اعلموا رحمكم اللَّه تَعَالَى أَن الْمُسْلِمِينَ بَعْد رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يتسم أفاضلهم فِي عصرهم بتسمية علم سِوَى صحبة رَسُول اللَّهِ ﷺ إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لَهُمْ: الصَّحَابَة، ولما أدركهم أهل العصر الثَّانِي سمى من صحب الصَّحَابَة التابعين، ورأوا ذَلِكَ أشرف سمة ثُمَّ قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثُمَّ أختلف النَّاس وتباينت المراتب، فقيل لخواص النَّاس مِمَّن لَهُمْ شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ثُمَّ ظهرت البدع وحصل التداعي بَيْنَ الفرق فَكُل فريق أدعوا أَن فيهم زهدا، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مَعَ اللَّه تعالي الحافظون قلوبهم عَن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هَذَا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.
ونحن نذكر فِي هَذَا الباب أسامي جَمَاعَة من شيوخ هذه الطريقة من الطبقة الأولى إِلَى وقت المتأخرين مِنْهُم، وتذكر جملا من سيرهم وأقاويلهم بِمَا يَكُون فِيهِ تنبيه عَلَى أصولهم وآدابهم إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
[ ١ / ٣٤ ]
فمنهم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن أدهم بْن مَنْصُور من كورة بلخ رَضِيَ اللَّهُ تعالي عَنْهُ كَانَ من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أَوْ أرنبا وَهُوَ فِي طلبه فهتف بِهِ هاتف: يا إِبْرَاهِيم، ألهذا خلقت أم بِهَذَا أمرت؟ ثُمَّ هتف بِهِ أَيْضًا من قربوس سرجه والله مَا لِهَذَا خلقت ولا بِهَذَا أمرت، فنزل عَن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة للراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وَمَا مَعَهُ، ثُمَّ إنه دَخَلَ البادية ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة وصحب بِهَا سُفْيَان الثَّوْرِي والفضيل بْن عياض، ودخل الشام وَمَاتَ بِهَا وَكَانَ يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين وغير ذَلِكَ، وأنه رأى فِي البادية رجلا علمه اسم اللَّه الأعظم، فدعا بِهِ بعده فرأى الخضر ﵇، وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا علمك أَخِي دَاوُد اسم اللَّه الأعظم.
[ ١ / ٣٥ ]
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْن عَلِي بْن مُحَمَّد الْمِصْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الخراز، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن بشار، قَالَ: صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم، فَقُلْتُ: خبرني عَن بدء أمرك فذكر هَذَا.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم كبير الشأن فِي بَاب الورع.
يحكي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أطب مطعمك ولا حرج عليك أَن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار، وقيل: كَانَ عامة دعائه اللَّهُمَّ انقلني من ذل معصيتك إِلَى عز طاعتك.
وقيل: لإبراهيم بْن أدهم: إِن اللحم قَدْ غلا، فَقَالَ: أرخصوه أي لا تشتروه، وأنشد فِي ذَلِكَ:
وإذا غلا شَيْء عَلَي تركته فيكون أرخص مَا يَكُون إذ غلا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ تعالي، قَالَ: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد، يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن خضرويه، يَقُول: قَالَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم لرجل فِي الطواف: اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حَتَّى تجوز ست عقبات: أولاها: تغلق بَاب النعمة وتفتح بَاب الشدة، وَالثَّانِيَة: تغلق بَاب العز وتفتح بَاب الذل، والثالثة: تغلق بَاب الراحة وتفتح بَاب الجهد، والرابعة: تغلق بَاب النوم وتفتح بَاب السهر، والخامسة: تغلق بَاب الغنى وتفتح بَاب الفقر، والسادسة: تغلق بَاب الأمل وتفتح بَاب الاستعداد للموت.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن أدهم يحفظ كرما فمر بِهِ جندي، فَقَالَ: أعطنا من هَذَا العنب، فَقَالَ: أمرني بِهِ صاحبه،
[ ١ / ٣٦ ]
فأخذ يضربه بسوطه فطأطأ رأسه، وَقَالَ: اضرب رأسا طالما عصى اللَّه فأعجز الرجل ومضي.
وَقَالَ سهل بْن إِبْرَاهِيم صحبت إِبْرَاهِيم بْن أدهم: فمرضت فأنفق عَلِي نفقته، فاشتهيت شهوة، فباع حماره، وأنفق عَلِي ثمنه، فلما تماثلت، قُلْت: يا إِبْرَاهِيم، أين الحمار؟ فَقَالَ: بعناه، فَقُلْتُ: فعلى ماذا أركب؟ فَقَالَ: يا أَخِي عَلَى عنقي، فحملني ثَلاث منازل.
[ ١ / ٣٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو الفيض ذو النون الْمِصْرِي واسمه ثوبان بْن إِبْرَاهِيم، وقيل: الفيض بْن إِبْرَاهِيم وأبوه كَانَ نوبيا توفى سنة خمس وأربعين ومائتين فائق هَذَا الشأن وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا سعوا بِهِ إِلَى المتوكل فاستحضره من مصر فلما دَخَلَ عَلَيْهِ وعظه فبكي المتوكل ورده إِلَى مصر مكرما، وَكَانَ المتوكل إِذَا ذكر بَيْنَ يديه أهل الورع يبكي وَيَقُول: إِذَا ذكر أهل الورع فحيهلا بذي النون، وَكَانَ رجلا نحيفا تعلوه حمرة لَيْسَ بأبيض اللحية.
سمعت أَحْمَد بْن محمود، يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان، يَقُول: سمعت ذا النون، يَقُول: مدار الْكَلام عَلَى أربع: حب الجليل وبغض القليل واتباع التنزيل وخوف التحويل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀، يَقُول: سمعت سَعِيد بْن أَحْمَد بْن جَعْفَر، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سهل، يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عُثْمَان، يَقُول: سمعت ذا النون الْمِصْرِي، يَقُول: من علامات المحب لِلَّهِ ﷿ متابعة حبيب اللَّه ﷺ فِي أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه.
[ ١ / ٣٨ ]
وسئل ذو النون عَنِ السفلة، فَقَالَ: من لا يعرف الطريق إِلَى اللَّه ولا يتعرفه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان، يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن، يَقُول: حضرت مجلس ذي النون يوما وجاءه سالم المغربي، فَقَالَ لَهُ: يا أبا الفيض، مَا كَانَ سبب توبتك؟ قَالَ: عجب لا تطيقه، قَالَ: بمعبودك إلا أخبرتني، فَقَالَ ذو النون: أردت الخروج من مصر إِلَى بَعْض القرى فنمت فِي الطريق فِي بَعْض الصحارى ففتحت عيني فَإِذَا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها عَلَى الأَرْض فانشقت الأَرْض فخرج منها سكرجتان، إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وَفِي إحداهما سمسم، وَفِي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هَذَا وتشرب من هَذَا فَقُلْتُ: حسبي قَدْ تبت ولزمت الباب إِلَى أَن قبلني اللَّه ﷿ سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن عُمَر الحافظ يَقُول: سمعت ابْن رشيق يَقُول: سمعت أبا دجانة يَقُول: سمعت ذا النون يَقُول: لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما.
وسئل ذو النون عَنِ التوبة فَقَالَ: توبة العوام تكون من الذنوب وتوبة الخواص تكون من الغفلة.
[ ١ / ٣٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى الفضيل بْن عياض خراساني من ناحية مرو وقيل: إنه ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد مَات بمكة فِي المحرم سنة سبع وثمانين ومائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن عَبْد اللَّهِ العسكري قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أخي أَبِي ذرعة قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن راهويه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عمار عَنِ الفضيل بْن موسي، قَالَ: كَانَ الفضيل شاطرا يقطع الطريق بَيْنَ أبيورد وسرخس وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ عشق جارية، فبينما هُوَ يرتقى الجدران إِلَيْهَا سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فَقَالَ: يا رب، قَدْ آن، فرجع فآواه الليل إِلَى خربة، فَإِذَا فِيهَا رفقة، فَقَالَ بَعْضهم: نرتحل، وَقَالَ قوم: حَتَّى نصبح، فَإِن فضيلا عَلَى الطريق يقطع عَلَيْنَا، فتاب الفضيل وأمنهم وجاور الحرم حَتَّى مَات.
وَقَالَ الفضيل بْن عياض: إِذَا أحب اللَّه عبدا أَكْثَر غمه، وإذا أبغض عبدا وسع عَلَيْهِ دنياه.
وَقَالَ ابْن المبارك: إِذَا مَات الفضيل ارتفع الحزن.
[ ١ / ٤٠ ]
وَقَالَ الفضيل: لو أَن الدنيا بحذافيرها عرضت عَلَى ولا أحاسب بِهَا لكنت أتقذرها كَمَا يتقذر أحدكم الجيفة إِذَا مر بِهَا أَن تصيب ثوبه.
وَقَالَ الفضيل: لو حلفت أنى مراء أحب إلي من أَن أحلف أنى لست بمراء.
وَقَالَ الفضيل: ترك العمل لأجل النَّاس هُوَ الرياء، والعمل لأجل النَّاس هُوَ الشرك.
وَقَالَ أَبُو عَلَى الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة مَا رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يَوْم مَات ابنه عَلَى، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِن اللَّه أحب أمرا فأحببت ذَلِكَ.
وَقَالَ الفضيل: إني لأعصي اللَّه، فأعرف ذَلِكَ فِي خلق حماري وخادمي.
[ ١ / ٤١ ]
وَمِنْهُم أَبُو محفوظ معروف بْن فيروز الكرخي كَانَ من المشايخ الكبار مجاب الدعوة يستشفي بقبره، يَقُول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب وَهُوَ من موالي عَلِي بْن موسي الرضا ﵁، مَات سنة مائتين، وقيل: سنة إحدى ومائتين، وَكَانَ أستاذ السري السقطي، وَقَدْ قَالَ لَهُ يوما: إِذَا كانت لَك حاجة إِلَى اللَّه فأقسم عَلَيْهِ بي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول: كَانَ معروف الكرخي أبواه نصرانيان فسلموا معروفا إِلَى مؤديهم وَهُوَ صبي فكان المؤدب يَقُول لَهُ: قل: ثالث ثلاثة، فَيَقُول: بَل هُوَ واحد فضربه المعلم يوما ضربا مبرحا، فهرب معروف فكان أبواه، يقولان: ليته يرجع إلينا عَلَى أي دين يشاء فنوافقه عَلَيْهِ، ثُمَّ إنه أسلم عَلَى يدي عَلِي بْن موسي الرضا ورجع إِلَى منزله ودق الباب، فقيل: من بالباب؟ فَقَالَ: معروف، فَقَالُوا: عَلَى أي دين جئت؟ فَقَالَ: عَلَى الدين الحنيفي، فأسلم أبواه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحربي يقول: سمعت سريا السقطي، يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم كَأَنَّهُ تَحْتَ العرش فَيَقُول اللَّه ﷿ لملائكته: من هَذَا؟ فيقولون: أَنْتَ أعلم يا رب،
[ ١ / ٤٢ ]
فَيَقُول: هَذَا معروف الكرخي سكر من حبي فلا يفيق إلا بلقائي.
وَقَالَ معروف: قَالَ لي بَعْض أَصْحَاب دَاوُد الطائي: إياك أَن تترك العمل، فَإِن ذَلِكَ الَّذِي يقربك إِلَى رضا مولاك، فَقُلْتُ: وَمَا ذَلِكَ العمل؟ فَقَالَ: دوام طاعة ربك وخدمة الْمُسْلِمِينَ والنصيحة لَهُمْ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد الدلال يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَبِي، يَقُول: رأيت معروفا الكرخي فِي النوم بَعْد موته، فَقُلْتُ لَهُ: ماذا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي، فَقُلْتُ: بزهدك وورعك؟ فَقَالَ: لا بقبولي موعظة ابْن السماك ولزوم الفقر ومحبتي للفقراء، وموعظة ابْن السماك مَا قاله معروف كنت مارا بالكوفة، فوفقت عَلَى رجل، يقال لَهُ: ابْن السماك وَهُوَ يعظ النَّاس، فَقَالَ فِي خلال كلامه: من أعرض عَنِ اللَّه بكليته أعرض اللَّه عَنْهُ جملة، ومن أقبل عَلَى اللَّه بقلبه أقبل اللَّه برحمته إِلَيْهِ،، وأقبل بجميع وجوه الخلق إِلَيْهِ، ومن كَانَ مرة ومرة فالله يرحمه وقتا مَا، فوقع كلامه فِي قلبي، فأقبلت عَلَى اللَّه تعالي، وتركت جَمِيع مَا كنت عَلَيْهِ إلا خدمة مولاي عَلِي بْن موسي الرضا، وذكرت هَذَا الْكَلام لمولاي، فَقَالَ: يكفيك بِهَذَا موعظة إِن اتعظت، أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: سمعت عَبْد الرحيم بْن عَلِيّ الحافظ ببغداد، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر بْن الفضل، يَقُول: سمعت عَلِي بْن عيسى، يَقُول: سمعت سريا السقطي، يَقُول: سمعت معروفا، يَقُول ذَلِكَ، وقيل لمعروف فِي مرض موته: أوص،
[ ١ / ٤٣ ]
فَقَالَ: إِذَا مت فتصدقوا بقميصي، فأنى أريد أَن أخرج من الدنيا عريانا كَمَا دخلتها عريانا، ومر معروف بسقاء، يَقُول: رحم اللَّه من يشرب وَكَانَ صائما فتقدم، فشرب، فقيل لَهُ: ألم تكن صائما؟، فَقَالَ: بلى، ولكني رجوت دعاءه.
[ ١ / ٤٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ سري بْن المغلس السقطي خال الجنيد وأستاذه، وَكَانَ تلميذ معروف الكرخي، كَانَ أوحد زمانه فِي الورع وأحوال السنة وعلوم التوحيد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي الطوسي، يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن علوان، يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس بْن مسروق، يَقُول: بلغني أَن السري السقطي كَانَ يتجر فِي السوق وَهُوَ من أَصْحَاب معروف الكرخي، فجاءه معروف يوما ومعه صبي يتيم، فَقَالَ: اكس هَذَا اليتيم، قَالَ سرى: فكسوته ففرح بِهِ معروف، وَقَالَ: بغض اللَّه إليك الدنيا وأراحك مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، فقمت من الحانوت وليس شَيْء أبغض إِلَى من الدنيا وكل مَا أنا فِيهِ من بركات معروف.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: مَا رأيت أعبد من السري أتت عَلَيْهِ ثمان وتسعون سنة مَا رؤي مضطجعا إلا فِي علة الْمَوْت.
ويحكي عَنِ السري، أَنَّهُ قَالَ: التصوف اسم لثلاث معان، وَهُوَ الَّذِي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه،
[ ١ / ٤٥ ]
ولا يتكلم بباطن فِي علم ينقضه عَلَيْهِ ظاهر الكتاب أَوِ السنة، ولا تحمله الكرامات عَلَى هتك أستار محارم اللَّه.
مَات السري سنة سبع وخمسين ومائتين.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يحكي عَنِ الجنيد ﵀ أَنَّهُ قَالَ: سألني السري يوما عَنِ المحبة فَقُلْتُ: قَالَ قوم: هِيَ الموافقة وَقَالَ قوم: الإيثار.
وَقَالَ قوم: كَذَا وكذا، فأخذ السري جلدة ذراعه ومدها فلم تمتد، ثُمَّ قَالَ: وعزته تَعَالَى لو قُلْت: إِن هذه الجلدة يبست عَلَى هَذَا العظم من محبته لصدقت، ثُمَّ غشي عَلَيْهِ فدار وجهه كَأَنَّهُ قمر مشرق وَكَانَ السري بِهِ أدمة.
ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: منذ ثلاثين سنة أنا فِي الاستغفار من قولي الحمد لِلَّهِ مرة قيل: وكيف ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجل فَقَالَ لي: نجا حانوتك، فَقُلْتُ: الحمد لِلَّهِ فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم عَلَى مَا قُلْت: حيث أردت لنفسي خيرا مِمَّا حصل للمسلمين.
أخبرني بِهِ عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ، قَالَ: سمعت أبا بَكْر الرازي، يَقُول: سمعت أبا بَكْر الحريري، يَقُول: سمعت السري يَقُول ذَلِكَ.
ويحكى عَنِ السري أَنَّهُ قَالَ: أنا أنظر فِي أنفى فِي اليوم كَذَا وكذا مرة مخافة أَن يَكُون قَدْ أسود خوفا من اللَّه أَن يسود صورتي لما أتعاطاه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن الخشاب، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير، يَقُول: سمعت الجنيد، يَقُول: سمعت السري، يَقُول: أعرف طريقا مختصرا قصدا إِلَى الْجَنَّة، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ .
فَقَالَ: لا تسأل من أحد شَيْئًا ولا تأخذ من أحد شَيْئًا ولا يكن معك شَيْء تعطي منه أحدا.
[ ١ / ٤٦ ]
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي، يَقُول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير، يَقُول: سمعت الجنيد بْن مُحَمَّد، يَقُول: سمعت السري، يَقُول: أشتهي أَن أموت ببلد غَيْر بغداد، فقيل لَهُ: وَلَمْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أخاف أَن لا يقبلني قبري فافتضح.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي، يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن بْن عَبْد اللَّهِ الغوطي الطرسوسي، يَقُول: سمعت الجنيد، يَقُول: سمعت السري، يَقُول: اللَّهُمَّ مهما عذبتني بشيء، فلا تعذبني بذل الحجاب.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: دخلت يوما عَلَى السري السقطي وَهُوَ يبكي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: جاءتني البارحة الصبية، فَقَالَتْ: يا أبتي هذه الليلة حارة وَهَذَا الكوز أعلقه هاهنا، ثُمَّ إني حملتني عيناي فنمت، فرأيت جارية من أَحْسَن الخلق قَدْ نزلت من السماء، فَقُلْتُ: لمن أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: لمن لا يشرب الماء المبرد فِي الكيزان، فتناولت الكوز فضربت بِهِ الأَرْض فكسرته، قَالَ الجنيد: فرأيت الخزف لَمْ يرفعه وَلَمْ يمسه حَتَّى عفا عَلَيْهِ التراب.
[ ١ / ٤٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو نصر بشر بْن الْحَارِث الحافي أصله من مرو وسكن بغداد وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ ابْن أخت عَلِي بْن خشرم، مَات سنة سبع وعشرين ومائتين وَكَانَ كبير الشأن، وَكَانَ سبب توبته أَنَّهُ أصاب فِي الطريق كاغدة مكتوبا فِيهَا اسم اللَّه ﷿ قَدْ وطئتها الأقدام فأخذها واشترى بدرهم كَانَ مَعَهُ غالية فطيب بِهَا الكاغدة وجعلها فِي شق حائط، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا، يَقُول لَهُ: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبن اسمك فِي الدنيا والآخرة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀، يَقُول: مر بشر ببعض النَّاس فَقَالُوا: هَذَا الرجل لا ينام الليل كُلهُ ولا يفطر إلا فِي كُل ثلاثة أَيَّام مرة فبكى بشر فقيل لَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ إني لا أذكر أنى سهرت ليلة كاملة ولا أنى صمت يوما لَمْ أفطر من ليلته ولكن اللَّه ﷾ يلقى فِي القلوب أَكْثَر مِمَّا يفعله العبد لطفا منه سبحانه وكرما، ثُمَّ ذكر ابتداء أمره كَيْفَ كَانَ عَلَى مَا ذكرناه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبِي حاتم، يَقُول: بلغني أَن بشر بْن الْحَارِث الحافي، قَالَ: رأيت النَّبِي ﷺ فِي المنام، فَقَالَ لي: يا بشر، أتدري لَمْ رفعك اللَّه من بَيْنَ أقرانك؟ قُلْت: لا يا رَسُول اللَّهِ، قَالَ: باتباعك لسنتي، وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك ومحبتك لأَصْحَابي، وأهل بَيْتِي، وَهُوَ الَّذِي بلغك منازل الأبرار.
[ ١ / ٤٨ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي، يَقُول: سمعت بلالا الخواص، يَقُول: كنت فِي تية بنى إسرائيل فَإِذَا رجل يماشيني فتعجبت منه ثُمَّ ألهمت أَنَّهُ الخضر ﵇ فَقُلْتُ لَهُ: بحق الحق من أَنْتَ.
فَقَالَ: أخوك الخضر.
فَقُلْتُ لَهُ: أريد أَن أسألك فَقَالَ: سل.
فَقُلْتُ: مَا تقول فِي الشَّافِعِي رحمة اللَّه؟ فَقَالَ: هُوَ من الأوتاد، فَقُلْتُ: مَا تقول أَحْمَد بْن حنبل ﵁؟ قَالَ: رجل صديق.
قُلْت: فَمَا تقول فِي بشر بْن الْحَارِث الحافي؟ فَقَالَ: لَمْ يخلق بعده مثله.
فَقُلْتُ: بأي وسيلة رأيتك.
فَقَالَ: ببرك لأمك.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول: أتى بشر الحافي بَاب المعافى بْن عمران فدق عَلَيْهِ الباب فقيل: من فَقَالَ: بشر الحافي.
فَقَالَتْ لَهُ: بنية من داخل الدار لو اشتريت لَك نعلا بدانقين لذهب عَنْك اسم الحافي.
أخبرني بِهَذِهِ الحكاية مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الشيرازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الفضل قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ المغازلي يَقُول: سمعت بشرا الحافي يذكر هذه الحكاية.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الحجاجي، يَقُول: سمعت الحاملي، يَقُول: سمعت الْحَسَن المسوحي، يَقُول: سمعت بشر بْن الْحَارِث يحكي هذه الحكاية.
[ ١ / ٤٩ ]
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت أبا الفضل العطار، يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ الدمشقي، يَقُول: قَالَ لي أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء: رأيت ذا النون وكانت لَهُ العبارة، ورأيت سهلا وكانت لَهُ الإشارة، ورأيت بشر بْن الْحَارِث وَكَانَ لَهُ الورع، فقيل لَهُ فإلى من كنت تميل؟ فَقَالَ: لبشر بْن الْحَارِث أستاذنا.
وقيل: إنه اشتهي الباقلا سنين فلم يأكله فرؤي فِي المنام بَعْد وفاته، فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي، وَقَالَ: كُل يا من لَمْ يأكل، واشرب يا من لَمْ يشرب.
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن يَحْيَي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَبَّاس قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن بنت مُعَاوِيَة قَالَ: سمعت أبا بَكْر بْن عَفَّان يَقُول: سمعت بشر بْن الحوت يَقُول: إني لأشتهي الشواء منذ أربعين سنة مَا صفا لي ثمنه.
وقيل لبشر: بأي شَيْء تأكل الْخَبَر؟ فَقَالَ: أذكر العافية وأجعلها إداما أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن رحمه اللَّه تَعَالَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُثْمَان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو بْن السماك قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْن سَعِيد قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن أَبِي الدنيا قَالَ: قَالَ رجل لبشر الحكاية المذكورة.
وَقَالَ بشر: لا يحتمل الحلال السرف.
ورؤي بشر فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: غفر لي وأباح لي نصف الْجَنَّة، وَقَالَ لي: يا بشر، لو سجدت لي عَلَى الجمر مَا أديت شكر مَا جعلته لَك فِي قلوب عبادي.
وَقَالَ بشر: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أَن يعرفه النَّاس.
[ ١ / ٥٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحَارِث بْن أسد المحاسبي عديم النظير فِي زمانه علما وورعا ومعاملة وحالا، بصري الأصل، مَات ببغداد سنة ثَلاث وأربعين ومائتين، قيل: إنه ورث من أَبِيهِ سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شَيْئًا، قيل: لأن أباه كَانَ يَقُول بالقدر، فرأى من الورع أَن لا يأخذ من ميراثه شَيْئًا وَقَالَ: صحت الرواية عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لا يتوارث أهل ملتين شَيْئًا.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي، يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير، يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مسروق، يَقُول مَات الْحَارِث بْن أسد المحاسبي وَهُوَ محتاج إِلَى درهم وخلف أبوه ضياعا وعقارا فلم يأخذ منه شَيْئًا.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول كَانَ الْحَارِث المحاسبي إِذَا مد يده إِلَى طَعَام فِيهِ شبهة تحرك عَلَى إصبعه عرق فكان يمتنع منه.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لَهُمْ حالهم الْحَارِث بْن أسد المحاسبي والجنيد بْن مُحَمَّد وأبو مُحَمَّد رويم وأبو الْعَبَّاسِي بْن عَطَاء وعمرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي، لأنهم جمعوا بَيْنَ العلم والحقائق.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀، يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ الطوسي، يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي، يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان البلدي، يَقُول: قَالَ الْحَارِث المحاسبي: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين اللَّه ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة
[ ١ / ٥١ ]
ويحكي عَنِ الجنيد أَنَّهُ قَالَ: مر بي يوما الْحَارِث المحاسبي فرأيت فِيهِ أثر الجوع فَقُلْتُ: يا عم تدخل الدار وتتناول شَيْئًا؟ فَقَالَ: نعم فدخلت الدار وطلبت شَيْئًا أقدمه إِلَيْهِ فكان فِي الْبَيْت شَيْء من طَعَام حمل إِلَى من عرس قوم فقدمته إِلَيْهِ فأخذ لقمة وأدارها فِي فِيهِ مرات، ثُمَّ إنه قام وألقاها فِي الدهليز ومر فلما رأيته بَعْد ذَلِكَ بأيام، قُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إني كنت جائعا وأردت أَن أسرك بأكلي وأحفظ قلبك ولكني بيني وبين اللَّه سبحانه علامة أَن لا يسوغني طعاما فِيهِ شبهة فلم يمكني ابتلاعه، فمن أين كَانَ لَك ذَلِكَ الطعام؟ فَقُلْتُ: إنه حمل إلي من دار قريب لي من العرس، ثُمَّ قُلْت: تدخل اليوم؟ فَقَالَ: نعم، فقدمت إِلَيْهِ كسرا يابسة كانت لنا فأكل، وَقَالَ: إِذَا قدمت إِلَى فَقِير شَيْئًا فقدم إِلَيْهِ مثل هَذَا.
[ ١ / ٥٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بْن نصير الطائي وَكَانَ كبير الشأن.
أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَر بْن مطر، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُسَيِّب، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن خبيق، قَالَ: قَالَ يُوسُف بْن سباط: ورث دَاوُد الطائي عشرين دِينَارًا فأكلها فِي عشرين سنة.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول كَانَ سبب زهد دَاوُد الطائي أَنَّهُ كَانَ يمر ببغداد فمر يوما فنحاه المطرقون بَيْنَ يدي حميد الطوسي فالتفت دَاوُد فرأى حميدا، فَقَالَ: دَاوُد أف لدنيا سبقك بِهَا حميد ولزم الْبَيْت وأخذ فِي الجهد والعبادة، وسمعت ببغداد بَعْض الفقراء، يَقُول: إِن سبب زهده أَنَّهُ سمع نائحة تنوح، وتقول:
بأي خديك تبدى البلى وأي عينيك إذن سالا
وقيل: كَانَ سبب زهده أَنَّهُ كَانَ يجالس أبا حَنِيفَة ﵁، فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَة يوما: يا أبا سُلَيْمَان، أما الأداة فَقَدْ أحكمناها، فَقَالَ لَهُ دَاوُد: فأي شَيْء بقى؟ قَالَ: العمل بِهِ.
قَالَ دَاوُد: فنازعتني نفسي إِلَى العزلة فَقُلْتُ لنفسي حَتَّى تجالسهم ولا تتكلم فِي مسألة قَالَ: فجالستهم سنة لا أتكلم فِي مسألة وكانت المسألة تمر بي، وأنا إِلَى الْكَلام فِيهَا أشد نزاعا من العطشان عَلَى الماء البارد ولا أتكلم بِهِ،
[ ١ / ٥٣ ]
ثُمَّ صار أمره إِلَى مَا صار، وقيل: حجم جنيد الحجام دَاوُد الطائي، فأعطاه دِينَارًا، فقيل لَهُ: هَذَا إسراف، فَقَالَ: لا عُبَادَة لمن لا مروءة لَهُ.
وَكَانَ يَقُول بالليل: إلهي، همك عطل عَلَى الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الصوفي، يَقُول: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن زِيَاد الطائي، قَالَ: قَالَتْ دابة دَاوُد الطائي لَهُ: أما تشتهى الخبز؟ فَقَالَ: بَيْنَ مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
ولما توفي دَاوُد رآه بَعْض الصالحين فِي المنام وَهُوَ يعدو فَقَالَ لَهُ: مَالِك؟ فَقَالَ: الساعة تخلصت من السجن فاستيقظ الرجل من منامه، فارتفع الصياح بقول النَّاس مَات دَاوُد الطائي.
وَقَالَ لَهُ رجل: أوصني، فَقَالَ: عسكر الْمَوْت ينتظرونك ودخل بَعْضهم عَلَيْهِ، فرأى جرة ماء انبسطت عَلَيْهَا الشَّمْس، فَقَالَ لَهُ: ألا تحولها إِلَى الظل، فَقَالَ: حِينَ وضعتها لَمْ يكن شمس، وأنا أستحي أَن يراني اللَّه أمشى لما فِيهِ حظ نفسي.
ودخل عَلَيْهِ بَعْضهم فجعل ينظر إِلَيْهِ، فَقَالَ: أما علمت أنهم كَانُوا يكرهون فضول النظر كَمَا يكرهون فضول الْكَلام.
أَخْبَرَنَا عَن عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَي المزكي، قَالَ: حَدَّثَنَا قاسم بْن أَحْمَد، قَالَ: سمعت ميمونا الغزال، قَالَ: قَالَ أَبُو الرَّبِيع الواسطي: قُلْت لداود الطائي: أوصني.
قَالَ: صم عَنِ الدنيا، واجعل فطرك الْمَوْت، وفر من النَّاس كفرارك من السبع.
[ ١ / ٥٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى شقيق بْن إِبْرَاهِيم البلخي من مشايخ خراسان لَهُ لسان فِي التوكل، وَكَانَ أستاذ حاتم الأصم، قيل كَانَ سبب توبته أَنَّهُ كَانَ من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إِلَى أرض الترك وَهُوَ حدث فدخل بيتا للأصنام فرأى خادما للأصنام فِيهِ قَدْ حلق رأسه ولحيته ولبس ثيابا أرجوانية، فَقَالَ شقيق للخادم: إِن لَك صانعا حيا عالما قادرا فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام الَّتِي لا تضر ولا تنفع، فَقَالَ: إِن كَانَ كَمَا تقول فَهُوَ قادر عَلَى أَن يرزقك ببلدك فلم تعنيت إِلَى هاهنا للتجارة فانتبه شقيق وأخذ فِي طريق الزهد.
وقيل: كَانَ سبب زهده أَنَّهُ رأى مملوكا يلعب ويمرح فِي زمان قحط، وَكَانَ النَّاس مهتمين بِهِ فَقَالَ شقيق: مَا هَذَا النشاط الَّذِي فيك؟ أما ترى مَا فِيهِ النَّاس من الجدب والقحط؟ فَقَالَ ذَلِكَ المملوك: وَمَا عَلِي من ذَلِكَ ولمولاي قرية خالصة يدخل لَهُ منها مَا نحتاج نحن إِلَيْهِ، فانتبه شقيق، وَقَالَ: إِن كَانَ لمولاه قرية ومولاه مخلوق فَقِير، ثُمَّ إنه لَيْسَ يهتم لرزقه، فكيف ينبغي أَن يهتم المسلم لرزقه ومولاه غني؟ سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀، يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن أَحْمَد العطار البلخي، يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْبُخَارِي، يَقُول: قَالَ حاتم الأصم:
[ ١ / ٥٥ ]
كَانَ شقيق بْن إِبْرَاهِيم موسرا وَكَانَ يتفتى ويعاشر الفتيان وَكَانَ عَلِي بْن عيسى بْن ماهان أمِير بلخ وَكَانَ يحب كلاب الصيد ففقد كلبا من كلابه فسمى برجل أَنَّهُ عنده وَكَانَ الرجل فِي جوار شقيق فطلب الرجل فهرب فدخل دار شقيق مستجيرا فمضى شقيق إِلَى الأمير وَقَالَ: خلوا سبيله فَإِن الكلب عندي أرده إليكم إِلَى ثلاثة أَيَّام، فخلوا سبيله وانصرف شقيق مهتما لما صنع فلما كَانَ اليوم الثالث كَانَ رجل من أصدقاء شقيق غائبا من بلخ رجع إِلَيْهَا فوجد فِي الطريق كلبا عَلَيْهِ قلادة فأخذه وَقَالَ: أهديه إِلَى شقيق فَإِنَّهُ يشتغل بالتفتي فحمله إِلَيْهِ فنظر شقيق فَإِذَا هُوَ كلب الأمير فسر بِهِ وحمله إِلَى الأمير وتخلص من الضمان فرزقه اللَّه الانتباه وتاب مِمَّا كَانَ فِيهِ وسلك طريق الزهد.
وحكى أَن حاتما الأصم قَالَ كُنَّا مَعَ شقيق فِي مصاف نحارب الترك فِي يَوْم لا ترى فِيهِ إلا رءوس تندر ورماح تنقصف وَسِيُوف تنقطع فَقَالَ لي شقيق: كَيْفَ ترى نفسك يا حاتم فِي هَذَا اليوم؟ تراه مثل مَا كنت فِي الليلة الَّتِي زفت إليك امرأتك؟ فَقُلْتُ: لا والله قَالَ لكنى والله أرى نفسي فِي هَذَا اليوم مثل مَا كنت تلك الليلة، ثُمَّ نام بَيْنَ الصفين ودرقته تَحْتَ رأسه حَتَّى سمعت غطيطه.
وَقَالَ شقيق: إِذَا أردت أَن تعرف الرجل فانظر إِلَى مَا وعده اللَّه ووعده النَّاس فبأيهما يَكُون قلبه أوثق.
وَقَالَ شقيق: تعرف تقوى الرجل فِي ثلاثة أشياء: فِي أخذه ومنعه وكلامه.
[ ١ / ٥٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو يَزِيد طيفور بْن عيسى البسطامي وَكَانَ جده مجوسيا أسلم وكانوا ثلاثة إخوة آدم وطيفور وعلى وكلهم كَانُوا زهادا عبادا وأبو يَزِيد كَانَ أجلهم حالا.
قيل: مَات سنة إحدى وستين ومائتين وقيل: أربع وثلاثين ومائتين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمع أبا الْحَسَن الفارسي يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن عَلِيّ يَقُول: سئل أَبُو يَزِيد بأي شَيْء وجدت هذه المعرفة فَقَالَ: ببطن جائع وبدن عار.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت عمى البسطامي يَقُول: سمعت أبى يَقُول: سمعت أبا يَزِيد يَقُول: عملت فِي المجاهدة ثلاثين سنة فَمَا وجدت شَيْئًا أشد عَلَى من العلم ومتابعته ولولا اخْتِلاف الْعُلَمَاء لبقيت واخْتِلاف الْعُلَمَاء رحمة إلا فِي تجريد التوحيد.
وقيل: لَمْ يخرج أَبُو يَزِيد من الدنيا حَتَّى استظهر الْقُرْآن كُلهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو حاتم السجستاني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نصر السراج قَالَ: سمعت طيفور البسطامي يَقُول: سمعت المعروف بعمي البسطامي يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول: قَالَ لي أَبُو يَزِيد: قم بنا حَتَّى ننظر إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي قَدْ شَهْر نَفْسه بالولاية وَكَانَ رجلا مقصودا مشهورا بالزهد فمضينا غليه فلما خرج من بيته ودخل الْمَسْجِد رمى ببصاقه تجاه القبلة فانصرف أَبُو يَزِيد وَلَمْ يسلم عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا غَيْر مأمون عَلَى أدب من آداب رَسُول اللَّهِ ﷺ فكيف يَكُون مأمونا عَلَى مَا يدعيه.
وبهذا الإسناد قَالَ أَبُو يَزِيد: لَقَدْ هممت أَن أسأل اللَّه تَعَالَى أَن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النِّسَاء ثُمَّ قُلْت: كَيْفَ يَجُوز لي أَن أسأل اللَّه هَذَا وَلَمْ يسأله رَسُول اللَّهِ ﷺ إياه فلم اسأله ثُمَّ
[ ١ / ٥٧ ]
إِن اللَّه ﷾ كفاني مؤنة النِّسَاء حَتَّى لا أبالي استقبلتني امْرَأَة أَوْ حائط.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت الْحَسَن بْن علي يقول: سمعت عمى البسطامي يَقُول: سمعت أبى يَقُول: سألت أبا يَزِيد عَنِ ابتدائه وزهده فَقَالَ: لَيْسَ للزهد منزلة.
فَقُلْتُ: لماذا؟ فَقَالَتْ: لأني كنت ثلاثة أَيَّام فِي الزهد فلما كَانَ اليوم الرابع خرجت منه، اليوم الأَوَّل زهدت فِي الدنيا وَمَا فِيهَا واليوم الثَّانِي زهدت فِي الآخرة وَمَا فِيهَا واليوم الثالث زهدت فيما سِوَى اللَّه، فلما كَانَ اليوم الرابع لَمْ يبق لي سِوَى اللَّه فهمت فسمعت هاتفا يَقُول: يا أبا يَزِيد لا تقوى معنا فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي أريد فسمعت قائلا يَقُول: وجدت وجدت.
وقيل لأبى يَزِيد: مَا أشد مَا لقيت فِي سبيل اللَّه؟ فَقَالَ: لا يمكن وصفه، فقيل لَهُ مَا أهون مَا لقيت نفسك منك؟ فَقَالَ: أما هَذَا فنعم دعوتها إِلَى شَيْء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة.
وَقَالَ أَبُو يَزِيد منذ ثلاثين سنة أصلى واعتقادي فِي نفسي عِنْدَ كُل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أَن أقطع زناري.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي يَقُول: سمعت مُوسَى بْن عيسى يَقُول: قَالَ لي أَبِي قَالَ أَبُو يَزِيد لو نظرتهم إِلَى رجل أعطي من الكرامات حَتَّى يرتقى فِي الهواء فلا تغتروا بِهِ حتي تنظروا كَيْفَ تجدونه عِنْدَ الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة.
وحكى عمى البسطامي عَن أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ذهب أَبُو يَزِيد ليلة عَلَى الرباط ليذكر اللَّه سبحانه عَلَى سور الرباط فبقي إِلَى الصباح لَمْ يذكر فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: تذكرت كلمة جرت عَلَى لساني فِي حال صباي فاحتشمت أَن أذكره سبحانه وتعالي.
[ ١ / ٥٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد سهل بْن عَبْد اللَّهِ التستري أحد أئمة الْقَوْم لَمْ يكن لَهُ فِي وقته نظير فِي المعاملات والورع وَكَانَ صاحب كرامات لقى ذا النون المصري بمكة سنة خروجه إِلَى الحج، توفي كَمَا قيل سنة ثَلاث وثمانين ومائتين، وقيل: ثَلاث وسبعين ومائتين.
وَقَالَ سهل: كنت ابْن ثَلاث سنين وكنت أقوم بالليل أنظر إِلَى صلاة خالي مُحَمَّد بْن سوار وَكَانَ يقوم بالليل فربما كَانَ يَقُول لي: يا سهل اذهب فنم فَقَدْ شغلت قلبي.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا الفتح يُوسُف بْن عُمَر الزاهد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الحميد يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن لؤلؤ يَقُول: سمعت عُمَر بْن واصل البصري يحكي عَن سهل بْن عَبْد اللَّهِ قَالَ: قَالَ لي خالي يوما ألا تذكر اللَّه الَّذِي خلقك؟ فَقُلْتُ: كَيْفَ أذكره؟ .
فَقَالَ: قل بقلبك عِنْدَ تقلبك فِي ثيابك ثَلاث مرات من غَيْر أَن تحرك بِهِ لسانك اللَّه معي اللَّه ناظر إلي اللَّه شاهدي فَقُلْتُ ذَلِكَ ثَلاث ليال ثُمَّ أعلمته.
فَقَالَ لي: قل فِي كُل ليلة إحدى عشرة مرة فَقُلْتُ ذَلِكَ فوقع فِي قلبي لَهُ حلاوة فلما كَانَ بَعْد سنة.
قَالَ لي خالي: احفظ مَا علمتك ودم عَلَيْهِ إِلَى أَن تدخل القبر، فَإِنَّهُ ينفعك فِي الدنيا والآخرة، فلم أزل عَلَى ذَلِكَ سنين فوجدت لَهَا حلاوة فِي سرى ثُمَّ قَالَ لي خالي يوما: يا سهل من كَانَ اللَّه مَعَهُ وَهُوَ ناظر إِلَيْهِ وشاهد أيعصيه؟ إياك والمعصية،
[ ١ / ٥٩ ]
فكنت أخلو فبعثوني إِلَى الكتاب فَقُلْتُ: إني لأخشى أَن يتفرق عَلَي رهمي ولكن شارطوا المعلم أنى أذهب إِلَيْهِ ساعة فأتعلم ثُمَّ أرجع، فمضيت إِلَى الكتاب وحفظت الْقُرْآن وأنا ابْن ست سنين أَوْ سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي خبز الشعير إِلَى أَن بلغت اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابْن ثَلاث عشرة، فسالت أهلي أَن يبعثوني إِلَى البصرة أسأل عَنْهَا، فجئت البصرة وسألت علماءها فلم يشف أحدهم مِنْهُم عنى شَيْئًا فخرجت إِلَى عبادان عَلَى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بْن عَبْد اللَّهِ العباداتي فسألته عَنْهَا فأجابني وأقمت عنده مدة انتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثُمَّ رجعت إِلَى تستر فجعلت قوتي اقتصارا عَلَى أَن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عِنْدَ السحر كُل ليلة عَلَى أوقية واحدة بحتا بغير ملح ولا إدام فكان يكفيني ذَلِكَ الدرهم سنة، ثُمَّ عزمت عَلَى أَن أطوى ثَلاث ليال ثُمَّ أفطر ليلة ثُمَّ خمسا ثُمَّ سبعا ثُمَّ خمسا وعشرين ليلة وكنت عَلَيْهِ عشرين سنة، ثُمَّ خرجت أسيح فِي الأَرْض سنين ثُمَّ رجعت إِلَى تستر وكنت أقوم الليل كُلهُ.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن فراس يَقُول: سمعت نصر بْن أَحْمَد يَقُول: قَالَ سهل بْن عَبْد اللَّهِ: كُل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كَانَ أَوْ معصية فَهُوَ عيش النفس، وكل فعل يفعله بالاقتداء فَهُوَ عذاب عَلَى النفس.
[ ١ / ٦٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو سُلَيْمَان عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عطية الدراني وداران قرية من قرى دمشق، مَات سنة خمس عشرة ومائتين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي يَقُول: أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن أَبِي حسان يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: سمعت أبا سُلَيْمَان يَقُول: من أَحْسَن فِي نهاره كوفئ فِي ليله، ومن أَحْسَن فِي ليله كوفئ فِي نهاره، ومن صدق فِي ترك شهوة ذهب اللَّه بِهَا من قلبه، والله تَعَالَى أكرم من أَن يعذب قلبا بشهوة تركت لَهُ، وبهذا الإسناد قَالَ: إِذَا سكنت الدنيا القلب ترحلت منه الآخرة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الداراني: رُبَّمَا يقع فِي قلبي النكتة من نكت الْقَوْم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس.
وَقَالَ: لكل شَيْء علم وعلم الخذلان ترك البكاء.
وَقَالَ: لكل شَيْء صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن.
وَقَالَ: كُل مَا شغلك عَنِ اللَّه تَعَالَى من أهل أَوْ مال أَوْ ولد فَهُوَ عليك مشئوم.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: كنت ليلة باردة فِي المحراب فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة فغلبتني عيناي فهتف بي هاتف يا أبا سُلَيْمَان قَدْ وضعنا فِي هذه مَا أصابها ولو كانت الأخرى لوضعنا فِيهَا، فآليت عَلَى نفس أَن لا أدعو إلا ويداي خارجتان حرا كَانَ الزمن أَوْ بردا.
[ ١ / ٦١ ]
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: نمت عَن وردى فاذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربي لَك فِي الخدور منذ خمس مائة عام.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو الجولستي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد ابْن أَبِي الحواري قَالَ: دخلت عَلَى أَبِي سُلَيْمَان يوما وَهُوَ يبكي فَقُلْتُ لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: يا أَحْمَد وَلَمْ لا أبكي وإذا جن الليل ونامت العيون وخلا كُل حبيب بحبيبه وافترش أهل المحبة أقدامهم وجرت دموعهم عَلَى خدودهم وتقطرت فِي محاربيهم أشرف الجليل سبحانه وتعالي، فنادى يا جبريل بعني من تلذذ بكلامي واستراح عَلَى ذكرى وإني لمطلع عَلَيْهِم فِي خلواتهم أسمع أنينهم وأرى بكاءهم، فلم لا تنادى فيهم يا جبريل مَا هَذَا البكاء؟ هل رأيت حبيبا يعذب أحباءه؟ أم كَيْفَ يجمل بي أَن آخذ قوما إِذَا جنهم الليل تملقوا لي، فبي حلفت إنهم إِذَا وردوا عَلَى يَوْم الْقِيَامَة لأكشفن لَهُمْ عَن وجهي الكريم حَتَّى ينظروا إلي وأنظر إليهم
[ ١ / ٦٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ حاتم بْن علوان ويقال حاتم بْن يُوسُفَ الأصم من أكابر مشايخ خراسان وَكَانَ تلميذ شقيق وأستاذ أَحْمَد بْن خضرويه قيل لَمْ يكن أصم وإنما تصامم مرة فسمي بِهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: جاءت امْرَأَة فسألت حاتما عَن مسألة فاتفق أَنَّهُ خرج منها فِي تلك الحالة صوت فخجلت فَقَالَ حاتم: ارفعي صوتك فأرى من نَفْسه أَنَّهُ أصم فسرت المرأة بِذَلِكَ وَقَالَتْ: إنه لَمْ يسمع الصوت فغلبت عَلَيْهِ اسم أَخْبَرَنَا الشيخ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ قَالَ: سمعت أبا عَلِي سَعِيد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت أَبِي يَقُول سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت خالي مُحَمَّد بْن اللَّيْث يَقُول: سمعت حامدا اللفاف يَقُول: سمعت حاتم الأصم، يَقُول: مَا من صباح إلا والشيطان يَقُول لي: ماذا تأكل وماذا تلبس وأين تسكن؟ فأقول لَهُ: آكل الْمَوْت وألبس الكفن وأسكن القبر، وبإسناده قيل لَهُ: ألا تشتهى؟ فَقَالَ: أشتهي عافية يَوْم إِلَى الليل، فقيل لَهُ أليست الأيام كلها عافية؟ فَقَالَ: إِن عافية يومي أَن لا أعصى اللَّه فِيهِ.
وحكى عَن حاتم الأصم أَنَّهُ قَالَ: كنت فِي بَعْض الغزوات فأخذني تركي فأضجعني للذبح فلم يشتغل بِهِ قلبي، بَل كنت أنظر ماذا يحكم اللَّه تَعَالَى فِي، فبينما هُوَ يطلب السكين من خفه أصابه سهم غرب فقتله وطرحه عنى فقمت.
[ ١ / ٦٣ ]
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا نصر مَنْصُور بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الفقيه يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير يَقُول: رَوَى عَن حاتم أَنَّهُ قَالَ: من دَخَلَ فِي مذهبنا هَذَا فليجعل فِي نَفْسه أربع خصال من الْمَوْت: موتا أبيض وَهُوَ الجوع، وموتا أسود وَهُوَ احتمال الأذى من الخلق، وموتا أحمر وَهُوَ العمل الخالص من الشوب فِي مخالفة الهوى، وموتا أخضر وَهُوَ طرح الرقاع بَعْضهَا عَلَى بَعْض.
[ ١ / ٦٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَي بْن معاذ الرازي الواعظ نسيج وحده فِي وقته، لَهُ لسان فِي الرجاء خصوصا وكلام فِي المعرفة، خرج إِلَى بلخ وأقام بِهَا مدة ورجع إِلَى نيسابور، وَمَاتَ بِهَا سنة ثمان وخمسين ومائتين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حمدان العكبري يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن السرى يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عيسى يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ يَقُول: كَيْفَ يَكُون زاهدا من لا ورع لَهُ تورع عما لَيْسَ لَك ثُمَّ ازهد فيما لَك، وبهذا الإسناد قَالَ جوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة.
وَقَالَ يَحْيَي: الفوت أشد من الْمَوْت، لأن الفوت انقطاع عَنِ الحق والموت انقطاع عَنِ الخلق.
وَقَالَ يَحْيَي: الزهد ثلاثة أشياء القلة والخلوة والجوع وَقَالَ يَحْيَي: لا تربح عَلَى نفسك بشيء أجل من أَن تشغلها فِي كُل وقت بِمَا هُوَ أولى بِهَا.
وقيل: إِن يَحْيَي بْن معاذ تكلم ببلخ فِي تفضيل الغنى عَلَى الفقر فأعطي ثلاثين ألف درهم فَقَالَ بَعْض المشايخ: لا بارك اللَّه لَهُ فِي هَذَا المال، فخرج إِلَى نيسابور فوقع عَلَيْهِ اللص وأخذ ذَلِكَ المال منه.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي قَالَ: أنبأنا أَبُو القاسم عَبْد اللَّهِ بْن الْحُسَيْن بْن بالويه الصوفي قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن علويه يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ الرازي يَقُول: من خان اللَّه فِي السر هتك اللَّه ستره فِي العلانية.
[ ١ / ٦٥ ]
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز المؤذن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الْجُرْجَانِيّ يَقُول: سمعت عَلِي بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت يَحْيَي بْن معاذ الرازي يَقُول: تزكية الأشرار لَك هجنة بك وحبهم لَك عيب عليك وهان عليك من احتاج إليك.
[ ١ / ٦٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو حامد أَحْمَد بْن خضرويه البلخي من كبار مشايخ خراسان صحب أبا تراب النخشبي قدم نيسابور وزرا أبا حفص وخرج إِلَى بسطام فِي زيارة أبى يَزِيد البسطامي وَكَانَ كبيرا فِي الفتوة، وَقَالَ أَبُو حفص: مَا رأيت أحدا أكبر همة ولا أصدق حالا من أَحْمَد بْن خضرويه، وَكَانَ أَبُو يَزِيد يَقُول أستاذنا أَحْمَد.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن حامد يَقُول: كنت جالسا عِنْدَ أَحْمَد بْن خضرويه هُوَ فِي النزع وَكَانَ قَدْ أتى عَلَيْهِ خمس وتسعون سنة فسأله بَعْض أَصْحَابه عَن مسألة فدمعت عيناه وَقَالَ: يا بنى بَاب كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة وَهُوَ ذا يفتح لي الساعة لا أدرى بالسعادة يفتح أم بالشقاوة، أنى لي أوان الجواب؟ قَالَ: وَكَانَ عَلَيْهِ سبع مائة دِينَار وغرماؤه عنده فنظر إليهم وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأَمْوَال وأنت تأخذ عَنْهُم وثيقتهم فأد عنى قَالَ: فدق داق الباب وَقَالَ: أين غرماء أَحْمَد فقضي عَنْهُ ثُمَّ خرجت روحه وَمَاتَ ﵀ سنة أربعين ومائتين.
وَقَالَ أَحْمَد بْن خضرويه: لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة ولولا ثقل الغفلة عليك لما ظفرت بك الشهوة.
[ ١ / ٦٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن أبى الحوارى من أهل دمشق صحب أبا سُلَيْمَان الداراني وغيره، مَات سنة ثلاثين ومائتين وَكَانَ الجنيد يَقُول أَحْمَد بْن أَبِي الحواري ريحانة الشام.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الحافظ يَقُول: سمعت سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز الحلبي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن أَبِي الحواري يَقُول: من نظر إِلَى الدنيا نظر إرادة وحب لَهَا أخرج اللَّه نور اليقين والزهد من قلبه، وبهذا الإسناد يَقُول: من عمل عملا بلا اتباع سنة رَسُول اللَّهِ ﷺ فباطل عمله، وبهذا الإسناد قَالَ أَحْمَد بْن أَبِي الحواري: أفضل البكاء بكاء العبد عَلَى مَا فاته من أوقاته عَلَى غَيْر الموافقة.
وَقَالَ أَحْمَد: مَا ابتلى اللَّه عبدا بشيء أشد من الغفلة والقسوة.
[ ١ / ٦٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو حفص عُمَر بْن مسلمة الحداد من قرية يقال لَهَا كورداباذ عَلَى بَاب مدينة نيسابور عَلَى طريق بخارى كَانَ أحد الأئمة والسادة، مَات سنة نيف وستين ومائتين.
قَالَ أَبُو حفص: المعاصي بريد الكفر كَمَا أَن الحمي بريد الْمَوْت، وَقَالَ أَبُو حفص: إِذَا رأيت المريد يحسب السماع فأعلم أَن فِيهِ بقية من البطالة.
وَقَالَ: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن.
وَقَالَ: الفتوة أداء الإنصاف وترك مطالبة الإنصاف.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن مُحَمَّد بْن مُوسَى يَقُول: سمعت أبا عَلي الثقفي يَقُول: كَانَ أَبُو حفص يَقُول: من لَمْ يزن أفعاله وأحواله فِي كُل وقت بالكتاب والسنة وَلَمْ يتهم خواطره فلا نعده فِي ديوان الرجال.
[ ١ / ٦٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو تراب عسكر بْن حصين النخشبي صحب حاتم الأصم وأبا حاتم العطار الْمِصْرِي، مَات سنة خمس وأربعين ومائتين قيل مَات بالبادية نهسته السباع.
وَقَالَ ابْن الجلاء: صحبت ست مائة شيخ مَا لقيت فيهم مثل أربعة أولهم أَبُو تراب النخشبي قَالَ أَبُو تراب الفقير قوته مَا وجده ولباسه مَا ستره ومسكنه حيث نزل.
وَقَالَ أَبُو تراب: إِذَا صدق العبد فِي العمل وجد حلاوته قبل أَن يعمله فاذا أخلص فِيهِ وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت جدى إِسْمَاعِيل بْن نجيد يَقُول: كَانَ أَبُو تراب النخشبي إِذَا رأى من أَصْحَابه مَا يكره زاد فِي اجتهاد وجدد توبته وَيَقُول: بشؤمي دفعوا إِلَى مَا دفعوا إِلَيْهِ، لأن اللَّه ﷿ يَقُول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] قَالَ: وسمعته يَقُول أيضا لأَصْحَابه: من لبس منكم مرقعة فَقَدْ سأل، ومن قعد فِي خانقاه أَوْ مَسْجِد فَقَدْ سأل، ومن قرأ الْقُرْآن من مصحف أَوْ كيما يسمع النَّاس فَقَدْ سأل، قَالَ: وسمعته يَقُول: كَانَ أَبُو تراب يَقُول: بيني وبين اللَّه عهد أَن لا أمد يدي إِلَى حرام إلا قصرت يدي عَنْهُ.
ونظر أَبُو تراب يوما إِلَى صوفي من تلامذته قَدْ مد يده عَلَى قشر بطيخ وَقَدْ طوى ثلاثة أَيَّام فَقَالَ لَهُ أَبُو تراب: تمد يدك عَلَى قشر البطيخ أَنْتَ لا يصلح لَك التصوف الزم السوق.
[ ١ / ٧٠ ]
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الفارسي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الرازي يَقُول: سمعت يُوسُف بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا تراب النخشبي يَقُول: مَا تمنت نفسي عَلَى شَيْئًا قط إلا مرة واحدة تمنت عَلَى خبزا وبيضا وأنا فِي سفرى فعدلت عَنِ الطريق إِلَى قرية فوثب رجل وتعلق بي وَقَالَ: كَانَ هَذَا مَعَ اللصوص فبطحوني وضربوني سبعين خشبة قَالَ: فوفق عَلَيْنَا رجل صوفي فصرخ وَقَالَ: ويحكم هَذَا أَبُو تراب النخشبي فخلوني واعتذروا إِلَي وأدخلني الرجل منزله وقدم إِلَى خبزا وبيضا فَقُلْتُ: كلها بَعْد سبعين جلدة.
وحكى ابْن الجلاء قَالَ دَخَلَ أَبُو تراب مَكَّة طيب النفس فَقُلْتُ: أين أكلت أيها الأستاذ؟ فَقَالَ: أكلة بالبصرة وأكلة بالنباج وأكلة ههنا.
[ ١ / ٧١ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن خبيق من زهاد المتصوفة صحب يُوسُف بْن أسباط كَانَ كوفي الأصل ولكنه سكن أنطاكية.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول سمعت أبا الفرج الورثاني يَقُول: سمعت أبا الأزهر الميافارقيني يَقُول: سمعت فتح بْن شخرف يَقُول: حَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْن خبيق أول مَا لقيته فَقَالَ لي: يا خراساني إِنَّمَا هِيَ أربع لا غَيْر عينك ولسانك وقلبك وهواك فانظر عينك لا تنظر بِهَا إِلَى مَا لا يحل، وانظر لسانك لا تقل بِهِ شَيْئًا يعلم اللَّه تَعَالَى خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فِيهِ غل ولا حقد عَلَى أحد من الْمُسْلِمِينَ، وانظر هواك لا تهوى بِهِ شَيْئًا من الشر فَإِذَا لَمْ يكن فيك هذه الأربع من الخصال فأجعل الرماد عَلَى رأسك فَقَدْ شقيت.
وَقَالَ ابْن خبيق: لا تغتم إلا من شَيْء يضرك غدا، ولا تفرح إلا بشيء يسرك غدا.
وَقَالَ ابْن خبيق: وحشة الْعِبَاد عَنِ الحق أَوْ حشت مِنْهُم القلوب ولو أنهم أنسوا بربهم لأنس بِهِمْ كُل أحد.
وَقَالَ أنفع الخوف مَا حجزك عَنِ المعاصي وأطال منك الحزن عَلَى مَا فاتك، وألزمك الفكرة فِي بقية عمرك، وأنفع الرجاء مَا سهل عليك العمل.
وَقَالَ: طول الاستماع إِلَى الباطل يطفئ حلاوة الطاعة من القلب.
[ ١ / ٧٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى أَحْمَد بْن عَاصِم الأنطاكي من أقران بشر بْن الْحَارِث والسري السقطي والحارث المحاسبي، وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الدراني يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته.
وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم إِذَا طلبت صلاح قلبك فاستعن عَلَيْهِ بحفظ لسانك.
وَقَالَ أَحْمَد بْن عَاصِم قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] ونحن نستزيد من الْفِتْنَة.
[ ١ / ٧٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو السري مَنْصُور بْن عمار من أهل مرو من قرية يقال لَهَا دندانقان وقيل: إنه من بوشنج أقام بالبصرة وَكَانَ من الواعظين الأكابر.
وَقَالَ مَنْصُور بْن عمار من جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته فِي دينه.
وَقَالَ مَنْصُور بْن عمار أَحْسَن لباس العبد التواضع والانكسار وأحسن لباس العارفين التقوى قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقيل إِن سبب توبته أَنَّهُ وجد فِي الطريق رقعة مكتوبا عَلَيْهَا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فرفعها فلم يجد لَهَا موضعا فأكلها فرأى فِي المنام كأن قائلا قَالَ لَهُ: فتح اللَّه عليك بَاب الحكمة باحترامك لتلك الرقعة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي رحمة اللَّه يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس القاص يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الشعراني يَقُول: رأيت مَنْصُور بْن عمار فِي المنام فَقُلْتُ لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ: قَالَ لي: أَنْتَ مَنْصُور بْن عمار؟ فَقُلْتُ: بلى يا رب قَالَ أَنْتَ الَّذِي كنت تزهد النَّاس فِي الدنيا وترغب فِيهَا؟ قُلْت: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يا رب ولكني مَا أتخذت مجلسا إلا بدأت بالثناء عليك وثنيت بالصلاة عَلَى نبيك ﷺ وثلثت بالنصيحة لعبادك
[ ١ / ٧٤ ]
فَقَالَ: صدق ضعوا لَهُ كرسيا يمجدني فِي سمائي بَيْنَ ملائكتي كَمَا كَانَ يمجدني فِي أرضى بَيْنَ عبادي.
[ ١ / ٧٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو صَالِح حمدون بْن أَحْمَد بْن عمار القصار نيسابوري منه أنتشر مذهب الملامتية بنيسابور صحب سلمان الباروسي وأبا تراب النخشبي، مَات سنة إحدى وسبعين ومائتين.
سئل حمدون مَتَى يَجُوز للرجل أَن يتكلم عَلَى النَّاس فَقَالَ: إِذَا تعين عَلَيْهِ أداء فرض من فرائض اللَّه تَعَالَى فِي علمه أَوْ خاف هلاك إِنْسَان فِي بدعة وَهُوَ يرجو أَن ينجيه اللَّه تَعَالَى منها.
وَقَالَ من ظن أَن نَفْسه خير من نفس فرعون فَقَدْ أظهر الكبر.
وَقَالَ مذ علمت أَن للسلطان فراسة فِي الأشرار مَا خرج خوف السلطان من قلبي.
وَقَالَ: إِذَا رأيت سكرانا فتمايل لئلا تبغي عَلَيْهِ فتبتلى بمثل ذَلِكَ.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن منازل: قُلْت لأبي صَالِح أوصني فَقَالَ: إِن استطعت أَن لا تغضب لشيء من الدنيا فافعل.
وَمَاتَ صديق لَهُ وَهُوَ عِنْدَ رأسه فلما مَات أطفأ حمدون السراج فَقَالُوا لَهُ
[ ١ / ٧٦ ]
فِي مثل هَذَا الوقت يزاد فِي السراج الدهن فَقَالَ لَهُمْ: إِلَى هَذَا الوقت كَانَ الدهن لَهُ ومن هَذَا الوقت صار الدهن للورثة.
وَقَالَ حمدون: من نظر فِي سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عَن درك درجات الرجال.
وَقَالَ: لا تفش عَلَى أحد مَا تحب أَن يَكُون مستورا منك.
[ ١ / ٧٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو القاسم الجنيد بْن مُحَمَّد: سيد هذه الطائفة وإمامهم اصله من نهاوند ومنشؤه ومولده بالعراق وأبوه كَانَ يبيع الزجاج فلذلك يقال لَهُ القواريري، وَكَانَ فقيها عَلَى مذهب أَبِي ثور وَكَانَ يفتي فِي حلقته بحضرته وَهُوَ ابْن عشرين سنة، صحب خاله السرى والحارث المحاسبي ومحمد بْن عَلِيّ القصاب، مَات سنة سبع وتسعين ومائتين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن البغدادي يَقُول: سمعت الفراغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول وَقَدْ سئل من العارف قَالَ من نطق عَن سرك وأنت ساكت.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول مَا أخذنا التصوف عَنِ القيل والقال لكن عَنِ الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول لرجل ذكر المعرفة، وَقَالَ: أهل المعرفة بالله يصلون عَلَى ترك الحركات من بَاب البر والتقرب إِلَى اللَّه ﷿
[ ١ / ٧٨ ]
فَقَالَ الجنيد: إِن هَذَا قَوْل قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وَهُوَ عندي عظيمة والذي يسرق ويزني أَحْسَن حالا من الَّذِي يَقُول هَذَا فَإِن العارفين بالله تَعَالَى أخذوا الأعمال عَنِ اللَّه تَعَالَى وإليه رجعوا فِيهَا ولو بقيت ألف عام لَمْ أنقص من أعمال البر ذرة إلا أَن يحال بي دونها.
وَقَالَ الجنيد: إِن أمكنك أَن لا تكون آلة بيتك إلا خزفا فافعل وَقَالَ الجنيد: الطرق كلها مسدودة عَلَى الخلق إلا عَلَى من اقتفى أثر الرسول ﵊.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عُمَر الأنماطي يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: لو أقبل صادق عَلَى اللَّه ألف ألف سنة ثُمَّ أعرض عَنْهُ لحظة كَانَ مَا فاته أَكْثَر مِمَّا ناله.
وَقَالَ الجنيد: من لَمْ يحفظ الْقُرْآن وَلَمْ يكتب الْحَدِيث لا يقتدى بِهِ فِي هَذَا الأمر، لأن علمنا هَذَا مقيد بالكتاب والسنة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا نصر الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول عَنِ الجنيد: مذهبنا هَذَا مقيد بأصول الكتاب والسنة وَقَالَ الجنيد: علمنا هَذَا مشيد بحَدِيث رَسُول اللَّهِ ﷺ.
أنبأنا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ قَالَ: سمعت أبا الْحُسَيْن بْن فارس يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الحداد يَقُول حضرت مجلس الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاس بْن شريح فتكلم فِي الفروع والأصول بكلام حسن عجبت منه فلما رأى إعجابي قَالَ: أتدري من أين هَذَا؟ قُلْت يَقُول بِهِ الْقَاضِي فَقَالَ هَذَا ببركة مجالسة أَبِي القاسم الجنيد.
وقيل للجنيد: من أين استفدت هَذَا العلم فَقَالَ: من جلوسي بَيْنَ يدي اللَّه ثلاثين سنة تَحْتَ تلك الدرجة، وأمأ إِلَى درجة فِي داره.
[ ١ / ٧٩ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يحكي ذَلِكَ وسمعته يَقُول: رؤى فِي يده سبحة فقيل لَهُ أَنْتَ مَعَ شرفك تأخذ بيدك سبحة فَقَالَ: طريق بِهِ وصلت إِلَى ربي لا أفارقه.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِيّ ﵀ يَقُول كَانَ الجنيد يدخل كُل يَوْم حانوته ويسبل الستر ويصلى أربع مائة ركعة ثُمَّ يعود إِلَى بيته.
وَقَالَ أَبُو بَكْر العطوي كنت عِنْدَ الجنيد حِينَ مَات ختم الْقُرْآن ثُمَّ ابتدأ من البقرة وقرأ سبعين آية ثُمَّ مَات ﵀.
[ ١ / ٨٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن إِسْمَاعِيل الجبري: المقيم بنيسابور وَكَانَ من الري صحب شاه الكرماني ويحي بْن معاذ الرازي ثُمَّ ورد نيسابور مَعَ شاه الكرماني عَلِي أَبِي حفص الحداد وأقام عنده وتخرج بِهِ وزوجه أَبُو حفص ابنته، مَات سنة ثمان وتسعين ومائتين وعاش بَعْد أَبِي حفص نيفا وثلاثين سنة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن حمدان يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: لا يكمل إيمان الرجل حَتَّى يستوي فِي قلبه أربعة أشياء المنع والإعطاء والعز والذل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت بَعْض أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: صحبت أبا حفص مدة وأنا شاب فطردني مرة وَقَالَ: لا تجلس عندي فقمت وَلَمْ أوله ظهري وانصرفت إِلَى ورائي ووجهي إِلَى وجهه حَتَّى غبت عَن عينيه وجعلت عَلَى نفسي أَن أحفر عَلَى بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره، فلما رأى ذَلِكَ أدناني وجعلني من خواص أَصْحَابه.
وَقَالَ: وَكَانَ يقال: فِي الدنيا ثلاثة لا رابع لَهُمْ: أَبُو عُثْمَان بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عَبْد اللَّهِ بْن الجلاء بالشام.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: منذ أربعين سنة مَا أقامني اللَّه تَعَالَى فِي حال فكرهته ولا نقلني إِلَى غيره فسخطته.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشعراني يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول ذَلِكَ.
ولما تغير عَلَى أبى عُثْمَان الحال مزق ابنه أَبُو بَكْر قميصا عَلَى نَفْسه ففتح أَبُو عُثْمَان
[ ١ / ٨١ ]
عينيه وَقَالَ: خلاف السنة يا بنى فِي الظاهر علامة رياء فِي الباطن.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن أَحْمَد الملامتي يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الوراق يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول الصحبة مَعَ اللَّه بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مَعَ الرسول ﷺ وعلى آله وسلم باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مَعَ أولياء اللَّه تَعَالَى بالاحترام والخدمة، والصحبة مَعَ الأهل بحسن الخلق، والصحبة مَعَ الإخوان بدوام البشر مَا لَمْ يكن إثما والصحبة مَعَ الجهال بالدعاء لَهُمْ والرحمة عَلَيْهِم.
سمعت عَبْد اللَّهِ بْن يُوسُفَ الأَصْبَهَانِي ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: سمعت أبا عُثْمَان يَقُول: من أمر السنة عَلَى نَفْسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى عَلَى نَفْسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قَالَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] .
[ ١ / ٨٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد النوري: بغدادي المولد والمنشأ بغوي الأصل صحب السري السقطي وابن أَبِي الحواري وَكَانَ من أقران الجنيد ﵀ مَات خمس وتسعين ومائتين وَكَانَ كبير الشأن حسن المعاملة واللسان.
قَالَ النوري ﵀ التصوف ترك كُل حظ للنفس.
وَقَالَ النوري أعز الأشياء فِي زمننا شيئان عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عَن حقيقة.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد البردعي يَقُول: سمعت المرتعش يَقُول: سمعت النوري يَقُول: من رأيته يدعى مَعَ اللَّه حالة تخرجه عَن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: سمعت الفرغاني يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول منذ مَات النوري لَمْ يخبر عَن حقيقة الصدق أحد.
وَقَالَ أَبُو أَحْمَد المغازلي: مَا رأيت أعبد من النوري قيل: ولا الجنيد قَالَ: ولا الجنيد.
وَقَالَ النوري: كانت المراقع غطاء عَلَى الدر فصارت اليوم مزابل عَلَى جيف.
وقيل: كَانَ يخرج كُل يَوْم من داره ويحمل الْخَبَر مَعَهُ ثُمَّ يتصدق بِهِ فِي الطريق ويدخل مسجدا يصلى فِيهِ إِلَى قريب من الظهر ثُمَّ يخرج ويفتح بَاب حانوته ويصوم فكان أهله يتوهمون أَنَّهُ يأكل فِي السوق وأهل السوق يتوهمون أَنَّهُ يأكل فِي بيته، بقى عَلَى هَذَا فِي ابتدائه عشرين سنة.
[ ١ / ٨٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن يَحْيَي الجلاء بغدادي الأصل أقام بالرملة ودمشق من أكابر مشايخ الشام صحب أبا تراب وذا النون وأبا عُبَيْد اليسري وأباه يَحْيَى الجلاء.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز الطبري يَقُول: سمعت أبا عُمَر الدمشقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول قُلْت لأبي وأمي: أحب أَن تهباني لِلَّهِ ﷿ فقالا: قَدْ وهبناك لِلَّهِ ﷿، فغبت عَنْهُمَا مدة فلما رجعت كانت ليلة مطيرة فدققت الباب فَقَالَ لي أَبِي: من ذا؟ قُلْت: ولدك أَحْمَد فَقَالَ: كَانَ لنا ولد فوهبناه لِلَّهِ تَعَالَى ونحن من العرب لا نسترجع مَا وهبناه وَلَمْ يفتح لي الباب.
وَقَالَ ابْن الجلاء من استوى عنده المدح والذم فَهُوَ زاهد، ومن حافظ عَلَى الفرائض فِي أول مواقيتها فَهُوَ عابد، ومن رأى الأفعال كلها من اللَّه ﷿ فَهُوَ موحد لا يرى إلا واحدا.
ولما مَات ابْن الجلاء نظروا إِلَيْهِ وَهُوَ يضحك فَقَالَ الطبيب: إنه حي ثُمَّ نظر إِلَى مجسته فَقَالَ: إنه ميت ثُمَّ كشف عَن وجهه فَقَالَ: لا أدرى أهو ميت أم حي، وَكَانَ فِي داخل جلده عرق عَلَى شكل لِلَّهِ.
وَقَالَ ابْن الجلاء ﵀: كنت أمشى مَعَ أستاذي فرأيت حدثا جميلا فَقُلْتُ: يا أستاذ ترى يعذب اللَّه هذه الصورة فَقَالَ: أَوْ نظرت إِلَيْهِ؟ سترى غبه قَالَ: فنسيت الْقُرْآن بعده بعشرين سنة.
[ ١ / ٨٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد رويم بْن أَحْمَد بغدادي من أجلة المشايخ، مَات سنة ثَلاث وثلاث مائة وَكَانَ مقرئا فقيها عَلَى مذهب دَاوُد قَالَ رويم: من حكم الحكيم أَن يوسع عَلَى إخوانه فِي الأَحْكَام ويضيق عَلَى نَفْسه فِيهَا فَإِن التوسعة عَلَيْهِم اتباع العلم والتضييق عَلَى نَفْسه من حكم الورع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت عَبْد الْوَاحِد بْن بَكْر يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: سألت رويما فَقُلْتُ: أوصني فَقَالَ: مَا هَذَا الأمر إلا ببذل الروح فَإِن أمكنك الدخول فِيهِ مَعَ هذه وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية.
وَقَالَ رويم: قعودك مَعَ كُل طبقة من النَّاس أسلم من قعودك مَعَ الصوفية فَإِن كُل الخلق قعدوا عَلَى الرسوم وقعدت هذه الطائفة عَلَى الحقائق وطالب الخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشرع وطالب هَؤُلاءِ أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق فمن قعد معهم وخالفهم فِي شَيْء مِمَّا يتحققون بِهِ نزع اللَّه نور الإيمان من قلبه.
وَقَالَ رويم: اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك وأنا عطشان فاستقيت من دار ففتحت صبية بابها ومعها كوز فلما رأتني قَالَتْ: صوفي يشرب بالنهار فَمَا أفطرت بَعْد ذَلِكَ اليوم قط،
[ ١ / ٨٥ ]
وَقَالَ رويم: إِذَا رزقك اللَّه المقال والفعال فأخذ منك المقال وأبقى عليك الفعال فإنها نعمة، وإذا أخذ منك الفعال وأبقى عليك المقال فإنها مصيبة، وإذا أخذ منك كليهما فَهِيَ نقمة.
[ ١ / ٨٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن الفضل البلخي ساكن سمرقند بلخي الأصل أخرج منها فدخل سمرقند وَمَاتَ بِهَا وصحب أَحْمَد بْن خضريه وغيره وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الحيري يميل إِلَيْهِ جدا، مَات سنة تسع عشرة وثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد الفراء يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن عُثْمَان يَقُول: كتب أَبُو عُثْمَان الحيري إِلَى مُحَمَّد بْن الفضل يسأله مَا علامة الشقاوة؟ فَقَالَ: ثلاثة أشياء يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترم لَهُمْ، وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الحيري يَقُول: مُحَمَّد بْن الفضل سمسار الرجال سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: الراحة فِي السجن من أماني النفوس، سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الفضل يَقُول: ذهاب الإِسْلام من أربعة لا يعملون بِمَا يَعْلَمُونَ ويعملون بِمَا لا يَعْلَمُونَ ولا يتعلمون مَا لا يَعْلَمُونَ ويمنعون النَّاس من التعلم، وبهذا الإسناد قَالَ العجب مِمَّن يقطع المفاوز ليصل إِلَى بيته فيرى آثار النبوة كَيْفَ لا يقطع نَفْسه وهواه ليصل إِلَى قلبه فيرى آثار ربه وَقَالَ: إِذَا رأيت المريد يستزيد من الدنيا فذلك من علامات إدباره،
[ ١ / ٨٧ ]
وسئل عَنِ الزهد فَقَالَ: النظر إلى الدنيا بعين النقص والإعراض عَنْهَا تعززا وتظرفا وتشرفا.
[ ١ / ٨٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن نصر الزقاق الكبير كَانَ من أقران الجنيد من أكابر مصر سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت الكتاني يَقُول: لما مَات الزقاق انقطعت حجة الفقراء فِي دخولهم مصر، وَقَالَ الزقاق من لَمْ يصحبه التقي فِي فقره أكل الحرام المحض.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول: سمعت الزقاق يَقُول: تهت فِي تيه بَنِي إسرائيل مقدار خمسة عشر يوما فلما وقعت عَلَى الطريق استقبلني إِنْسَان جندي فسقاني شربة من ماء فعادت قسوتها عَلَى قلبي ثلاثين سنة.
[ ١ / ٨٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي لقى أبا عَبْد اللَّهِ النباجي وصحب أبا سَعِيد الخراز وغيره شيخ الْقَوْم وإمام الطائفة فِي الأصول والطريقة مَات ببغداد سنة إحدى وتسعين ومائتين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي يَقُول: كُل ما توهمه قلبك أو رسخ فِي مجاري فكرتك أَوْ خطر فِي معارضات قلبك من حسن أَوْ بهاء أَوْ أَنَس أَوْ جمال أَوْ ضياء أَوْ شبح أَوْ نور أَوْ شخص أَوْ خيال فالله تَعَالَى بعيد من ذَلِكَ ألا تسمع إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَقَالَ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ آية ٣-٤﴾ وبهذا الإسناد قَالَ: العلم قائد والخوف سائق والنفس حرون بَيْنَ ذَلِكَ جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم وسقها بتهديد الخوف يتم لَك مَا تريد وَقَالَ: لا يقع عَلَى الواجد عبارة لأنه سر اللَّه عِنْدَ الْمُؤْمِنيِنَ.
[ ١ / ٩٠ ]
وَمِنْهُم سمنون بْن حمزة وكنيته أَبُو الْحَسَنِ ويقال: أَبُو القاسم، صحب السري وأبا أَحْمَد القلانسي ومحمد بْن عَلِيّ القصار وغيرهم، قيل إنه أنشد:
وليس لي فِي سواك حظ فكيما شئت فاختبرني
فأخذه الأسر من ساعته فكان يدور عَلَى المكاتب وَيَقُول: ادعوا لعمكم الكذاب وقيل: إنه أنشد هذه الأبيات فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه لبعض: سمعت البارحة وكنت فِي الرستاق صوت أستاذنا سمنون يدعو اللَّه ويتضرع إِلَيْهِ ويسأله الشفاء فَقَالَ آخر: وأنا أَيْضًا كنت سمعت هَذَا البارحة وكنت بالموضع الفلاني فَقَالَ ثالث ورابع مثل هَذَا، فأخبر سمنون وَكَانَ قَدْ أمتحن بعلة الأسر وَكَانَ يصبر ولا يجزع فلما سمعهم يقولون هَذَا وَلَمْ يكن هُوَ دعا ولا نطق بشيء من ذَلِكَ علم أَن المقصود منه إظهار الجزع تأدبا بالعبودية وسترا لحاله فأخذ يطوف عَلَى المكاتب وَيَقُول: ادعوا لعمكم الكذاب.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن الْحَسَن البغدادي يَقُول: سمعت جعفرا الخلدي يَقُول: قَالَ لي أَبُو أَحْمَد المغازي كَانَ ببغداد رجل فرق عَلَى الفقراء أربعين ألف درهم فَقَالَ لي سمنون: يا أبا أَحْمَد ألا ترى مَا قَدْ أنفق هَذَا وَمَا قَدْ عمله ونحن مَا نجد شَيْئًا؟ فامض بنا إِلَى موضع نصلي فِيهِ بكل درهم أنفقه ركعة،
[ ١ / ٩١ ]
فمضينا إِلَى المدائن فصلينا أربعين ألف صلاة وَكَانَ سمنون ظريف الخلق أَكْثَر كلامه فِي المحبة وَكَانَ كبير الشأن مَات قبل الجنيد كَمَا قيل.
[ ١ / ٩٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو عُبَيْد البسري من قدماء المشايخ صحب أبا تراب النخشبي.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: سمعت ابْن الجلاء يَقُول: لقيت ست مائة شيخ مَا رأيت مثل أربعة: ذي النون الْمِصْرِي وأبي تراب النخشبي وأبي عُبَيْد البسري.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْبَغَوِي يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مَعْمَر يَقُول: سمعت أبا ذرعة الحسني يَقُول: كَانَ أَبُو عُبَيْد البسري يوما عَلَى جرجر يدرس قمحا لَهُ وبينه وبين الحج ثلاثة أَيَّام إذ أتاه رجلان فقالا: يا أبا عُبَيْدَة تنشط للحج؟ فَقَالَ: لا ثُمَّ التفت إِلَى وَقَالَ: شيخك عَلَى هَذَا أقدر منهما يَعْنِي نَفْسه.
[ ١ / ٩٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو الفوارس شاه بْن شجاع الكرماني كَانَ من أولاد الملوك صحب أبا تراب النخشبي وأبا عُبَيْد البسري وأولئك الطبقة، وَكَانَ أحد الفتيان كبير الشأن مَات قبل الثلاث مائة، وَقَالَ شاه: علامة التقوى الورع وعلامة الورع الوقوف عِنْدَ الشبهات وَكَانَ يَقُول لأَصْحَابه: اجتنبوا الكذب والخيانة والغيبة ثُمَّ اصنعوا مَا بدالكم.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت جدى ابْن نجيد يَقُول: قَالَ شاه الكرماني: من غض بصره عَنِ المحارم وأمسك نَفْسه عَنِ الشهوات وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة وعود نَفْسه أكل الحلال لَمْ تخطئ لَهُ فراسة.
[ ١ / ٩٤ ]
وَمِنْهُم يُوسُف بْن الْحُسَيْن شيخ الري والجبال فِي وقته وَكَانَ نسيج وحده فِي إسقاط التصنع وَكَانَ عالما أديبا صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي ورافق أبا سَعِيد الخراز، مَات سنة أربع وثلاث مائة.
قَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: لأن ألقى اللَّه تَعَالَى بجميع المعاصي أحب إِلَى من أَن ألقاه بذرة من التصنع.
وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: إِذَا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أَنَّهُ لا يجئ منه شَيْء.
وكتب إِلَى الجنيد لا أذاقك اللَّه طعم نفسك فإنك إِن ذقتها لَمْ تذق بعدها خيرا أبدا.
وَقَالَ يُوسُف بْن الْحُسَيْن: رأيت آفات الصوفية فِي صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد ورفق النسوان.
[ ١ / ٩٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عَلِي الترمذي من كبار الشيوخ وَلَهُ تصانيف فِي علوم الْقَوْم صحب أبا تراب النخشبي وَأَحْمَد بْن خضرويه وابن الجلاء وغيرهم.
سئل مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَن صفة الخلق فَقَالَ: ضعف ظاهر ودعوى عريضة.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ مَا صنفت حرفا عَن تدبير ولا ينسب إلي شَيْء منه ولكن كَانَ إِذَا اشتد عَلِي وقتي أتسلي بِهِ.
[ ١ / ٩٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عُمَر الوراق الترمذي أقام ببلخ وصحب أَحْمَد بْن خضرويه وغيره وَلَهُ تصانيف فِي الرياضات.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن مُحَمَّد البلخي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الوراق يَقُول: من أرضى الجوارح بالشهوات غرس فِي قلبه شجر الندامات.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر البلخي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الوراق يَقُول: لو قيل للطمع من أبوك قَالَ الشك فِي المقدور، ولو قيل مَا حرفتك قَالَ اكتساب الذل، ولو قيل مَا غايتك قَالَ الحرمان.
وَكَانَ أَبُو بَكْر الوراق يمنع أَصْحَابه عَنِ الأسفار والسياحات وَيَقُول: مفتاح كُل بركة الصبر فِي موضع إرادتك إِلَى أَن تصح لَك الإرادة، فَإِذَا صحت لَك الإرادة فَقَدْ ظهرت عليك أوائل البركة.
[ ١ / ٩٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو سَعِيد أَحْمَد بْن عيسى الخراز من أهل بغداد صحب ذا النون المصري والنباجي وأبا عُبَيْد البسري والسري وبشرا وغيرهم، مَات سنة سبع وسبعين ومائتين.
قَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: كُل باطن يخالفه ظاهر فهول باطل.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الصياد يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الخراز يَقُول: رأيت إبليس فِي النوم وَهُوَ يمر عني ناحية فَقُلْتُ لَهُ: تَعَالَى مَالِك؟ فَقَالَ: إيش أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عَن نفوسكم مَا أخادع بِهِ النَّاس فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ الدنيا فلما ولى عنى التقت إلي وَقَالَ: غَيْر أَن لي فيكم لطيفة فَقُلْتُ: وَمَا هي؟ قَالَ: صحبة الأحداث.
وَقَالَ أَبُو سَعِيد الخراز: صحبت الصوفية مَا صحبت فَمَا وقع بيني وبينهم خلاف قَالُوا لَمْ؟ قَالَ: لأني كنت معهم عَلَى نفسي.
[ ١ / ٩٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل المغربي أستاذ إِبْرَاهِيم بْن شيبان وتلميذ عَلِي بْن رزين عاش مائة وعشرين سنة وَمَاتَ سنة تسع وتسعين ومائتين، كَانَ عجب الشأن لَمْ يأكل مِمَّا وصلت إِلَيْهِ يد بَنِي آدم سنين كثيرة، وَكَانَ يتناول من أصول الحشيش أشياء تعود أكلها.
وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ المغربي: أفضل الأعمال عُمَارَة الأوقات بالموافقات وَقَالَ: أَعْظَم النَّاس ذلا فَقِير داهن غنيا أَوْ تواضع لَهُ، وَأَعْظَم الخلق عزا غنى تذلل للفقراء وحفظ حرمتهم.
[ ١ / ٩٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مسروق من أهل طوس سكن بغداد وصحب الْحَارِث المحاسبي والسري السقطي توفي ببغداد سنة تسع.
وقيل: سنة ثمان وتسعين ومائتين، قَالَ ابْن مسروق من راقب اللَّه تَعَالَى فِي خطرات قلبه عصمه اللَّه فِي حركات جوارحه، وَقَالَ: تعظيم حرمات الْمُؤْمِنيِنَ من تعظيم حرمات اللَّه تَعَالَى وَبِهِ يصل العبد إِلَى محل حقيقية التقوى، وَقَالَ: شجرة المعرفة تسقي بماء الفكرة، وشجرة الغفلة تسقي بماء الجهل، وشجرة التوبة تسقي بماء الندامة، وشجرة المحبة تسقي بماء الاتفاق والموافقة، وَقَالَ: مَتَى طمعت فِي المعرفة وَلَمْ تحكم قبلها مدارج الإرادة فأنت فِي جهل، ومتى طلبت الإرادة قبل تصحيح مقام التوبة فأنت فِي غفلة عما تطلب.
[ ١ / ١٠٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن سهل الأَصْبَهَانِي من أقران الجنيد قصده عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي فِي دين ركبه فقضاه عَنْهُ وَهُوَ ثلاثون ألف درهم، لقي أبا تراب النخشبي والطبقة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الطبري يَقُول: سمعت عَلِي بْن سهل يَقُول: المبادرة إِلَى الطاعات من علامة التوفيق، والتقاعد عَنِ المخالفات من علامات حسن الرعاية، ومراعاة الأسرار من علامات التيقظ وإظهار الدعاوى من رعونات البشرية، ومن لَمْ تصح مبادئ إرادته لا يسلم فِي منتهي عواقبه.
[ ١ / ١٠١ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجريري من كبار أَصْحَاب الجنيد وصحب سهل بْن عَبْد اللَّهِ أقعد بَعْد الجنيد فِي مكانه وَكَانَ عالما بعلوم هذه الطائفة كبير الحال، مَات سنة إحدى عشرة وثلاث مائة.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري يَقُول: مَات الجريري سنة الهبير فجزت بِهِ بَعْد سنة فَإِذَا هُوَ مستند جالس وركبته إِلَى صدره وَهُوَ مشير إِلَى اللَّه بأصبعه.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن الفارسي يَقُول: سمعت أبا مُحَمَّد الجريري يَقُول: من استولت عَلَيْهِ النفس صار أسيرا فِي حكم الشهوات محصورا فِي سجن الهوى وحرم اللَّه عَلَى قلبه الفوائد فلا يستلذ بكلام الحق تَعَالَى ولا يستحليه وإن كثر ترداده عَلَى لسانه لقوله تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وَقَالَ الجريري: رؤية الأصول باستعمال الفروع، وتصحيح الفروع بمعارضة الأصول، ولا سبيل إِلَى مقام مشاهدة الأصول إلا بتعظيم مَا عظم اللَّه من الوسائط والفروع.
[ ١ / ١٠٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سهل بْن عَطَاء الأدمي من كبار مشايخ الصوفية وعلمائهم كن الخراز يعظم شأنه وَهُوَ من أقران الجنيد وصحب إِبْرَاهِيم المارستاني، مَات سنة تسع وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا سَعِيد الْقُرَشِيّ يَقُول: سمعت ابْن عَطَاء يَقُول: من ألزم نَفْسه آداب الشريعة نور اللَّه قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ﷺ فِي أوامره وأفعاله وأخلاقه.
وَقَالَ ابْن عَطَاء: أَعْظَم الغفلة غفلة العبد عَن ربه وغفلته عَن أوامره ونواهيه وغفلته عَن آداب معاملته.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَحْمَد الصوفي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء يَقُول: كُل مَا سئلت عَنْهُ فاطلبه فِي مفازة العلم، فَإِن لَمْ تجده ففي ميدان الحكمة، فَإِن لَمْ تجده فزنه بالتوحيد، فَإِن لَمْ تجده فِي هذه المواضع الثلاثة فاضرب بِهِ وجه الشَّيْطَان.
[ ١ / ١٠٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَد الخواص من أقران الجنيد والنوري وَلَهُ فِي التوكل والرياضات حظ كبير.
مَات بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين كَانَ مبطونا فكان كلما قام توضأ وعاد إِلَى الْمَسْجِد وصلى ركعتين فدخل مرة الماء فمات ﵀.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: لَيْسَ العلم بكثرة الرواية إِنَّمَا العالم من اتبع واستعمله واقتدى بالسنن وإن كَانَ قليل العلم.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِي بْن جَعْفَر يَقُول: سمعت الأزدي يَقُول: سمعت الخواص يَقُول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة الْقُرْآن بالتدبير وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عِنْدَ السحر ومجالسة الصالحين.
[ ١ / ١٠٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الخراز من أهل الري جاور بمكة صحب أبا حفص وأبا عمران الكبير وَكَانَ من المتورعين مَات قبل العشرة والثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا نصر الطوسي يَقُول: سمعت الدقي يَقُول: دخلت عَلَى عَبْد اللَّهِ الخراز ولي أربعة أَيَّام لَمْ آكل فَقَالَ: يجوع أحدكم أربعة أَيَّام فيصبح ينادى عَلَيْهِ الجوع ثُمَّ قَالَ: إيش يَكُون لو أَن كُل نفس منفوسة تلفت فيما تؤمله عِنْدَ اللَّه؟ ترى يَكُون ذَلِكَ كثيرا؟ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ الخراز: الجوع طَعَام الزاهدين والذكر طَعَام العارفين.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ بنان بْن مُحَمَّد الحمال واسطي الأصل أقام بمصر وَمَاتَ بِهَا سنة ست عشرة وثلاث مائة كبير الشأن صاحب الكرامات.
سئل بنان عَن أجل أحوال الصوفية فَقَالَ: الثقة بالمضمون والقيام بالأوامر ومراعاة السر والتخلي من الكونين.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن أَحْمَد الرازي يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: ألقى بنان الحمال بَيْنَ يدي السبع فجعل السبع يشمه ولا يضره، فلما أخرج قيل لَهُ: مَا الَّذِي كَانَ فِي قلبك حيث شمك السبع؟ قَالَ: كنت أفكر فِي اخْتِلاف الْعُلَمَاء فِي سؤر السباع.
[ ١ / ١٠٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو حمزة البغدادي البزار مَات قبل الجنيد وَكَانَ من أقرانه صحب السري والحسن المسوحي وَكَانَ عالما بالقراءات فقيها، وَكَانَ من أولاد عيسى بْن أبان وَكَانَ أَحْمَد بْن حنبل يَقُول لَهُ فِي المسائل: مَا تقول فِيهَا يا صوفي؟ .
قيل: كَانَ يتكلم فِي مجلسه يَوْم جمعة فتغير عَلَيْهِ الحال فسقط عَن كرسيه وَمَاتَ فِي الجمعة الثَّانِيَة، وقيل: مَات سنة تسع وثمانين ومائتين.
قَالَ أَبُو حمزة: من علم طريق الحق تَعَالَى سهل عَلَيْهِ سلوكه، ولا دليل عَلَى الطريق إِلَى اللَّه تَعَالَى إلا متابعة الرسول ﷺ فِي أحواله وأفعاله وأقواله، وَقَالَ أَبُو حمزة: من رزق ثلاثة أشياء فَقَدْ نجا من الآفات: بطن خال مَعَ قلب قانع، وفقر دائم مَعَهُ زهد حار، وصبر كامل مَعَهُ ذكر دائم.
[ ١ / ١٠٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن مُوسَى الواسطي خراساني الأصل من فرغانة صحب الجنيد والنوري عالم كبير الشأن أقام بمرو وَمَاتَ بِهَا بَعْد العشرين وثلاث مائة.
قَالَ الواسطي: الخوف والرجاء زمامان يمنعان من سوء الأدب وَقَالَ: مطالعة الأعواض عَلَى الطاعات من نسيان الفضل، وَقَالَ الواسطي: إِذَا أراد اللَّه هوان عَبْد ألقاه إِلَى هَؤُلاءِ الأنتان والجيف يريد بِهِ صحبة الأحداث.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الْعَزِيز المروزي يَقُول: سمعت الواسطي ﵀ يَقُول: جعلوا سوء أدبهم إخلاصا، وشره نفوسهم انبساطا، ودناءة الهمم جلادة، فعموا عَنِ الطريق وسلكوا فِيهِ المضيق فلا حياة تنمو فِي شواهدهم ولا عُبَادَة تزكو فِي محاضرتهم، إِن نطقوا فبالغضب، وإن خاطبوا فبالكبر، توثب أنفسهم ينبئ عَن ضمائرهم، وشرحهم فِي المأكول يظهر مَا فِي سويداء أسرارهم، قاتلهم اللَّه أنى يؤفكون.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: سمع بَعْض المراوزة إِنْسَانا صيدلانيا يَقُول: اجتاز الواسطي يقوم جمعة بباب حانوتي قاصدا إِلَى الجامع فانقطع شسع نعله، فَقُلْتُ: أيها الشيخ أتأذن لي أَن أصلح نعلك؟ فَقَالَ: أصلح
[ ١ / ١٠٨ ]
فاصلحت شسعة فَقَالَ: أتدري لَمْ أنقطع شسع نعلي؟ فَقُلْتُ: حَتَّى تقول، قَالَ: لأني مَا اغتسلت للجمعة، فَقُلْتُ لَهُ: يا سيدي ههنا حمام تدخله؟ فَقَالَ: نعم فأدخلته الحمام فاغتسل.
[ ١ / ١٠٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ بْن الصائغ واسمه عَلِي بْن مُحَمَّد بْن سهل الدينوري أقام بمصر وَمَاتَ بِهَا من كبار المشايخ، قَالَ أَبُو عُثْمَان المغربي: مَا رأيت من المشايخ أنور من أَبِي يعقوب النهرجوري ولا أَكْثَر هيبة من أَبِي الْحَسَن بْن الصائغ، مَات سنة ثلاثين وثلاث مائة سئل ابْن الصائغ عَنِ الاستدلال بالمشاهد عَلَى الغائب فَقَالَ: كَيْفَ يستدل بصفات من لَهُ مثل ونظير عَلَى من لا مثل لَهُ ولا نظير.
وسئل عَن صفة المريد فَقَالَ: مَا قَالَ اللَّه ﷿: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية.
وَقَالَ: الأحوال كالبروق فَإِذَا ثبتت فَهُوَ حَدِيث النفس وملازمة الطبع.
[ ١ / ١١٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن دَاوُد الرقي من كبار مشايخ الشام من أقران الجنيد وابن الجلاء وَقَدْ عُمَر وعاش إِلَى سنة ست وعشرين وثلاث مائة.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم الرقي: المعرفة بإثبات الحق عَلَى مَا هُوَ خارجا عَن كُل مَا هُوَ موهوم.
وَقَالَ: القدرة ظاهرة، والأعين مفتوحة ولكن أنوار البصائر قَدْ ضعفت، وَقَالَ: أضعف الخلق من ضعف عَن رد شهواته، وأقوى الخلق من قوى عَلَى ردها، وَقَالَ: علامة محبة اللَّه إبثار طاعته ومتابعة نبيه ﷺ.
[ ١ / ١١١ ]
وَمِنْهُم ممشاد الدينوري من كبار مشايخهم، مَات سنة تسع وتسعين ومائتين.
قَالَ ممشاد: أدب المريد فِي التزام حرمات المشايخ، وخدمة الإخوان والخروج عَنِ الأسباب وحفظ آداب الشرع عَلَى نَفْسه.
وَقَالَ ممشاد: مَا دخلت قط عَلَى أحد من شيوخي إلا وأنا خال من جَمِيع مالي أنظر بركات مَا يريد عَلَى من رؤيته وكلامه فَإِن من دَخَلَ عَلَى شيخ بحظه انقطع عَن بركات رؤيته، ومجالسته وكلامه.
[ ١ / ١١٢ ]
وَمِنْهُم خير النساج صحب أبا حمزة البغدادي ولقى السري وَكَانَ من أقران أَبِي الْحَسَن النوري إلا أَنَّهُ عُمَر عمرا طويلا وعاش كَمَا قيل مائة وعشرين سنة وتاب فِي مجلسه الشبلي والخواص وَكَانَ أستاذ الْجَمَاعَة، وقيل: كَانَ اسمه مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل من سامرة وإنما سمى خيرا النساج لأنه خرج إِلَى الحج فأخذه رجل عَلَى بَاب الكوفة: وَقَالَ أَنْتَ عبدى واسمك خير وَكَانَ أسود فلم يخالفه واستعمله الرجل فِي نسج الخز فكان يَقُول: لَهُ يا خير فَيَقُول لبيك، ثُمَّ قَالَ لَهُ الرجل بَعْد سنتين: غلطت لا أَنْتَ عبدى ولا اسمك خير فمضى وتركه، وَقَالَ: لا أغير اسما سماني بِهِ رجل مُسْلِم.
وَقَالَ: الخوف سوط اللَّه يقوم بِهِ أنفسا قَدْ تعودت سوء الأدب.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن القزويني يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن المالكي يَقُول: سألت من حضرموت خير النساج عَن أمره فَقَالَ: لما حضرت صلاة المغرب غشى عَلَيْهِ ثُمَّ فتح عينيه وأومأ فِي ناحية الْبَيْت وَقَالَ: قف عافاك اللَّه فإنما أَنْتَ عَبْد مأمور وأنا عَبْد مأمور وَمَا أمرت بِهِ لا يفوتك وَمَا أمرت بِهِ يفوتني
[ ١ / ١١٣ ]
ودعا بماء فتوضأ للصلاة وصلى ثُمَّ تمدد وغمض عينيه وتشهد وَمَاتَ فرؤي فِي المنام فقيل لَهُ: مَا فعل اللَّه بك؟ فَقَالَ لسائله: لا تسألني عَن هَذَا ولكن استرحت من دنياكم الوضرة.
[ ١ / ١١٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو حمزة الخراساني بنيسابور أصله من محله ملقاباذ من أقران الجنيد والخراز وأبي تراب النخشبي وَكَانَ ورعا دينا.
قَالَ أَبُو حمزة: من استشعر ذكر الْمَوْت حبب اللَّه إِلَيْهِ كُل باق، وبغض اللَّه كُل فان.
وَقَالَ: العارف بالله يدافع عيشه يوما بيوم ويأخذ عيشه يوما ليوم.
وَقَالَ لَهُ رجل أوصني، فَقَالَ: هيئ زادك للسفر الَّذِي بَيْنَ يديك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الطيب العكي يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن الْمِصْرِي يَقُول: سمعت أبا حمزة الخراساني يَقُول: كنت قَدْ بقيت محرما فِي عباء أسافر كُل سنة ألف فرسخ تطلع الشَّمْس عَلَى وتغرب كلما حللت أحرمت، توفي سنة تسعين ومائتين.
[ ١ / ١١٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر دلف بْن جحدر الشبلي بغدادي المورد والمنشأ وأصله من أسروشنة صحب الجنيد ومن فِي عصره وَكَانَ شيخ وقته حالا وظرفا وعلما، مالكي المذهب عاش سبعا وثمانين سنة وَمَاتَ سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، وقبره ببغداد ولما تاب الشبلي فِي مجلس خير النساج أتي دوماوند وَقَالَ: كنت والي بلدكم فاجعلوني فِي حل، وكانت مجاهداته فِي بدايته فَوْقَ الحد.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: بلغني أَنَّهُ أكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم، ولو لَمْ يكن من تعظيمه للشرع إلا مَا حكاه بكران الدينوري فِي آخر عمره لكان كثيرا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس البغدادي يَقُول: كَانَ الشبلي ﵀ يَقُول فِي آخر أيامه:
[ ١ / ١١٦ ]
وكم من موضع لو مت فِيهِ لكنت بِهِ نكالا فِي العشيرة
وَكَانَ الشبلي إِذَا دَخَلَ شَهْر رمضان جد فَوْقَ جد من عاصره وَيَقُول: هَذَا شَهْر عظمه ربي فأنا أول من يعظمه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ يحكى ذَلِكَ عَنْهُ.
[ ١ / ١١٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد المرتعش نيسابوري من محلة الحيرة وقيل: من ملقاباذ صحب أبا حفص وأبا عُثْمَان ولقي الجنيد وَكَانَ كبير الشأن وَكَانَ يقيم فِي مَسْجِد الشونيزية، مَات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، قَالَ المرتعش: الإرادة حبس النفس عَن مراداتها والإقبال عَلَى أوامر اللَّه تَعَالَى والرضا بموارد الْقَضَاء عَلَيْهِ، وقيل: لَهُ إِن فلانا يمشي عَلَى الماء فَقَالَ: عندي أَن من مكنه اللَّه تَعَالَى من مخالفة هواه فَهُوَ أَعْظَم من المشي فِي الهواء.
[ ١ / ١١٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى أَحْمَد بْن مُحَمَّد الروذباري بغدادي أقام بمصر وَمَاتَ بِهَا سنة اثنين وعشرين وثلاث مائة صحب الجنيد والنوري وابن الجلاء، والطبقة، أظرف المشايخ، وأعلمهم بالطريقة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يَقُول: سئل أَبُو عَلَى الروذباري عمن يسمع الملاهي وَيَقُول: هِيَ لي حلال لأني وصلت إِلَى درجة لا تؤثر فِي اختلاف الأحوال فَقَالَ: نعم قَدْ وصل ولكن إِلَى سقر.
وسئل عَنِ التصوف فَقَالَ: هَذَا مذهب كُلهُ جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل، سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الروذباري يَقُول: من علامة الاغترار أَن تسئ فيحسن اللَّه إليك فتترك الإنابة والتوبة توهما أنك تسامح فِي الهفوات وترى أَن ذَلِكَ من بسط الحق لَك، وَقَالَ: كَانَ أستاذي فِي التصوف الجنيد، وَفِي الفقه أَبُو الْعَبَّاس بْن سريج، وَفِي الأدب ثعلب، وَفِي الْحَدِيث إِبْرَاهِيم الحربي.
[ ١ / ١١٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن منازل شيخ الملامتية وأوحد وقته، صحب حمدون القصار وَكَانَ عالما وكتب الْحَدِيث الكثير مَات بنيسابور سنة تسع وعشرين أَوْ ثلاثين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ المعلم يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: لَمْ يضع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه اللَّه تَعَالَى بتضييع السنن وَلَمْ يبل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أَن يبتلى بالبدع.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد بْن عيسى يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن منازل يَقُول: أفضل أوقاتك وقت تسلم فِيهِ من هواجس نفسك ووقت تسلم النَّاس فِيهِ من سوء ظنك.
[ ١ / ١٢٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب الثقفي إمام الوقت صحب أبا حفص وحمدون القصار وَبِهِ ظهر التصوف بنيسابور، مَات سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا عَلِيّ الثقفي يَقُول: لو أَن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف النَّاس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أَوْ إمام أَوْ مؤدب ناصح ومن لَمْ يأخذ أدبه من أستاذ يريه عيوب أعماله ورعونات نَفْسه لا يَجُوز الاقتداء بِهِ فِي تصحيح المعاملات، وَقَالَ: أَبُو عَلَى ﵀: يَأْتِي عَلَى هذه الأمة زمان لا تطيب المعيشة فِيهِ لمؤمن إلا بَعْد استناده إِلَى منافق، وَقَالَ: أف من أشغالا لدنيا إِذَا أقبلت وأف من حسراتها إِذَا أدبرت، والعاقل من لا يركن إِلَى شَيْء إِذَا أقبل كَانَ شغلا، وإذا أدبر كَانَ حسرة.
[ ١ / ١٢١ ]
وَمِنْهُم أَبُو الخير الأقطع مغربي الأصل سكن تينات وَلَهُ كرامات وفراسة حادة كَانَ كبير الشأن، مَات سنة نيف وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو الخير: مَا بلغ أحد إِلَى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين.
[ ١ / ١٢٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عَلِيّ الكتاني بغدادي الأصل صحب الجنيد والخراز والنوري وجاور بمكة إِلَى أَن مَات سنة اثنين وعشرين وثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: نظر الكتاني إِلَى شيخ أبيض الرأس واللحية يسأل النَّاس فَقَالَ: هَذَا رجل أضاع حق اللَّه فِي صغره فضيعه اللَّه فِي كبره، وَقَالَ الكتاني: الشهوة زمام الشَّيْطَان من أخذ بزمامه كَانَ عبده.
[ ١ / ١٢٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو يعقوب إِسْحَاق بْن مُحَمَّد النهرجوري صحب أبا عَمْرو الْمَكِّي وأبا يعقوب السوسي والجنيد وغيرهم مَات بمكة مجاورا بِهَا سنة ثلاثين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا الْحُسَيْن أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: الدنيا بحر والآخرة ساحل، والمركب التقوى، والناس سفر.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: رأيت رجلا فِي الطواف بفرد عين يَقُول: أعوذ بك منك فَقُلْتُ: مَا هَذَا الدعاء؟ فَقَالَ: نظرت يوما إِلَى الشخص فاستحسنته وإذا لطمة وقعت عَلَى بصرى فسالت عيني فسمعت هاتفا يَقُول: لطمة بنظرة ولو زدت لزدناك.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَلِيّ يَقُول: سمعت النهرجوري يَقُول: أفضل الأحوال مَا قارن العلم.
[ ١ / ١٢٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن مُحَمَّد المزين من أهل بغداد، أَصْحَاب سهل بْن عَبْد اللَّهِ والجنيد والطبقة، مَات بمكة مجاورا سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وَكَانَ ورعا كبيرا.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الرازي يَقُول: سمعت المزين يَقُول: الذنب بَعْد الذنب عقوبة الذنب الأَوَّل، والحسنة بَعْد الحسنة ثواب الحسنة الأولى.
وسئل المزين عَنِ التوحيد فَقَالَ: أَن تعلم أَن أوصافه تَعَالَى بائنة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حدثا.
وَقَالَ: من لَمْ يستغن بالله أحوجه اللَّه إِلَى الخلق، ومن استغنى بالله أحوج اللَّه إِلَيْهِ الخلق.
[ ١ / ١٢٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَلِي بْن الكاتب واسمه الْحَسَن بْن أَحْمَد، صحب أبا عَلِيّ الروذباري وأبا بَكْر الْمِصْرِي وغيرهما، كَانَ كبيرا فِي حاله، مَات سنة نيف وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ ابْن الكاتب: إِذَا سكن الخوف فِي القلب لَمْ ينطق اللسان إلا بِمَا يعنيه.
وَقَالَ ابْن الكاتب: المعتزلة نزهوا اللَّه تَعَالَى من حيث العقل فأخطؤوا، والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا.
[ ١ / ١٢٦ ]
وَمِنْهُم مظفر القرمسيني من أشياخ الجبل صحب عَبْد اللَّهِ الخراز وغيره.
قَالَ مظفر القرمسيني: الصوم عَلَى ثلاثة أوجه: صوم الروح بقصر الأمل، وصوم العقل بخلاف الهوى، وصوم النفس بالإمساك عَنِ الطعام والمحارم.
وَقَالَ مظفر أخس الأرفاق أرفاق النسوان عَلَى أي وجه كَانَ.
وَقَالَ: الجوع إِذَا ساعدته القناعة فَهُوَ من مزرعة الفكر وينبوع الحكمة وحياة الفطنة ومصباح القلب.
وَقَالَ: أفضل أعمال العبيد حفظ أوقاتهم الحاضرة وَهُوَ أَن لا يقصروا فِي أمر ولا يتجاوزوا عَن حد.
وَقَالَ: من لَمْ يأخذ الأدب عَن حَكِيم لَمْ يتأدب بِهِ مريد.
[ ١ / ١٢٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر عَبْد اللَّهِ بْن طاهر الأبهري من أقران الشبلي من مشايخ الجبل عالم ورع صحب يُوسُف بْن الْحُسَيْن وغيره مَات بقرب من الثلاثين والثلاث مائة.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: سمعت أبا بَكْر بْن طاهر يَقُول: من حكم الفقير أَن لا يَكُون لَهُ رغبة فَإِن كَانَ ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته يعنى المحتاج إِلَيْهِ، وبهذا الإسناد قَالَ: إِذَا أحببت أَخَا فِي اللَّه فأقلل مخالطته فِي الدنيا.
[ ١ / ١٢٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بْن بنان ينتمي إِلَى أَبِي سَعِيد الخراز من كبار مشايخ مصر قَالَ ابْن بنان: كُل صوفي كَانَ هُم الرزق قائما فِي قلبه، فلزوم العمل أقرب إِلَيْهِ، وعلامة سكون القلب إِلَى اللَّه أَن يَكُون بِمَا فِي يد اللَّه أوثق منه بِمَا فِي يده، وَقَالَ: اجتنبوا دناءة الأخلاق كَمَا تجتنبون الحرام.
[ ١ / ١٢٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن شيبان القرمسيني شيخ وقته صحب أبا عَبْد اللَّهِ المغربي والخواص وغيرهما.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت أبا يَزِيد المروزي الفقيه يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن شيبان يَقُول: من أراد أَن يتعطل أَوْ يتبطل فليلزم الرخص.
وبهذا الإسناد قَالَ: علم الفناء والبقاء يدور عَلَى إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وَمَا كَانَ غَيْر هَذَا فَهُوَ المغاليط والزندقة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: السفلة من يعصى اللَّه ﷿.
[ ١ / ١٣٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر الْحُسَيْن بْن عَلِي بْن يزدانيار من أرمينية لَهُ طريقة يختص بِهَا فِي التصوف وَكَانَ عالما ورعا وَكَانَ ينكر عَلَى بَعْض العارفين فِي إطلاقات وألفاظ لَهُمْ.
قَالَ ابْن يزدانيار: إياك أَن تطمع فِي الأنس بالله وأنت تحب الأنس بالناس، وإياك أَن تطمع فِي حب اللَّه وأنت تحب الفضول، وإياك أَن تطمع فِي المنزلة عِنْدَ اللَّه وأنت تحب المنزلة عِنْدَ النَّاس.
[ ١ / ١٣١ ]
وَمِنْهُم أَبُو سَعِيد بْن الأعرابي واسمه أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد البصري جاور الحرم وَمَاتَ بِهِ سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، صحب الجنيد وعمرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي والنوري وغيرهم، قَالَ ابْن الأعرابي: أخسر الخاسرين من أبدى لِلنَّاسِ صَالِح أعماله، وبارز بالقبيح من هُوَ أقرب إِلَيْهِ من حبل الوريد.
[ ١ / ١٣٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الزجاجي النَّيْسَابُورِيّ جاور بمكة سنين كثيرة وَمَاتَ بِهَا، صحب الجنيد وأبا عُثْمَان والنوري والخواص ورويما، مَات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت جدى أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: سئل أَبُو عَمْرو الزجاجي مَا بالك تتغير عِنْدَ التكبيرة الأولى فِي الفرائض؟ فَقَالَ: لأني أخشي أَن أفتتح فريضتي بخلاف الصدق، فمن يَقُول: اللَّه أكبر وَفِي قلبه شَيْء أكبر منه أَوْ قَدْ كبر شَيْئًا سواه عَلَى مرور الأوقات فَقَدْ كذب نَفْسه عَلَى لسانه، وَقَالَ: من تكلم عَن حال لَمْ يصل إِلَيْهِ كَانَ كلامه فتنة لمن يسمعه، ودعوى تتولد فِي قلبه، وحرمه اللَّه الوصول إِلَى تلك الحال.
وَقَدْ جاور بمكة سنين كثيرة لَمْ يتطهر فِي الحرم بَل كَانَ يخرج إِلَى الحل ويتطهر فِيهِ احتراما للحرم.
[ ١ / ١٣٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن نصير بغدادي المنشأة والمولد صحب الجنيد وانتمى إِلَيْهِ وصحب النوري ورويما وسمنون والطبقة.
مَات ببغداد سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
قَالَ جَعْفَر: لا يجد العبد لذة المعاملة مَعَ اللَّه مَعَ لذة النفس، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق الَّتِي تقطعهم عَنِ الحق قبل أَن تقطعهم العلائق.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن شاذان يَقُول: سمعت جعفرا يَقُول: إِن مَا بَيْنَ العبد وبين الوجود أَن تسكن التقوى قلبه، فَإِذَا سكنت التقوى قلبه نزلت عَلَيْهِ بركات العلم، وزالت عَنْهُ رغبة الدنيا.
[ ١ / ١٣٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس السياري واسمه القاسم بْن القاسم من مرور صحب الواسطي وانتمى إِلَيْهِ فِي علوم هذه الطائفة وَكَانَ عالما، مَات سنة اثنين وأربعين وثلاث مائة، سئل أَبُو الْعَبَّاس السياري بماذا يروض المريد نَفْسه؟ فَقَالَ: بالبصر عَلَى فعل الأوامر واجتناب النواهي وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء، وَقَالَ: مَا التذ عاقل بمشاهدة الحق قط، لأن مشاهدة الحق فناء لَيْسَ فِيهَا لذة.
[ ١ / ١٣٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن دَاوُد الدينوري المعروف بالدقي أقام بالشام وعاش أَكْثَر من مائة سنة مَات بدمشق بَعْد الخمسين والثلاث مائة صحب ابْن الجلاء والزقاق، قَالَ أَبُو بَكْر الدقي: المعدة موضوع يجمع الأطعمة فاذا طرحت فِيهَا الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، وإذا طرحت فِيهَا الشبهة اشتبه عليك الطريق إِلَى اللَّه، وإذا طرحت فِيهَا التبعات كَانَ بينك وبين أمر اللَّه حجاب.
[ ١ / ١٣٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الرازي مولده ومنشؤه بنيسابور صحب أبا عُثْمَان الحيري والجنيد ويوسف بْن الْحُسَيْن ورويما وسمنونا وغيرهم، مَات سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن ﵀ يَقُول: سمعت عَبْد اللَّهِ الرازي يَقُول وَقَدْ سئل: مَا بال النَّاس يعرفون عيوبهم ولا يَرْجِعُونَ إِلَى الصواب؟ فَقَالَ: لأنهم اشتغلوا بالمباهاة بالعلم وَلَمْ يشتغلوا باستعماله واشتغلوا بالظواهر وَلَمْ يشتغلوا بآداب البواطن، فأعمى اللَّه قلوبهم وقيد جوارحهم عَنِ العبادات.
[ ١ / ١٣٧ ]
وَمِنْهُم أَبُو عُمَر إِسْمَاعِيل بْن نجيد صحب أبا عُثْمَان ولقي الجنيد وَكَانَ كبير الشأن آخر من مَات من أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان.
توفي بمكة سنة ست وستين وثلاث مائة، سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يَقُول: سمعت أبا عَمْرو بْن نجيد يَقُول: كُل حال لا يَكُون عَن نتيجة علم فَإِن ضرره عَلَى صاحبه أَكْثَر من نفعه، قَالَ: وسمعته يَقُول: من ضيع فِي وقت من أوقاته فريضة افترضها اللَّه عَلَيْهِ حرم لذة تلك الفريضة ولو بَعْد حِينَ.
قَالَ: وسئل عَنِ التصوف فَقَالَ: الصبر تَحْتَ الأمر والنهي قَالَ: وَقَالَ: آفة العبد رضاه من نَفْسه بِمَا هُوَ فِيهِ.
[ ١ / ١٣٨ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن أَحْمَد بْن سهل البوشنجي أحد فتيان خراسان لقي أبا عُثْمَان وابن عَطَاء والجريري وأبا عَمْرو الدمشقي، مَات سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
وسئل البوشنجي عَنِ المروءة فَقَالَ: هِيَ ترك استعمال مَا هُوَ محرم عليك مَعَ الكرام الكاتبين، وَقَالَ لَهُ إِنْسَان: ادع اللَّه لي فَقَالَ: أعاذك اللَّه من فتنتك، وَقَالَ: أول الإيمان منوط بآخره.
[ ١ / ١٣٩ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن خفي الشيرازي صحب رويما والجريري وابن عَطَاء وغيرهم، مَات سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة شيخ الشيوخ وواحد وقته.
قَالَ ابْن خفيف: الإرادة استدامة الكد وترك الراحة وَقَالَ: لَيْسَ شَيْء أضر عَلَى المريد من مسامحة النفس فِي ركوب الرخص وقبول التأويلات.
وسئل عَنِ القرب فَقَالَ: قربك منه تَعَالَى بملازمة الموافقات وقربه منك بدوام التوفيق.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الصوفي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: رُبَّمَا كنت أقرأ فِي ابتداء أمرى فِي ركعة واحدة عشر آلاف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وربما كنت اقرأ فِي ركعة واحدة الْقُرْآن كُلهُ، وربما كنت أصلي من الغداة إِلَى العصر ألف ركعة.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن باكويه الشيرازي ﵀ يَقُول: سمعت أبا أَحْمَد الصغير يَقُول: دَخَلَ يوما من الأيام فَقِير، فَقَالَ للشيخ أَبِي عَبْد اللَّهِ بْن خفيف: بي وسوسة، فَقَالَ الشيخ: عهدي بالصوفية يسخرون من الشَّيْطَان والآن الشَّيْطَان يسخر مِنْهُم، وسمعته يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس الكرخي يَقُول: سمعت أبا عَبْد اللَّهِ بْن خفيف يَقُول: ضعفت عَنِ القيام فِي النوافل فجعلت بدل كُل ركعة من أورادي ركعتين قاعدا للخبر: صلاة القاعد عَلَى النصف من صلاة القائم.
[ ١ / ١٤٠ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بندار بْن الْحُسَيْن الشيرازي كَانَ عالما بالأصول كبيرا فِي الحال صحب الشبلي.
مَات بأرجان سنة ثَلاث وخمسين وثلاث مائة.
قَالَ بندار بْن الْحُسَيْن لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لَك دعها لمالكها يفعل بِهَا مَا يريد، وَقَالَ بندار: صحبة أهل البدع تورث الإعراض عَنِ الحق، وَقَالَ بندار: أترك مَا تهوى لما تأمل.
[ ١ / ١٤١ ]
وَمِنْهُم أَبُو بَكْر الطمستاني: صحب إِبْرَاهِيم الدباغ وغيره، وَكَانَ أوحد وقته علما وحالا.
مَات بنيسابور بَعْد سنة أربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو بَكْر الطمستاني: النعمة العظمي الخروج من النفس والنفس أَعْظَم حجاب بينك وبين اللَّه.
سمعت أبا عَبْد اللَّهِ الشيرازي ﵀ يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ الأَصْبَهَانِي يَقُول: سمعت أبا بَكْر الطمستاني يَقُول: إِذَا هُم القلب عوقب فِي الوقت، وَقَالَ: الطريق واضح والكتاب والسنة قائم بَيْنَ أظهرنا وفضل الصَّحَابَة معلوم لسبقهم إِلَى الهجرة ولصحبتهم، فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عَنْهُ نَفْسه والخلق وهاجر بقلبه إِلَى اللَّه فَهُوَ الصادق المصيب
[ ١ / ١٤٢ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدينوري صحب يُوسُف بْن الْحُسَيْن وابن عَطَاء والجريري وَكَانَ عالما فاضلا ورد نيسابور وأقام بِهَا مدة وَكَانَ يعظ النَّاس، ويتكلم عَلَى لسان المعرفة، ثُمَّ ذهب إِلَى سمرقند وَمَاتَ بِهَا بَعْد الأربعين وثلاث مائة.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: أدنى الذكر أَن تنسى مَا دونه، ونهاية الذكر أَن يغيب الذاكر فِي الذكر عَنِ الذكر، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينوري: نقضوا أركان التصوف وعدموا سبيلها وغيروا معانيها بأسامي أحدثوها، سموا الطمع زيادة، وسوء الأدب إخلاصا، والخروج عَنِ الحق شطحا، والتلذذ بالمذموم طيبة، واتباع الهوى ابتلاء، والرجوع عَلَى الدنيا وصلا، وسوء الخلق صولة، والبخل جلادة، والسؤال عملا، وبذاءة اللسان ملامة، وَمَا هَذَا كَانَ طريق الْقَوْم
[ ١ / ١٤٣ ]
وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن سلام المغربي أوحد عصره لَمْ يوصف مثله قبله، صحب ابْن الكاتب وحبيبا المغربي وأبا عَمْرو الزجاجي ولقي النهرجوري وابن الصائغ وغيرهم.
مَات بنيسابور سنة ثَلاث وسبعين وثلاث مائة، وأوصي بأن يصلي عَلَيْهِ الإِمَام أَبُو بَكْر بْن فورك رحمه اللَّه تَعَالَى.
سمعت الأستاذ أبا بَكْر بْن فورك يَقُول: كنت عِنْدَ أَبِي عُثْمَان المغربي حِينَ قرب أجله وعلى القوال الصغير يَقُول شَيْئًا، فلما تغير عَلَيْهِ الحال أشرنا عَلَى عَلِي بالسكوت ففتح الشيخ أَبُو عُثْمَان عينيه، وَقَالَ: لَمْ لا يَقُول عَلِي شَيْئًا؟ فَقُلْتُ لبعض الحاضرين: سلوه علام يسمع المستمع فإني أحتشمه فِي تلك الحالة، فسألوه فَقَالَ: إِنَّمَا يسمع من حيث يسمع وَكَانَ فِي الرياضة كبير الشأن.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان: التقوى هِيَ الوقوف مَعَ الحدود لا يقصر فِيهَا ولا يتعداها، وَقَالَ: من آثر صحبة الأغنياء عَلَى مجالسه الفقراء ابتلاه اللَّه بموت القلب.
[ ١ / ١٤٤ ]
وَمِنْهُم أَبُو القاسم إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد النصرأباذي شيخ خراسان فِي وقته صحب الشبلي وأبا عَلِي الروذباري والمرتعش، جاور بمكة حرسها اللَّه تَعَالَى سنة ست وستين وثلاث مائة وَمَاتَ بِهَا سنة تسع وستين وثلاث مائة وَكَانَ عالما بالحَدِيث كثيرا الرواية.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت النصرأباذي يَقُول: إِذَا بدا لَك شَيْء من بوادي الحق فلا تلتفت معها إِلَى جنة ولا إِلَى نار فَإِذَا رجعت عَن تلك الحال فعظم مَا عظمه اللَّه.
وسمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قبل للنصر أباذي: إِن بَعْض النَّاس يجالس النسوان يَقُول: أنا معصوم فِي رؤيتهن فَقَالَ: ما دامت الأشباح باقية فان الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب بِهِ ولن يجترئ عَلَى الشبهات إلا من تعرض للمحرمات.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: قَالَ النصراباذي: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ ورؤية أعذار الخلق والمداومة عَلَى الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات.
[ ١ / ١٤٥ ]
وَمِنْهُم أَبُو الْحَسَنِ عَلِي بْن إِبْرَاهِيم الحصري البصري سكن بغداد عجيب الحال واللسان شيخ وقته ينتمي إِلَى الشبلي مَات ببغداد سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة قَالَ الحصري: النَّاس يقولون الحصري لا يَقُول بالنوافل وعلى أوراد من حال الشباب لو تركت ركعة لعوتبت، وَقَالَ: من ادعى فِي شَيْء من الحقيقة كذبته شواهد كشف البراهين
[ ١ / ١٤٦ ]
وَمِنْهُم أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري ابْن أخت الشيخ أَبِي عَلِي الروذباري شيخ الشام فِي وقته مَات بصور سنة تسع وستين وثلاث مائة.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عَلِي بْن سَعِيد المصيصي يَقُول: سمعت أَحْمَد بْن عَطَاء الروذباري: يَقُول كنت راكبا جملا فغاصت رجلا الجمل فِي الرمل فَقُلْتُ: جل اللَّه فَقَالَ الجمل: جل اللَّه، وكأن أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري إِذَا دعا أَصْحَابه مَعَهُ إِلَى دعوة فِي دور السوقة ومن لَيْسَ من أهل التصوف لا يخبر الفقراء بِذَلِكَ، وَكَانَ يطمعهم شَيْئًا فاذا فرغوا أخبرهم ومضى بِهِمْ، فكانوا قَدْ أكلوا فِي الوقت فلا يمكنهم أَن يمدوا أيديهم إِلَى طَعَام الدعوة إلا بالتعزز، وإنما كَانَ يفعل ذَلِكَ لئلا تسوء ظنون النَّاس بهده الطائفة، فيأثموا بسببهم، وقيل: كَانَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري يمشي عَلَى أثر الفقراء يوما، وكذا كانت عادته أَن يمشي عَلَى أثرهم وكانوا يمضون إِلَى دعوة، فَقَالَ إِنْسَان: يقال هَؤُلاءِ المستحلون وبسط لسانه فيهم وَقَالَ فِي أثناء كلامه: إِن واحدا مِنْهُم قَد استقرض مني مائة درهم وَلَمْ يردها، ولست أدري أين أطلبه، فلما دخلوا دار الدعوة قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري لصاحب الدار وَكَانَ من محبي هذه الطائفة: ائتني بمائة درهم إِن أردت سكون قلبي
[ ١ / ١٤٧ ]
فأتاه بِهَا فِي الوقت فَقَالَ لبعض أَصْحَابه: احمل هذه المائة إِلَى البقال الفلاني وقل لَهُ: هذه المائة الَّتِي استقرضها منك بَعْض أَصْحَابنا وَقَدْ وقع لَهُ فِي التأخير بِهَا عذر وَقَدْ بعثها الآن فاقبل عذره، فمضى الرجل وفعل، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال فأخذ البقال فِي مدحهم يَقُول: هَؤُلاءِ هُم الثقاة الأمناء الصلحاء وَمَا أشبه ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الروذباري: أقبح من كُل قبيح صوفي شحيح.
قَالَ أَبُو القاسم الأستاذ الإِمَام جمال الإِسْلام ﵁.
هَذَا هُوَ ذكر جَمَاعَة من شيوخ هذه الطائفة كَانَ الغرض من ذكرهم فِي هَذَا الموضوع التنبيه عَلَى أنهم مجمعون عَلَى تعظيم الشريعة متصفون بسلوك طرق الرياضة مقيمون عَلَى متابعة السنة غَيْر مخلين بشيء من آداب الديانة، متفقون عَلَى أَن من خلا من المعاملات والمجاهدات وَلَمْ يبن أمره عَلَى أساس الورع والتقوى كَانَ مفتريا عَلَى اللَّه ﷾ فيما يدعيه مفتونا هلك فِي نَفْسه، وأهلك من أغتر بِهِ مِمَّن ركن إِلَى أباطيله ولو تقصينا وتتبعنا ورد عَنْهُم من ألفاظهم وحكاياتهم ووصف سيرهم، مِمَّا يدل عَلَى أحوالهم لطال بِهِ الكتاب وحصل منه الملال، وَفِي هَذَا القدر الَّذِي لوحنا بِهِ فِي تحصيل المقصود غنية، وبالله التوفيق.
فأما المشايخ الَّذِينَ أدركناهم وعاصرناهم وإن لَمْ يتفق لنا لقياهم مثل الأستاذ الشهيد لسان وقته وأوحد عصره: أَبِي عَلِي الْحَسَن بْن عَلِي الدقاق، والشيخ نسيج وحده فِي وقته: أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي، وأبي الْحَسَن عَلِي بْن جهضم مجاور الحرم، والشيخ أَبِي الْعَبَّاس القصار بطبرستان، وَأَحْمَد الأسود بالدينور، وأبي القاسم الصيرفي بنيسابور، وأبي سهل الخشاب الكبير بِهَا، ومنصور بْن خلف المغربي، وأبي سَعِيد الماليني،
[ ١ / ١٤٨ ]
وأبي طاهر الخوزندي قدس اللَّه أرواحهم وغيرهم، فلو اشتغلنا بذكرهم وتفصيل أحوالهم لخرجنا عَنِ المقصود فِي الإيجاز، وغير ملتبس من أحوالهم حسن سيرهم فِي معاملاتهم.
وسنورد من حكاياتهم طرفا فِي مواضع من هذه الرسالة إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
[ ١ / ١٤٩ ]
بَاب فِي تفسير ألفاظ تدور بَيْنَ هذه الطائفة وبيان مَا يشكل منها اعلم أَن من المعلوم أَن كُل طائفة من الْعُلَمَاء لَهُمْ ألفاظ يستعملونها انفردوا بِهَا عمن سواهم تواطأوا عَلَيْهَا لأغراض لَهُمْ فِيهَا من تقريب الفهم عَلَى المخاطبين بِهَا أَوْ تسهيل عَلَى أهل تلك الصنعة فِي الوقوف عَلَى معانيهم بإطلاقها، وَهَذَهِ الطائفة مستعملون ألفاظًا فيما بينهم قصدوا بِهَا الكشف عَن معانيهم لأنفسهم والإجمال والستر عَلَى من باينهم فِي طريقتهم لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة عَلَى الأجانب غيرة مِنْهُم عَلَى أسرارهم أَن تشيع فِي غَيْر أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أَوْ مجلوبة بضرب تصرف، بَل هِيَ معان أودعها اللَّه تَعَالَى قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم ونحن نريد شرح هذه الألفاظ تسهيل الفهم عَلَى من يريد الوقوف عَلَى معانيهم من سالكي طرقهم ومتبعي سننهم.
[ ١ / ١٥٠ ]
فمن ذَلِكَ الوقت حقيقة الوقت عِنْدَ أهل التحقيق حادث متوهم علق حصوله عَلَى حادث متحقق، فالحادث المتحقق وقت الحادث المتوهم تقول: آتيك رأس الشهر، فالإتيان متوهم ورأس الشهر حادث متحقق فرأس الشهر وقت الإتيان.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: الوقت مَا أَنْتَ فِيهِ إِن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن، يريد بِهَذَا أَن الوقت مَا كَانَ هُوَ الغالب عَلَى الإِنْسَان، وَقَدْ يعنون بالوقت مَا هُوَ فِيهِ من الزَّمَان، فَإِن قوما قَالُوا: الوقت مَا بَيْنَ الزمانين يَعْنِي الماضي والمستقبل، ويقولون: الصوفي ابْن وقته.
يريدون بِذَلِكَ أَنَّهُ مشتغل بِمَا هُوَ أولى بِهِ فِي الحال قائم بِمَا هُوَ مطالب بِهِ فِي الحين.
وقيل: الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بَل يهمه وقته الَّذِي هُوَ فِيهِ.
وقيل: الاشتغال بفوات وقت ماض تضييع وقت ثان، وَقَدْ يريدون بالوقت مَا يصادفهم من تصريف الحق لَهُمْ دُونَ مَا يختارون لأنفسهم، ويقولون فُلان بحكم الوقت، أي أَنَّهُ مستسلم لما يبدو لَهُ من الغيب من غَيْر اختيار لَهُ، وَهَذَا فيما لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِم فِيهِ أمر أَوِ اقتضاء بحق شرع، إذ التضييع لما أمرت بِهِ، وإحالة الأمر فِيهِ عَلَى التقدير، وترك المبالاة بِمَا يحصل منك من التقصير خروج عَنِ الدين.
[ ١ / ١٥١ ]
ومن كلامهم: الوقت سَيْف، أي: كَمَا أَن السَيْف قاطع، فالوقت بِمَا يمضيه الحق ويجريه غالب.
وقيل: السَيْف لين مسه قاطع حده، فمن لاينه سلم، ومن خاشنه اصطلم، كَذَلِكَ الوقت من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردى، وأنشدوا فِي ذَلِكَ:
وكالسَيْف إِن لاينته لان مسه وحداه إِن خاشنته خشنان
ومن ساعده الوقت فالوقت لَهُ وقت، ومن ناكده الوقت فالوقت عَلَيْهِ مقت.
وسمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق، يَقُول: الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك، يَعْنِي: لو محاك وأفناك لتخلصت حِينَ فنيت، لكنه يأخذ منك ولا يمحوك بالكلية، وَكَانَ ينشد فِي هَذَا المعنى:
كُل يَوْم يمر يأخذ بعضي يورث القلب حسرة ثُمَّ يمضي
وَكَانَ ينشد أيضًا:
كأهل النار إِن نضجت جلود أعيدت للشقاء لَهُمْ جلود
وَفِي معناه:
لَيْسَ من مَات فاستراح بميت إِنَّمَا الميت ميت الأحياء
والكيس من كَانَ يحكم وقته إِن كَانَ وقته الصحو فقيامه بالشريعة، وإن كَانَ وقته المحو فالغالب عَلَيْهِ أحكام الحقيقة،
[ ١ / ١٥٢ ]
ومن ذَلِكَ المقام والمقام: مَا يتحقق بِهِ العبد بمنازلته من الآداب بِمَا يتوصل إِلَيْهِ بنوع تصرف، ويتحقق بِهِ بضرب تطلب ومقاساة تكلف فمقام كُل أحد موضع إقامته عِنْدَ ذَلِكَ وَمَا هُوَ مشتغل بالرياضة لَهُ وشرطه أَن لا يرتقي من مقام إِلَى مقام آخر مَا لَمْ يستوف أحكام ذَلِكَ المقام فان من لا قناعة لَهُ لا يصح لَهُ التوكل ومن لا توكل لَهُ لا يصح لَهُ التسليم، وَكَذَلِكَ من لا توبة لَهُ لا تصح لَهُ الإنابة ومن لا ورع لَهُ لا يصح لَهُ الزهد، والمقام هُوَ الإقامة كالمدخل بمعنى الإدخال والمخرج بمعنى الإخراج، ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة اللَّه تَعَالَى إياه بِذَلِكَ المقام ليصح بناء أمره عَلَى قاعدة صحيحة، سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى، يَقُول: لما دَخَلَ الواسطي بنيسابور سأل أَصْحَاب أَبِي عُثْمَان بماذا كَانَ يأمركم شيخكم؟ فَقَالُوا: كَانَ يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التفسير فِيهَا، فَقَالَ: أمركم بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالغيبة عَنْهَا برؤية منشئها ومجريها، وإنما أراد الواسطي بِهَذَا صبيانهم عَن محل الإعجاب لا تعريجًا فِي أوطان للتقصير أَوْ تجويزًا للإخلال بأدب من الأداب،
[ ١ / ١٥٣ ]
ومن ذَلِكَ الحال والحال عِنْدَ الْقَوْم: معنى يرد عَلَى القلب من غَيْر تعمد مِنْهُم ولا اجتلاب ولا اكتساب لَهُمْ من طرب أَوْ حزن أَوْ بسط أَوْ قبض أَوْ شوق أَوِ انزعاج أَوْ هيبة أَوِ احتياج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من غَيْر الوجود والمقامات تحصل ببذل المجهود وصاحب المقام ممكن فِي مقامه وصاحب الحال مترق عَن حاله.
وسئل ذو النون الْمِصْرِي عَنِ العارف، فَقَالَ: كَانَ ههنا فَذَهَبَ.
وَقَالَ بَعْض المشايخ: الأحوال كالبروق فَإِن بقي فحَدِيث نفس.
وَقَالُوا: الأحوال كاسمها يَعْنِي أَنَّهَا كَمَا تحل بالقلب تزول فِي الوقت، وأنشدوا:
لو لَمْ تحل مَا سميت حالا وكل مَا حال فَقَدْ زالا
انظر إِلَى الفيء إِذَا مَا انتهى يأخذ فِي النقص إِذَا طالا
وأشار قوم إِلَى بقاء الأحوال ودوامها، وَقَالُوا: إنها إِذَا لَمْ تدم وَلَمْ تتوال، فَهِيَ لوائح وبواده، وَلَمْ يصل صاحبها بَعْد إِلَى الأحوال، فَإِذَا دامت تلك الصفة فعند ذَلِكَ تسمى حالا، وَهَذَا أَبُو عُثْمَان الحيري، يَقُول: منذ أربعين سنة مَا أقامني اللَّه تعالي فِي حال فكرهته أشار إِلَى دوام الرضا، والرضا من جملة الأحوال،
[ ١ / ١٥٤ ]
فالواجب فِي هَذَا أَن يقال: إِن من أشار إِلَى بقاء الأحوال فصحيح مَا قَالَ فَقَدْ يصير المعني شربا لأحد فيري بِهِ ولكن لصاحب هذه الحال أحوال هِيَ طوارق لا تدوم فَوْقَ أحواله الَّتِي صارت شربا لَهُ فاذا دامت هذه الطوارق هل كَمَا دامت الأحوال المتقدمة ارتقى إِلَى أحوال أخر فَوْقَ هذه وألطف من هذه فأبدا يَكُون فِي الترقي.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول فِي معني قَوْله ﷺ إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه تَعَالَى فِي اليوم سبعين مرة أَنَّهُ كَانَ ﷺ أبدا فِي الترقي من أحواله فَإِذَا ارتقي من حالة إِلَى حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا فربما حصل لَهُ ملاحظة إِلَى مَا ارتقي عَنْهَا فكان بعدها غينا بالإضافة إِلَى مَا حصل فِيهَا فابدا كانت أحواله فِي التزايد ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لا نهاية لَهَا فَإِذَا كَانَ حق الحق تَعَالَى العز، وَكَانَ الوصول إِلَيْهِ بالتحقيق محالا فالعبد أبدا فِي ارتقاء أحواله فلا معنى يوصل إِلَيْهِ إلا وَفِي مقدوره سبحانه مَا هُوَ فوقه يقدر أَن يوصله إِلَيْهِ وعلى هَذَا يحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين وسئل الجنيد عَن هَذَا فأنشد:
طوارق أنوار تلوح إِذَا بدت فتظهر كتمانا وتخبر عَن جمع
[ ١ / ١٥٥ ]
ومن ذَلِكَ القبض والبسط وهما حالتان بَعْد ترقي العبد عَن حالة الخوف والرجاء، فالقبض: للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف ومن الفصل بَيْنَ القبض والخوف والبسط والرجاء أَن الخوف إِنَّمَا يَكُون من شَيْء فِي المستقبل إِمَّا أَن يخاف فوت محبوب أَوْ هجوم محذور، وَكَذَلِكَ الرجاء إِنَّمَا يَكُون بتأميل محبوب فِي المستقبل أَوْ بتطلع زوال محذور وكفاية مكروه فِي المستأنف.
وَأَمَّا القبض: فلمعني حاصل فِي الوقت، وَكَذَلِكَ البسط فصاحب الخوف والرجاء تعلق قلبه فِي حالتيه بآجله وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عَلَيْهِ فِي عاجله، ثُمَّ تتفاوت نعوتهم فِي القبض والبسط عَلَى حسب تفاوتهم فِي أحوالهم، فمن وارد يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف، ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده يوجب قبضا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخر لأنه غَيْر مستوف ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فِيهِ لأنه مأخوذ عَنْهُ بالكلية بوارده كَمَا قَالَ بَعْضهم: أنا ردم أي لا مساغ فِي، وَكَذَلِكَ المبسوط قَدْ يَكُون فِيهِ بسط يسع الخلق فلا يستوحشن من أَكْثَر الأشياء ويكون مبسوطا لا يؤثر فِيهِ شَيْء بحال من الأحوال.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: دَخَلَ بَعْضهم عَلَى أَبِي بَكْر القحطي وَكَانَ لَهُ ابْن يتعاطى مَا يتعاطاه الشباب وَكَانَ ممر هَذَا الداخل عَلَى هَذَا الابن فَإِذَا هُوَ مَعَ أقرانه فِي اشتغاله ببطالته
[ ١ / ١٥٦ ]
فرق قلبه وتألم القحطي، وَقَالَ: مسكين هَذَا الشيخ كَيْفَ ابتلي بمقاساة هَذَا الابن؟ فلما دَخَلَ عَلَى القحطي وجده كَأَنَّهُ لا خبر لَهُ بِمَا يجري عَلَيْهِ من الملاهي فتعجب منه وَقَالَ: فديت من لا تؤثر فِيهِ الجبال الرواسي فَقَالَ القحطي: إنا قَدْ حررنا عَن رق الأشياء فِي الأزل.
ومن أدنى موجبات القبض أَن يرد عَلَى قلبه وارد موجبه إشارة إِلَى عتاب ورمز باستحقاق تأديب فيحصل فِي القلب لا محالة قبض وَقَدْ يَكُون موجب بَعْض الواردت إشارة إِلَى تقريب أَوْ إقبال بنوع لطف وترحيب فيحصل للقلب بسط، وَفِي الجملة قبض كُل أحد عَلَى حسب بسطه، وبسطه عَلَى حسب قبضه، وَقَدْ يَكُون قبض يشكل عَلَى صاحبه سببه يجد فِي قلبه قبضا لا يدري موجبه ولا سببه، فسبيل صاحب هَذَا القبض التسليم حَتَّى يمضي ذَلِكَ الوقت، لأنه لو تكلف نفيه أَوِ استقبل الوقت قبل هجومه عَلَيْهِ باختياره زاد فِي قبضه ولعله يعد ذَلِكَ منه سوء أدب وإذا استسلم لحكم الوقت فعن قريب يزول القبض فَإِن الحق سبحانه قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وَقَدْ يَكُون بسط يرد بغته ويصادف صاحبه فلته لا يعرف لَهُ سببا يهز صاحبه ويستفزه، فسبيل صاحبه السكون ومراعاة الأدب فَإِن فِي هَذَا الوقت لَهُ خطرا عظيما فليحذر صاحبه مكرا خفيا كَذَا قَالَ بَعْضهم: فتح عَلِي بَاب من البسط فزللت زلة فحجبت عَن مقامي، ولهذا قَالُوا: قف عَلَى البساط وإياك والانبساط وَقَدْ عد أهل التحقيق مطلق القبض والبسط من جملة مَا استعاذوا منه، لأنهما بالإضافة إِلَى مَا فوقهما من استهلاك العبد واندراجه فِي الحقيقة فقر وضر.
[ ١ / ١٥٧ ]
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت الْحُسَيْن بْن يَحْيَي يَقُول: سمعت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول: سمعت الجنيد يَقُول: الخوف من اللَّه يقبضني والرجاء منه يبسطني والحقيقة تجمعني والحق يفرقني إِذَا قبضني بالخوف أفناني عني، وإذا بسطني بالرجاء ردني عَلِي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني، وإذا فرقني بالحق أشهدني غيرى فغطائي عَنْهُ فَهُوَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلهُ محركي غَيْر ممسكي وموحشي غَيْر مؤنسي فأنا بحضوري أذوق طعم وجودي، فليته أفناني عني فمتعني أَوْ غيبني عني فروحني
[ ١ / ١٥٨ ]
ومن ذَلِكَ الهيبة والأنس وهما فَوْقَ القبض والبسط فكما أَن القبض فَوْقَ رتبة الخوف والبسط فَوْقَ منزلة الرجاء، فالهيبة أعلى من القبض والأنس أتم من البسط وحق الهيبة الغيبة، فَكُل هائب غائب، ثُمَّ الهائبون يتفاوتون فِي الهيبة عَلَى حسب تباينهم فِي الغيبة فمنهم وَمِنْهُم، وحق الأنس صحوا بحق فَكُل مستأنس صاح ثُمَّ يتباينون حسب تباينهم فِي الشرب ولهذا قَالُوا: أدني محل الأنس أَنَّهُ لو طرح فِي لظى لَمْ يتكدر عَلَيْهِ أنسه.
قَالَ الجنيد ﵀: كنت أسمع السري يَقُول: يبلغ العبد إِلَى حد لو ضرب وجهه بالسَيْف لَمْ يشعر وَكَانَ فِي قلبي منه شَيْء حَتَّى بان لي أَن الأمر كَذَلِكَ.
وحكي عَن أَبِي مقاتل العكي أَنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَى الشبلي وَهُوَ ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش فَقُلْتُ: يا سيدي أَنْتَ تفعل هَذَا بنفسك ويعود ألمه إِلَى قلبي فَقَالَ: ويلك الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها فَهُوَ ذا فأنا أدخل الألم عَلَى نفسي لعلي أحس بِهِ فيستتر عني، فلست أجد الألم وليس يستتر عني وليس لي بِهِ طاقة، وحال الهيبة والأنس وإن جلتا فأهل الحقيقة يعدونها نقصا لتضمنهما تغير العبد، فَإِن أهل التمكين سمت أحوالهم عَنِ التغير وَهُمْ محو فِي وجود العين فلا هيبة لَهُمْ ولا أَنَس ولا علم ولا حس
[ ١ / ١٥٩ ]
والحكاية معروفة عَن أَبِي سَعِيد الخراز أَنَّهُ قَالَ: تهت فِي البادية مرة فكنت أقول:
أتيه فلا أدري من التيه من أنا سِوَى مَا يَقُول النَّاس فِي وَفِي جنسي
أتيه عَلَى جن البلاد وإنسها فَإِن لَمْ أجد شخصا أتيه عَلَى نفسي
قَالَ فسمعت هاتفا يهتف بي وَيَقُول:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ويفرح بالتيه الدني وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة لغبت عَنِ الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مَعَ اللَّه واقفا تصان عَنِ التذكار للجن والإنس.
وإنما يرتقي العبد عَن هذه الحالة بالوجود
[ ١ / ١٦٠ ]
ومن ذَلِكَ التواجد والوجد والوجود فالتواجد: استدعاء الوجد بضرب اختيار وليس لصاحبه كمال الوجد إذ لو كَانَ لكان واجدا وباب التفاعل أكثره عَلَى إظهار الصفة وليست كَذَلِكَ، قَالَ الشاعر:
إِذَا تخازرت وما بي من خزر ثُمَّ كسرت العين من غَيْر ما عور
فقوم قَالُوا: التواجد غَيْر مُسْلِم لصاحبه لما يتضمن من التكليف ويبعد عَنِ التحقيق، وقوم قَالُوا: إنه مُسْلِم للفقهاء المجردين الَّذِينَ ترصدوا لوجدان هذه المعاني وأصلهم خبر الرسول ﷺ: ابكوا فَإِن لَمْ تبكوا فتباكوا والحكاية المعروفة لأبي مُحَمَّد الجريري ﵀ أَنَّهُ قَالَ: كنت عِنْدَ الجنيد وهناك ابْن مسروق وغيره، وثم قوال، فقام ابْن مسروق وغيره والجنيد ساكن فَقُلْتُ: يا سيدي مَالِك فِي السماع شَيْء، فَقَالَ الجنيد: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] ثُمَّ قَالَ: وأنت يا أبا مُحَمَّد مَالِك فِي السماع شَيْء؟ فَقُلْتُ: يا سيدي أنا إِذَا حضرت موضعا فِيهِ سماع وهناك محتشم أمسكت عَلَى نفسي وجدى فَإِذَا خلوت أرسلت وجدى فتواجدت فأطلق فِي هذه الحكاية التواجد وَلَمْ ينكر عَلَيْهِ الجنيد
[ ١ / ١٦١ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: لما راعى أدب الأكابر فِي حال السماع حفظ اللَّه عَلَيْهِ وقته لبركات الأدب حَتَّى يَقُول أمسكت عَلَى نفسي وجدى، فَإِذَا خلوت أرسلت وجدي فتواجدت، لأنه لا يمكن إرسال الوجد إِذَا شئت بَعْد ذهاب الوقت وغلباته ولكنه لما كَانَ صادقا فِي مراعاة حرمة الشيوخ حفظ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وقته حَتَّى أرسل وجده عِنْدَ الخلوة فالتواجد ابتداء الوجد عَلَى الوصف الَّذِي جرى ذكره وبعد هَذَا الوجد، والوجد مَا يصادف قلبك ويرد عليك بلا تعمد وتكلف ولهذا قَالَ المشايخ: الوجد المصادفة، والمواجيد ثمرات الأوراد فَكُل من ازدادت وظائفه ازدادت من اللَّه تَعَالَى لطائفه.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: الورادات من حيث الأوراد فمن لا ورد لَهُ بظاهره لا وارد لَهُ فِي سرائره، وكل وجد فِيهِ من صاحبه شَيْء فليس بوجد، وكما أَن مَا يتكلفه العبد من معاملات ظاهره يوجب لَهُ حلاوة الطاعات، فَمَا ينازله العبد من أحكام باطنه يوجب لَهُ المواجيد.
فالخلاوات ثمرات المعاملات والمواجيد نتائج المنازلات، وَأَمَّا الوجود فَهُوَ بَعْد الارتقاء عَنِ الوجد ولا يَكُون وجود الحق إلا بَعْد خمود البشرية لأنه لا يَكُون للبشرية بقاء عِنْدَ ظهور سلطان الحقيقة،
[ ١ / ١٦٢ ]
وَهَذَا معني قَوْل أَبِي الْحُسَيْن النوري أنا منذ عشرين سنة بَيْنَ الوجد والفقد أي إِذَا وجدت ربي فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي وَهَذَا معني قَوْل الجنيد علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه وَفِي هَذَا المعني أنشدوا.
وجودي أَن أغيب عَنِ الوجود بِمَا يبدو عَلِي من الشهود
فالتواجد بداية والوجود نهاية والوجد واسطة بَيْنَ البداية والنهاية.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول التواجد يوجب استيعاب العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب استهلاك العبد فَهُوَ كمن شهد البحر ثُمَّ ركب البحر ثُمَّ غرق فِي البحر وترتيب هَذَا الأمر قصود ثُمَّ ورود ثُمَّ شهود ثُمَّ وجود ثُمَّ خمود وبمقدار الوجود يحصل الخمود وصاحب الوجود لَهُ صحو ومحو فحال صحوه بقاؤه بالحق وحال محوه فناؤه بالحق وهاتان الحالتان أبدا متعاقبتان عَلَيْهِ، فَإِذَا غلب عَلَيْهِ الصحو بالحق فبه يصول وَبِهِ يَقُول: قَالَ ﵇ فيما أخبر عَنِ الحق فبي يسمع وبي ويبصر.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي يَقُول: سمعت مَنْصُور بْن عَبْد اللَّهِ يَقُول: وقف رجل عَلَى حلقه الشبلي فسأله
[ ١ / ١٦٣ ]
هل تظهر آثار صحة الوجود عَلَى الواجدين؟ فَقَالَ: نعم نور يزهر مقارنا لنيران الاشتياق فتلوح عَلَى الهياكل آثارها كَمَا قَالَ ابْن المعتز:
وأمطر الكأس ماء من أبارقها فأنبت الدر فِي أرض من الذهب
وسبح الْقَوْم لما رأوا عجبا نورا من الماء فِي نار من العنب
سلافة ورثتها عاد عَن إرم كانت ذخيرة كسرى عَن أب فأب
وقيل لأبي بَكْر الدقي: إِن جهما الدقي أخذ شجرة بيده فِي حال السماع فِي ثوارنه فقلعها من أصلها فاجتمعا فِي دعوة وَكَانَ الدقي كف بصره فقام جهم الدقي يدور فِي هيجانه فَقَالَ الدقي: إذ قرب مني أرونيه وَكَانَ الدقي ضعيفا فمر بِهِ، فلما قرب منه قَالُوا لَهُ: هَذَا هُوَ، فأخذ الدقي ساق جهم فوقفه فلم يمكنه أَن يتحرك، فَقَالَ جهم: أيها الشيخ التوبة التوبة فخلاه.
قَالَ الأستاذ الإِمَام أدام أخدم اللَّه جماله.
فكان ثوران جهم فِي حق وإمساك الدقي بساقه بحق ولما علم جهم أَن حال الدقي فَوْقَ حاله رجع إِلَى الاتصاف واستسلم وكذا من كَانَ بحق لا يستعصي عَلَيْهِ شَيْء، فأما إِذَا كَانَ الغالب عَلَيْهِ المحو فلا علم ولا عقل ولا فَهُمْ ولا حس.
سمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي ﵀ يذكر بإسناده أَن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين لَمْ يأكل وَلَمْ يشرب إِلَى أَن مَات.
ودخل بَعْض الفقراء عَلَى أَبِي عقال فَقَالَ لَهُ: سلام عليكم،
[ ١ / ١٦٤ ]
فَقَالَ لَهُ أَبُو عقال: وعليكم السَّلام فَقَالَ الرجل: أنا فُلان فَقَالَ.
أَبُو عقال: أَنْتَ فُلان؟ كَيْفَ أَنْتَ وكيف حالك؟ وغاب عَن حالته قَالَ هَذَا الرجل: فَقُلْتُ لَهُ: سلام عليكم فَقَالَ: وعليكم السَّلام كَأَنَّهُ لَمْ يرني قط ففعلت مثل هَذَا غَيْر مرة، فعلمت أَن الرجل غائب فتركته وخرجت من عنده.
سمعت مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن يَقُول: سمعت عُمَر بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد يَقُول: سمعت امْرَأَة أَبِي عَبْد اللَّهِ التروغندي تقول: لما كانت أَيَّام المجاعة والناس يموتون من الجوع دَخَلَ أَبُو عَبْد اللَّهِ التروغندي بيته فرأى فِي بيته مقدار منون حنطه فَقَالَ: النَّاس يموتون من الجوع وَفِي بَيْتِي حنطة فخولط فِي عقله فَمَا كَانَ يفيق إلا فِي أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثُمَّ يعود إِلَى حالته، فلم يزل كَذَلِكَ إِلَى أَن مَات دلت هذه الحكاية عَلَى أَن هَذَا الرجل كَانَ محفوظا عَلَيْهِ آداب الشريعة عِنْدَ غلبات أحكام الحقيقة وَهَذَا هُوَ صفة أهل الحقيقة ثُمَّ كَانَ سبب غبيته عَن تمييزه شفقته عَلَى الْمُسْلِمِينَ وهنا أقوى سمة لتحققه فِي حالة
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن ذَلِكَ الجمع والفرق لفظ الجمع والتفرقة يجري فِي كلامهم كثيرا وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق يَقُول: الفرق مَا نسب إليك والجمع مَا سلب عَنْك، ومعناه أَن مَا يَكُون كسبا للعبد من إقامة العبودية وَمَا يليق بأحوال البشرية فَهُوَ فرق، وَمَا يَكُون من قبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فَهُوَ جمع هَذَا أدني أحوالهم فِي الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفته فَهُوَ عَبْد بوصف التفرقة، ومن أشهده الحق سبحانه مَا يوليه من أفعال نَفْسه سبحانه فَهُوَ عَبْد يشاهد الجمع، فإثبات الخلق من بَاب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع، ولابد للعبد من الجمع والفرق، فَإِن من لا تفرقة لَهُ لا عبودية لَهُ، ومن لا جمع لَهُ لا معرفة لَهُ، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إشارة إِلَى الفرق وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] إشارة إِلَى الجمع، وإذا خاطب العبد الحق سبحانه بلسان نجواه إِمَّا سائلا أَوْ داعيا أَوْ مثنيا أَوْ شاكرا أَوْ متنصلا أَوْ مبتهلا قام فِي محل التفرقة، وإذا أصغي بسره إِلَى مَا يناجيه بِهِ مولاه واستمع قلبه مَا يخاطبه بِهِ فيما ناداه أَوْ ناجاه أَوْ عرفه معناه أَوْ لوح لقلبه وأراه فَهُوَ يشاهد الجمع.
[ ١ / ١٦٦ ]
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: أنشد قوال بَيْنَ يدي الأستاذ أَبِي سهل الصعلوكي رحمه اللَّه تَعَالَى:
جعلت تنزهي نظري إليكا.
وَكَانَ أَبُو القاسم النصرأباذي ﵀ حاضرا فَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل: جعلت بنصب التاء، وَقَالَ النصرأباذي: بَل جعلت بضم التاء فَقَالَ الأستاذ أَبُو سهل: أليس عين الجمع أتم: فسكت النصرأباذي.
وسمعت الشيخ أبا عَبْد الرَّحْمَنِ أَيْضًا يحكي هذه الحكاية عَلَى هَذَا الوجه ومعني هَذَا أَن من قَالَ: جعلت بضم التاء يَكُون إخبار عَن حال نَفْسه فكأن العبد يَقُول هَذَا وإذا قَالَ: جعلت بالفتح فكأنه يتبرأ من أَن يَكُون ذَلِكَ بتكلمه بَل يخاطب مولاه فَيَقُول: أَنْتَ الَّذِي خصصتني بِهَذَا لا أنا بتكلفي، فالأول عَلَى خطر الدعوى وَالثَّانِي بوصف التبري من الحول والإقرار بالفصل والطول وفرق بَيْنَ من يَقُول بجهدي أشهدك وبين من يَقُول بفضلك ولطفك أشهدك
[ ١ / ١٦٧ ]
وجمع الجمع فَوْقَ هَذَا ويختلف النَّاس فِي هذه الجملة عَلَى حسب تباين أحوالهم وتفاوت درجاتهم فمن أثبت نَفْسه وأثبت الخلق ولكن شاهد الكل قائما بالحق، فهذا هُوَ جمع وإذا كَانَ مختطفا عَن شهود الخلق مصطلما عَن نَفْسه مأخوذا بالكلية عَنِ الإحساس بكل غَيْر بِمَا ظهر واستولى من سلطان الحقيقة فذاك جمع الجمع، والتفرقة.
شهود الأغيار لِلَّهِ ﷿ والجمع شهود الأغيار بالله وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية وفناء الإحساس بِمَا سِوَى اللَّه ﷿ عِنْدَ غلبات الحقيقة وبعد هَذَا حال عزيزة يسميها الْقَوْم الفرق الثَّانِي وَهُوَ أَن يرد إِلَى الصحو عِنْدَ أوقات أداء الفرائض ليجري عَلَيْهِ الفرائض فِي أوقات فيكون رجوعا لِلَّهِ بالله تَعَالَى لا للعبد بالعبد فالعبد يطالع نَفْسه فِي هذه الحالة فِي تصريف الحق سبحانه يشهد مبدأ ذاته وعينه بقدرته ومجري أفعاله وأحواله عَلَيْهِ بعلمه ومشيئته وأشار بَعْضهم بلفظ الجمع والفرق إِلَى تصريف الحق جمع الخلق، فجمع الكل فِي التقليب والتصريف من حيث إنه منشئ ذواتهم ومجري صفاتهم ثُمَّ فرقهم فِي التنويع ففريقا أسعدهم وفريقا أبعدهم وأشقاهم وفريقا هداهم وفريقا أضلهم
[ ١ / ١٦٨ ]
وأعماهم وفريقا حجبهم عَنْهُ وفريقا جذبهم إِلَيْهِ وفريقا آنسهم بوصلته وفريقا آيسهم من رحمته وفريقا أكرمهم بتوفيقه وفريقا اصطلمهم عِنْدَ رومهم لتحقيقه وفريقا أصحاهم وفريقا محاهم وفريقا قربهم وفريقا غيبهم وفريقا أدناهم وأحضرهم ثُمَّ أسقاهم فأسكرهم وفريقا أشقاهم وأخرهم ثُمَّ أقصاهم وهجرهم وأنواع أفعال لا يحيط بِهَا حصر ولا يَأْتِي عَلَى تفصيلها شرح ولا ذكر وأنشدوا لجنيد ﵀ فِي معني الجمع والتفرقة:
وتحققتك فِي سري فناجاك لساني
فاجتمعنا لمعاني وافترقنا لمعاني
إِن يكن غيبك التعظيم عَن لحظ عياني
فلقد صيرك الوجد من الأحشاء داني
وأنشدوا:
إِذَا مَا بدالي تعاظمته فأصدر فِي حال من لَمْ يرد
جمعت وفرقت عني بِهِ ففرد التواصل مثنى العدد
[ ١ / ١٦٩ ]
ومن ذَلِكَ الفناء والبقاء أشار الْقَوْم بالفناء إِلَى سقوط الأوصاف المذمومة وأشاروا بالبقاء إِلَى قيام الأوصاف المحمودة بِهِ، وإذا كَانَ العبد لا يخلوا عَن أحد هذين القسمين فمن المعلوم أَنَّهُ إِذَا لَمْ يكن أحد القسمين كَانَ القسم الآخر لا محالة فمن فني عَن أوصافه المذمومة ظهرت عَلَيْهِ الصفات المحمودة، ومن غلبت عَلَيْهِ الخصال المذمومة استترت عَنْهُ الصفات المحمودة.
واعلم أَن الَّذِي يتصف بِهِ العبد أفعال وأخلاق وأحوال، فالأفعال: تصرفاته باختياره والأخلاق جبلة فِيهِ ولكن تتغير بمعالجته عَلَى مستمر العادة، والأحوال: ترد عَلَى العبد عَلَى وجه الابتداء لكن صفاؤها بَعْد زكاء الأعمال فِيهِ كالأخلاق من هَذَا الوجه، لأن العبد إِذَا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفاسفها من اللَّه عَلَيْهِ بتحسين أخلاقه، فَكَذَلِكَ إِذَا واظب عَلَى تزكية أعماله ببذل وسعه من اللَّه عَلَيْهِ بتصفية أحواله بَل بتوفية أحواله فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشرعية يقال إنه فني عَن شهواته فَإِذَا فني عَن شهواته بقي بصدق إنابته، ومن عالج أخلاقه فنفى عَن قلبه الحسد والحقد والبخل والشح والغضب والكبر وأمثال هَذَا من رعونات النفس يقال فني عَن سوء الخلق، فَإِذَا فني عَن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق،
[ ١ / ١٧٠ ]
ومن شاهد جريان القدرة فِي تصاريف الأَحْكَام يقال: فني عَن حسبان الحدثان من الخلق، فَإِذَا فني عَن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق، ومن استولى عَلَيْهِ سلطان الحقيقة حَتَّى لَمْ يشهد من الأغيار لاعينا ولا أثرا ولا رسما ولا طللا يقال إنه فني عَنِ الخلق، وبقي بالحق ففناء العبد عَن أفعاله الذميمة وأحواله الخسيسة بعدم هذه الأفعال، وفناؤه عَن نَفْسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه وبهم فَإِذَا فني عَنِ الأفعال والأخلاق والأحوال فلا يَجُوز أَن يَكُون مَا فني عَنْهُ من ذَلِكَ موجودا، وإذا قيل فني عَن نَفْسه وعن الخلق فنفسه موجودة والخلق موجودون ولكنه لا علم لَهُ بِهِمْ ولابه ولا إحساس ولا خبر فتكون نَفْسه موجودة والخلق موجودين ولكنه غافل عَن نَفْسه وعن الخلق أجمعين غَيْر محس بنفسه وبالخلق وَقَدْ ترى الرجل يدخل عَلَى ذي سلطان أَوْ محتشم فيذهل عَن نَفْسه وعن أهل مجلسه هيبة وربما يذهل عَن ذَلِكَ المحتشم حَتَّى إِذَا سئل بَعْد خروجه من عنده عَن أهل مجلسه وهيئات ذَلِكَ الصدر وهيئات نَفْسه لَمْ يكن الإخبار عَن شَيْء قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لَمْ يجدن عِنْدَ لقاء يُوسُف ﵇ عَلَى الوهلة ألم قطع الأيدي وهن
أضعف النَّاس وقلن: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] ولقد كَانَ بشرا وقلن ﴿إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وَلَمْ يكن ملكا فهذا تغافل مخلوق عَن أحواله عِنْدَ لقاء مخلوق فَمَا ظنك بمن تكاشف بشهود الحق سبحانه فلو تغافل عَن إحساسه بنفسه وأبناء جنسه فأي أعجوبة فِيهِ فمن فني عَن جهله بقي بعلمه، ومن فني عَن شهوته بقى بإنابته، ومن فني عَن رغبته يفي بزهادته، ومن فني عَن منيته بقي بإرادته،
[ ١ / ١٧١ ]
وَكَذَلِكَ القول فِي جَمِيع صفاته، فَإِذَا فني العبد عَن صفته بِمَا جري ذكره يرتقي عَن ذَلِكَ بفنائه عَن رؤية فنائه، وإلى هَذَا أشار قائلهم: فقوم تاه فِي أرض بقفر وقوم تاه فِي ميدان حبه فأفنوا ثُمَّ أفنوا ثُمَّ أفنوا وأبقوا بالبقا من قرب ربه فالأول فناء عَن نَفْسه وصفاته ببقائه بصفات الحق ثُمَّ فناؤه عَن صفات الحق بشهوده الحق ثُمَّ فناؤه عَن شهود فنائه باستهلاكه فِي وجود الحق
[ ١ / ١٧٢ ]
ومن ذَلِكَ الغيبة والحضور فالغيبة غيبة القلب عَن علم مَا يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بِمَا ورد عَلَيْهِ ثُمَّ قَدْ يغيب عَن إحساسه بنفسه وغيره بوارد من تذكر ثواب أَوْ تفكر عقاب كَمَا رُوِيَ أَن الرَّبِيع بْن خيثم كَانَ يذهب إِلَى ابْن مَسْعُود ﵁ فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماه فِي الكير فغشي عَلَيْهِ وَلَمْ يفق إِلَى الغد فلما أفاق سئل عَن ذَلِكَ فَقَالَ: تذكرت كون أهل النار فِي النار فَهَذِهِ غيبة زادت عَلَى حدها حَتَّى صارت غشية.
وروي عَن عَلِي بْن الْحُسَيْن أَنَّهُ كَانَ فِي سجوه فوقع حريق فِي داره فلم ينصرف عَن صلاته، فسئل عَن حاله فَقَالَ: ألهتني النار الكبرى عَن هذه النار وربما تكون الغيبة عَن إحساسه بمعني يكاشف بِهِ من الحق ﷾ ثُمَّ إنهم مختلفون فِي ذَلِكَ عَلَى حسب أحوالهم، ومن المشهور أَن ابتداء حال أَبِي حفص النَّيْسَابُورِيّ الحداد فِي ترك الحرفة أَنَّهُ كَانَ عَلَى حانوته فقرأ قارئ آية من الْقُرْآن فورد عَلَى قلب أَبِي حفص وارد تغافل عَن إحساسه فأدخل يده فِي النار وأخرج الحديدة المحماه بيده فرأى تلميذ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: يا أستاذ مَا هَذَا؟ فنظر أَبُو حفص إِلَى مَا ظهر عَلَيْهِ فترك الحرفة وقام من حانوته.
وَكَانَ الجنيد قاعدا وعنده امرأته فدخل عَلَيْهِ الشلبي فأرادت امرأته أَن تستتر فَقَالَ لَهَا الجنيد: لا خبر للشبلي عَنْك فاقعدي
[ ١ / ١٧٣ ]
فلم يزل يكلمه الجنيد حَتَّى بكي الشلبي فلما أخذ الشلبي فِي البكاء قَالَ الجنيد لامرأته: استتري فَقَدْ أفاق الشلبي من غيبته.
سمعت أبا نصر المؤذن بنيسابور وَكَانَ رجلا صالحا قَالَ: كنت أقرأ الْقُرْآن فِي مجلس الأستاذ أَبِي عَلِي الدقاق بنيسابور وقت كونه هناك وَكَانَ يتكلم فِي الحج كثيرا، فأثر فِي قلبي كلامه فخرجت إِلَى الحج تلك السنة وتركت الحانوت والحرفة وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي ﵀ خرج إِلَى الحج أَيْضًا فِي تلك السنة وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأوظب عَلَى القراءة فِي مجلسه فرأيته يوما فِي البادية تطهر ونسي قمقمة كانت بيده فحملتها، فلما عاد إِلَى رحله وضعتها عنده فَقَالَ: جزاك اللَّه تَعَالَى خيرا حيث حملت هَذَا، ثُمَّ نظر إلي طويلا كَأَنَّهُ لَمْ يرني قط وَقَالَ: رأيتك مرة أَنْتَ؟ .
فَقُلْتُ: المستغاث بالله تَعَالَى صحبتك مدة وخرجت عَن مسكني ومالي بسببك وتقطعت فِي المفازة بك والساعة تقول رأيتك مرة.
وَأَمَّا الحضور فَقَدْ يَكُون حاضرا بالحق لأنه إِذَا غاب عَنِ الخلق حضر بالحق عَلَى معني أَنَّهُ يَكُون كَأَنَّهُ حاضر وَذَلِكَ لاستيلاء ذكر الحق عَلَى قلبه فَهُوَ حاضر بقلبه بَيْنَ يدي ربه تَعَالَى فعلى حسب غيبته عَنِ الخلق يَكُون حضوره بالحق فَإِن غاب بالكلية كَانَ الحضور عَلَى حسب الغيبة.
فَإِذَا قيل فُلان حاضر فمعناه أَنَّهُ حاضر بقلبه لربه غَيْر غافل عَنْهُ ولا ساه مستديم للذكر ثُمَّ يَكُون مكاشفا فِي حضوره عَلَى حسب رتبته بمعان يخصه الحق سبحانه وتعالي بِهَا وَقَدْ يقال لرجوع العبد إِلَى أحساسه بأحوال نَفْسه وأحوال الخلق إنه حضر أي رجع عَن غيبته، فهذا يَكُون حضور بخلق وَالأَوَّل حضورا بحق، وَقَدْ تختلف أحوالهم فِي الغيبة، فمنهم من لا تمتد غيبته، وَمِنْهُم من تدوم غيبته وَقَدْ حكي أَن ذا النون الْمِصْرِي بعث إِنْسَانا من أَصْحَابه إِلَى أَبِي يَزِيد لينقل إِلَيْهِ صفة أَبِي يريد، فلما جاء الرجل إِلَى بسطام سأل عَن دار أَبِي يَزِيد فدخل عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يَزِيد: مَا تريد؟
[ ١ / ١٧٤ ]
فَقَالَ: أريد أبا يَزِيد؟ وأين أبا يَزِيد أنا فِي طلب أَبِي يَزِيد، فخرج الرجل وَقَالَ: هَذَا مجنون، فرجع الرجل إِلَى ذي النون فأخبره بِمَا شهد فبكي ذون النون وَقَالَ: أَخِي أَبُو يَزِيد ذهب فِي الذاهبين إِلَى اللَّه
[ ١ / ١٧٥ ]
ومن ذَلِكَ الصحو والسكر فالصحو رجوع إِلَى الإحساس بَعْد الغيبة والسكر غيبة بوارد قوي والسكر زيادة عَلَى الغيبة من وجه، وَذَلِكَ أَن صاحب السكر قَدْ يَكُون مبسوطا إِذَا لَمْ يكن مستوفيا فِي سكره، وَقَدْ يسقط أخطار الأشياء عَن قلبه فِي حال سكره، وتلك حال المتساكر الَّذِي لَمْ يستوفه الوارد فيكون للإحساس فِيهِ مساغ وَقَدْ يقوى سكره حَتَّى يَزِيد عَلَى الغيبة، فربما يَكُون صاحب السكر أشد غيبة من صاحب الغيبة إِذَا قوى سكره، وربما يَكُون صاحب الغيبة أتم فِي الغيبة من صاحب السكر إِذَا كَانَ متساكرا غَيْر مستوف، والغيبة قَدْ تكون للعبادة بِمَا يغلب عَلَى قلوبهم من موجب الرغبة والرهبة ومقتضيات الخوف والرجاء، والسكر لا يَكُون إلا لأَصْحَاب المواجد، فَإِذَا كوشف العبد بنعت الجمال حصل السكر، وطالب الروح، وهام القلب وَفِي معناه أنشدوا:
فضحوك من لفظي هُوَ الوصل كُلهُ وسكرك من لحظي يبيح لَك الشرابا
فَمَا مل ساقيها وَمَا مل شارب عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا
وأنشدوا:
فاسكر الْقَوْم دور كأس وَكَانَ سكري من المدير
وأنشدوا:
لي سكرتان وللندمان واحدة شَيْء خصصت بِهِ من بينهم وحدي
وأنشدوا:
[ ١ / ١٧٦ ]
سكران سكر هوى وسكر مدامة فَمَتَى يفيق فتى بِهِ سكران
واعلم أَن الصحو عَلَى حسب السكر، فمن كَانَ سكره بحق كَانَ صحوه بحق، ومن كَانَ سكره بحفظ مشوبا كَانَ صحوه بحظ صحيح مصحوبا، ومن كَانَ محقا فِي حاله كَانَ محفوظا فِي سكره، والسكر والصحو يشيران إِلَى طرف من التفرقة، وإذا ظهر من سلطان الحقيقة علم أَن صفة العبد الثبور والقهر.
وَفِي معناه أنشدوا:
إِذَا طلع الصباح لنجم راح تساوى فِيهِ سكران وصاح
قَالَ اللَّه تعالي: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] هَذَا مَعَ رسالته خر صعقا وَهَذَا مَعَ صلابته وقوته صار دكا متكسرا والعبد فِي حال سكره يشاهد الحال وَفِي حال صحوه يشاهد العلم إلا أَنَّهُ فِي حال سكره محفوظ لا يتكلفه وَفِي صحوه متحفظ بتصرفا والصحو والسكر بَعْد الذوق والشرب
[ ١ / ١٧٧ ]
ومن ذَلِكَ الذوق والشرب ومن جملة مَا يجرى فِي كلامهم الذوق والشرب ويعبرون بِذَلِكَ عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبواده الواردات وأول ذَلِكَ الذوق ثُمَّ الشرب ثُمَّ الري فصفاء معاملاتهم يوجب لَهُمْ ذوق المعاني ووفاء منازلاتهم يوجب لَهُم الشرب ودوام مواصلاتهم يقتضي لَهُم الري فصاحب الذوق متساكر وصاحب الري صاح، ومن قوى حبه تسرمد شربه فَإِذَا دامت بِهِ تلك الصفة لَمْ يورثه الشرب سكرا فكان صاحيا بالحق فانيا عَن كُل حظ لَمْ يتأثر بِمَا يرد عَلَيْهِ ولا يتغير عما هُوَ بِهِ، ومن صفا سره لَمْ يتكدر عَلَيْهِ الشرب، ومن صار الشراب لَهُ غذاء لَمْ يصبر عَنْهُ وَلَمْ يبق بدونه وأنشدوا:
إِنَّمَا الكاس رضاع بيننا فَإِذَا مَا لَمْ نذقها لَمْ نعش
وأنشدوا:
عجبت لمن يَقُول ذكرت ربي فهل أنسى فأذكر مَا نسيت
شربت الحب كأسا بَعْد كأس فَمَا نفد الشراب ولا رويت
ويقال: كتب يَحْيَي بْن معاذ إِلَى أَبِي يَزِيد البسطامي ههنا من شرب كأسا من المحبة لَمْ يظمأ بعده
[ ١ / ١٧٨ ]
فكتب إِلَيْهِ أَبُو يَزِيد عجبت من ضعف حالك ههنا من يحتسي بحار الكون وَهُوَ فاغر فاه يتزيد.
واعلم أَن كاسات القرب تبدو من الغيب ولا تدار إلا عَلَى أسرار معتقة وأرواح عَن رقة الأشياء محررة
[ ١ / ١٧٩ ]
ومن ذَلِكَ المحو والإثبات المحو: رفع أوصاف العادة، والإثبات: إقامة أحكام العبادة، فمن نفى عَن أحواله الخصال الذميمة وأتى بدلها بالأفعال والأحوال الحميدة فَهُوَ صاحب محو وإثبات.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: قَالَ بَعْض المشايخ لواحد: أيش تمحو وأيش تثبت؟ فسكت الرجل فَقَالَ: أما علمت أَن الوقت محو وإثبات إذ من لا محو لَهُ ولا إثبات فَهُوَ معطل مهمل وينقسم إِلَى محو الزلة عَنِ الظواهر ومحو الغفلة عَنِ الضمائر ومحو العلة عَنِ السرائر، ففي محو الزلة إثبات المعاملات، وَفِي محو الغفلة إثبات المنازلات، وَفِي محو العلة إثبات المواصلات، هَذَا محو وإثبات بشرط العبودية، وَأَمَّا حقيقة المحو والإثبات فصادران عَنِ القدرة فالمحو مَا ستره الحق ونفاه والإثبات مَا أظهره الحق وأبداه والمحو والإثبات مقصوران عَلَى المشيئة قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قيل: يمحو عَن قلوب العرافين ذكر غَيْر اللَّه تَعَالَى ويثبت عَلَى ألسنة المريدين ذكر اللَّه ومحو الحق لكل أحد وإثباته عَلَى مَا يليق بحاله ومن محاه الحق سبحانه عَن مشاهدة أثبته بحق حقه
[ ١ / ١٨٠ ]
ومن محاه الحق عَن إثباته بِهِ رده إِلَى شهود الأغيار وأثبته فِي أودية التفرقة.
وَقَالَ رجل للشبلي ﵀: مالي أراك قلقا أليس هُوَ معك وأنت مَعَهُ؟ فَقَالَ الشبلي: لو كنت أنا مَعَهُ كنت أنا ولكني محو فيما هُوَ والمحق فَوْقَ المحو، لأن المحو يبقى أثرا والمحق لا يبقى أثرا وغاية همة الْقَوْم أَن يمحقهم الحق عَن شاهدهم ثُمَّ لا يردهم إِلَيْهِ بَعْد مَا محقهم عَنْهُم
[ ١ / ١٨١ ]
ومن ذَلِكَ الستر والتجلي العوام فِي غطاء الستر والخواص فِي دوام التجلي وَفِي الْخَبَر: إِن اللَّه إِذَا تجلي لشيء خشع لَهُ فصاحب الستر بوصف شهوده وصاحب التجلي أبدا بنعت خشوعه والستر للعوام عقوبة وللخواص رحمة، إذ لولا أَنَّهُ يستر عَلَيْهِم مَا يكاشفهم بِهِ لتلاشوا عِنْدَ سلطان الحقيقة ولكنه كَمَا يظهر لَهُمْ يستر عَلَيْهِم.
سمعت مَنْصُور المغربي يَقُول: وافي بَعْض الفقراء حيا من أحياء العرب فأضافة شاب فبينا الشاب فِي خدمة هَذَا الفقير إذ غشي عَلَيْهِ فسأل الفقير عَن حاله فَقَالُوا لَهُ: بنت عم وَقَدْ علقهم فمشت فِي خيمتها فرأى الشاب غبار ذيلها فغشي عَلَيْهِ فمضى الفقير إِلَى بَاب الخيمة وَقَالَ: إِن للغريب فيكم حرمة وذماما وَقَدْ جئت مستشفعا إليك فِي أمر هَذَا الشاب فتعطفي عَلَيْهِ فيما هُوَ بِهِ من هواك، فَقَالَتْ: سبحان اللَّه أَنْتَ سليم القلب إنه لا يطيق شهود غَيْر ذيلي فكيف يطيق صحبتي؟ وعوام هذه الطائفة عيشهم فِي التجلي وبلاؤهم فِي الستر، وَأَمَّا الخواص: فَهُمْ بَيْنَ طيش وعيش، لأنهم إِذَا تجلى لَهُمْ طاشوا وإذا ستر عَلَيْهِم ردوا إِلَى الحظ فعاشوا،
[ ١ / ١٨٢ ]
وقيل: إِنَّمَا قَالَ الحق تَعَالَى لموسى ﵇ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] ليستر عَلَيْهِ ببعض مَا يعلله بِهِ بَعْض مَا أثر فِيهِ من المكاشفة بفاجأة السماع وَقَالَ ﷺ: إنه ليغان عَلَى قلبي حَتَّى أستغفر اللَّه فِي اليوم سبعين مرة والاستغفار طلب الستر ولأن الغفر هُوَ الستر ومنه غفر الثوب والمغفرة وغيره فكأنه أخبر أَنَّهُ يطلب الستر عَلَى قلبه عِنْدَ سطوات الحقيقة إذ الخلق لا بقاء لَهُمْ مَعَ وجود الحق وَفِي الْخَبَر لو كشف عَن وجهه لحرقت سبحات وجهه مَا أدرك بصره
[ ١ / ١٨٣ ]
ومن ذَلِكَ المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة ابتداء ثُمَّ المكاشفة ثُمَّ المشاهدة فالمحاضرة حضور القلب وَقَدْ يَكُون بتواتر البرهان وَهُوَ بَعْد وراء الستر وإن كَانَ حاضرا باستيلاء سلطان الذكر ثُمَّ بعده المكاشفة وَهُوَ حضوره بنعت البيان غَيْر مفتقر فِي هذه الحالة إِلَى تأمل الدليل وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب عَن نعت الغيب ثُمَّ المشاهدة وَهِيَ حضور الحق من غَيْر بقاء تهمة فَإِذَا أصحت سماء السر عَن غيوم الستر فشمس الشهود مشرقة عَن برج الشرف وحق المشاهدة مَا قاله الجنيد ﵀: وجود الحق مَعَ فقدانك فصاحب المحاضرة مربوط بآياته وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته وصاحب المشاهدة ملقي بذاته وصاحب
المحاضرة يهديه عقله وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته وَلَمْ يزد فِي بيان تحقيق المشاهدة أحد عَلَى مَا قاله عَمْرو بْن عُثْمَان الْمَكِّي ﵀ ومعني مَا قاله أَنَّهُ تتوالى أنوار التجلي عَلَى قلبه من غَيْر أَن يتخللها ستر وانقطاع كَمَا لو قدر اتصال البروق فكما أَن الليلة الظلماء بتوالي البروق فِيهَا واتصالها إِذَا قدرت تصير فِي ضوء النهار فَكَذَلِكَ القلب إِذَا دام بِهِ دوام التجلي متع نهاره فلا ليل وأنشدوا:
ليلي بوجهك مشرق وظلامه فِي النَّاس ساري
[ ١ / ١٨٤ ]
والناس فِي سدف الظلام ونحن فِي ضوء النهار
وَقَالَ النوري: لا يصح للعبد المشاهدة وَقَدْ بقي لَهُ عرق قائم وَقَالَ إِذَا طلع الصباح استغني عَنِ المصباح وتوهم قوم أَن المشاهدة تشير إِلَى طرف من التفرقة، لأن بَاب المفاعلة فِي العربية بَيْنَ اثنين وَهَذَا وَهُمْ من صاحبه فَإِن فِي ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق وباب المفاعلة جملتها لا تقتضي مشاركة الاثنين نَحْو سافر وطارق النعل وأمثاله وأنشدوا:
فلما استبان الصبح أدرك ضوؤه بأنواره أنوار ضوء الكواكب
يجرعهم كأسا لو ابتلي بِهِ اللظى بتجريعه طارت كأسرع ذاهب
كأس وأي كأس تصطلمهم عَنْهُم وتفنيهم وتخطفهم مِنْهُم ولا تبقيهم كأس لا تبقي ولا تذر تمحوهم بالكلية ولا تبقي شظية من آثر البشرية كَمَا قَالَ قائلهم: ساروا فلم يبق لا رسم ولا أثر
[ ١ / ١٨٥ ]
ومن ذَلِكَ اللوائح والطوالع واللوامع قَالَ الأستاذ هذه الألفاظ متقاربة المعنى لا يكاد يحصل بينها كبير فرق وَهِيَ من صفات أَصْحَاب البدايات الصاعدين فِي الترقي بالقلب فلم يدم لَهُمْ بَعْد ضياء شموس المعارف لكن الحق ﷾ يؤتي رزق قلوبهم فِي كُل حِينَ كَمَا قَالَ وَلَهُمْ رزقهم فِيهَا بكرة وعشيا فكلما أظلم عَلَيْهِم سماء القلوب بسحاب الحظوظ سنح لَهُمْ فِيهَا لوائح الكشف وتلألأ لوامع القرب وَهُمْ فِي زمان سترهم يرقبون فجأة اللوائح فَهُمْ كَمَا قَالَ القال: يا أيها البرق الَّذِي يلمع من أي أكناف السما تسطع فتكون أولا لوائح ثُمَّ لوامع ثُمَّ طوالع فاللوائح كالبروق مَا ظهرت حَتَّى استترت كَمَا قَالَ القائل: افترقنا حولا فلما التقينا كَانَ تسليمه عَلِي وداعا وأنشدوا:
يا ذا الَّذِي زار وَمَا زار كَأَنَّهُ مقتبس نارا
مر بباب الدار مستعجلا مَا ضره لو دَخَلَ الدارا
واللوامع أظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فَقَدْ تبقى اللوامع وقتين وثلاثة ولكن كَمَا قَالُوا: والعين باكية لَمْ تشبع النظرا
[ ١ / ١٨٦ ]
وكما قَالُوا: لَمْ ترد ماء وجهه العين إلا شرقت قبل ريها برقيب فَإِذَا لمع قطعك عَنْك وجمعك بِهِ لكن لَمْ يسفر نور نهاره حَتَّى كر عَلَيْهِ عساكر الليل فهؤلاء بَيْنَ روح ونوح، لأنهم بَيْنَ كشف وستر كَمَا قَالُوا: فالليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحقنا رداء مذهبا الطوالع أبقى وقتا وأقوى سلطانا وأدوم مكثا وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة لكنها موقفة عَلَى خطر الأقوال ليست برفيعة الأوج ولا بدائمة المكث ثُمَّ أوقات حصولها وشيكة الارتحال وأحوال أفوالها طويلة الأذيال وَهَذَهِ المعاني الَّتِي هِيَ اللوائح واللوامع والطوالع تختلف فِي القضايا فمنها مَا إِذَا فات لَمْ يبق عَنْهَا أثر كالشوارق إِذَا أفلت فكأن الليل كَانَ دائما ومنها مَا يبقى عَنْهُ أثر فَإِن زال رقمه بقي ألمه وإن غربت أنواره بقيت آثاره فصاحبه بَعْد سكون غلباته يعيش فِي ضياء بركاته فإلي أَن يلوح ثانيا يرجى وقته عَلَى انتظار عوده ويعيش بِمَا وجد فِي حِينَ كونه
[ ١ / ١٨٧ ]
ومن ذَلِكَ البواده والهجوم البواده مَا يفاجأ قلبك من الغيب عَلَى سبيل الوهلة إِمَّا موجب فرح وإما موجب ترح والهجوم مَا يرد عَلَى القلب بقوة الوقت من غَيْر تصنع منك ويختلف فِي الأنواع عَلَى حسب قوة الوارد وضعفه فمنهم من تغيره البواده وتصرفه الهواجم وَمِنْهُم من يَكُون فَوْقَ مَا يفجؤه حالا وقوة أولئك سادت الوقت كَمَا قيل: لا تهتدي نوب الزَّمَان إليهم وَلَهُمْ عَلَى الخطب الجليل لجام
[ ١ / ١٨٨ ]
ومن ذَلِكَ التلوين والتمكين التلوين صفة أرباب الأحوال والتمكين صفة أهل الحقائق فَمَا دام العبد فِي الطريق فَهُوَ صاحب تلوين لأنه يرتقي من حال إِلَى حال وينتقل من وصف إِلَى وصف ويخرج من مرحل ويحصل فِي مربع فَإِذَا وصل تمكن وأنشدوا:
ما زلت أنزل فِي ودادك منزلا تتحير الألباب دُونَ نزوله
وصاحب التلوين أبدا فِي الزيادة وصاحب التمكين وصل ثُمَّ اتصل وأمارة أَنَّهُ اتصل أَنَّهُ بالكلية من كليته بطل.
وَقَالَ بَعْض المشايخ انتهى سفر الطالبين إِلَى الظفر بنفوسهم فَإِذَا ظفروا بنفوسهم فَقَدْ وصلوا.
قَالَ الأستاذ ﵀: يريد بِهِ انخناس أحكام البشرية واستيلاء سلطان الحقيقة فَإِذَا دام للعبد هذه الحالة فَهُوَ صاحب تمكين كَانَ الشيخ أَبُو عَلِي الدقاق رحمه اللَّه تَعَالَى يَقُول: كَانَ مُوسَى ﵇ صاحب تلوين فرجع من سماع الْكَلام واحتاج إِلَى ستر وجهه لأنه أثر فِيهِ الحال، ونبينا ﷺ كَانَ صاحب تمكين فرجع كَمَا ذهب لأنه لَمْ يؤثر فِيهِ مَا شاهده تلك الليلة وَكَانَ يتشهد عَلَى هَذَا بقصة يُوسُف ﵇ أَن النسوة اللاتي رأين يُوسُف ﵇ قطعن أيديهم لما ورد عليهن من شهود يُوسُف ﵇ عَلَى وجه الفجأة وامرأة
[ ١ / ١٨٩ ]
الْعَزِيز كانت أتم فِي بلاء يُوسُف منهن ثُمَّ لَمْ تتغير عَلَيْهَا شعرة ذَلِكَ اليوم لأنها كانت صاحبة تمكين فِي حَدِيث يُوسُف ﵇.
وَقَالَ الأستاذ واعلم أَن التغير بِمَا يرد عَلَى العبد يَكُون لأحد أمرين: إِمَّا لقوة الوارد أَوْ لضعف صاحبه والسكون من صاحبه لأحد أمرين: إِمَّا لقوته أَوْ لضعف الوارد عَلَيْهِ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق ﵀ يَقُول: أصول الْقَوْم فِي جواز دوام التمكين تتخرج عَلَى وجهين أحدهما لا سبيل إِلَيْهِ لأنه قَالَ ﷺ: لو بقيتم عَلَى مَا كنتم عَلَيْهِ عندي لصافحتكم الملائكة ولأنه ﷺ، قَالَ: لي وقت لا يسعني فِيهِ غَيْر ربي ﷿ أخبر عَن وقت مخصوص قَالَ رحمه اللَّه تَعَالَى والوجه الثَّانِي أَنَّهُ يصح دوام الأحوال، لأن أهل الحقائق ارتقوا عَن وصف التأثر بالطوارق والذي فِي الْخَبَر أَنَّهُ قَالَ: لصافحتكم الملائكة فلم يعلق الأمر فِيهِ عَلَى أمر مستحيل ومصافحة الملائكة دُونَ مَا أثبت لأهل البداية من قَوْله ﷺ إِن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بِمَا يصنع
[ ١ / ١٩٠ ]
وَمَا قَالَ لي وقت قائما قَالَ عَلَى حسب فَهُم السامع وَفِي جَمِيع أحواله كَانَ قائما بالحقيقة والأولى أَن يقال إِن العبد مَا دام فِي الترقي فصاحب تلوين يصح فِي نعته الزيادة فِي الأحوال والنقصان منها فَإِذَا وصل إِلَى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنه الحق سبحانه فِي كُل نفس فلا حد لمقدوراته فَهُوَ فِي الزيادات متلون بَل ملون وَفِي أصل حاله متمكن فأبدا يتمكن فِي حالة أعلى مِمَّا كَانَ فِيهَا قبله ثُمَّ يرتقي عَنْهَا إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه فِي كُل جنس، فأما المصطلم عَن شاهده المستوفي إحساسه بالكلية فللبشرية لا محالة حد فَإِذَا بطل عَن جملته ونفسه وحسه وَكَذَلِكَ عَنِ المكونات بأسرها ثُمَّ دامت بِهِ هذه الغيبة فَهُوَ محو فلا تمكين لَهُ إذن ولا تلوين ولا مقام ولا حال وما دام بِهَذَا الوصف فلا تشريف ولا تكليف اللَّهُمَّ إلا أَن يرد بِمَا يجري عَلَيْهِ من غَيْر شَيْء منه فذلك متصرف فِي ظنون الخلق مصرف فِي التحقيق قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] وبالله التوفيق
[ ١ / ١٩١ ]
ومن ذَلِكَ التقرب والبعد أول رتبة فِي القرب القرب من طاعته والاتصاف فِي دوام الأوقات بعبادته.
وَأَمَّا البعد فَهُوَ التدنس بمخالفته والتجافي عَن طاعته فأول البعد بَعْد عَنِ التوفيق ثُمَّ بَعْد عَنِ التحقيق بَل البعد عَنِ التوفيق هُوَ البعد عَنِ التحقيق قَالَ ﷺ مخبرا عَنِ الحق سبحانه: مَا تقرب إلي المتقربون بمثل أداء مَا افترضت عَلَيْهِم ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حَتَّى يحبني وأحبه فَإِذَا أحببته كنت لَهُ سمعا وبصرا فبي يبصر وبي يسمع الخير فقرب العبد أولا قرب بإيمانه وتصديقه ثُمَّ قرب بإحساسه وتحقيقه وقرب الحق سبحانه مَا يخصه اليوم بِهِ من العرفان وَفِي الآخرة مَا يكرمه بِهِ من الشهود والعيان وَفَيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بوجود اللطف والامتنان ولا يَكُون قرب العبد من الحق إلا ببعدنا من الخلق وَهَذَهِ من صفات القلوب دُونَ أحكام الظواهر والكون فقرب الحق سبحانه بالعلم والقدرة عام للكافة وباللطف والنصرة خاص بالمؤمنين ثُمَّ بخصائص التأنيس مختص بالأولياء قَالَ اللَّه تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَقَالَ تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٥] وَقَالَ تعالي ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وَقَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ومن تحقق بقرب الحق ﷾ فأدونه دوام مراقبته إياه لأنه عَلَيْهِ رقيب التقوى ثُمَّ رقيب الحفاظ والوفاء ثُمَّ رقيب الحياء
[ ١ / ١٩٢ ]
وأنشدوا:
كأن رقيبا منك يرعى خواطري وآخر يرعي ناظري ولساني
فَمَا رمقت عيناي بعدك منظرا يسوؤك إلا قُلْت: قَدْ رقاني
ولا بدرت من فِي دونك لفظة لغيرك إلا قُلْت: قَدْ سماني
ولا خطرت فِي السر بعدك خطرة لغيرك إلا عرجا بعناني
وإخوان صدق قَدْ سئمت حَدِيثهم وأمسكت عَنْهُم ناظري ولساني
وَمَا الزهد أسلي عَنْهُم غَيْر أنني وجدجتك مشهودي بكل مكان
وَكَانَ بَعْض المشايخ يخص واحدا من تلامذته إقباله عَلَيْهِ فَقَالَ أَصْحَابه لَهُ فِي ذَلِكَ فدفع إلي كُل واحد مِنْهُم طيرا وَقَالَ اذبحوه بحيث لا يراه أحد فمضى كُل واحد وذبح الطير بمكان خال وجاء هَذَا الإِنْسَان والطير مَعَهُ غَيْر مذبوح فسأله الشيخ فَقَالَ: أمرتني أَن أذبحه بحيث لا يراه أحد وَلَمْ يكن موضع إلا والحق سبحانه يراه فَقَالَ الشيخ لِهَذَا أقدم هَذَا عليكم إذ الغالب عليكم حَدِيث الخلق وَهَذَا غَيْر غافل عَنِ الحق ورؤية القرب حجاب عَنِ القرب فمن شاهد لنفسه محلا أَوْ نفسا فَهُوَ ممكور بِهِ ولهذا قَالُوا أوحشك اللَّه تَعَالَى من قربه أي من شهودك لقربه فَإِن الاستئناس بقربه من سمات العزة بِهِ إذ الحق سبحانه وراء كُل أَنَس وإن مواضع الحقيقة توجب الدهش والمحو وَفِي قريب من هَذَا قَالُوا: محنتي فيك إنني مَا أبالي بمحنتي قربكم مثل بعدكم فَمَتَى وقعت راحتي وَكَانَ الأستاذ أَبُو عَلِي الدقاق ﵀ كثيرا مَا ينشد:
ودادكم هجر وحبكم قلى وقربكم بَعْد وسلمكم حرب
[ ١ / ١٩٣ ]
ورأى أَبُو الْحُسَيْن النوري بَعْض أَصْحَاب أَبِي حمزة فَقَالَ: أَنْتَ من أَصْحَاب أَبِي حمزة الَّذِي يشير إِلَى القرب، إِذَا لقيته فقل لَهُ إِن أبا الْحُسَيْن النوري يقرئك السَّلام وَيَقُول لَك: قرب القرب فيما نحن فِيهِ بَعْد البعد فأما القرب بالذات فتعالى اللَّه الْمَلِك الحق عَنْهُ فَإِنَّهُ متقدس عَنِ الحدود والأقطار والنهاية والمقدار مَا اتصل بِهِ مخلوق ولا انفصل عَنْهُ حادث مسبوق بِهِ جلت العملية عَن قبول الوصل والفصل فقرب هُوَ فِي نعته محال وَهُوَ تداني الذوات وقرب هُوَ واجب فِي نعته وَهُوَ قرب بالعلم والرؤية وقرب هُوَ جائز فِي وصفه يخص بِهِ من يشاء من عباده وَهُوَ قرب الفضل باللطف
[ ١ / ١٩٤ ]
ومن ذَلِكَ الشريعة والحقيقة الشريعة أمر بالتزام العبودية والحقيقة مشاهدة الربوية فَكُل شريعة غَيْر مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول وكل حقيقة غَيْر مقيدة بالشريعة فغير محصول فالشريعة جاءت بتكليف الخلق والحقيقة إنباء عَن تصريف الحق فالشريعة أَن تعبده والحقيقة أَن تشهده والشريعة قيام بِمَا أمر والحقيقة شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: قَوْله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] حفظ الشريعة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] إقرار بالحقيقة.
واعلم أَن الشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت بأمره والحقيقة أَيْضًا شريعة من حيث إِن المعارف بِهِ سبحانه أَيْضًا وجبت بأمره
[ ١ / ١٩٥ ]
ومن ذَلِكَ النفس ترويح القلوب بلطائف الغيوب وصاحب الأنفاس أرق وأصفي من صاحب الأحوال فكان صاحب الوقت مبتدئا وصاحب الأنفاس منتهيا وصاحب الأحوال بينهما فالأحوال وسائط والأنفاس نهاية الترقي فالأوقات لأَصْحَاب القلوب والأحوال لأرباب الأرواح والأنفاس لأهل السرائر وَقَالُوا أفضل العبادات عد الأنفاس مَعَ اللَّه ﷾ وَقَالُوا خلق اللَّه القلوب وجعلها معادن المعرفة وخلق الأسرار وراءها وجعلها محلا للتوحيد فَكُل نفس حصل من غَيْر دلالة المعرفة وإشارة التوحيد عَلَى بساط الاضطرار فَهُوَ ميت وصاحبه مسئول عَنْهُ.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق ﵀ يَقُول: العارف لا يسلم لَهُ النفس لأنه لا مسامحة تجري مَعَهُ والمحب لا بد لَهُ من نفس إذ لولا أَن يَكُون لَهُ نفس لتلاشى لعدم طاقته
[ ١ / ١٩٦ ]
ومن ذَلِكَ الخواطر والخواطر خطاب يرد عَلَى الضمائر فَقَدْ يَكُون بإلقاء الشَّيْطَان ويكون أحاديث النفس ويكون من قبل الحلق سبحانه فَإِذَا كَانَ من الْمَلِك فَهُوَ الإلهام وإذا كَانَ من قبل النفس قيل لَهُ الهواجس وإذا كَانَ من قبل الشَّيْطَان فَهُوَ الوسواس وإذا كَانَ من قبل اللَّه ﷾ وإلقائه فِي القلب فَهُوَ خاطر حق وجملة ذَلِكَ من قبيل الْكَلام فَإِذَا كَانَ من قبل الْمَلِك فإنما يعلم صدقه بموافقة العلم ولهذا قَالُوا كُل خاطر لا يشهد لَهُ ظاهر فَهُوَ باطل وإذا كَانَ من قبل الشَّيْطَان فأكثره مَا يدعوه عَلَى المعاصي وإذا كَانَ من قبل النفس فأكثره مَا يدعو إِلَى اتباع شهوة أَوِ استشعار كبر أَوْ مَا هُوَ من خصائص أوصاف النفس واتفق المشايخ عَلَى أَن من كَانَ أكله من الحرام لَمْ يفرق بَيْنَ الإلهام والوسواس سمعت الشيخ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: من كَانَ قوته معلوما لَمْ يفرق بَيْنَ الإلهام والوساوس وأن من سكنت عَنْهُ هواجس نَفْسه بصدق مجاهدته نطق بيان قلبه بحكم مكايدته وأجمع الشيوخ عَلَى أَن النفس لا تصدق وأن القلب لا يكذب
[ ١ / ١٩٧ ]
وَقَالَ بَعْض المشايخ: إِن نفسك لا تصدق وقلبك لا يكذب ولو اجتهدت كُل الجهد أَن تخاطبك روحك لَمْ تخاطبك وفرق الجنيد بَيْنَ هواجس النفس ووساوس الشَّيْطَان بأن النفس إِذَا طالبتك بشيء ألحت فلا تزال تعاودك ولو بَعْد حِينَ حَتَّى تصل إِلَى مرادها ويحصل مقصودها اللَّهُمَّ إلا أَن يدوم صدق المجاهدة ثُمَّ إنها تعاودك وتعاودك وَأَمَّا الشَّيْطَان إِذَا دعاك إِلَى زلة فخالفته بترك ذَلِكَ يوسوس بزلة أُخْرَى، لأن جَمِيع المخالفات لَهُ سواء وإنما يريد أَن يكن داعيا أبدا إِلَى زلة مَا ولا غرض لَهُ فِي تخصيص واحد دُونَ واحد وقيل: كُل خاطر يَكُون من الْمَلِك فربما يوافقه صاحبه وربما يخالفه فأما خاطر يَكُون من الحق سبحانه فلا يحصل خلاف من العبد لَهُ وتكلم الشيوخ فِي الخاطر الثَّانِي إِذَا
كَانَ الخاطران من الحق سبحانه هل هُوَ أقوى من الأَوَّل فَقَالَ الجنيد: الخاطر الأَوَّل أقوى لأنه إِذَا بقي رجع صاحبه عَلَى التأمل وَهَذَا بشرط العلم فترك الأَوَّل يضعف الثَّانِي وَقَالَ ابْن عَطَاء الثَّانِي أقوى لأنه ازداد قوة بالأول وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ بْن خفيف من المتأخرين هما سواء، لأن كليهما من الحق فلا مزية لأحدهما عَلَى الآخر وَالأَوَّل لا يبقى فِي حال وجود الثَّانِي، لأن الآثار لا يَجُوز عَلَيْهَا البقاء
[ ١ / ١٩٨ ]
ومن ذَلِكَ علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وَهَذَهِ عبارات عَن علوم جلية فاليقين هُوَ العلم الَّذِي لا يتداخل صاحبه ريب عَلَى مطلق العرف ولا يطلق فِي وصف الحق سبحانه لعدم التوقيف فعلم اليقين هُوَ اليقين وَكَذَلِكَ عين اليقين نفس اليقين وحق اليقين نفس اليقين فعلم اليقين عَلَى موجب اصطلاحهم مَا كَانَ بشرط البرهان وعين اليقين مَا كَانَ بحكم البيان وحق اليقين مَا كَانَ بنعت العيان فعلم اليقين لأرباب العقول وعين اليقين لأَصْحَاب العلوم وحق اليقين لأَصْحَاب المعارف والكلام فِي الإفصاح عَن هَذَا بحال تحقيقه يعود إِلَى مَا ذكرناه فاقتصرنا عَلَى هَذَا القدر عَلَى جهة التنبيه
[ ١ / ١٩٩ ]
ومن ذَلِكَ الوارد ويجرى فِي كلامهم ذكر الواردات كثيرا والوارد مَا يرد عَلَى القلوب من الخواطر المحمودة مِمَّا لا يَكُون بتعمد العبد وَكَذَلِكَ مَا لا يَكُون من قبل الخواطر فَهُوَ أَيْضًا وارد ثُمَّ قَدْ يَكُون وارد من الحق ووارد من العلم فالواردات أعم من الخواطر لأن الخواطر تختص بنوع الْخَطَّاب أَوْ مَا يتضمن معناه والواردات تكون وارد سرور ووارد حزن ووارد قبض ووارد بسط إِلَى غَيْر ذَلِكَ من المعاني
[ ١ / ٢٠٠ ]
ومن ذَلِكَ لفظ الشاهد كثيرا مَا يجرى فِي كلامهم لفظ الشاهد فُلان يشاهد العلم وفلان يشاهد الوجد وفلان يشاهد الحال ويريدون بلفظ الشاهد مَا يَكُون حاضر قلب الإِنْسَان وَهُوَ مَا كَانَ الغالب عَلَيْهِ ذكره حَتَّى كَأَنَّهُ يراه ويبصره وإن كَانَ غائبا عَنْهُ فَكُل مَا يستولي عَلَى قلب صاحبه ذكره فَهُوَ يشاهده فَإِن كَانَ الغالب عَلَيْهِ العلم فَهُوَ يشاهد العلم وإن كَانَ الغالب عَلَيْهِ الوجد فَهُوَ
يشاهد الوجود ومعنى الشاهد الحاضر فَكُل مَا هُوَ حاضر قلبك فَهُوَ شاهدك.
وسئل الشبلي عَنِ المشاهدة فَقَالَ: من أين لنا مشاهدة الحق؟ الحق لنا شاهد، أشار بشاهد الحق إِلَى المستولي عَلَى قلبه والغالب عَلَيْهِ من ذكر الحق والمحضار فِي قلبه دائما من ذكر الحق ومن حصل لَهُ مَعَ مخلوق تعلق بالقلب يقال إنه شاهده يَعْنِي أَنَّهُ حاضر قلبه فَإِنَّهُ المحبة توجب دوام ذكره المحبوب واستيلائه عَلَيْهِ وبعضهم تكلف فِي مراعاة هَذَا الاشتقاق فَقَالَ: إِنَّمَا سمي الشاهد من الشهادة فكأنه إِذَا طالع شخصا يُوسُف الجمال فَإِن كانت بشريته ساقطة عَنْهُ وَلَمْ يشغله شهود ذَلِكَ الشخص عما هُوَ بِهِ من الحال ولا أثرت فِيهِ صحبته بوجه فَهُوَ شاهد لَهُ عَلَى فناء نَفْسه ومن أثر فِيهِ ذَلِكَ فَهُوَ شاهد عَلَيْهِ فِي بقاء نَفْسه
[ ١ / ٢٠١ ]
وقيامه بأحكام بشريته إِمَّا شاهد لَهُ أَوْ شاهد عَلَيْهِ وعلى هَذَا حمل قَوْله ﷺ: رأيت ربي ليلة المعراج فِي أَحْسَن صورة أي أَحْسَن صورة رأيتها تلك الليلة لَمْ تشغلني عَن رؤيته تَعَالَى بَل رأيت المصور فِي الصورة والمنشئ فِي الإنشاء ويريد بِهِ رؤية العلم لا إدراك البصر
[ ١ / ٢٠٢ ]
ومن ذَلِكَ النفس نفس الشيء فِي اللغة وجوده وعند الْقَوْم لَيْسَ المراد من إطلاق لفظ النفس الوجود ولا القالب الموضوع إِنَّمَا أرادوا بالنفس مَا كَانَ معلولا من أوصاف العبد ومذموما من أخلاقه وأفعاله ثُمَّ إِن المعلولات من أوصاف العبد عَلَى ضربين: أحدهما يَكُون كسبا لَهُ كمعاصيه ومخالفاته.
وَالثَّانِي أخلاقه الدنيئة فَهِيَ فِي أنفسها مذمومة فَإِذَا عالجها العبد ونازلها تنتفي عَنْهُ بالمجاهدة تلك الأخلاق عَلَى مستمر العادة والقسم الأَوَّل من أحكام النفس مَا نهي عَنْهُ نهي تحريم أَوْ نهي تنزيه وَأَمَّا القسم الثَّانِي من قسمي النفس فسفساف الأخلاق والدنئ منها هَذَا حده عَلَى الجملة ثُمَّ تفصيلها فالكبر والغضب والحقد والحسد وسوء الخلق وقلة الاحتمال وغير ذَلِكَ من الأخلاق المذمومة وأشد أحكام النفس وأصعبها توهمها أَن شَيْئًا منها حسن أَوْ أَن لَهَا استحقاق قدر ولهذا عد ذَلِكَ من الشرك الخفي ومعالجة الأخلاق فِي ترك النفس وكسرها أتم من مقاساة الجوع والعطش والسهر وغير ذَلِكَ من المجاهدات الَّتِي تتضمن سقوط القوة وإن كَانَ ذَلِكَ أيضًا من جملة ترك النفس ويحتمل أَن تكون النفس لطيفة مودعة فِي هَذَا القالب هِيَ محل الأخلاق المعلومة
[ ١ / ٢٠٣ ]
كَمَا أَن الروح لطيفة فِي هَذَا القالب هِيَ محل الأخلاق المحمودة وتكون الجملة مسخرا بَعْضهَا لبعض والجميع إِنْسَان واحد وكون الروح والنفس من الأجسام اللطيفة فِي الصورة ككون الملائكة والشياطين بصفة اللطافة وكما يصح أَن يَكُون البصر محل الرؤية والأذن محل السمع والأنف محل الشم والفم محل الذوق والسميع والبصير والشام والذائق إِنَّمَا هِيَ الجملة الَّتِي هِيَ الإِنْسَان فَكَذَلِكَ محل الأوصاف الحميدة القلب والروح ومحل الأوصاف المذمومة النفس والنفس جزء من هذه الجملة والقلب جزء من هذه الجملة والحكم والاسم راجع إِلَى الجملة
[ ١ / ٢٠٤ ]
ومن ذَلِكَ الروح الأرواح مختلف فِيهَا عِنْدَ أهل التحقيق من أهل السنة فمنهم من يَقُول إنها الحياة وَمِنْهُم من يَقُول إنها أعيان مودعة فِي هذه القوالب.
لطيفة أجرى اللَّه العادة بخلق الحياة فِي القالب ما دامت الأرواح فِي الأبدان فالإِنْسَان حي بالحياة ولكن الأرواح مودعة فِي القوالب وَلَهَا ترق فِي حال النوم ومفارقة للبدن ثُمَّ رجوع إِلَيْهِ وأن الإِنْسَان هُوَ الروح والجسد، لأن اللَّه ﷾ سخر هذه الجملة بَعْضهَا لبعض والحشر يَكُون للجملة والمثاب والمعاقب الجملة والأرواح مخلوقة ومن قَالَ بقدمها فَهُوَ مخطئ خطأ عظيما والأخبار تَدُل عَلَى أَنَّهَا أعيان لطيفة
[ ١ / ٢٠٥ ]
ومن ذَلِكَ السر يحتمل أَنَّهَا لطيفة مودعة فِي القالب كالأرواح وأصولهم تقتضي أَنَّهَا محل المشاهدة كَمَا أَن الأرواح محل للمحبة والقلوب محل للمعارفة وَقَالُوا السر مَالِك عليك إشراف وسر السر مَا لا اطلاع عَلَيْهِ لغير الحق وعند الْقَوْم عَلَى موجب مواصفاتهم ومقتضى أصولهم السر ألطف من الروح والروح أشرف من القلب ويقولون الأسرار معتقة عَن رق الأخبار من الآثار والأطلال ويطلق لفظ السر عَلَى مَا يَكُون مصونا مكتوما بَيْنَ العبد والحق سبحانه فِي الأحوال وعليه يحمل قَوْل من قَالَ: أسرارنا بَكْر لَمْ يفتضها وَهُمْ واهم، ويقولون: صدور الأحرار قبور الأسرار، وَقَالُوا: لو عرف زرى سري لطرحته، فهذا طرف من تفسير إطلاقاتهم وبيان عباراتهم فيما انفردوا بِهِ من ألفاظ ذكرناها عَلَى شرط الإيجاز، ونذكر الآن أبوابا فِي شرح المقامات الَّتِي هِيَ مدراج أرباب السلوك ثُمَّ بعدها أبوابا فِي تفصيل الأحوال عَلَى الحد الَّذِي يسهله اللَّه بفضله إِن شاء اللَّه تَعَالَى.
[ ١ / ٢٠٦ ]