قيل: كان في بني إسرائيل رجل مسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة، قال لولده: يا بني إن طاعتي عليك ميتًا كطاعتي عليك حيًا، فإذا أنا مت فاجعلني في حصير وأحرقني بالنار واسحقني كسحق الكحل الناعم، فإذا ارتفعت الرياح العواصف فذر نصفي في الجبال، ونصفي في البحار، فإني خائف من ربي أن يعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، قال: ففعل به ذلك، فأقامه الله تعالى في أسرع كل طرفة عين، وأوقفه بين يديه، وقال: يا عبدي، عصيتني حبًا وكفرت بي ميتًا، فقال: يا رب خفت من هذا المقام، فغفر له بذلك.
وقيل في المعنى شعر: -
[ ٨٢ ]
قد كان ما كان يجهل الصبا فلا تؤاخذني بما قد مضى
لي حرمة التوحيد لا غيرها وهي التي تطعمني في الرضا
قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: " يا موسى، إن العبد ليعصيني، حتى تقول الملائكة: لن يغفر الله لهذا العبد أبدا، فإذا دعاني، قلت: لبيك عبدي، وإن العبد ليعرض عني حتى كأنه لم يعرفني.
يا موسى، وعزتي وجلالي لأمهلن من عصاني حتى يتلذذ بنعمائي، فإن استحى مني استحيت منه، وإن أعرض عني نظرت إليه، وإن تاب تبت عليه ".
وروي أن حبشيًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: " يا رسول الله، إني كنت أكثرت الفواحش، فهل لي من توبة؟ فقال: " نعم يا حبشي "، فولى ثم رجع مسرعًا، فقال: يا رسول الله أكان يوافي وأنا فيها، قال: " نعم "، فصاح الحبشي صيحة خرجت روحه.
وقيل في المعنى شعر:، -
ما اعتذاري لأمر ربي عصيت قد نهاني وما رآني انتهيت
ما جوابي إذا وقفت ذليلا قد نهاني وما رآني انتهيت
يا غنيا عن العباد جميعًا وعليما بماله قد سعيت
ليس لي حجة ولا لي عذر فاعف عني زلتي وما قد جنيت
قال الحسن رضي الله تعالى عنه: نمت ليلة في قرية من قرى الشام، فسمعت طول الليل طائرًا ينوح ويبكي، ويقول: أخطأت فلا أعود:
أسأت فلا أعود إلى العتاب وجئتك خاضعًا قبل العقاب
وهذا للذنب آخر كل ذنب وأخره إلى يوم الحساب