وحكي عن بعضهم أنه مر براهب في صومعته، فناداه فلم يجبه، ثم ناداه ثانيًا، فًاشرف عليه الراهب وقال: " يا هذا، ما أنا براهب، وإنما الراهب من ترهب إلى الله في سمائه وعظمته وكبريائه، وصر على بكائه، ورضي بقضائه، وشكره على نعمائه، وتواضع لعظمته، وخضع لهيبته، وفكر في حسابه وأليم عقابه، فنهاره صائم وليله قائم، قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار، فذاك هو الراهب، وإنما أنا كلب عقور قد حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم "، فقلت له: ادع لنا، فقال: " اللهم يا من علمه لا يحس، ونوره لا يطفأ، وأمره لا يخفى، يا من فرق البحر لموسى ونجاه مما يخاف ويخشى، نجنا مما نخاف ونخشى ". ثم أدخل نفسه في الصومعة ولم نره بعدها.
وقيل في المعنى شعر:
فبحرمة الود يا ودود بموضع المجد يا مجيد
أعطف بعفو على عبيد لم ينهه الوعد والوعيد
يا ليتني كنت قبل موتي أبكي فأنسى فلا أعود
أيا كاتبًا بلا خطايا قد كنت عن درسه أعبد
[ ٧٨ ]