فتأهبوا لتلك الشدائد والأهوال، واعتدوا للجواب عند السؤال، فكيف بك يا ابن آدم، إذا نشر ديوانك، وخف ميزانك، وطاش خيالك، وكشف عنوانك؟ أتدري من عصيت؟ وعلى من اجتريت؟ أبعدت التوبة والإنابة، ونكثت عهده، وأفشيت سره، وعصيت أمره، وركبت الجرائم.
أما علمت أنه يراك؟ فمن ينجيك منه إذا وقفت بين يديه وسًالك عن قبيح فعلك، وقد أطرقت منه خجلا؟ فإن أقررت أخذت بالاقرار، وإن أنكرت لم ينفعك الإنكار.
فانظر لنفسك قبل حلول رمسك، فقد تصرمت أيامك، وحان حمامك قال ابن المبارك ﵁: " يا ابن آدم، استعد للآخرة، وأطع الله بقدر حاجتك إليه، وأغضب الله بقدر صبرك على النار ".
وقال الحسن ﵁: " إن الله تعالى أمر بالطاعة وأعان عليها، ونهى عن المعصية وأغنى عنها، فاعمل بقدرك على النار، ولا تجعل في ركوبها حجة ".
وقال الفضيل بن عياض ﵁: " العجب كل العجب لمن عرف الله ثم عصاه بعد المعرفة ".
وقال سعيد بن سعيد: " لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن أنظر من عصيت ".
وقال الفضيل ﵁: " وجدت في بعض الكتب: إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني ".
وقال حميد الطويل لبعض إخوانه: عظني، فقال: " يا أخي، إذا عصيت وظننت أنه يراك فقد تجرأت على عظيم، ولكنك بجهلك تظن انه لا يراك ". وقال حماد بن يزيد ﵁: " إذا أذنب العبد بالليل أصبح ومذلته في
[ ٩٥ ]
وجهه ".
وقال مالك بن دينار ﵁: " رأيت عتبة الغلام وهو في يوم شديد الرد، وهو يرشح عرقًا، فقلت له: ما الذي أوقفك في هذا الموضع؟ فقال: يا سيدي هذا موضع عصيت الله فيه "، وأنشد يقول:
أتفرح بالذنوب وبالمعاصي وتنسى يوم يؤخذ بالنواصي
وتأتي الذنب عمدًا لا تبالي ورب العالمين عليك حاصي
قالت أم محمد ابنة كعب ﵂ لأبنها: " أني لأعرفك صغيرًا وكبيرا طيبا، فقال: يا أماه، وما موتتي أن يكون الله ﷿ اطلع علي وأنا ذنوبي قد غمستني فمضتني، وقال: وعزتي وجلالي لأغفرن لك ".
وقال الفضيل رحمه الله تعالى: " رحم الله عبدًا نظر لنفسه، فإنه إن لم ينظر لنفسه لم ينظر لها غيره ".
وقيل في المعنى شعر:
إن الأماكن في المعاد عزيزة فاختر لنفسك إن عقلت مكانًا