقيل: أراد إِبْرَاهِيم بْن أدهم أَن يركب السفينة فأبوا إلا أَن يعطيهم دِينَار فصلى على الشط ركعتين.
وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنهم قَدْ سألوني مَا لَيْسَ عندي فصار الرمل دنانير.
حدثنا محمد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الفضل.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد المروزي.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن سُلَيْمَان.
قَالَ: قَالَ أَبُو حمزة نصر بْن الفرج خادم أَبِي مُعَاوِيَة الأسود.
قَالَ: كَانَ أَبُو مُعَاوِيَة ذهب بصره فَإِذَا أراد أَن يقرأ نشر المصحف فيرد اللَّه عَلَيْهِ بصره فَإِذَا أطبق المصحف ذهب بصره.
وَقَالَ أَحْمَد بْن الهيثم المتطيب قَالَ لي بشر الحافي قل لمعروف الكرخي: إِذَا صليت جئتك، قَالَ: فأديت الرسالة وانتظرته فصلينا الظهر وَلَمْ يجئ ثُمَّ صلينا العصر ثُمَّ المغرب ثُمَّ العشاء فَقُلْتُ فِي نفسي: سبحان اللَّه مثل يَقُول شَيْئًا ثُمَّ لا يفعل لا يَجُوز أَن يفعل وانتظرته وأنا فَوْقَ مَسْجِد عَلَى مشرعة، فجاء بشر بَعْد هوى من الليل وعلى رأسه سجادة فتقدم إلى دجلة ومشى عَلَى الماء فرميت بنفسي من السطح وقبلت يديه ورجليه، وقلت: ادع لي فدعا لي، وَقَالَ: استره عَلِي.
قَالَ: فلم أتكلم بِهَذَا حَتَّى مَات.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الشيرازي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفرج الورثاني.
قَالَ: سمعت عَلِي بْن يَعْقُوبَ بدمشق.
قَالَ: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول سمعت قاسما الجرعي يَقُول: رأيت رجلا فِي الطواف لا يَزِيد عَلَى قَوْله: إلهي قضيت حوائج الكل وَلَمْ تقض حاجتي، فَقُلْتُ: مَالِك لا تزيد على هذا الدعاء؟ فَقَالَ: أحدثك، اعلم أنا كُنَّا سبعة أنفس من بلدان شتى فخرجنا إِلَى الجهاد فاسرنا الروم ومضوا بنا لنقتل، فرأيت سبعة أبواب فتحت من السماء وعلى كُل بَاب جارية حسناء من الحور العين فقدم واحد منا فضربت عنقه، فرأيت جارية منهن هبطت إِلَى الأَرْض بيدها منديل فقبضت روحه حَتَّى ضرب أعناق ستة منا فاستوهبني بَعْض رجالهم، فَقَالَت الجارية:
[ ٢ / ٥٤٥ ]
أي شَيْء فإنك يا محروم؟ وغلقت الأبواب، فأنا يا أَخِي متأسف متحسر عَلَى مَا فاتني، قَالَ قاسم الجرعي: أراه أفضلهم لأنه رأى مَا لَمْ يروا وعمل عَلَى الشوق بعدهم.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا النجم أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بخورستان يَقُول: سمعت أبا بَكْر الكتاني يَقُول: كنت فِي طريق مَكَّة فِي وسط السنة فَإِذَا أنا بهميان ملآن يلتمع دنانير فهممت أَن أحمله لأفرقه بمكة عَلَى الفقراء، فهتف بي هاتف إِن أخذته سلبناك فقرك.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حمد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الخياط.
قَالَ: سمعت أبا عَلِي الروذباري يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الشرفي يَقُول: كُنَّا مَعَ أَبِي تراب النخشبي فِي طريق مَكَّة، فعدل عَنِ الطريق إِلَى ناحية.
فَقَالَ لَهُ بَعْض أَصْحَابه أنا عطشان فضرب برجله الأَرْض فَإِذَا عين من ماء زلال، فَقَالَ الفتى: أحب أَن أشربه فِي قدح، فضرب بيده إِلَى الأَرْض فناوله قدحا من زجاج أبيض كأحسن مَا رأيت فشرب وسقانا، وَمَا زال القدح معنا إِلَى مَكَّة.
فَقَالَ لي أَبُو تراب يوما: مَا يَقُول أَصْحَابك فِي هذه الأمور الَّتِي يكرم اللَّه بِهَا عباده؟ فَقُلْتُ: مَا رأيت أحدا إلا وَهُوَ يؤمن بِهَا، فَقَالَ: من لَمْ يؤمن بِهَا فَقَدْ كفر، إِنَّمَا سألتك من طريق الأحوال فَقُلْتُ: مَا أعرف لَهُمْ قولا فِيهِ.
قَالَ: بلى قَدْ زعم أَصْحَابك أَنَّهَا خدع من الحق وليس الأمر كَذَلِكَ، إِنَّمَا الخدع فِي حال السكون إِلَيْهَا، فأما من لَمْ يقترح من ذَلِكَ وَلَمْ يساكنها فتلك مرتبة الربانيين.
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عبلة الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الفرج الورثاني.
قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الخلدي بطرسوس.
قَالَ: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء يَقُول: كُنَّا فِي غرفة سري السقطي بِبَغْدَادَ فلما ذهب من الليل شَيْء لبس قميصا نظيفا وسراويل ورداء ونعلا وقام ليخرج فَقُلْتُ: إِلَى أين فِي هَذَا الوقت.
فَقَالَ: أعود فتحا الموصلي،
[ ٢ / ٥٤٦ ]
فلما مشى فِي طرقات بغداد أخذه العسس وحبسوه، فلما كَانَ من الغد أمر بضربه مَعَ المحبوسين فلما رفع الجلاد يده ليضربه وقفت يده فلم يقدر أَن يحركها فقيل للجلاد: اضرب، فَقَالَ: بحذائي شيخ واقف يَقُول: لا تضربه فتقف يدي لا تتحرك، فنظروا من الرجل فَإِذَا هُوَ فتح الموصلي فلم يضربوه.
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي.
قَالَ: حَدَّثَنَا الحرق الخطابي.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفضل قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِم.
قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَي البصر.
قَالَ: كَانَ أناس من قريش يجلسون إِلَى عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد فأتوه يوما وَقَالُوا: إنا نخاف من الضيقة والحاجة، فرفع رأسه إِلَى السماء.
وَقَالَ: اللَّهُمَّ إني اسألك باسمك المرتفع الَّذِي تكرم بِهِ من شئت من أوليائك وتلهمه الصفي من أحبابك أَن تأتينا برزق من لدنك تقطع بِهِ علائق الشَّيْطَان من قلوبنا وقلوب أَصْحَابنا هَؤُلاءِ، فأنت الحنان المنان القديم الإحسان، اللَّهُمَّ الساعة الساعة، قَالَ: فسمعت والله قعقعة للسقف ثُمَّ تناثرت عَلَيْنَا دنانير ودراهم، فَقَالَ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد: استغنوا بالله عز عَن غيره، فأخذوا ذَلِكَ وَلَمْ يأخذ عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد شَيْئًا.
سمعت أبا عبد اللَّه الشيرازي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الجوزي بجند يسابور.
قَالَ: سمعت الكتاني يَقُول: رأيت بَعْض الصوفية وَكَانَ غريبا مَا كنت أثبته قَدْ تقدم إلى الْكَعْبَة.
وَقَالَ: يا رب مَا أدري مَا يَقُول هَؤُلاءِ يَعْنِي الطائفين فقيل لَهُ: انظر مَا فِي هذه الرقعة، قَالَ: فطارت الرقعة فِي الهواء وغابت.
وسمعته يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر الورثاني يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن الْمُقْرِي بطرسوس يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء يَقُول: اشتهت والدتي عَلَى والدي يوما من الأيام سمكا، فمضى والدي إِلَى السوق وأنا مَعَهُ فاشترى سمكا ووقف ينتظر من يحمله فرأى صبيا وقف بحذائه مَعَ صبي، فَقَالَ: عم تريد من يحمله؟ فَقَالَ: نعم، فحمله ومشى معنا فسمعنا الأذان.
فَقَالَ: الصَّبِي أذن
[ ٢ / ٥٤٧ ]
المؤذن وأحتاج أَن أتطهر وأصلي فَإِن رضيت وإلا فاحمل السمك ووضع الصَّبِي السمك ومر.
فَقَالَ: أَبِي فنحن أَن نتوكل فِي السمك فدخلنا الْمَسْجِد فصلينا وجاء الصَّبِي وصلى فلما خرجنا فَإِذَا بالسمك موضوع مكانه فحمله الصَّبِي ومضى معنا إِلَى دارنا فذكر والدي ذَلِكَ لوالدتي فَقَالَتْ قل لَهُ حَتَّى يقيم عندنا ويأكل معنا فقلنا لَهُ.
فَقَالَ: إني صائم فقلنا فتعود إلينا بالعشى.
فَقَالَ: إِذَا حملت مرة فِي اليوم لا أحمل ثانيا ولكني سأدخل الْمَسْجِد إِلَى المساء ثُمَّ أدخل عليكم فمضى فلما أمسينا دَخَلَ الصَّبِي وأكلنا فلما فرغنا دللناه عَلَى موضع الطهارة ورأينا فِي أَنَّهُ يؤثر الخلوة فتركناه فِي بَيْت فلما كَانَ فِي بَعْض الليل كَانَ لقريب لنا بنت زمنه فجاءت تمشي فسألناها عَن حالها فَقَالَتْ قُلْت يا رب بحرمة ضيفنا أَن تعافيني فقمت قَالَتْ: فمضينا لنطلب الصَّبِي فَإِذَا الأبواب مغلقة كَمَا كانت وَلَمْ نجد الصَّبِي.
فَقَالَ أَبِي: فمنهم صَغِير وَمِنْهُم كثير.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِث الخطابي.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفضل.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِم.
قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَي البصري.
قَالَ: أتيت عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد وَهُوَ جالس فِي ظل فَقُلْتُ لَهُ لو سألت اللَّه أَن يوسع عليك الرزق لرجوت أَن يفعل.
فَقَالَ: ربي أعلم بمصالح عباده ثُمَّ أخذ حصى من الأَرْض ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن شئت أَن تجعلها ذهبا فعلت فَإِذَا هِيَ والله فِي يده ذهب فألقاها إِلَى.
وَقَالَ أنفقاه أَنْتَ فلا خير فِي الدنيا إلا للآخرة.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الفارسي يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مَنْصُور يَقُول: قَالَ لي أستاذي أَبُو يعقوب السوسي: غسلت مريدا فأمسك إبهامي وَهُوَ عَلَى المغتسل فَقُلْتُ: يا بَنِي خل يدي أنا أدري أنك لست بميت وإنما هِيَ نقلة من دار إِلَى دار فخلى يدي وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطرسوسي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول:
[ ٢ / ٥٤٨ ]
صحبني شاب حسن الإرادة فمات فاشتغل قلبي بِهِ جدا وتوليت غسله فلما أردت غسل يديه بدأت بشماله من الدهشة فأخذها مني وناولني يمينه فَقُلْتُ: صدقت يابني أنا غلطت.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا النجم الْمُقْرِي البردعي بشيراز يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مَنْصُور يَقُول: سمعت أبا يعقوب السوسي يَقُول: جاءني مريد بمكة.
فَقَالَ: يا أستاذ أنا غدا أموت وقت الظهر فخذ هَذَا الدينار فاحفر لي بنصفه وكفني بنصفه الآخر ثُمَّ لما كَانَ الغد جاء وطاف بالبيت ثُمَّ تباعد وَمَاتَ فغسلته وكفنته ووضعته فِي اللحد ففتح عينيه فَقُلْتُ: أحياة بَعْد موت؟ .
أنا حي وكل محب لِلَّهِ حي.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: سمعت أبا عَلِي بْن وصيف المؤدب يَقُول تكلم سهل بْن عَبْد اللَّهِ يوما فِي الذكر.
فَقَالَ: إِن الذكر لِلَّهِ عَلَى الحقيقة لو هُمْ أَن يَحْيَي الموتى لفعل ومسح يده عَلَى عليل بَيْنَ يديه فبرئ وقام.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: أخبرني عَلِي بْن إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد.
قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَحْمَد.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عُمَر.
قَالَ: سمعت بشر بْن الْحَارِث يَقُول: كَانَ عَمْرو بْن عتبة يصلي والغمام فَوْقَ رأسه والسباع حوله تحرك أذنابها.
وسمعته يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن مفلج يَقُول: سمعت المغازلي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول كانت معي أربعة دراهم فدخلت عَلَى السرى وقلت هذه أربعة دراهم حملتها إليك.
فَقَالَ: أبشر يا غلام بأنك تفلح كنت أحتاج إِلَى أربعة دراهم فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ ابعثها عَلَى يد من يفلح عندك وسمعته يَقُول: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد الطبري.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَي.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي.
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيم اليماني.
قَالَ خرجنا نسير عَلَى ساحل البحر مَعَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم فانتهينا إِلَى غيضة فِيهَا حطب
[ ٢ / ٥٤٩ ]
يابس كثير وبالقرب منه حصن فقلنا لإبراهيم بْن أدهم لو أقمنا الليلة هنا وأوقدنا من هَذَا الحطب.
فَقَالَ: افعلوا فطلبنا النار من الحصن فأوقدنا وَكَانَ معنا الخبز فأخبجنا نأكل.
فَقَالَ واحد منا: مَا أَحْسَن هَذَا الجمر لو كَانَ لنا لحم نشويه عَلَيْهِ.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم: إِن اللَّه تَعَالَى لقادر عَلَى أَن يطعمكموه.
قَالَ فبينا نحن كَذَلِكَ إِذَا بأسد يطرد أيلا فلما قرب منا وقع فاندقت عنقه فقام إِبْرَاهِيم بْن أدهم وَقَالَ: اذبحوه فَقَدْ أطعمكم اللَّه فذبحناه وشوينا من لحمه وأسد واقف ينظر إلينا.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا القاسم عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الشجري يَقُول: سمعت حامدا الأسود يَقُول: كنت مَعَ إِبْرَاهِيم الحواص فِي البادية سبعة أَيَّام عَلَى حالة واحدة، فلما كَانَ السابع ضعفت فجلست فالتفت إلي وَقَالَ: مَالِك؟ فَقُلْتُ: ضعفت.
فَقَالَ: أيما أغلب عليك الماء أَوِ الطعام؟ فَقُلْتُ: الماء.
فَقَالَ: الماء وراءك فالتفت فَإِذَا عين ماء كاللبن الحليب فشربت وتطهرت وإبراهيم ينظر وَلَمْ يقربه.
فلما أردت القيام هممت أَن أحمل منه.
فَقَالَ: أمسك فَإِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يتزود منه.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الدباس البغدادي يَقُول: سمعت فاطمة أخت أَبِي عَلِي الروذباري تقول سمعت زيتونة خادمة أَبِي الْحُسَيْن النوري وكانت تخدمه، وخدمت أبا حمزة والجنيد قَالَتْ: كَانَ يَوْم بارد فَقُلْتُ للنوري: أحمل إليك شَيْئًا؟ فَقَالَ: نعم، فَقُلْتُ: إيش تريد؟ .
قَالَ خبز ولبن فحملت وَكَانَ بَيْنَ يديه فحم وَكَانَ يقلبها بيده وَقَد اشتعلت فأخذ يأكل الخبز واللبن يسيل عَلَى يده وعليها سواد الفحم فَقُلْتُ: فِي نفسي: مَا أقذر أولياءك يا رب مَا فيهم أحد قَالَ فخرجت من عنده فتعلقت بي امْرَأَة وَقَالَتْ: سرقت لي رزمة ثياب وجروني إِلَى الشرطي فأخبر النوري بِذَلِكَ فخرج وَقَالَ للشرطي لا تتعرضوا لَهَا فإنها ولية من أولياء اللَّه تَعَالَى.
فَقَالَ الشرطي: كَيْفَ أصنع والمرأة تدعي.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
قَالَ: فجاءت جارية ومعها الرزمة المطلوبة فاسترد النوري المرأة.
وَقَالَ لَهَا لا تقولين بعدها: مَا أقذر أولياءك، قَالَتْ فَقُلْتُ: تبت إِلَى اللَّه تَعَالَى.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن فارس الفارسي يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن خيرا النساج يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: عطشت فِي بَعْض أسفاري وسقطت من العطش فَإِذَا أنا بماء رش عَلَى وجهي ففتحت عيني فَإِذَا برجل حسن الوجه راكب دابة شهباء فسقاني الماء.
وَقَالَ كن رديفي وكنت بالحجارة فَمَا لبث إلا يسيرا.
فَقَالَ لي: ترى فَقُلْتُ: أرى الْمَدِينَة.
فَقَالَ: انزل وأقرئ رَسُول اللَّهِ ﷺ مني السَّلام وقل: أخوك الخضر يقرئك السَّلام.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمى يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: قَالَ أَبُو الحديد سمعت المظفر الجصاص يَقُول: كنت أنا ونصر الخراط ليلة فِي موضع فتذكرنا شَيْئًا من العلم.
فَقَالَ الخراط: إِن الذاكر لِلَّهِ تَعَالَى فائدته فِي أول ذكره أَن يعلم أَن اللَّه تَعَالَى ذكره فبذكر اللَّه تَعَالَى ذكره.
قَالَ فخالفته.
فَقَالَ: لو كَانَ الخضر ﵇ ههنا لشهد بصحته.
قَالَ فَإِذَا نحن بشيخ يجئ بَيْنَ السماء وَالأَرْض حَتَّى بلغ إلينا وسلم.
وَقَالَ صدق الذاكر لِلَّهِ تَعَالَى بفضل ذكر اللَّه تَعَالَى لَهُ ذكره فعلمنا أَنَّهُ الخضر ﵇.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: جاء رجل إِلَى سهل بْن عَبْد اللَّهِ.
وَقَالَ: إِن النَّاس يقولون إنك تمشي عَلَى الماء.
فَقَالَ: سل المؤذن المحلة فَإِنَّهُ رجل صَالِح لا يكذب قَالَ.
فسألته: فَقَالَ المؤذن لا أدري هَذَا ولكنه كَانَ فِي بَعْض هذه الأيام نزل الحوض ليتطهر فوقع فِي الماء فلو لَمْ أكن أنا لبقي فِيهِ.
قَالَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق: إِن سهلا كَانَ بتلك الحالة الَّتِي وصف، ولكن اللَّه تَعَالَى يريد أَن يستر أولياءه فأجرى مَا وقع من حَدِيث المؤذن والحوض سترا لحال سهل وسهل كَانَ صاحب الكرامات، وَفِي قريب من هَذَا المعنى مَا حكى عَن أَبِي عُثْمَان المغربي.
قَالَ رأيته بخط أَبِي الْحُسَيْن الْجُرْجَانِيّ.
قَالَ أردت مرة أَن أمضي إِلَى مصر فخطر لي أَن أركب
[ ٢ / ٥٥١ ]
السفينة ثُمَّ خطر ببالي أني أعرف هناك فخفت الشهرة فمر مركب فبدا لي فمشيت عَلَى الماء ولحقت بالمركب ودخلت السفنية والناس ينظرون وَلَمْ يقل أحدا إِن هَذَا ناقض للعادة أَوْ غَيْر ناقض فعرفت أَن الولي مستور وإن كَانَ مشهورا.
ومما شاهدنا من أحواله الأستاذ أَبِي عَلِيّ الدقاق ﵁ معاينة أَنَّهُ كَانَ بِهِ علة حرقة البول وَكَانَ يقوم فِي ساعة غَيْر مرة حَتَّى كَانَ يجدد الوضوء غَيْر مرة لركعتي فرض وَكَانَ يحمل مَعَهُ قارورة فِي طريق المجلس وربما كَانَ يحتاج إِلَيْهَا فِي الطريق مرات ذاهبا وجائيا وَكَانَ إِذَا قعد عَلَى رأس الكرسي يتكلم لا يحتاج إِلَى الطهارة ولو وَلَم امتد بِهِ المجلس زمانا طويلا وكنا نعاين ذَلِكَ منه سنين وَلَمْ يقع لنا فِي حياته أَن هَذَا شَيْء نقاض لعادته وإنما وقع لي هَذَا وفتح عَلِي علمه بَعْد وفاته.
فِي قريب من هَذَا مَا يحكي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أصابته زمانه فِي آخر عمره وَكَانَ ترد عَلَيْهِ القوة فِي أوقات الفرض فيصلي قائما ومن المشهور أَن عَبْد اللَّهِ الوزان كَانَ مقعدا وَكَانَ فِي السماع إِذَا ظهر بِهِ وجد يقوم ويستمع.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد المالكي.
قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُف بْن أَحْمَد البغدادي.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري.
قَالَ حججت أنا وأبو سُلَيْمَان الداراني فبينا نحن نسير إِذَا سقطت السطحية مني فَقُلْتُ: لأبي سُلَيْمَان فقدت السطحية وبقينا بلا ماء وَكَانَ برد شديد.
فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: يا راد الضالة ويا هاديا من الضلالة اردد عَلَيْنَا الضالة فَإِذَا واحد ينادى من ذهبت لَهُ سطيحة.
قَالَ: فَقُلْتُ أنا فأخذتها فبينا نحن نسير وَقَدْ تدرعنا بالفراء لشدة البرد فَإِذَا نحن بإِنْسَان عَلَيْهِ طمران وَهُوَ يترشح عرقا.
فَقَالَ: أَبُو سُلَيْمَان تعال ندفع إليك شَيْئًا مِمَّا عَلَيْنَا من الثياب.
فَقَالَ: يا أبا سُلَيْمَان أتشير إلي بالزهد وأنت تجد البرد أنا أسيح فِي هذه البرية منذ ثلاثين سنة وَمَا انتفضت ولا ارتعدت يلبسني اللَّه فِي البرد فيحا من محبته ويلبسني فِي الصيف مذاق برد محبته ومر.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وسمعته يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَلِي التكريتي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَلِي الكتاني بمكة يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: كنت فِي البادية مرة فسرت فِي وسط النهار فوصلت إِلَى شجرة وبالقرب منها ماء فنزلت فَإِذَا أنا بسبع عظيم أقبل فاستسلمت فلما قرب مني إِذَا هُوَ يعرج فحمحم وبرك بَيْنَ يدي ووضع يده فِي حجري فنظرت فَإِذَا يده منتفخة فِيهَا قيح ودم فأخذت خشبة وشققت الموضع الَّذِي فِيهِ القيح وشددت عَلَى يده خرقة ومضى فَإِذَا أنا به بَعْد ساعة ومعه شبلان يبصان لي وحملا إلي رغيفا.
وسمعته يَقُول حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِي السائح.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن مطرف.
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَن العسقلاني.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحواري.
قَالَ: اشتكى مُحَمَّد بْن السماك فأخذنا ماءه وانطلقنا بِهِ إِلَى الطبيب وَكَانَ نصرانيا فبينا نحن بَيْنَ الحيرة والكوفة استقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب.
فَقَالَ لنا: إِلَى أين تريدون فقلنا: نريد فلانا الطبيب نريه ماء ابْن السماك.
فَقَالَ: سبحان اللَّه تستعينون عَلَى ولي اللَّه بعدو اللَّه اضربوا بِهِ الأَرْض وارجعوا إِلَى ابْن السماك وقولوا لَهُ ضع يدك عَلَى موضع الوجع وقل: ﴿وبالحق أنزلنه وبالحق نزل﴾ ثُمَّ غاب عنا فلم نره فرجعنا إِلَى أبن السماك فأخبرناه بِذَلِكَ فوضع يده عَلَى موضع الوجع.
وَقَالَ مَا قَالَ الرجل فعوفي فِي الوقت.
فَقَالَ ذَلِكَ: كَانَ الخضر ﵇.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت عمي البسطامي يَقُول كُنَّا قعودا فِي مجلس أَبِي يَزِيد البسطامي.
فَقَالَ: قوما بنا نستقبل وليا من أولياء اللَّه تَعَالَى فقمنا مَعَهُ فلما بلغنا الدرب فَإِذَا إِبْرَاهِيم بْن شيبة الهروي.
فَقَالَ لَهُ أَبُو يَزِيد: وقع فِي خاطري أَن أستقبلك وأشفع لَك إِلَى ربي.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بْن شيبة لو شفعك فِي جَمِيع الخلق لَمْ يكن بكثير إِنَّمَا هُمْ قطعة طين فتحير أَبُو يَزِيد من جوابه.
قَالَ الأستاذ وكرامة إِبْرَاهِيم فِي استصغار ذَلِكَ أتم من كرامة أَبِي يَزِيد فيما حصل لَهُ من الفراسة وصدق لَهُ من الحالة فِي بَاب الشفاعة.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي يَقُول وَقَدْ سَأَلَهُ سالم المغربي عَن أصل توبته.
فَقَالَ: خرجت من مصر إِلَى بَعْض القرى فنمت فِي الطريق ثُمَّ انتبهت وفتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة عمياء سقطت من شجرة عَلَى الأَرْض فانشقت الأَرْض فخرج منها سكرجتان إحداهما من ذهب والأخرى من فضة وَفِي إحداهما سمسم وَفِي الأخرى ماء ورد فأكلت من هذه وشربت من هذه فَقُلْتُ: حسبي تبت ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني وقيل: أصاب عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد فالج فدخل وقت الصلاة واحتاج إِلَى الوضوء.
فَقَالَ: من ههنا فلم يحبه أحد فخاف فوت الوقت.
فَقَالَ: يا رب أحللني من وثاقي حَتَّى أقصي طهارتي ثُمَّ قَالَ: فصح حَتَّى أكمل طارته ثُمَّ عاد إِلَى فراشه وصار كَمَا كَانَ.
وَقَالَ أيوب الجمال: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الديلمي إِذَا نزل منزلا فِي سفر عمد إِلَى حماره.
وَقَالَ فِي أذنه: كنت أريد أَن أشدك فالآن لا أشدك وأرسلك فِي هذه الصحراء لتأكل الكلأ فَإِذَا أردنا الرحيل فتعال فَإِذَا كَانَ وقت الرحيل يأتيه الحمار.
وقيل: زوج أَبُو عَبْد اللَّهِ الديلمي ابنته واحتاج إِلَى مَا يجهزها بِهِ وَكَانَ لَهُ ثوب يخرج بِهِ كُل وقت فيشتري بدينار فخرج لَهُ ثوب.
فَقَالَ لَهُ البياع: إنه يساوي أَكْثَر من دِينَار فلم يزالوا يزيدون فِي ثمنه حَتَّى بلغ مائة دِينَار وَقَالَ النضر بْن شميل: ابتعت إزارا فوجدته قصيرا فسألت ربي تَعَالَى أَن يمغط لي ذراعا ففعل.
قَالَ الأستاذ: أي يمد من مغط القوس وَهُوَ مده.
قَالَ النضر: ولو استزدته لزادني وقيل: كَانَ عامر بْن عَبْد قَيْس سأل أَن يهون عَلَيْهِ طهوره فِي الشتاء فكان يؤتى بِهِ وَلَهُ بخار وسأل ربه أَن ينزع شهوة النِّسَاء من قلبه فكان لا يبالي بهن وسأله أَن يمنع الشَّيْطَان من قلبه وَهُوَ فِي صلاته فلم يجب إِلَيْهِ.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: دخلت الدار فَإِذَا أنا برجل فَقُلْتُ: من أَنْتَ دخلت داري بغير إذني.
فَقَالَ: أخوك الخضر فَقُلْتُ: ادع اللَّه لي.
فَقَالَ: هون اللَّه عليك طاعته فَقُلْتُ: زدني.
فَقَالَ: وسترها عليك.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الخواص دخلت خربة فِي بَعْض الأسفار فِي طريق مَكَّة بالليل فَإِذَا فِيهَا
[ ٢ / ٥٥٤ ]
سبع عظيم فخفت فهتف بي هاتف أثبت فإنك حولك سبعين ألف ملك يحفظونك، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج الورثاني.
قَالَ: سمعت أبا الْحَسَن عَلِي بْن مُحَمَّد الصوفي يَقُول: سمعت جَعْفَر الدبيلي يَقُول: دَخَلَ النوري الماء فجاء لص فأخذ ثيابه ثُمَّ إنه جاء ومعه الثياب وَقَدْ جفت يده.
فَقَالَ النوري: قَدْ رد عَلَيْنَا الثياب فرد عَلَيْهِ يده فعوفي.
وَقَالَ الشبلي: اعتقدت وقتا أَن لا آكل إلا من الحلال فكنت أدور فِي الباري فرأيت شجرة تين فمددت يدي إِلَيْهَا لآكل فنادتني الشجرة: احفظ عليك عقدك لا تأكل مني فإني ليهودي.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف دخلت بغداد قاصدا إِلَى الحج وَفِي رأسي نخوة الصوفية وَلَمْ آكل الخبز أربعين يوما وَلَمْ أدخل عَلَى الجنيد وخرجت وَلَمْ أشرب الماء إِلَى زبالة وكنت عَلَى طهارتي فرأيت ظبيا عَلَى رأس البئر وَهُوَ يشرب وكنت عطشانا فلما دنوت من البئر ولي الظبي وإذا الماء فِي أسفله فمشيت وقلت: يا سيدي مالي محل هَذَا الظبي فسمعت من خلفي جربناك فلم تصبر ارجع وخذ الماء فرجعت فَإِذَا البئر ملأى ماء فملأت ركوتي وكنت أشرب منه وأتطهر إِلَى الْمَدِينَة وَلَمْ ينفد ولما استقيت سمعت هاتفا يَقُول: إِن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت مَعَ الركوة والحبل فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد عَلِي.
قَالَ: لو صبرت لنبع الماء من تَحْتَ رجلك لو صبرت صبر ساعة.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ السَّهْمِيّ الْجُرْجَانِيّ يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد بْن عدي الحافظ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن حمزة بمصر يَقُول: حَدَّثَنِي عَبْد الْوَهَّاب وَكَانَ من الصالحين.
قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن سَعِيد البصري: بينا أنا أمشي فِي بَعْض طرق البصرة إذ رأيت أعرابيا يسوق جملا فالتفت فَإِذَا الجمل قَدْ وقع ميتا ووقع الرجل والقتب فمشيت ثُمَّ التفت فَإِذَا الأعرابي
[ ٢ / ٥٥٥ ]
يَقُول: يا مسبب كُل سبب ويا مولي من طلب رد عَلِي مَا ذهب من جمل يحمل الرحل والقتب وإذ الجمل قائم والرحل والقتب فوقه.
وقيل: إِن شبلا المروزي اشتهي لحما فأخذ بنصف درهم فاستقبلته منه حدأة فِي الطريق فدخل شبل مسجدا ليصلي فلما رجع إِلَى منزله قدمت امرأته إِلَيْهِ لحما.
فَقَالَ: من أين هَذَا؟ فَقَالَتْ: تنازعت حدأتان فسقط هَذَا منهما.
فَقَالَ شبل: الحمد لِلَّهِ الَّذِي لَمْ ينس شبلا وإن كَانَ شبل كثيرا ينساه أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر الورثاني.
قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن دَاوُد يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن مَعْمَر يَقُول: سمعت ابْن أَبِي عُبَيْد البسري يحدث عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ غزا سنة من السنين فخرج فِي السرية فمات المهر الَّذِي كَانَ تحته وَهُوَ فِي السرية.
فَقَالَ: يا رب أعرناه حَتَّى نرجع إِلَى بسرى يَعْنِي قريته فَإِذَا المهر قائم فلما غزا ورجع إِلَى بسرى.
قَالَ: يا بَنِي خذ السرج عَنِ المهر فَقُلْتُ: إنه عرق فَإِن أخذت السرج داخله الريح.
فَقَالَ: يا بَنِي إنه عارية.
قَالَ: فلما أخذت السرج وقع المهر ميتا وقيل: كَانَ بَعْضهم نباشا فتوفيت امْرَأَة فصلى النَّاس عَلَيْهَا وصلى هَذَا النباش ليعرف القبر فلما جن عَلَيْهِ الليل نبش قبرها فَقَالَتْ: سبحان اللَّه رجل مغفور لَهُ يأخذ كفن امْرَأَة مغفورة.
قَالَ: هبي أنك مغفور لَك فأنا من أين؟ فَقَالَتْ: إِن اللَّه تَعَالَى غفر لي ولجميع من صلى عَلِي وأنت قَدْ صليت عَلَيّ فتركتها ورددت التراب عَلَيْهَا ثُمَّ تاب الرجل وحسنت توبته.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو بْن كامل بمصر يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد نعمان بْن مُوسَى الحيري بالحيرة يَقُول: رأيت ذا النون الْمِصْرِي وَقَدْ تقاتل اثنان أحدهما من أولياء السلطان والآخر من الرعية فعدا الَّذِي من الرعية عَلَيْهِ فكسر ثنيته فتعلق الجندي بالرجل.
وَقَالَ: بيني وبينك الأمير فجاوزوا بذي النون.
فَقَالَ لَهُم النَّاس: اصعدوا إِلَى الشيخ فصعدوا إِلَيْهِ فعرفوه مَا جرى فأخذ السن ثُمَّ بلها بريقه وردها إِلَى فم الرجل فِي الموضع الَّذِي كانت فِيهِ وحرك شفتيه فتعلقت بإذن اللَّه تَعَالَى فبقي الرجل يفتش فاه فلم يجد الأسنان إلا سواء.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الْقَطَّان بِبَغْدَادَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِي إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الصفار.
قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عرفة بْن يَزِيد.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن إدريس الأودي، عَن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد، عَنْ أَبِي سبرة النخعي.
قَالَ: أقبل رجل من اليمن فلما كَانَ فِي بَعْض الطريق نفق حماره فقام فتوضأ ثُمَّ صلى ركعتين ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إني جئت مجاهدا فِي سبيلك ابتغاء مرضاتك وأنا أشهد أنك تحيي الموتي وتبعث من فِي القبور ولا تجعل لأحد عَلِي منة اليوم أطلب منك أَن تبعث حماري فقام الحمار ينفض أذنيه.
سمعت حمزة ابْن يُوسُف يَقُول: سمعت أبا بَكْر النابلسي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الهمذاني يَقُول بقيت فِي برية الحجاز أياما لَمْ آكل شَيْئًا فاشتهيت باقلا حارا وخبزا من بَاب الطاق فَقُلْتُ أنا فِي البرية وبيني وبين العراق مسافة بعيدة فلم أتم خاطري إلا وأعرابي من بعيد ينادي باقلا حار وخبز فتقدمت إِلَيْهِ فَقُلْتُ عندك باقلا حارا وخبز.
فَقَالَ نعم وبسط مئزرا كَانَ عَلَيْهِ وأخرج خبزا وباقلا.
وَقَالَ لي: كُل فأكلت ثُمَّ قَالَ لي: كُل فأكلت ثُمَّ قَالَ لي: كُل فأكلت فلما.
قَالَ فِي الرابعة قُلْت: بحق الَّذِي بعثك إِلَى إلا مَا قُلْت لي من أَنْتَ.
فَقَالَ: الخضر وغاب عني فلم أره.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن الخشاب البغدادي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت أبا جَعْفَر الحداد يَقُول جئت الثعلبية وَهِيَ خراب ولي سبعة أَيَّام لَمْ آكل شَيْئًا فدخلت القبة وجاء قوم خراسانيون أصابهم جهد فطرحوا أنفسهم عَلَى بَاب القبة فجاء أعرابي عَلَى راحلة وصب تمرا بَيْنَ أيديهم فاشتغلوا بالأكل وَلَمْ يقولوا لي شَيْئًا وَلَمْ يرني الأعرابي فلما كَانَ بَعْد ساعة فَإِذَا بالأعرابي جاء.
وَقَالَ لَهُمْ معكم غيركم فَقَالُوا نعم هَذَا الرجل داخل القبة.
قَالَ: فدخل الأعرابي.
وَقَالَ لي: إيش أَنْتَ لِمَ لَمْ تتكلم مضيت فعارضني إِنْسَان.
فَقَالَ لي: قَدْ خلفت إِنْسَانا لَمْ تطعمه وَلَمْ يمكني أَن أمضي وتطولت عَلِي الطريق لأني رجعت عَن أميال وصب بَيْنَ يدي التمر الكثير ومضى فدعوتهم فأكلوا وأكلت.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا طاهر الرقى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: كلمني جمل فِي طريق مَكَّة رأيت جمالا والمحامل عَلَيْهَا وَقَدْ مدت أعناقها فِي الليل فَقُلْتُ: سبحان من يحمل عَنْهَا مَا هِيَ فِيهِ فالتفت إلي جمل.
وَقَالَ لي قل: جل اللَّه فَقُلْتُ: جل اللَّه.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن أَحْمَد الفارسي يَقُول: سمعت الرقى يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن معر يَقُول: سمعت أبا زرعة الجنبي يَقُول: مكرت بي امْرَأَة فَقَالَتْ: ألا تدخل الدار فتعود مريضا فدخلت فأغلقت الباب وَلَمْ أر أحدا فعلمت مَا فعلت فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ سودها فاسودت فتحيرت وفتحت الباب فخرجت فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ ردها إِلَى حالها فردها عَلَى مَا كانت.
سمعت حمزة بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الغطريفي يَقُول: سمعت السراج يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان الرومي يَقُول: سمعت خليلا الصياد يَقُول: غاب عني ابني مُحَمَّد فوجدنا عَلَيْهِ وجدا شديدا فأتيت معروفا الكرخي، فَقُلْتُ: يا أبا محفوظ غاب ابني وأمة واجدة.
فَقَالَ: مَا تشاء؟ فَقُلْتُ: ارع اللَّه أَن يرده.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن السماء سماؤك وَالأَرْض أرضك وَمَا بينهما لَك، ائت بمحمد.
قَالَ خليل فأتيت بَاب الشام فَإِذَا هُوَ واقف فَقُلْتُ: يا مُحَمَّد فَقَالَ: يا أبت كنت الساعة بالأنبار.
قَالَ الأستاذ واعلم أَن الحكايات فِي هَذَا الباب تربو عَلَى الحصر والزيادة عَلَى مَا ذكرناه تخرجنا عَنِ المقصود من الإيجار وَفَيْمَا ذكرناه مقنع فِي هَذَا الباب.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
بَاب رؤيا الْقَوْم قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قيل: هِيَ الرؤيا الحسنة يراها المرء أَوْ ترى لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الأَهْوَازِيُّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِنْقَرِيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] .
قَالَ ﷺ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ قَبْلَكَ هِيَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ يَرَاهَا الْمَرْءُ أَوْ تُرَى لَهُ
أَخْبَرَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ.
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ زَيْدٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَي بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَتْفِلُ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ الْمُزَكِّيُّ.
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْبَزَّارُ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى.
قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ وَأَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي.
ومعنى الْخَبَر أَن تلك الرؤيا رؤيا صدق وتأويلها حق وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات وتحقيق الرؤيا خواطر ترد عَلَى القلب وأحوال تتصور فِي الوهم إِذَا لَمْ يستغرق النوم جَمِيع الاستشعار فيتوهم الإِنْسَان عِنْدَ اليقظة أَنَّهُ كَانَ رؤية فِي الحقيقة وإنما كَانَ ذَلِكَ تصورا وأوهاما تقررت فِي قلوبهم وحين زال عَنْهُم الإحساس الظاهر تجردت تلك الأوهام عَنِ المعلومات بالحس والضرورة فقوبت تلك الحالة عِنْدَ صاحبها فَإِذَا استيقظ
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ضعف تلك الأحوال الَّتِي تصورها بالإضافة إِلَى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ومثاله كالذي يَكُون فِي ضوء السراج عِنْدَ اشتداد الظلمة فَإِذَا طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ غلبت ضوء السراج، فيتقاصر نور السراج بالإضافة إِلَى ضياء الشَّمْس
فمثال حال النوم كمن هُوَ فِي ضوء السراج ومثال المستيقظ كمن تَعَالَى عَلَيْهِ النهار فَإِن المستيقظ يتذكر مَا كَانَ متصورا لَهُ فِي حال نومه ثُمَّ إِن تكل الأحاديث والخواطر الَّتِي كانت ترد عَلَى قلبه فِي حال نومه مرة تكون من قبل الشَّيْطَان ومرة من هواجس النفس ومرة بخواطر الْمَلِك ومرة تكون تعريفا من اللَّه ﷿ بخلق تلك الأحوال فِي قلبه ابتداء وَفِي الْخَبَر أصدقكم رؤيا أصدقكم حَدِيثا واعلم أَن النوم عَلَى أقسام نوم غفلة ونوم عادة وَذَلِكَ غَيْر محمود بَل هُوَ معلول لأنه أَخُو الْمَوْت.
وَفِي بَعْض الأخبار المروية: النوم أَخُو الْمَوْت.
وَقَالَ اللَّه ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وقيل: لو كَانَ فِي النوم خير لكان فِي الْجَنَّة نوم.
وقيل: لما ألقى اللَّه عَلَى آدم النوم فِي الْجَنَّة أخرج منه حواء وكل بلاء بِهِ إِنَّمَا حصل حِينَ حصلت حواء.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما قَالَ إِبْرَاهِيم لإسماعيل ﵉: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] .
قَالَ: يا أبت هَذَا جزاء من نام عَن حبيبه ولو لَمْ تنم لما أمرت بذبح الولد.
وقيل: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد ﵇ كذب من ادعى محبتي فَإِذَا جنه الليل نام عني والنوم ضد العلم ولهذا قَالَ الشبلي: نعسة فِي ألف سنة فضيحة.
وَقَالَ الشبلي: اطلع الحق عَلِي.
فَقَالَ: من نام غفل ومن غفل حجب.
وَكَانَ
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الشبلي يكتحل بالملح بعده حَتَّى كَانَ لا يأخذه النوم، وَفِي معناه أنشدوا:
عجبا للمحب كَيْفَ ينام كُل نوم عَلَى المحب حرام
وقيل: المريد أكله فاقة ونومه غلبة وكلامه ضرورة.
وقيل: لما نام آدم ﵇ بالحضرة قيل لَهُ هذه حواء لتسكن إِلَيْهَا هَذَا جزاء من نام بالحضرة.
وقيل: إِن كنت حاضرا فلا تنم فَإِن النوم بالحضرة سوء أدب وإن كنت غائبا فأنت من أهل الحسرة والمصيبة والمصاب لا يأخذه النوم، وَأَمَّا أهل المجاهدات فنومهم صدقة من اللَّه عَلَيْهِم وأن لِلَّهِ ﷿ يباهي بالعبد إذ نام فِي سجوده يَقُول: انظروا إِلَى عبدي روحه عندي وجسده بَيْنَ يدي.
قَالَ الأستاذ يَعْنِي: روحه فِي محل النجوى وبدنه عَلَى بساط العبادة.
وقيل: كُل من نام عَلَى الطهارة يؤذن لروحه أَن تطوف بالعرش وتسجد لِلَّهِ ﷿.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: شكا رجل إِلَى بَعْض المشايخ من كثرة النوم.
فَقَالَ: اذهب واشكر اللَّه تَعَالَى عَلَى العافية فكم من مريض فِي شهوة غمضة من النوم الَّذِي تشكو منه.
وقيل: لا شَيْء أشد عَلَى إبليس من نوم العاصي يَقُول: مَتَى ينتبه ويقوم حَتَّى يعصى اللَّه.
وقيل: أَحْسَن أحوال العاصي أَن ينام إِن لَمْ يكن الوقت لَهُ لَمْ يكن عَلَيْهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: تعود شاه الكرماني السهر فغلبه النوم مرة فرأى الحق سبحانه فِي النوم فكان يتكلف النوم بَعْد ذَلِكَ فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ: رأيت سرور قلبي فِي منامي فأحببت التنعس والمناما وقيل: كَانَ رجل لَهُ تلميذان فاختلفا فيما بينهما.
فَقَالَ أحدهما: النوم خير، لأن الإِنْسَان لا يعصى فِي تلك الحالة.
وَقَالَ الآخر: اليقظة خير لأنه يعرف اللَّه تَعَالَى فِي تلك الحالة
[ ٢ / ٥٦١ ]
فتحاكما إِلَى ذَلِكَ الشيخ.
فَقَالَ: أما أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل النوم فالموت خير لَك من الحياة، وَأَمَّا أَنْتَ الَّذِي قُلْت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لَك من الْمَوْت.
وقيل: اشترى رجل مملوكة فلما دَخَلَ الليل.
قَالَ: افرشي الفراش فَقَالَتْ: المملوكة يا مولاي ألك مولى؟ .
قَالَ: نعم فَقَالَتْ: ينام؟ قَالَ: لا، قَالَتْ: ألا تستحي أَن تنام ومولاك لَمْ ينم.
وقيل: قَالَتْ بنية لسعيد بْن جُبَيْر: لَمْ لا تنام.
فَقَالَ: إِن جهنم لا تدعني أَن أنام.
وقيل: قَالَتْ بت لمالك بْن دِينَار: لَمْ لا تنام؟ فَقَالَ: إِن أباك يخاف البيات.
وقيل: لما مَات الرَّبِيع بْن خيثم قَالَتْ بنية لأبيها من جيرانه: يا أبت الأسطوانة الَّتِي كانت فِي دار جارنا أين ذهبت؟ فَقَالَ: إنه كَانَ جارنا الصالح يقوم من أول الليل إِلَى آخره فتوهمت البنية أَنَّهُ كَانَ سارية لأنها كانت لا تصعد السطح إلا بالليل فتجده قائما.
وَقَالَ بَعْضهم: فِي النوم معان ليست فِي اليقظة منها: أَنَّهُ يرى المصطفى ﷺ والصحابة والسلف الماضين فِي النوم ولا يراهم فِي اليقظة وَكَذَلِكَ يرى الحق فِي النوم وَهَذَهِ مزية عظيمة وقيل: رأى أَبُو بَكْر الآجري الحق سبحانه فِي النوم.
فَقَالَ لَهُ: سل حاجتك.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفر لجميع عصاة أمة مُحَمَّد ﷺ.
فَقَالَ: أنا أولى بِهَذَا منك سل حاجتك.
وَقَالَ الكتاني رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام.
فَقَالَ لي: من تزين لِلنَّاسِ بشيء يعلم اللَّه تَعَالَى منه خلافه شأنه اللَّه.
وَقَالَ الكتاني: أَيْضًا رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: ادع اللَّه أَن لا يميت قلبي.
فَقَالَ: قل كُل يَوْم أربعين مرة يا حي يا قيوم لا اللَّه إلا أَنْتَ فَإِن اللَّه يَحْيَي قلبك ورأى الْحَسَن بْن عَلِي ﵄ عيسى بْن مريم ﵉ فِي المنام.
فَقَالَ: إني أريد أَن أتخذ خاتما فَمَا الَّذِي أكتب عَلَيْهِ.
فَقَالَ: اكتب عَلَيْهِ لا اللَّه إلا اللَّه الْمَلِك الحق المبين فَإِنَّهُ فِي آخر الإنجيل وَرَوَى عَن أَبِي يَزِيد أَنَّهُ: قَالَ رأيت ربي ﷿ فِي المنام فَقُلْتُ: كَيْفَ الطريق إليك.
فَقَالَ: اترك نفسك وتعال
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وقيل: رأى أَحْمَد بْن خضرويه ربه فِي المنام.
فَقَالَ: يا أَحْمَد كُل النَّاس يطلبون مني إلا أبا يَزِيد فَإِنَّهُ يطلبني.
وَقَالَ يَحْيَي بْن سَعِيد الْقَطَّان: رأيت ربي فِي المنام فَقُلْتُ: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي.
فَقَالَ تَعَالَى: يا يَحْيَي إني أحب أَن أسمع صوتك.
وَقَالَ بشر بْن الْحَارِث: رأيت أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عَلِي بْن أَبِي طَالِب ﵁ فِي المنام فَقُلْتُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ عظني.
فَقَالَ: مَا أَحْسَن عطف الأغنياء عَلَى الفقراء طلبا لثواب اللَّه تَعَالَى وأحسن من ذَلِكَ نية الفقراء عَلَى الأغنياء ثقة بالله تَعَالَى فَقُلْتُ لَهُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ زدني.
فَقَالَ: قَدْ كنت ميتا فصرت حيا وعن قريب نصير ميتا عز بدار الفناء بَيْت فابن بدار البقاء بيتا وقيل: رؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: رحمني فقيل مَا حال عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ.
فَقَالَ: هُوَ مِمَّن يلج عَلَى ربه كُل يَوْم مرتين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول رأى الأستاذ أَبُو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي فِي المنام وَكَانَ الزجاجي يَقُول بوعيد الأبد.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ الزجاجي: الأمر ههنا أسهل مِمَّا كَانَ نظنه.
ورؤي الْحَسَن بْن عَاصِم الشيباني فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: وإيش يَكُون من الكريم إلا الكرم ورؤي بَعْضهم فِي المنام فسئل عَن حاله.
فَقَالَ.
حاسبونا فدققوا ثُمَّ منوا فاعتقوا ورؤي حبيب العجمي فِي المنام فقيل لَهُ: مت يا حبيب العجمي.
فَقَالَ: هيهات ذهبت العجمة وبقيت النعمة وقيل: دَخَلَ الْحَسَن البصري مسجدا ليصلي فِيهِ المغرب فوجد إمامهم حبيبا العجمي فلم يصل خلفه لأنه خاف أَن يلحن لعجمه فِي لسانه فرأى فِي المنام تلك الليلة قائلا يَقُول لَهُ لِمَ لَمْ تصل خلفه لو صليت خلفه لغفر لَك مَا تقدم من ذنبك.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ورؤي مَالِك بْن أَنَس فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بكلمة كَانَ يقولها عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ عِنْدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رؤية الجنازة: سبحان الحي الَّذِي لا يموت.
ورؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا الْحَسَن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا أَن الْحَسَن البصري قدم عَلَى اللَّه تَعَالَى وَهُوَ عَنْهُ راض سمعت أبا بَكْر بْن أشكيب يَقُول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي فِي المنام عَلَى حالة حسنة فَقُلْتُ: يا أستاذ بم وجدت هَذَا.
فَقَالَ: بحسن ظني بربي.
وقيل: رؤي الجاحظ فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: فلا تكتب بخطك غَيْر شَيْء يسرك فِي الْقِيَامَة أَن تراه وقيل: رأى الجنيد إبليس فِي منامه عريانا.
فَقَالَ لَهُ: ألا تستحي من النَّاس.
فَقَالَ: هَؤُلاءِ لا ناس إِنَّمَا النَّاس أقوام فِي مَسْجِد الشونيزية أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي.
قَالَ الجنيد: فلما انتبهت غدوت إِلَى الْمَسْجِد فرأيت جَمَاعَة وضعوا رءوسهم عَلَى ركبهم متفكرين فلما رأوني قَالُوا: لا يغرنك حَدِيث الخبيث ورؤي النصرأباذي بمكة بَعْد وفاته فِي النوم فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: عوتبت عتاب الأشراف ثُمَّ نوديت يا أبا القاسم أبعد الاتصال انفصال فَقُلْتُ لا يا ذا الجلال فَمَا وضعت فِي اللحد حَتَّى لحقت بالأحد ورؤي ذو النون الْمِصْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك فَقَالَ: كنت أسأله ثَلاث حوائج فِي الدنيا فأعطاني البعض وأرجو أَن يعطيني الباقي كنت أسأله أَن يعطيني من العشرة الَّتِي عَلَى يد رضوان واحدا ويعطيني بنفسه وأن يعذبني عَنِ الْوَاحِد الَّذِي بيد مَالِك بعشرة ويتولى هُوَ وأن يرزقني أَن أذكره بلسان الأبدية.
وقيل: رؤى الشبلي فِي المنام بَعْد موته فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: لَمْ يطالبني بالبراهين عَلَى الدعاوي إلا عَلَى شَيْء واحد قُلْت: يوما لا خسارة أَعْظَم من خسران لاجنة ودخول النار.
فَقَالَ لي: وأي خسارة أَعْظَم من خسارة لقائي.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول: رأى الجريري الجنيد فِي المنام.
فَقَالَ: كَيْفَ حالك يا أبا القاسم؟ .
فَقَالَ: طاحت تلك الإشارات وبادت تلك العبارات وَمَا نفعنا إلا تسبيحات كُنَّا نقولها بالغدوات.
وَقَالَ النباجي: تشهيت يومان شَيْئًا فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: أيجمل بالحر المريد أَن يتذلل للعبيد وَهُوَ يجد من مولاه مَا يريد.
وَقَالَ ابْن الجلاء: دخلت الْمَدِينَة وبي فاقة فتقدمت إِلَى القبر وقلت: أنا ضيفك فغفوت فرأيت النَّبِي ﷺ وَقَدْ أعطاني رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وبيدي النصف.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام يَقُول: زوروا ابْن عون فَإِنَّهُ يحب اللَّه ورسوله وقيل: رأى عتبة الغلام حوراء فِي المنام عَلَى صورة حسنة فَقَالَتْ لَهُ: يا عتبة أنا لَك عاشقة فانظر أَن لا تعمل من الأعمال شَيْئًا يحال بيني وبينك.
فَقَالَ عتبة: طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عَلَيْهَا حَتَّى ألقاك.
سمعت منصورا المغربي يَقُول: رأيت شيخا فِي بلاد الشام كبير الشأن وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الانقباض فقيل لي: إِن أردت أَن ينبسط هَذَا الشيخ معك فسلم عَلَيْهِ وقل: رزقك اللَّه الحور العين فَإِنَّهُ يرضى منك بِهَذَا الدعاء فسألت عَن سببه فقيل: إنه رأى شَيْئًا من الحور فِي منامه فبقى فِي قلبه شيء من ذَلِكَ، فمضيت وسلمت عَلَيْهِ، وقلت: رزقك اللَّه الحور العين فانبسط الشيخ معي وقيل: رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل دهليز لئلا يحتاج إِلَى الصلاة عَلَيْهَا فرأى بَعْضهم الميت فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي.
وَقَالَ لي: قل لأيوب السختياني ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] وقيل: رؤي الليلة الَّتِي مَات فِيهَا مَالِك بْن دِينَار كأن أبواب السماء قَدْ فتحت وقائلا يَقُول: ألا إِن مَالِك بْن دِينَار أصبح من سكان الْجَنَّة.
وَقَالَ بَعْضهم: رأيت الليلة الَّتِي مَات فِيهَا دَاوُد الطائي نورا وملائكة صعودا وملائكة نزولا فَقُلْتُ: أي ليلة هذه فَقَالُوا: ليلة مَات فِيهَا دَاوُد الطائي وَقَدْ زخرفت الْجَنَّة لقدوم روحه.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
قَالَ الأستاذ أَبُو القاسم: رأيت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق فِي المنام فَقُلْتُ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لَيْسَ للمغفرة هنا كبير خطر أقل من حضر ههنا خطرا فلأن أعطى كَذَا وكذا وقع لي فِي المنام أَن ذَلِكَ الإِنْسَان الَّذِي عناه قتل نفسا بغير حق.
وقيل: لما مَات كرز بنوبرة رأى فِي المنام كأن أهل القبور خرجوا من قبورهم وعليهم ثياب جدد بيض فقيل: مَا هَذَا؟ قيل: إِن أهل القبور كسوا ثيابا جدد لقدوم كرز عَلَيْهِم ورؤي يُوسُف بْن الْحُسَيْن فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي فقيل بماذا.
فَقَالَ: لأني مَا خلطت جدا بهزل قط ورؤي عَبْد اللَّهِ الزراد فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أوقفني وغفر لي كُل ذنب أقررت بِهِ فِي الدنيا إلا واحدا استحييت أَن أقربه فوقفني فِي العرق حَتَّى سقط لحم وجهي فقيل لَهُ: وَمَا ذاك.
فَقَالَ: نظرت يوما إِلَى شخص جميل فاستحيت أَن أذكره.
سمعت أبا سَعِيد الشحام يَقُول: رأيت الشيخ الإِمَام أبا الطيب سهلا الصعلوكي فِي المنام فَقُلْتُ أيها الشيخ.
فَقَالَ: دع الشيخ فَقُلْتُ: وتلك الأحوال الَّتِي شاهدتها.
فَقَالَ: لَمْ تغن عنا شَيْئًا فَقُلْتُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي بمسائل كانت يسأل عَنْهَا العجز.
سمعت أبا بَكْر الرشيدي الفقيه يَقُول: رأيت محمدا الطوسي المعلم فِي المنام.
فَقَالَ: قل لأبي سَعِيد الصفار المؤدب: وكنا عَلَى أَن لا نحول عَنِ الهوى فَقَدْ وحياة الحب حلتم وَمَا حلنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا وأظهرتم الهجران مَا هكذا كُنَّا لعل الَّذِي يقضى الأمور بعلمه سيجمعنا بَعْد الممات كَمَا كُنَّا
[ ٢ / ٥٦٦ ]
قَالَ: فانتبهت وقلت ذَلِكَ لأبي سَعِيد الصفار.
فَقَالَ: كنت أزور قبره كُل يَوْم جمعة فلم أزره هذه الجمعة وحكى عَن بَعْضهم أَنَّهُ قَالَ: رأيت فِي المنام رَسُول اللَّهِ ﷺ وحوله جَمَاعَة من الفقراء فبينما هُوَ كَذَلِكَ إذ نزل من السماء ملكا وبيد أحدهما طست وبيد الآخر إبريق فوضع الطست بَيْنَ يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ فغسل يده ثُمَّ أمر حَتَّى غسلوا أيديهم ثُمَّ وضع الطست بَيْنَ يدي.
فَقَالَ أحدهما للآخر: لا تصب عَلَى يده فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أليس قَدْ رَوَى عَنْك أنك قُلْت: المرء مَعَ من أحب.
فَقَالَ: بلى فَقُلْتُ: وأنا أحبك وأحب هَؤُلاءِ الفقراء.
فَقَالَ ﷺ: صب عَلَى يده فَإِنَّهُ مِنْهُم وحكي عَن بَعْضهم أَنَّهُ كَانَ يَقُول أبدا: العافية العافية فقيل لَهُ: مَا معنى هَذَا الدعاء.
قَالَ: كنت حمالا فِي ابتداء أمري وكنت حملت يوما صدرا من الدقيق فوضعته لأستريح فكنت أقول يا رب لو أعطيتني كُل يَوْم رغيفين من غَيْر تعب لكنت أكتفي بهما فَإِذَا رجلان يختصمان فتقدمت أصلح بينهما فضرب أحدهما رأسي بشيء أراد أَن يضرب بِهِ خصمه فدمى وجهي فجاء صاحب الربع فأخذهما فلما رآني ملوثا بالدم أخذني وظن أنني مِمَّن تشاجر فأدخلني السجن وبقيت فِي السجن مدة أوتى كُل يَوْم برغيفين فرأيت ليلة فِي المنام قائلا يَقُول لي: إنك سألت الرغيفين كُل يَوْم من غير نصب وَلَمْ تسأل العافية فانتبهت وقلت: العافية العافية فرأيت بَاب السجن يقرع وقيل: أين عُمَر الحمال وخلوا سبيلي، وحكي عَنِ الكتاني أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عندنا رجل من أَصْحَابنا هاجت عينه فقيل لَهُ: ألا تعالجها.
فَقَالَ: عزمت أَن لا أعالجها حَتَّى تبرأ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول: لو كَانَ هَذَا العزم عَلَى أهل النار كلهم لأخرجناهم من النار.
وحكى عَنِ الجنيد أَنَّهُ.
قَالَ: رأيت فِي المنام كأني أتكلم عَلَى النَّاس فوقف عَلَى ملك.
فَقَالَ: أقرب مَا تقرب بِهِ المتقربون إِلَى اللَّه تَعَالَى ماذا فَقُلْتُ: عمل خفى بميزان وَفِي.
قَالَ: فولى الْمَلِك عنى وَهُوَ يَقُول: كَلام موفق والله.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وَقَالَ رجل للعلاء بْن زِيَاد: رأيت فِي النوم كأنك من أهل الْجَنَّة.
فَقَالَ: لعل الشَّيْطَان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص إِلَى رجلا يعينه وقيل: رؤى عَطَاء السلمي فِي النوم فقيل لَهُ: لَقَدْ كنت طويل الحزن فَمَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: أما والله لَقَدْ أعقبني ذَلِكَ راحة طويلة وفرحا دائما فقيل لَهُ: ففي أي الدرجات أَنْتَ.
فَقَالَ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآية وقيل: رؤى الأوزاعي فِي المنام.
فَقَالَ: مَا رأيت هاهنا درجة أرفع من درجة الْعُلَمَاء ثُمَّ درجة المحزونين.
وَقَالَ النباجي: قيل لي فِي المنام: من وثق بالله فِي رزقه زَيْد فِي حسن خلقه وسمحت نَفْسه فِي نفقته وقلت وساوسه فِي صلاته وقيل: رؤيت زبيدة فِي المنام فقيل لَهَا: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَتْ: غفر لي فقيل بكثرة نفقتك فِي طريق مَكَّة فَقَالَتْ: لا أما إِن أجرها عاد إِلَى أربابها ولكن غفر لي بنيتي ورؤي سُفْيَان الثَّوْرِي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
قَالَ: وضعت أول قدمي عَلَى الصراط وَالثَّانِي فِي الْجَنَّة.
وَقَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري رأيت فِي النوم جارية مَا رأيت أَحْسَن منها يتلألأ وجهها نورا فَقُلْتُ مَا أنور وجهك فَقَالَتْ: تذكر الليلة الَّتِي بكيت فِيهَا فَقُلْتُ: نعم فَقَالَتْ: حملت إِلَى دمعتك فمسحت بِهَا وجهي فصار وجهي هكذا وقيل: رأي يَزِيد الرقاشي النَّبِي ﷺ فِي المنام فقرأ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: هذه القراءة فأين البكاء.
وَقَالَ الجنيد: رأيت فِي المنام كأن ملكين نزلا من السماء.
فَقَالَ أحدهما لي: مَا الصدق فَقُلْتُ: الوفاء بالعهد.
فَقَالَ الآخر: صدق ثُمَّ صعدا
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ورؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: غفر لي.
وَقَالَ أما استحييت يا بشر منى كنت تخافني ذَلِكَ الخوف وقيل: رؤي أَبُو سُلَيْمَان الداراني فِي المنام فقيل لَهُ مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: غفر لي وَمَا كَانَ شَيْء أضر عَلَى من إشارات الْقَوْم.
وَقَالَ عَلِي بْن الموفق كنت أفكر يوما فِي سبب عيالي والفقر الَّذِي بِهِمْ فرأيت فِي المنام رقعة فِيهَا مكتوب بسم اللَّه الرحمن الرحيم يا ابْن الموفق أتخشى الفقر وأنا ربك فلما كَانَ وقت الفلس أتاني رجل بكيس فِيهِ خمسة آلاف دِينَار.
وَقَالَ: خذها إليك يا ضعيف اليقين.
وَقَالَ الجنيد رأيت فِي المنام كأني واقف بَيْنَ يدي اللَّه تَعَالَى.
فَقَالَ لي: يا أبا القاسم من أين لَك هَذَا الْكَلام الَّذِي تقول فَقُلْتُ: لا أقول إلا حقا.
فَقَالَ: صدقت.
وَقَالَ أَبُو بَكْر الكتاني: رأيت فِي المنام شابا لَمْ أر أَحْسَن منه فَقُلْتُ: من أَنْتَ.
فَقَالَ: التقوى قُلْت: فأين تسكن.
قَالَ: فِي كُل قلب حزين ثُمَّ التفت فَإِذَا امْرَأَة سوداء كأوحش مَا يَكُون فَقُلْتُ: من أَنْتَ فَقَالَتْ: الضحك فَقُلْتُ: وأين تسكنين فَقَالَتْ: فِي كُل قلب فرح مرح.
قَالَ: فانتبهت واعتقدت أَن لا أضحك إلا غلبة وحكى عَن أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي المنام كَأَنَّهُ قَالَ لي: من عرف طريقا إِلَى اللَّه تَعَالَى سلكه ثُمَّ رجع عَنْهُ عذبه اللَّه تَعَالَى عذابا لَمْ يعذبه أحدا من العالمين.
ورؤي الشبلي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه تَعَالَى بك.
فَقَالَ: ناقشني حَتَّى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: رأيت فِي النوم كأن قائلا يَقُول لي: يا أبا عُثْمَان اتق اللَّه فِي الفقر ولو فِي قدر سمسمة.
وقيل: كَانَ لأبي سَعِيد الخراز ابْن مَات قبله فرآه فِي المنام.
فَقَالَ لَهُ: بَنِي أوصني.
فَقَالَ: يا أبت لا تعامل اللَّه عَلَى الجبن.
فَقَالَ: يا بَنِي زدني.
فَقَالَ: لا تخالف اللَّه تَعَالَى فيما يطالبك بِهِ.
فَقَالَ: زدني.
فَقَالَ: لا تجعل بينك وبين اللَّه قميصا.
قَالَ: فَمَا لبس القميص ثلاثين سنة
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وقيل: كَانَ بَعْضهم يَقُول فِي دعائه: اللَّهُمَّ الشيء الَّذِي لا يضرك وينفعنا لا تمنعه عنا فرأى فِي المنام كَأَنَّهُ قيل لَهُ: وأنت فالشيء الَّذِي يضرك ولا ينفعك فدعه.
وحكى عَن أَبِي الفضل الأصبهاني أَنَّهُ قَالَ: رأيت رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي المنام فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سل اللَّه أَن لا يسلبني الإيمان.
فَقَالَ ﷺ: ذاك شَيْء قَدْ فرغ اللَّه تَعَالَى منه وحكى عَن أَبِي سَعِيد الخراز، قَالَ: رأيت إبليس فِي المنام فأخذت عصاي لأضربه فقيل لي: إنه لا يفزع منها إِنَّمَا يفزع هَذَا من نور يَكُون فِي القلب.
وَقَالَ بَعْضهم كنت أدعو لرابعة العدوية فرأيتها فِي النوم تقول هداياك تأتينا عَلَى أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور ويروى عَن سماك بْن حرب أَنَّهُ قَالَ: كف بصري فرأيت فِي المنام كأن قائلا يَقُول لي: ائت الفرات فانغمس فِيهِ وافتح عينيك.
قَالَ: ففعلت فأبصرت وقيل: رؤي بشر الحافي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك.
فَقَالَ: لما رأيت ربي ﷿.
قَالَ لي: مرحبا يا بشر لَقَدْ توفيتك يَوْم توفيتك وَمَا عَلَى الأَرْض أحب إلي منك.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
بَاب الوصية للمريدين قَالَ الأستاذ: لما أثبتنا طرفا من سير الْقَوْم وضممنا إِلَى ذَلِكَ أبوابا من المقامات أردنا أَن نختم هذه الرسالة بوصية للمريدين نرجو من اللَّه تَعَالَى حسن توفيقهم لاستعمالها وأن لا يحرمنا القيام بِهَا ولا يجعلها حجة عَلَيْنَا فأول قدم للمريد فِي هذه الطريقة ينبغي أَن يَكُون عَلَى الصدق ليصح لَهُ البناء عَلَى أصل صحيح فَإِن الشيوخ قَالُوا إِنَّمَا حرموا الوصول لتضييعهم الأصول كَذَلِكَ سمعت الأستاذ أبا عَلِي يَقُول فتجب البداءة وبتصحيح اعتقاد بينه وبين اللَّه تَعَالَى صاف عَنِ الظنون والشبه خال من الضلال والبدع صادر عَنِ البراهين والحجج ويقبح بالمريد أَن ينتسب إِلَى مذهب من مذاهب من لَيْسَ من هذه الطريقة وليس انتساب الصوفي إِلَى مذهب من مذاهب المختلفين سِوَى طريقة الصوفية إلا نتيجة جهلهم بمذاهب أهل هذه الطريقة فَإِن هَؤُلاءِ حججهم فِي مسائلهم أظهر من حجج كُل أحد وقواعد مذاهبهم أقوى من قواعد كُل مذهب والناس إِمَّا أَصْحَاب النقل والأثر وإما أرباب العقل والفكر وشيوخ هذه الطائفة ارتقوا عَن هذه الجملة فالذي لِلنَّاسِ غيب فَهُوَ لَهُمْ ظهور والذي للخلق من المعارف مقصود فلهم من الحق سبحانه موجود فَهُمْ من أهل الوصول والناس أهل الاستدلال وَهُمْ كَمَا قَالَ القائل: ليلي بوجهك مشرق وظلامه من النَّاس ساري فالناس فِي سدف الظلام ونحن فِي ضوء النهار
[ ٢ / ٥٧١ ]
وَلَمْ يكن عصر من الأعصار فِي مدة الإِسْلام إلا وفيه شيخ من شيوخ هذه الطائفة مِمَّن لَهُ علوم التوحيد وإمامة الْقَوْم ألا وأئمة ذَلِكَ الوقت من الْعُلَمَاء استسلموا لِذَلِكَ الشيخ وتواضعوا لَهُ وتبركوا بِهِ ولولا مزية وخصوصية لَهُمْ وإلا كَانَ الأمر بالعكس هَذَا أَحْمَد بْن حنبل كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِي ﵄ فجاء شيبان الراعي.
فَقَالَ أَحْمَد: أريد يا أبا عَبْد اللَّهِ أَن أنبه هَذَا عَلَى نقصان علمه ليشتغل بتحصيل بَعْض العلوم.
فَقَالَ: الشَّافِعِي لا تفعل فلم يقنع.
فَقَالَ لشيبان: مَا تقول فيمن نسى صلاة من خمس صلوات فِي اليوم والليلة ولا يدري أي صلاة نسبها مَا الواجب عَلَيْهِ يا شيبان.
فَقَالَ شيبان: يا أَحْمَد هَذَا قلب غفل عَنِ اللَّه تَعَالَى فالواجب أَن يؤدب حَتَّى لا يغفل عَن مولاه بَعْد فغشى عَلَى أَحْمَد فلما أفاق قَالَ لَهُ الشَّافِعِي ﵀ ألم أقل لَك لا تحرك هَذَا وشيبان الراعي كَانَ أميا مِنْهُم فَإِذَا كَانَ الأمي مِنْهُم هكذا فَمَا الظن بأئمتهم وَقَدْ حكى أَن فقيها من أكابر الْفُقَهَاء كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي فِي جامع الْمَنْصُور وَكَانَ يقال لِذَلِكَ الفقيه: أَبُو عمران وَكَانَ تتعطل عَلَيْهِم حلقتهم لكلام الشبلي فسأل أَصْحَاب أَبِي عمران يوما الشبلي عَن مسألة فِي الحيض وقصدوا إخجاله فذكر مقالات النَّاس فِي تلك المسألة والخلاف فِيهَا فقام أَبُو عمران وقبل رأس الشبلي.
وَقَالَ: يا أبا بَكْر استفدت فِي هذه المسألة عشر مقالات لَمْ أسمعها وَكَانَ عندي من جملة مَا قُلْت ثلاثة أقاويل وقيل: أجتاز أَبُو الْعَبَّاس بْن سريج الفقيه بمجلس الجنيد رحمها اللَّه تَعَالَى فسمع كلامه فقيل لَهُ: مَا تقول فِي هَذَا الْكَلام.
فَقَالَ: لا أدري مَا يَقُول ولكني أرى لِهَذَا الْكَلام صولة ليست بصولة مبطل وقيل لعبد اللَّه بْن سَعِيد بْن كلاب: أَنْتَ تتكلم عَلَى كَلام كُل أحد وههنا رجل يقال لَهُ: الجنيد فانظر هل تعترض عَلَيْهِ أم لا فحضر حلقته
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فسأله الجنيد عَنِ التوحيد فأجابه فتحير عَبْد اللَّهِ.
وَقَالَ: أعد عَلِي مَا قُلْت، فأعاد لا بتلك العبارة فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: هَذَا شَيْء آخر لَمْ أحفظه تعيده عَلِي مرة أُخْرَى فأعاد بعبارة أُخْرَى.
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ: لَيْسَ يمكنني حفظ مَا تقول أمله عَلَيْنَا.
فَقَالَ: إِن كنت أجزته فأنا أميله.
فقام عَبْد اللَّهِ وَقَالَ بفضله واعتراف بعلو شأنه فَإِذَا كَانَ أصول هذه الطائفة أصح الأصول ومشايخهم أكبر النَّاس وعلماؤهم أعلم النَّاس فالمريد الَّذِي لَهُ إيمان بِهِمْ إِن كَانَ من أهل السلوك والتدرج إِلَى مقاصدهم فَهُوَ يساهم فِيهَا خصوا بِهِ من مكاشفات الغيب فلا يحتاج إِلَى التطفل عَلَى من هُوَ خارج عَن هذه الطائفة وإن كَانَ يريد طريقة الاتباع وليس بمستقل بحاله ويريد أَن يعرج فِي أوطان التقليد إِلَى أَن يصل إِلَى التحقيق فليقلد سلفه وليجر عَلَى طريقة هذه الطبقة فإنهم أولى بِهِ من غيرهم ولقد سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الشبلي يَقُول: مَا ظنك بعلم علم الْعُلَمَاء فِيهِ تهمة وسمعته يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَبِي عَلِي بْن مُحَمَّد المخرمي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول لو علمت أَن لِلَّهِ علما تَحْتَ أديم السماء أشرف من هَذَا العلم الَّذِي نتكلم فِيهِ مَعَ أَصْحَابنا وإخواننا لسعيت إِلَيْهِ ولقصدته وإذا أحكم المريد بينه وبين اللَّه تَعَالَى عقده فيجب أَن يحصل من علم الشريعة إِمَّا بالتحقيق وإما بالسؤال عَنِ الأئمة مَا يؤدي بِهِ فرضه وإن اختلف عَلَيْهِ فتاوى الْفُقَهَاء يأخذ بالأحوط ويقصد أبدا لخروج من الخلاف فَإِن الرخص فِي الشريعة للمستضعفين وأَصْحَاب الحوائج والأشغال وَهَؤُلاءِ الطائفة لَيْسَ لَهُمْ شغل سِوَى القيام بحقه سبحانه ولهذا قيل: إِذَا انحط الفقير عَن درجة الحقيقة إِلَى رخصة الشريعة فَقَدْ فسخ عقده مَعَ اللَّه تَعَالَى ونقض عهده فيما بينه وبين اللَّه تَعَالَى ثُمَّ يجب عَلَى المريد أَن يتأدب بشيخ فَإِن لَمْ يكن لَهُ أستاذ لا يفلح أبدا.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
هَذَا أَبُو يَزِيد يَقُول: من لَمْ يكن لَهُ أستاذ فإمامه الشَّيْطَان وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: الشجرة إِذَا نبتت بنفسها من غَيْر غارس فإنها تورق لكن لا تثمر كَذَلِكَ المريد إِذَا لَمْ يكن لَهُ أستاذ يأخذ منه طريقته نفسا فنفسا فَهُوَ عابد هواه لا يجد نفاذا ثُمَّ إِذَا أراد السلوك فبعد هذه الجملة يجب أَن يتوب إِلَى اللَّه سبحانه من كُل زلة فيدع جَمِيع الزلات سرها وجهرها وصغيرها وكبرها ويجتهد فِي إرضاء الخصوم أولا ومن لَمْ يرض خصومه لا يفلح لَهُ من هذه الطريقة بشيء وعلى هَذَا النحو جروا ثُمَّ بَعْد هَذَا يعمل فِي حذف العلائق والشواغل فَإِن بناء هَذَا الطريق عَلَى فراغ القلب وَكَانَ الشبلي يَقُول للحصري فِي ابتداء أمره إِن خطر ببالك من الجمعة إِلَى الجمعة الثَّانِيَة الَّتِي تأتيني فِيهَا غَيْر اللَّه تَعَالَى فحرام عليك أَن تحضرني وإذا أراد الخروج عَنِ العلائق فأولها الخروج عَنِ المال فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يميل بِهِ عَنِ الحق وَلَمْ يوجد مريد دَخَلَ فِي هَذَا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة عَن قريب إِلَى مَا منه خرج فَإِذَا خرج عَنِ المال فالواجب عَلَيْهِ الخروج عَنِ الجاه فَإِن ملاحظة الجاه مقطعة عظيمة وَمَا لَمْ يستو عِنْدَ المريد قبول الخلق وردهم لا يجيء منه شَيْء بَل أضر الأشياء لَهُ ملاحظة النَّاس إياه بعين الإثبات والتبرك بِهِ لإفلاس النَّاس عَن هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ بَعْد لَمْ يصحح الإرادة فكيف يصح أَن يتبرك بِهِ فخرجهم من الجاه واجب عَلَيْهِم، لأن ذَلِكَ سم قاتل لَهُمْ فَإِذَا خرج عَن ماله وجاهه فيجب أَن يصحح عقيدته بينه وبين اللَّه تَعَالَى وأن لا يخالف شيخه فِي كُل مَا يشير عَلَيْهِ، لأن الخلاف للمريد فِي ابتداء أمره عظيم الضرر، لأن ابتداء حاله دليل عَلَى جَمِيع عمره ومن شرطه أَن لا يَكُون لَهُ بقلبه اعتراض عَلَى شيخه فَإِذَا خطر ببال المريد أَن لَهُ فِي الدنيا والآخرة قدرا أَوْ قيمة أَوْ عَلَى بسيط الأَرْض أحدا دونه لَمْ يصح لَهُ فِي الإرادة قدم لأنه يجب أَن يجتهد ليعرف ربه لا ليحصل لنفسه قدرا وفرق بَيْنَ من يريد اللَّه تَعَالَى
وبين من يريد جاه نَفْسه إِمَّا فِي عاجله وإما فِي آجله ثُمَّ
[ ٢ / ٥٧٤ ]
يجب عَلَيْهِ حفظ سره حَتَّى عَن زره إلا عَن شيخه، ولو كتم نفسا من أنفاسه عَن شيخه فَقَدْ خانه فِي حق صحبته، ولو وقع لَهُ مخالفة فيما أشار عَلَيْهِ شيخه فيجب أَن يقر بِذَلِكَ بَيْنَ يديه فِي الوقت ثُمَّ يستسلم لما يحكم بِهِ عَلَيْهِ شيخه عقوبة لَهُ عَلَى جنايته ومخالفته إِمَّا بسفر يكلفه أَوْ أمر مَا يراه ولا يصح للشيوخ التجاوز عَن زلات المريدين، لأن ذَلِكَ تضييع لحقوق اللَّه تَعَالَى وَمَا لَمْ يتجرد عَن كُل علاقة لا يَجُوز لشيخه أَن يلقنه شَيْئًا من الأذكار بَل يجب أَن يقدم التجربة لَهُ فَإِذَا شهد قلبه للمريد بصحة العزم فحينئذ يشترط عَلَيْهِ أَن يرضى بِمَا يستقبله فِي هذه الطريقة من فنون تصاريف الْقَضَاء فيأخذ عَلَيْهِ العهد بأن لا ينصرف عَن هذه الطريقة بِمَا يستقبله من الضر والذل والفقر والأسقام والآلام وأن لا يجنح بقلبه إِلَى السهولة ولا يترخص عِنْدَ هجوم الفاقات وحصول الضرورات ولا يؤثر الدعة ولا يستشعر الكسل فَإِن وقفة المريد شر من فترته والفرق بَيْنَ الفترة والوقفة أَن الفترة رجوع عَنِ الإرادة وخروج منها فَإِذَا جربه شيخه فيجب عَلَيْهِ أَن يلقنه ذكر من الأذكار عَلَى مَا يراه شيخه فيأمر أَن يذكر ذَلِكَ الاسم بلسانه ثُمَّ يأمره أَن يسوى قلبه مَعَ لسانه ثُمَّ يَقُول لَهُ اثبت عَلَى استدامة هَذَا الذكر كأنك مَعَ ربك أبدا بقلبك ولا يجري عَلَى لسانك غَيْر هَذَا الاسم مَا أمكنك ثُمَّ يأمره أَن يَكُون أبدا فِي الظاهر عَلَى الطهارة وأن لا يَكُون نومه إلا غلبة وأن يقلل من غذائه عَلَى التدريج شَيْئًا بَعْد شَيْء حَتَّى يقوي عَلَى ذَلِكَ ولا يأمره أَن يترك عادته بمرة فَإِن فِي الْخَبَر إِن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ثُمَّ يأمره بإيثاره الخلوة والعزلة ويجعل اجتهاده فِي هذه الحالة لا محالة فِي نفي الخواطر الدنية والهواجس الشاغلة للقلب.
واعلم أَن فِي هذه الحالة قلما يخلو المريد فِي أوان خلوته فِي ابتداء إرادته من الوساوس فِي الاعتقاد لا سيما إِذَا كَانَ فِي المريد كياسة قلب وكل مريد لا تستقبله هذه الحالة فِي ابتداء إرادته
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وَهَذَا من الامتحانات الَّتِي تستقبل المريدين فالواجب عَلَى شيخه إِن رأى فِيهِ كياسة أَن يحيله عَلَى الحجج العقلية فَإِن بالعلم يتخلص لا محالة المتعرف مَا يعتريه من الوساوس وإن تفرس شيخه فِيهِ القوة والثبات فِي الطريقة أمره بالصبر واستدامة الذكر حَتَّى تسطع فِي قلبه أنوار القبول وتطلع فِي سره شموس الوصول وعن قريب يَكُون ذَلِكَ ولكن لا يَكُون هَذَا إلا لأفراد المريدين فأما الغالب فأن تكون معالجتهم بالرد إِلَى النظر وتأمل الآيات بشرط تحصيل علم الأصول عَلَى قدر الحاجة الداعية للمريد.
واعلم أَنَّهُ يَكُون للمريدين عَلَى الخصوص بلايا من هَذَا الباب وَذَلِكَ أنهم إِذَا خلوا فِي مواضع ذكرهم أَوْ كَانُوا فِي مجالس سماع أَوْ غَيْر ذَلِكَ يهجس فِي نفوسهم ويخطر ببالهم أشياء منكرة يتحققون أَن اللَّه سبحانه منزه عَن ذَلِكَ وليس تعتريهم شبهة فِي أَن ذَلِكَ باطل ولكن يدوم ذَلِكَ فيشتد تأذيهم بِهِ حَتَّى يبلغ ذَلِكَ حدا يَكُون أصعب شتم وأقبح قَوْل وأشنع خاطر بحيث لا يمكن المريد إجراء ذَلِكَ عَلَى اللسان وإبداؤه لأحد وَهَذَا أشد شَيْء يقع لَهُمْ، فالواجب عِنْدَ هَذَا ترك مبالاتهم بتلك الخواطر واستدامة الذكر والابتهال إِلَى اللَّه ﷿ باستدفاع ذَلِكَ وتلك الخواطر ليست من وساوس الشَّيْطَان وإنما هِيَ من هواجس النفس فَإِذَا قابلها العبد بترك المبالاة بِهَا ينقطع ذَلِكَ عَنْهُ ومن آداب المريد بَل من فرائض حاله أَن يلازم موضع إرادته وأن لا يسافر قبل أَن تقبله الطريق وقبل الوصول بالقلب إِلَى الرب فَإِن السفر للمريد فِي غَيْر وقته سم قاتل ولا يصل أحد مِنْهُم إِلَى مَا كَانَ يرجى لَهُ إِذَا سافر فِي غَيْر وقته وإذا أراد اللَّه بمريد خيرا ثبته فِي أول إرادته وإذا أراد اللَّه بمريد شرا رده إِلَى مَا خرج عَنْهُ من حرفته أَوْ حالته وإذا أراد اللَّه بمريد محنة شرده فِي مطارح غربته هَذَا إِذَا كَانَ المريد يصلح للوصول.
فأما إِذَا كَانَ شابا طريقته الخدمة فِي الظاهر بالنفس للفقراء وَهُمْ دونهم فِي هذه الطريقة رتبة فَهُوَ وأمثاله يكتفون بالترسم فِي الظاهر فينقطعون فِي الأسفار وغاية نصيبهم من هذه الطريقة حاجات يحصلونها وزيارات لمواضع يرتحل إِلَيْهَا
[ ٢ / ٥٧٦ ]
ولقاء شيوخ بظاهر سلام فيشاهدون الظواهر ويكتفون بِمَا فِي هَذَا الباب من السير فهؤلاء الواجب لَهُمْ دوام السفر حَتَّى لا تؤديهم الدعة إِلَى ارتكاب محظور فَإِن الشاب إِذَا وجد الراحة والدعة كَانَ فِي معرض الْفِتْنَة وإذا توسط المريد جمع الفقراء والأَصْحَاب فِي بدايته فَهُوَ مضر لَهُ جدا وإن امتحن واحد بِذَلِكَ فليكن سبيله احترام الشيوخ والخدمة للأَصْحَاب وترك الخلاف عَلَيْهِم والقيام بِمَا فِيهِ راحة فَقِير والجهد أَن لا يستوحش منه قلب شيخ ويجب أَن يَكُون فِي صحبته مَعَ الفقراء أبدا خصمهم عَلَى نَفْسه ولا يَكُون خصم نَفْسه عَلَيْهِم ويرى لكل واحد مِنْهُم عَلَيْهِ حقا واجبا، ولا يرى لنفسه واجبا عَلَى أحد، ويجب أَن لا يخالف المريد أحدا وإن علم أَن الحق مَعَهُ يسكت ويظهر الوفاق لكل أحد، وكل مريد يَكُون فِيهِ ضحك ولجاج ومماراة فَإِنَّهُ لا يجيء منه شَيْء، وإذا كَانَ المريد فِي جمع من الفقراء إِمَّا فِي سفر أَوْ حضر فينبغي أَن لا يخالفهم فِي الظاهر فِي أكل ولا صوم ولا سكون ولا حركة بَل يخالفهم بسره وقلبه فيحفظ قلبه مَعَ اللَّه ﷿ وإذا أشار عَلَيْهِ بالأكل مثلا يأكل لقمة أَوْ لقمتين ولا يعطى النفس شهوتها وليس من آداب المريدين كثرة الأوراد بالظاهر فَإِن الْقَوْم فِي مكابدة إخلاء خواطرهم ومعالجة أخلاقهم ونفي الغفلة عَن قلوبهم لا فِي تكثير أعمال البر الَّذِي لا بد لَهُمْ منه إقامة الفرائض والسنن الراتبة فأما الزيادات من الصلوات النافلة فاستدامة الذكر بالقلب أتم لَهُمْ ورأس مال المريد الاحتمال عَن كُل أحد بطيبة النفس وتلقى مَا يستقبله بالرضا والصبر عَلَى الضر والفقر وترك السؤال والمعارضة فِي القليل والكثير فيما هُوَ حظ لَهُ ومن لَمْ يصبر عَلَى ذَلِكَ فليدخل السوق فَإِن من اشتهى مَا يشتهيه النَّاس فالواجب أَن يحصل شهوته من حيث يحصلها النَّاس
من كد اليمين وعرق الجبين، وإذا التزم المريد استدامة الذكر وآثر الخلوة فَإِن وجد فِي خلوته مَا لا يجده قبله إِمَّا فِي النوم
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وإما فِي اليقظة أَوْ بَيْنَ اليقظة والنوم من خطاب يسمع أَوْ معنى يشاهد مِمَّا يَكُون نقضا للعادة فينبغي أَن لا يشتغل بِذَلِكَ ألبته ولا يسكن إِلَيْهِ ولا ينبغي أَن ينتظر حصول أمثال ذَلِكَ فَإِن ذَلِكَ كُلهُ شواغل عَنِ الحق سبحانه ولا بد لَهُ فِي هذه الأحوال من وصف ذَلِكَ لشيخه حَتَّى يصير قلبه فارغا عَن ذَلِكَ ويجب عَلَى شيخه أَن يحفظ عَلَيْهِ سره فيكتم عَن غيره أمره ويصغر ذَلِكَ فِي عينه فَإِن ذَلِكَ كُلهُ اختبارات والمساكنة إِلَيْهَا مكر فليحذر المريد عَن ذَلِكَ وعن ملاحظتها وليجعل همته فَوْقَ ذَلِكَ، واعلم أَن أضر الأشياء بالمريد استئناسه بِمَا يلقي إِلَيْهِ فِي سره من تقريبات الحق سبحانه لَهُ ومنته عَلَيْهِ بأني خصصتك بِهَذَا وأفردتك عَن أشكالك فَإِنَّهُ لو قَالَ بترك هَذَا فعن قريب سيختطف عَن ذَلِكَ مِمَّا يبدو لَهُ من مكاشفات الحقيقة وشرح هذه الجملة بإثباته فِي الكتب معتذر ومن أحكام المريد إِذَا لَمْ يجد من يتأدب بِهِ فِي موضعه أَن يهاجر إِلَى من هُوَ منصوب فِي وقته لإرشاد المريدين ثُمَّ يقيم عَلَيْهِ ولا يبرح عَن سدته إِلَى وقت الإذن.
واعلم أَن تقديم معرفة رب الْبَيْت عَلَى زيارة الْبَيْت واجب فلولا معرفة رب الْبَيْت مَا وجبت زيارة الْبَيْت والشبان الَّذِينَ يخرجون إِلَى الحج من هَؤُلاءِ الْقَوْم من غَيْر إشارة الشيوخ فَهِيَ بدلالات نشاط النفوس فَهُمْ متوسمون بِهَذِهِ الطريقة وليس سفرهم عَلَى أصل والذي يدل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لا يزداد سفرهم إلا وتزداد تفرقة قلوبهم فلو أنهم ارتحلوا من عِنْدَ أنفسهم بخطوة لكان أحظى لَهُمْ من ألف سفرة
[ ٢ / ٥٧٨ ]
ومن شرط المريد إِذَا أراد شيخا أَن يدخل عَلَيْهِ بالحرمة وينظر إِلَيْهِ بالحشمة فَإِن أهله الشيخ لشيء من الخدمة عد ذَلِكَ من جزيل النعمة.
فصل ولا ينبغي للمريد أَن يعتقد فِي المشايخ العصمة بَل الواجب أَن يذرهم وأحوالهم فيحسن بِهِم الظن ويراعي مَعَ اللَّه تَعَالَى حده فيما يتوجه عَلَيْهِ من الأمر والعلم كافيه فِي التفرقة بَيْنَ مَا هُوَ محمود وَمَا هُوَ معلول.
فصل وكل مريد بقى فِي قلبه لشيء من عروض الدنيا مقدار وخطر قاسم الإرادة لَهُ مجاز وإذا بقى فِي قلبه اختيار فيما يخرج عَنْهُ من معلومه فيريد أَن يخص بِهِ نوعا من أنواع البر أَوْ شخصا دُونَ شخص فَهُوَ متكلف فِي حاله وبالخطر أَن يعود سريعا إِلَى الدنيا، لأن قصد المريد فِي حذف العلائق الخروج منها لا السعي فِي أعمال البر وقبيح بالمريد أَن يخرج من معلومه من رأس ماله وقنيته ثُمَّ يَكُون أسير حرفة وينبغي أَن يستوي عنده وجود ذَلِكَ وعدمه حَتَّى لا ينافر لأجله فقيرا ولا يضايق بِهِ أحد ولو مجوسيا.
فصل وقبول قلوب المشايخ للمريد أصدق شاهد لسعادته ومن رده قلب شيخ من الشيوخ فلا محالة يرى غب ذَلِكَ ولو بَعْد حِينَ ومن خذل بترك حرمة الشيوخ فَقَدْ أظهر رقم شقاوته وَذَلِكَ لا يخطى.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فصل ومن أصعب الآفات فِي هذه الطريقة صحبة الأحداث ومن ابتلاه اللَّه تَعَالَى بشيء من ذَلِكَ فبإجماع الشيوخ ذَلِكَ عَبْد إهانة اللَّه ﷿ وخذله بَل عَن نَفْسه شغله ولو بألف ألف كرامة أهله وهب أَنَّهُ بلغ رتبة الشهداء لما فِي الْخَبَر تلويح بِذَلِكَ أليس قَدْ شغل ذَلِكَ القلب بمخلوق وأصعب من ذَلِكَ تهوين ذَلِكَ عَلَى القلب حَتَّى يعود ذَلِكَ يسيرا وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وَهَذَا الواسطي ﵀ يَقُول: إِذَا أراد اللَّه هوان عَبْد ألقاه إِلَى هَؤُلاءِ الأنتان والجيف سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد النجار يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الحصري يَقُول: سمعت فتحا الموصلي يَقُول: صحبت ثلاثين شيخا كَانُوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عِنْدَ فراقي إياهم وَقَالُوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم ومن ارتقى فِي هَذَا الباب عَن حالة الفسق وأشار إِلَى أَن ذَلِكَ من بلاء الأرواح وأنه لا يضر وَمَا قالوه من وساوس القائلين بالشاهد وإيراد حكايات عَن بَعْض الشيوخ لما كَانَ الأولى بِهِمْ إسبال الستر عَلَى هناتهم وآفاتهم فذلك نظير الشرك وقرين الكفر فليحذر المريد من مجالسة الأحداث ومخالطتهم فَإِن اليسير منه فتح بَاب الخذلان وبدء حال الهجران ونعوذ بالله من قضاء السوء.
فصل ومن آفات المريد مَا يتداخل النفس من خفي الحسد للإخوان والتأثر بِمَا يفرد اللَّه ﷿ بِهِ أشكاله من هذه الطريقة وحرمانه إياه ذَلِكَ
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وليعلم أَن الأمور قسم وإنما يتخلص العبد عَن هَذَا باكتفائه بوجود الحق وقدمه عَن مقتضى جوده ونعمه فَكُل من رأيت أيها المريد قدم الحق سبحانه رتبته فاحمل أَنْتَ غاشيته فَإِن الظرفاء من القاصدين عَلَى ذَلِكَ استمرت سنتهم.
فصل واعلم أَن من حق المريد إِذَا اتفق وقوعه فِي جَمِيع إيثار الكل بالكل فيقدم الجائع والشبعان عَلَى نَفْسه ويتلمذ لكل من أظهر عَلَيْهِ التشيخ وإن كَانَ هُوَ أعلم منه ولا يصل إِلَى ذَلِكَ إلا بتبريه عَن حوله وقوته وتوصله إِلَى ذَلِكَ بطول الحق ومنته.
فصل وَأَمَّا آداب المريد فِي السماع فالمريد لا تسلم لَهُ الحركة فِي السماع بالاختيار البتة فَإِن ورد عَلَيْهِ وارد حركة وَلَمْ يكن فِيهِ فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر فَإِذَا زالت الغلبة يجب عَلَيْهِ القعود والسكون فَإِن استدام الحركة مستجلبا للوجد من غَيْر غلبة وضرورة لَمْ يصح فَإِن تعود ذَلِكَ يبقى متخلفا لا يكاشف بشيء من الحقائق فغاية أحواله حينئذ أَن يطيب قلبه وَفِي الجملة أَن الحركة تأخذ من كُل متحرك وتنقص من حاله مريدا كَانَ أَوْ شيخا إلا أَن يَكُون بإشارة من الوقت أَوْ غلبة تأخذ عَنِ التمييز فَإِن كَانَ مريدا أشار عَلَيْهِ الشيخ بالحركة فتحرك عَلَى إشارته فلا بأس إِذَا كَأَنَّهُ الشيخ مِمَّن لَهُ حكم عَلَى أمثاله وَأَمَّا إِذَا أشار عَلَيْهِ الفقراء بالمساعدة فِي الحركة فيساعدهم فِي القيام وَفِي أداء مالا يجد منه بدا مِمَّا يراعى عَنِ الاستيحاش لقلوبهم ثُمَّ إِن صدقه فِي حاله يمنع قلوب الفقراء من سؤالهم عِنْدَ المساعدة معهم
[ ٢ / ٥٨١ ]
وَأَمَّا طرح الخرقة فحق المريد أَن لا يرجع فِي شَيْء خرج منه ألبته، اللَّهُمَّ إلا أَن يشير إِلَيْهِ شيخ بالرجوع فِيهِ فيأخذه عَلَى نية العارية بقلبه ثُمَّ يخرج عَنْهُ بعده من غَيْر أَن يستوحش قلب ذَلِكَ الشيخ وإذا وقع بَيْنَ قوم عادتهم طرح الخرق وعلم أنهم يَرْجِعُونَ فِيهَا فَإِن لَمْ يكن فيهم شيخ تجب حشمته وحرمته وَكَانَ طريق هَذَا المريد أَن لا يعود فِي الحرقة فالأحسن أَن يساعدهم فِي الطرح ثُمَّ يؤثر بِهِ القوال إِذَا رجعوا هُمْ فِيهَا ولو لَمْ يطرح فَإِنَّهُ يَجُوز إِذَا علم من عادة الْقَوْم أنهم يعودون فيما طرحوا فَإِن القبيح إِنَّمَا هُوَ سنتهم فِي العودة إِلَى الخرق لا فِي مخالفته لَهُمْ عَلَى أَن الأولى الطرح عَلَى الموافقة ثُمَّ ترك الرجوع فِيهِ ولا يسلم للمريد البتة عَنِ التقاضي عَنِ القول، لأن صدق حاله يحمل القول عَلَى التكرار ويحمل غيره عَلَى الاقتضاء ومن تبرك بمريد فَقَدْ جار عَلَيْهِ لأنه يضره لقلة قوته فالواجب عَلَى المريد ترك تربية الجاه عِنْدَ من قَالَ بتركه وإثباته.
فصل وإن ابتلى مريد بجاه أَوْ معلوم أَوْ صحبة حدث أَوْ ميل إِلَى امْرَأَة أَوِ استنامة إِلَى معلوم وليس هناك شيخ يدله عَلَى حاله يتخلص من ذَلِكَ فعند ذَلِكَ حل لَهُ السفر والتحول عَن ذَلِكَ الموضع ليشوش عَلَى نَفْسه تلك الحالة ولا شَيْء أضر لقلوب المريدين من حصول الجاه لَهُمْ قبل خمود بشريتهم ومن آداب المريد أَن لا يسبق علمه هذه الطريقة منازلته فَإِنَّهُ إِذَا تعلم سير هذه الطائفة وتكلف الوقوف عَلَى معرفة مسائلهم وأحوالهم قبل تحققه بِهَا بالمنازلة والمعاملة بَعْد وصوله إِلَى هذه المعاني ولهذا قَالَ المشايخ: إِذَا حدث العارف عَنِ المعارف فجهلوه فَإِن الأخبار عَنِ التنازل دُونَ المعارف، ومن غلب علمه منازلته فَهُوَ صاحب علم لا صاحب سلوك.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فصل ومن آداب المريدين أَن لا يتعرضوا للتصدر، وأن يَكُون لَهُمْ تلميذا ومريدا فَإِن المريد إِذَا صار مرادا قبل خمود بشريته وسقوط آفته فَهُوَ محجوب عَنِ الحقيقة لا تنفع أحدا إشارته وتعليمه.
فصل وإذا خدم المريد الفقراء فخواطر الفقراء رسلهم إِلَيْهِ فلا ينبغي أَن يخالف المريد مَا حكم باطنه عَلَيْهِ من الخلوص فِي الخدمة وبذلك الوسع والطاقة.
فصل ومن شأن المريد إِذَا كَانَ طريقته خدمة الفقراء الصبر عَلَى جفاء الْقَوْم مَعَهُ وأن يعتقد أَنَّهُ يبذل روحه فِي خدمتهم ثُمَّ لا يحمدون أثرا فيعتذر من تقصيره ويقر بالجناية عَلَى نَفْسه تطييبا لقلوبهم وإن علم أَنَّهُ بريء الساحة إِذَا زادوه فِي الجفاء فيجب أَن يزيدهم فِي الخدمة والبر.
سمعت الإِمَام أبا بَكْر بْن فورك يَقُول: إِن فِي المثل إِذَا لَمْ تصبر عَلَى المطرقة فلماذا كنت سندانا، وَفِي معناه أنشدوا:
رُبَّمَا جئته لأسلفه العذر لبعض الذنوب قبل التجني
فصل وبناء هَذَا الأمر وملاكه عَلَى حفظ آداب الشريعة وصون اليد عَنِ المد إِلَى الحرام والشبهة وحفظ الحواس عَنِ المحظورات وعد الأنفاس مَعَ اللَّه تَعَالَى عَنِ الغفلات وأن لا يستحل مثلا سمسمه فِيهَا شبهة فِي أوان الضرورات فكيف عِنْدَ الاختيار ووقت الراحات.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ومن شأن المريد دوام المجاهدة فِي ترك الشهوات فَإِن من وافق شهوته عدم صفوته، وأقبح الخصال بالمريد رجوعه إِلَى شهوة تركها لِلَّهِ تَعَالَى.
فصل ومن شأن المريد حفظ عهوده مَعَ اللَّه تَعَالَى فَإِن نقض العهد فِي طريق الإرادة كالردة عَنِ الدين لأهل الظاهر، ولا ينبغي للمريد أَن يعاهد اللَّه تَعَالَى عَلَى شَيْء باختيار مَا أمكنه فَإِن فِي لوازم الشرع مَا يستوفى منه كُل وسع.
قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صفة قوم: ﴿ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] .
فصل ومن شأن المريد قصر الأمل فَإِن الفقير ابْن وقته فَإِذَا كَانَ لَهُ تدبير فِي المستقبل وتطلع لغير مَا هُوَ فِيهِ من الوقت، وأمل فيما يستأنفه لا يجيء منه شَيْء.
فصل ومن شأن المريد أَن لا يَكُون لَهُ معلوم وإن قل لا سيما بَيْنَ الفقراء فَإِن ظلمة المعلوم تطفئ نور الوقت.
فصل ومن شأن المريد بَل من طريقة سالكي هَذَا المذهب ترك قبول رفق النسوان فكيف التعرض لاستجلاب ذَلِكَ، وعلى هَذَا درج شيوخهم وبذلك نفذت وصاياهم، ومن استصغر هَذَا فعن قريب يلقي مَا يفتضح فِيهِ.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
فصل ومن شأن المريد التباعد عَن أبناء الدنيا فَإِن صحبتهم سم مجرب، لأنهم ينتفعون بِهِ وَهُوَ ينتقص بِهِمْ.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] وأن الزهاد يخرجون المال عَنِ الكيس تقربا إِلَى اللَّه تَعَالَى وأهل الصفاء يخرجون الخلق والمعارف من القلب تحققا بالله تَعَالَى.
قَالَ الأستاذ الإِمَام أَبُو القاسم عَبْد الكريم بْن هواز القشيري: فَهَذِهِ وصيتنا إِلَى المريدين، نسأل اللَّه الكريم لَهُم التوفيق وأن لا يجعلها وبالا عَلَيْنَا، وَقَدْ نجز لنا إملاء هذه الرسالة فِي أوائل سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة نسأل اللَّه الكريم أَن لا يجعلها حجة عَلَيْنَا ووبالا بَل تكون لنا وسيلة ونوالا، إِن الفضل منه مألوف، وَهُوَ بالعفو موصوف.
[ ٢ / ٥٨٥ ]