قال أنس بن مالك ﵁: " كان على عهد رسول الله ﷺ رجل يسمى علقمة، وكان كثير الإجتهاد عظيم الصدقة، فمرض واشتد مرضه، فبعثت زوجته إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي علقمة في النزع فأردت أن أعلمك مجاله. فقال لها الني ﷺ: إنطلقوا بنا إليه، فلما دخلوا عليه، قال: " يا علقمة كيف ترى حالك؟ فلم ينطق، فلقنه الشهادة، فلم ينطق. فلما أيقنوا أنه هالك قال النبي ﷺ لزوجته: أله أبوان؟ فقالت: يا رسول الله، ليس له أب، إن أباه قد مات، وله أم كبيرة السن.
فدعا بها النبي ﷺ، فأقبلت فقال لها: كيف كان حال علقمة؟ فقالت: يا رسول انه، كان يصوم ويصلي ويتصدق، ولكني ساخطة عليه لأنه كان يؤثر زوجته عليَّ، فقال النبي ﷺ: " انطلق واجمع لنا حطبًا حتى نحرقه بالنار ".
[ ٥٥ ]
فقالت أمه: يا رسول الله، ولدي وثمرة فؤادي تحرقه بالنار، فقال النبي ﷺ: " يا أم علقمة إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله لشديد، وان الله ﵎ لم يرض عنه إلا برضاك، ولا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا عبادته ولا صدقته ما دمت ساخطة عليه ".
فقالت: يا رسول الله، أشهدك وأشهد الله ﷿ أني قد رضيت عليه. فتقدم النبي ﷺ إلى علقمة ولقنه الشهادة فنطق بها فمات من ساعته وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، فقام الني ﷺ على قبره وقال: " يا معشر المهاجرين والأنصار، من فضل زوجته على أمه لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا ".
وعن النبي ﷺ، أنه قال لأبي ذر ﵁:
" قم بنا نزور الغرباء، فقال أبو ذر: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ فقال: الذين لا يزورهم أحد، فقال: لعلك يا رسول الله تعني الموتى: فقال: نعم.
فقمنا حتى بلغنا القبور، فوقف على قبر وبكى بكاء شديدًا، فقلت: يا رسول الله، ما بكاؤك؟ فقال: يا أبا ذر، هذا قبر رجل يعذبونه، وهو من أمتي فنزل جبريل ﵇، فقال: يا محمد، بكت الملائكة لبكائك فادع الله له.، فدعا الني ﷺ فسمع صوتًا من القبو، وهو يقول: الأمان الأمان يا رسول الله من عذاب الله، النار من فوقي، والنار من تحتي، والنار عن يميني، والنار عن شمالي، فقال ﷺ: يا شاب، بأي شيء إستحقيت هذا؟ فقال: من دعاء والدتي عليَّ، فقال
[ ٥٦ ]
﵊ لأبي ذر: ناد في الناس من له في القبر ميت فليحضر عند قبر ميته.
فخرجوا وحضروا إلى ذلك القبر، فما كان بعد ساعة إلا وعجوز قد أقبلت متوكئة على عصاها وهي تقوم مرة وتقع أخرى، حتى بلغت رأس القبر، فقال ﷺ: صاحب هذا القبر ما هو منك؟ فقالت له: ولدي وقرة عيني، قال: فما أنت عنه راضية؟ فقالت: لا، وذلك لأنه دخل علي يومًا وهو سكران، فضربني وكسر يدي، فقلت له: لا رضي الله عنك، فقال لها ﵊: " ارحمي ترحي، ضعي أذنك على القبر واسمعي صوته ".
فسمعته وهو يقول: الأمان الأمان يا رسول الله، النار من فوقي، والنار من تحتي، وعن يميني، وعن شمالي، فلما سمعت صوته بكت بكاء شديدًا وقالت: يا رسول الله، قد رضيت عليه فصاح الشاب: يا أماه إنصرفي فقد رحمني الله " وقيل في المعنى شعر:
ذهبت لذة الصبا في المعاصي وبقي بعد ذلك اخذ القصاص
وإحيائي إن حملت ذنوبي لمقام تشيب فيه النواصي
أنا عاصر، نوحي علي وابكي ويحق البكا على كل عاص
يا حميد الفعال يا من له الملك ارتجي في المعاد منك الخلاصي
بنبي أرسلته ورسول بحبيب لديك كنز اختصاص
تعف عما مضى وتب يا إلهي قبل موتي علي قبل القصاص